أبو الفتوح.. بين عزلتين
 
 

لا نعلم على وجه الدقة إن كانت تلك هي الليلة الأهم في تقييم عبدالمنعم أبوالفتوح لحياته السياسية، لكنها بالتأكيد ستبدو كذلك لمراقب من الخارج ينظر إلى حياة الرجل، أو على الأقل إلى الـ20 عامًا الأخيرة منها.

وقف أبوالفتوح على بعد أمتار قليلة من الدبلوماسي السابق عمرو موسى في الحلقة الأولى مما كان يُفترض به أن يكون سلسلة من المناظرات الرئاسية السابقة على انتخابات 2012، إلا أن ما تحقق منها لم يتجاوز تلك الحلقة

قبل تلك الليلة، كان موسى وأبوالفتوح في المركزين الأول والثاني في استطلاعات الرأي، وبعدها تراجع كلاهما في نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة إلى المركزين الرابع والخامس. لا يمكن لأحد الجزم إن كان للمناظرة دور في ذلك التغير، ولا إن كان رادار استطلاعات الرأي دقيقًا، خاصة إذا أُخذ في الاعتبار أن مرسي لم يتجاوز المركز الرابع في كل الاستطلاعات التي أجريت قبل الانتخابات، ليحل رئيسًا بعد أقل من شهر. لكن يبقى الأمر المؤكد أنه في تلك الليلة كان الكثيرون يتعاملون مع أبوالفتوح وموسى باعتبار أن أحدهما قد يحتل منصب رئاسة البلاد بعد أسابيع قليلة. 

خلال المناظرة، التي شاهدها عشرات الملايين في مصر والدول العربية، حاول أبوالفتوح تقديم نفسه باعتباره ممثلًا لثورة يناير، إلا أنه أيضًا يملك حلولًا محددة وعملية للمشكلات المختلفة، معتمدًا على نقاط من برنامجه السياسي. بينما سعى موسى إلى التأكيد على فكرة أنه «رجل الدولة» المُجرّب بالفعل في مناصب تنفيذية، غير أنه يحترم ثورة يناير ويرى نفسه جزءًا منها وقادرًا على تحقيق تطلعاتها. هاجم أبوالفتوح خصمه من زاوية أنه كان جزءًا من نظام مبارك عندما عمل كوزير للخارجية مدة عشر سنوات، بينما هاجم موسى منافسه بالتركيز على انتمائه السابق لجماعة الإخوان المسلمين ومحاولة اتهامه بدعم عنف الجماعات الإسلامية.

كان أبوالفتوح في تلك اللحظة على رأس منحنى صعوده الشخصي كسياسي يُحاول تقديم نفسه مُستقلًا عن جماعة الإخوان المسلمين التي ساهم في إحيائها منذ نهاية السبعينيات، واستمر عضوًا في قيادتها بين عامي 1987-2009. كان يرى في نفسه القدرة على تمثيل ما هو أكثر من «مجرد مرشح إسلامي آخر»، معيدًا تعريف هويته بما هو أبعد من مجرد القيادي المنشق أو المفصول عن الإخوان. 

فطوال 12 سنة سبقت لحظة الانتخابات، كان لدى أبوالفتوح رصيدًا كافيًا من محاولات الخروج عن العزلة التي فرضتها عليه القيادة المحافظة للتنظيم من ناحية، وقيود المجال السياسي في مصر من ناحية أخرى. 

خاض أبوالفتوح رحلة طويلة في الحياة السياسية المصرية. بدأها بالمساهمة في تأسيس الجماعة الإسلامية في السبعينيات، ثم الانضمام إلى الإخوان المسلمين والمساهمة في إحياء التنظيم والتراجع عن قبول العنف السياسي للتنظيمات الإسلامية، والصعود داخل تنظيم الإخوان حتى أصبح إحدى شخصياته القيادية، ثم دخول السجن لمدة خمس سنوات في التسعينيات، وتهميشه لاحقًا بواسطة الجناح الأكثر محافظة داخل الجماعة، وصولًا إلى انفصاله عن التنظيم وخوضه انتخابات الرئاسة مستقلًا ومدعومًا بتحالف سياسي يضم قطاعات من داعمي ثورة يناير 2011. الرحلة التي وصلت إلى محطة السجن مرة أخرى في فبراير 2018.. ليواجه أبوالفتوح العزلة مُجددًا.

كان أبوالفتوح عمومًا يتعرض لهجوم من وقت لآخر من قيادات بالتنظيم

عندما غادر أبوالفتوح السجن سنة 2000، بعد قضائه خمس سنوات محبوسًا في إحدى القضايا التي طالت أغلبية أعضاء مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين، كان التيار الأكثر محافظة داخل التنظيم قد تمكن من السيطرة عليه إلى درجة كبيرة، وساعده في ذلك الضربات الأمنية المتتالية التي وجهها نظام مبارك إلى الإخوان المسلمين طوال فترة التسعينيات، والتي شجّعت على الانكفاء وإعطاء أولوية لحماية التنظيم على حساب العمل السياسي العام.

وجد أبوالفتوح نفسه مُهمّشًا داخل التنظيم كما يحكي لنا عرفة*، أحد القيادات الطلابية في الإخوان المسلمين وقتها. كان أبوالفتوح عضوًا في مكتب الإرشاد لكن بلا مسؤوليات حقيقية، رغم أنه فاز بعضوية المكتب في الانتخابات التي أُجريت سنة 1994 بأعلى أصوات وقتها. وفي المقابل، خسر خيرت الشاطر في نفس الانتخابات، إلا أنه جرى تعيينه في مكتب الإرشاد بواسطة مصطفى مشهور، نائب المرشد في حينها، بحسب ما يقوله عرفة. وفي الفترة بين عامي 1996-2002، تولى مشهور منصب مرشد الجماعة لتبدأ مرحلة جديدة من تمكين التيار الأكثر محافظة داخل الجماعة. 

يقول عرفة إن أبوالفتوح عرف جيدًا كيف يشاغب التنظيم خلال فترة عزلته، مخاطبًا أعضائه الذين جرى إبعاده عنهم. كانت تلك هي الفترة التي بدأ فيها الإدلاء بتصريحات صحفية تضم أفكارًا سياسية مُغايرة لما كان يتبناه التيار الأكثر محافظة في الجماعة، سواء في الحوارات التي أجراها معه الباحث حسام تمام ونشرها في جريدة القاهرة، أو التي أجراها سعيد شعيب ونشرها في صحيفة العربي. وستصبح بعض هذه الأفكار محل خلاف داخل التنظيم لاحقًا عند مناقشة برنامج الجماعة السياسي سنة 2007، حيث عبّر أبوالفتوح على سبيل المثال عن رفضه الرأي القائل بعدم جواز تولي الأقباط أو النساء منصب رئاسة الجمهورية، مرجعًا الأمر إلى إرادة الناخبين في النهاية. 

لم يكن عرفة الذي تخرّج من جامعة القاهرة سنة 2003 قد التقى أبوالفتوح بعد، لكنه كان بالنسبة له القيادي السياسي الذي سعى للتعرف عليه عن قرب من ضمن قيادات الجماعة. انضم عرفة إلى الإخوان على خلفية النشاط السياسي أكثر من الدعوي. وجاء لقاء عرفة بأبوالفتوح ضمن سلسلة من اللقاءات التي نظمتها قيادات العمل الطلابي من الإخوان المسلمين في الفترة بين 2004-2006 مع تيارات سياسية أخرى، ضمّت الناصريين من تيار الكرامة، والاشتراكيين الثوريين، وكذلك قيادات من تنظيم الإخوان المسلمين مثل محمد حبيب ومحمد مرسي وعصام العريان وأبوالفتوح. اجتمع الطلاب مع الأخيرين في لقاء واحد، وهو اللقاء الوحيد الذي تلقى المسؤول عن ترتيبه توبيخًا شديدًا من قيادة التنظيم، وعندما سأل عن سبب الاعتراض على لقاء أبوالفتوح والعريان تحديدًا وليس باقي قيادات التنظيم، كانت الإجابة أن كليهما لا يلتزمان بمواقف مكتب الإرشاد. 

كان أبوالفتوح عمومًا يتعرض لهجوم من وقت لآخر من قيادات بالتنظيم. يذكر عرفة أن أبوالفتوح زار نجيب محفوظ في منزله في ديسمبر 2004، ولم يكن قد أتيح له زيارة محفوظ منذ محاولة اغتياله في أكتوبر 1995. أثارت الزيارة جدًلا وسط شباب الإخوان وقتها، مما استدعى أن يخصص قيادي بالتنظيم وأستاذًا بجامعة الأزهر إحدى خطب الجمعة لمهاجمة أبوالفتوح. 

مثل أبوالفتوح خطابًا سياسيًا أكثر انفتاحًا داخل التنظيم نفسه

ما يذكره عرفة من ذلك اللقاء أن آراء أبوالفتوح كانت تحريضية بالمقارنة بما اعتادوا على سماعه داخل صفوف الجماعة. تحدث أبوالفتوح عن أنه لا يوجد مسلمات في آراء الجماعة وكل شيء يجب أن يكون خاضعًا للحوار، وأنه لا يختلف مع الشكل الحالي للدولة، وأنه لا يرى أن الإخوان المسلمين بحاجة إلى اختراع «شكل جديد إسلامي» للدولة، وإن ما يطمح إليه هو إجراء إصلاحات فحسب. وتناول كذلك أهمية التنسيق في العمل السياسي مع الأطراف الأخرى والانفتاح عليها مشيرًا إلى توقيعه على البيان التأسيسي لحركة كفاية. 

كانت مجموعة القيادات الشابة التي رتبت اللقاء تربطها علاقة صداقة ببعضها البعض، وبعدد من الكوادر الشابة الأخرى في أوساط الناصريين والاشتراكيين الثوريين تكونت في فترات العمل المشترك في الجامعات. على سبيل المثال، ضمت تلك المجموعة من قيادات طلاب الإخوان وقتها إسلام لطفي الذي سيشارك في تكوين ائتلاف شباب الثورة في يناير 2011 ثم حزب التيار المصري لاحقًا، ومحمد القصّاص الذي سيصبح نائبًا لأبوالفتوح في حزب مصر القوية.

اكتسبت تلك المجموعة مرونة العمل السياسي العام المنفتح على تيارات سياسية أخرى في تلك الفترة، وهو الأمر الذي لم يكن مرحبًا به دائمًا ضمن القيادات المحافظة للتنظيم، كما يرصد الباحث أحمد عبد الحميد حسين في كتابه «أحزاب ثورة يناير.. سياق النشأة والتحولات 2011-2013». فيقول على سبيل المثال إنه مع بداية التضييق الأمني على الإخوان في الجامعات في مطلع التسعينيات، سيطر على العمل الطلابي جيل مُحافظ كان يُطلق عليه وقتها «إخوان المدينة الجامعية» بدعم من القيادة المركزية للتنظيم، وهو الجيل السابق على جيل القصّاص وزملائه. وركّز إخوان المدينة الجامعية على العمل الدعوي وابتعدوا عن التواصل مع التيارات السياسية الأخرى، حتى بدأ جيل القصّاص في الظهور والسيطرة على قيادة العمل الطلابي. غير أن القيادة المركزية للتنظيم بدأت في التدخل مرة أخرى في بداية الألفية بإبعاد القصاص وزملائه عن قيادة العمل الطلابي لصالح جيلٍ أكثر محافظة وانكفاءً. 

كانت الفترة التي التقى فيها عرفة بأبوالفتوح هي نفسها الفترة التي يقول عنها عمرو عبدالرحمن، القيادي بحزب العيش والحرية اليساري، إنها بدأت تشهد ظهوره كسياسي يقف على نفس خط الحركة الديمقراطية الرافضة لمبارك ونظامه وقتها، ويتخذ نفس مواقفها علنًا سواء فيما يخص رفض بقاء مبارك في السلطة أو توريثها لنجله، أو فيما يخص الموقف الداعم للقضاة خلال صدامهم مع مبارك سنة 2006، عندما قررت السلطات معاقبة القاضيين هشام البسطويسي ومحمود مكي بسبب تصريحاتهما الإعلامية عن تزوير الانتخابات البرلمانية سنة 2005. 

خسر أبوالفتوح موقعه داخل مكتب الإرشاد في انتخابات 2009 بينما صعدت كل الوجوه المحافظة بشكل أكبر داخل التنظيم

يرى عبدالرحمن أنه يمكن المقارنة بين أداء أبوالفتوح في هذه الفترة وبين أداء قيادات أخرى من تنظيم الإخوان مثل خيرت الشاطر، النائب الثاني لمرشد الجماعة وقتها. فيقول عبدالرحمن إن الأول أصبح وجه الإخوان الذي يتحرك على الأجندة الوطنية الديمقراطية، والثاني هو وجه الإخوان الفئوي التنظيمي الذي ارتبط اسمه بوثيقة «خطة التمكين»، التي وُجدت على أقراص مدمجة داخل مقر شركته سلسبيل سنة 1992 وتعبر عن رؤية الجماعة لنفسها مستخدمة لغة شديدة الرجعية، بحسب رأي عبدالرحمن.

بينما كان أبوالفتوح يُمثل وجه الإخوان في الحركة السياسية الأوسع، كان أيضًا يُمثل خطابًا سياسيًا أكثر انفتاحًا داخل التنظيم نفسه. فبعدما فازت جماعة الإخوان المسلمين بـ88 مقعدًا في البرلمان سنة 2005، مما جعلها الكتلة المعارضة الأساسية داخل البرلمان، أصبحت قضية وجود برنامج سياسي للجماعة مطروحة بشكل أكثر إلحاحًا. أصدرت الجماعة برنامجها السياسي في سنة 2007، لينفجر نقاش واسع داخل وخارج صفوف الجماعة بسبب وجود نقاط خلافية مثل رفض البرنامج تولي غير المسلمين والنساء منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وكذلك تشكيل مجلس علماء مسؤول عن مراجعة القوانين والتأكد من توافقها مع الشريعة الإسلامية، وهما النقطتان اللتان أعلن أبوالفتوح رفضه علانية لهما، منضمًا إليه آخرون مثل جمال حشمت وعصام العريان. كما انتقد أبوالفتوح وفريقه الطريقة التي جرى بها صياغة البرنامج، متهمين مجموعة صغيرة داخل الجماعة بالسيطرة على تلك العملية مستبعدين المختلفين معهم في الرأي.

يحكي عرفة أن مجموعة شباب الإخوان الأكثر انفتاحًا بدأت تقوي علاقتها بأبوالفتوح في تلك الفترة عبر تكرار زيارته للنقاش معه، وكان واضحًا بالنسبة لهم أن هناك مشكلة ضخمة داخل التنظيم: هناك تيار إصلاحي، وفي المقابل يوجد تيار آخر يطرح رؤى غير قابلة للتطبيق.

بعد معركة البرنامج السياسي، خسر أبوالفتوح موقعه داخل مكتب الإرشاد في الانتخابات التي أجريت سنة 2009 بينما صعدت كل الوجوه المحافظة بشكل أكبر داخل التنظيم. يقول عرفة إن خسارة أبوالفتوح معركة البرنامج السياسي للإخوان ثم النتائج التي أتت بها انتخابات 2009 جعلته يدرك أن هناك مشكلة في التنظيم تتجاوز مكتب الإرشاد، وتمتد إلى أغلب المواقع القيادية داخل الجماعة، وأنه لا يوجد أمل في المحاولة مع هذه القيادات. 

أصبح سؤال البقاء داخل الجماعة من عدمه مطروحًا سواء على أبوالفتوح أو مجموعة شباب الإخوان، غير أن رأي أبوالفتوح كان يميل إلى عدم جدوى مغادرة ذلك الجسد التنظيمي الضخم ومحاولة تأسيس شيء جديد خوفًا من القفز إلى فراغ الحياة السياسية في ذلك الوقت. وكانت تجربة أبوالعلا ماضي الذي غادر جماعة الإخوان في منتصف التسعينيات ليؤسس حزب الوسط ماثلة أمام أبوالفتوح، حيث مضت 15 سنة ولم ينجح الحزب في الحصول على ترخيص أو بناء شعبيته، ليصبح الحل الوحيد أمام أبوالفتوح هو الانتظار، الذي لم يدم طويلًا.

قال أبوالفتوح لـ مرسي: ما حدث هو إهانة لتاريخ الجماعة ولأعضاء مجلس الشورى

كانت ثورة يناير عنصرًا حاسمًا في كثير من القرارات الخاصة بعلاقة أبوالفتوح بتنظيم الإخوان المسلمين، حيث وصف الجماعة في تصريحات صحفية أثناء الثورة بأنها «لا تزال تعيش بعقلية التنظيم المُطَارد» تعليقًا على التصريحات الإيجابية للقيادي بجماعة الإخوان سعد الكتاتني بخصوص جلسة الحوار التي حضرها الأخير مع نائب الرئيس آنذاك عمر سليمان في 6 فبراير 2011. ولم يُقدم سليمان أي شيء في هذه الجلسة سوى وعودًا بالإصلاح بعد عودة المتظاهرين إلى بيوتهم. 

جلسة الحوار لم تكن الوحيدة التي جمعت بين سليمان وقيادات الإخوان. فقبلها مباشرة، حضر الكتاتني ومحمد مرسي لقاءً آخر، لم يُعلن عنه، مع نائب الرئيس مبارك وقتها. وفي اجتماع مجلس شورى الإخوان يوم 10 فبراير 2011، بدأ مرسي في إعطاء تقرير عن جلسة الحوار العلنية دون ذكر للاجتماع السري، حتى قاطع أبوالفتوح الاجتماع قائلًا إنه علم بأن القياديين في الإخوان حضرا اجتماعًا آخر لم يُعلن عنه مع عمر سليمان، وطلب أن يعرف أعضاء المجلس ما دار به. كان الأمر مربكًا للجميع، فلم يكن باقي أعضاء مجلس الشورى يعرفون عن الأمر. قال مرسي إنهما أخبرا المرشد محمد بديع بما دار في الاجتماع، غير أن أبوالفتوح احتد عليه قائلًا إن ما حدث هو إهانة لتاريخ الجماعة ولأعضاء مجلس الشورى، وليس من المقبول حضور اجتماعات سرّية عمومًا، وخاصة في ذلك الوقت، وغادر أبوالفتوح اجتماع مجلس الشورى ولم يعد له مرة أخرى، بحسب رواية عرفة.

يرى عرفة أنه منذ تلك اللحظة أصبح أبوالفتوح عمليًا منفصلًا عن التنظيم ولكن دون إعلان. وخلال الشهور التالية على تنحي مبارك، كان عرفة، الذي غادر تنظيم الإخوان المسلمين بالفعل، جزءًا من اجتماعات مستمرة بين أبوالفتوح ومجموعة من الشباب الذين سيصبحون لاحقًا نواة حملته الرئاسية. 

خلال الشهور التالية على تنحي مبارك، كان أبوالفتوح يستكشف اختياراته خارج أسوار التنظيم: ما بين الترشح لانتخابات الرئاسة، أو تكوين حزب سياسي، أو الانضمام لحزب قائم. يقول عرفة إن المجموعة المحيطة بأبوالفتوح هي التي طرحت عليه الترشح للانتخابات ودخلت في جولات من النقاش معه بغرض إقناعه. لم يكن الأمر بعيدًا عن مخيلة أبوالفتوح لكنه كان يتلمس الطريق بشكل حذر وتدريجي بداية من شهر أبريل، محاولًا استكشاف فرصه وحلفاؤه ومنافسيه. 

يقول عرفة إنه في أحد نقاشاته مع أبوالفتوح في مارس 2011، قال له إن عليه أن يفصل نفسه بشكل كامل في خطابه الإعلامي عن الإخوان المسلمين. وقتها رد أبوالفتوح أنه «حاسم مسألة انفصاله عن التنظيم»، لكنه لا يريد أن يصطدم معه مبكرًا، وكذلك يأمل في أن يكتسب إلى جانبه أكبر عدد ممكن من أعضائه الذين يمكنهم الاتفاق مع رؤيته السياسية.

جاء إعلان أبوالفتوح النهائي عن الترشح في الانتخابات في شهر يونيو عقب إعلان جماعة الإخوان المسلمين فصله من عضويتها، بسبب ما وصفته وقتها بمخالفة قرارها بعدم تقديم مرشح من صفوفها لانتخابات الرئاسة. 

يقول عرفة إن أبوالفتوح لم يكن يعلم بقرار فصله، حيث صدر بينما كان في طريق عودته للقاهرة آتيًا من لندن. قرر عرفة والعشرات من أعضاء حملته أن يستقبلونه في المطار. يقول عرفة إنه التقى أبوالفتوح قبل خروجه من صالة الوصول وأخبره بخبر فصله. لم يعلق الأخير كثيرًا. مضت لحظة للاستيعاب ثم قال «تمام.. ربنا اختار لنا الاختيار الأفضل»، قبل أن يخرج مقابلًا الإعلام والصحفيين ومُعلنًا ترشحه لانتخابات الرئاسة. بدا أبوالفتوح في تلك اللحظة أكثر انطلاقًا في حديثه، وأكثر تحررًا بعد قرار فصله من التنظيم، وأكثر تحديًا لمن عارضوا ترشحه.

وقتها، سأله أحد الصحفيين عن مدى ثقته في الحصول على أصوات المصريين، فأجاب: «أنا واثق أني سأحصل على أصوات أغلبية المصريين.. سأحصل على أصوات من الليبراليين ومن اليساريين ومن الإسلاميين وحتى الإخوان المسلمين». وأضاف ضاحكًا أنه سيحصل على صوت مرشد الإخوان محمد بديع نفسه. 

كان قرار الإخوان بفصل أبوالفتوح محررًا له من أي حذر أو تردد، كما جعله القرار أكثر إصرارًا وقدرة على طرح نفسه على التيارات السياسية الأخرى، محاولًا خلق تحالف سياسي حوله أوسع من الإسلاميين. يقول عرفة إن الحملة بدأت بالفعل بعد تلك اللحظة، حيث زار أبو الفتوح كل محافظات مصر تقريبًا، وبعضها أكثر من مرة، وعقد بها لقاءات جماهيرية.

بعد معركة البرنامج السياسي.. أصبح سؤال البقاء داخل الجماعة من عدمه مطروحًا سواء على أبوالفتوح أو مجموعة شباب الإخوان

يرى الباحث عبدالحميد حسين، في كتاب «أحزاب ثورة يناير»، إن حملة أبوالفتوح ضمّت قاعدة متنوعة «أغلبهم من القادمين الجدد لعالم السياسة بعد الثورة […] وقد ضمت الحملة، إلى جوار هؤلاء، إسلاميين وإخوانًا سابقين، وقيادات أحزاب ومجموعات مثل: حزب العدل، والجبهة القومية، وحركة مصرنا، وحتى أفراد من حركة 6 أبريل، ويساريين غير منضوين إلى مجموعات حركية منظمة، أو أعضاء سابقين في حركات يسارية». 

يصف عرفة المكتب السياسي للحملة بأنه كان في نقاش دائم طوال النصف الثاني من عام 2011 لتحديد الخط السياسي للحملة، مضيفًا أنه كان هناك اتجاه محافظ أقرب للدفع في اتجاه «الاستقرار»، وهناك اتجاه آخر رافض للانتهاكات الأمنية التي تحدث والطريقة التي يدير بها المجلس العسكري البلاد، وهو الاتجاه الذي انحاز له أبوالفتوح، بحسب عرفة. 

ويرى أن النقلة السياسية للحملة وسط الجمهور بدأت تحدث بعد الموقف الداعم للمتظاهرين الذي اتخذه أبوالفتوح وقت اشتباكات محمد محمود في نوفمبر 2011. وقتها، وبعد إصدار البيان السياسي للحملة بدعم مطالب المتظاهرين، قرر أبوالفتوح النزول لميدان التحرير، واتصل بأعضاء حملته وأخبرهم بقراره. بحسب عرفة، كان لدى أبوالفتوح اللياقة السياسية لتبني خطوات عفوية ولحظية مثل تلك. 

عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية، زار أبوالفتوح الأحزاب المختلفة مثل الحرية والعدالة، والمصريين الأحرار، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمصري الديمقراطي الاجتماعي. وبينما لم يكن أبوالفتوح يتفق مع كل هذه الأحزاب في رؤيتها السياسية، إلا أنه كان يسعى إلى بناء أكبر توافق ممكن بين حملته وهذه الأحزاب، بحسب ما يقوله عرفة. يرى عبدالرحمن أن أبوالفتوح كشخص ديمقراطي محافظ كان لديه الفرصة أن يلعب دورًا في كسر الانقسام العلماني الإسلامي وقتها، بمخاطبة جمهور الكتلتين، إلا أن الأوضاع السياسية لم تُمكّنه من النجاح في هذه المهمة رغم محاولاته، خاصة مع الاستقطاب السياسي الحاد بعد صيف 2013.

من ناحية، لم يكن سهلًا فصل أبوالفتوح عن تاريخ الجماعة الإسلامية التي لعب دورًا أساسيًا في تأسيسها في السبعينيات، وهو الكيان الذي مارس عنفًا ضد التيارات السياسية غير الإسلامية في الجامعات. غير أن عبدالرحمن ما زال يرى أنه «من المضحك» محاسبة سياسي على خطابه في العشرينيات من عمره، خاصة إذا اختلف هو نفسه مع ذلك الخطاب لاحقًا. 

يرصد الباحث حسام تمام في كتابه «عبدالمنعم أبوالفتوح: شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» تغير موقف أبوالفتوح من عنف الجماعات الإسلامية، حيث تبنى هو وعصام العريان وحلمي الجزّار وإبراهيم الزعفراني داخل جماعة الإخوان موقف المرشد العام وقتها عمر التلمساني تجاه ضرورة نبذ أي أفكار تدعو إلى التغيير عن طريق العنف، كما دافعوا عن انخراط الجماعة في العمل السياسي عن طريق انتخابات البرلمان والنقابات المهنية.

ومن ناحية أخرى، تعرض أبوالفتوح إلى الهجوم من جانب الإسلاميين منذ بدأ حملته في انتخابات الرئاسة، بسبب وجود أعضاء من تيارات أخرى غير إسلامية ضمن فريقه السياسي، كان أبرزهم المستشارة السياسية للحملة رباب المهدي ذات التوجه اليساري.

محاولة أبوالفتوح مخاطبة كتلتين مختلفتين وضعته محل اتهام من الجانبين بعدم الوضوح أو غياب المبدأية، مثلما جاء على لسان منافسه عمرو موسى في المناظرة الرئاسية، حين اتهم أبوالفتوح بأنه يُغير خطابه بحسب التيار الذي يتحدث إليه. ومع زيادة حدة الاستقطاب الإسلامي العلماني عقب فوز محمد مرسي، أصبح موقف أبوالفتوح ومشروع حزب مصر القوية الذي شرع في تأسيسه عقب نهاية الانتخابات أكثر صعوبة. فقد باتت مواقف الحزب تثير دائمًا هجوم أحد الجانبين على الأقل. 

لم يشارك أبوالفتوح في جبهة الإنقاذ، وكان رأيه أنها «مصنوعة لغسل وجوه أفراد من النظام القديم»

على سبيل المثال، رفض حزب مصر القوية الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في نوفمبر 2012، كما دعا المواطنين للتصويت ضد مسودة الدستور التي طرحها الإخوان المسلمين للاستفتاء في ديسمبر 2012. وذكر الحزب في البيان الذي أصدره وقتها عشرة أسباب لذلك الرفض، منها ما وصفه بوصاية العسكريين على الدولة من خلال مجلس الدفاع الوطني، وتفريغ الحقوق والحريات من مضمونها بسبب التوسع في الإحالة للقوانين، وإعطاء الأزهر وصاية دينية فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، وفرض الدولة وصاية ثقافية على المجتمع. 

كما اتخذ الحزب قرارًا بالدعوة إلى مظاهرات 30 يونيو مطالبًا الرئيس الأسبق محمد مرسي بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، وهو ما أدى إلى تقدم عدد من أعضاء الحزب باستقالاتهم مُعلنين صراحة عن تعارض أفكارهم ذات المرجعية الإسلامية مع انحيازات الحزب وتصوراته ومن بينها محاولة تجاوز الاستقطاب الإسلامي/العلماني، بحسب ما قاله الباحث عبدالحميد حسين. 

وعلى الجانب الآخر، أدى رفض أبوالفتوح إعلان 3 يوليو 2013 بعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي وتعطيل الدستور ووصفه ما حدث بـ«الانقلاب» إلى تعرض للهجوم من الجانب الآخر بدعو محاباته لتنظيم الإخوان المسلمين.

كان موقف أبوالفتوح عمومًا من جبهة الإنقاذ و30 يونيو ثم فض اعتصام رابعة العدوية هي أكثر النقاط التي أثارت هجومًا ضده من الجانبين في أغلب الوقت، حيث اتهمه جمهور الإسلاميين بالتواطؤ على الإطاحة بمرسي وحكومته ومحاصرة جماعة الإخوان، كما هاجمه بعض داعمي 30 يونيو بدعوى أنه ليس واضحًا في معاداته للإخوان، بسبب انتمائه السابق للتنظيم.

كذلك لم يشارك أبوالفتوح في جبهة الإنقاذ، وكان رأيه أنها «مصنوعة لغسل وجوه أفراد من النظام القديم»، وأن بعض أطرافها غير حريص على الديمقراطية أو مكتسبات ثورة يناير، كما أنه لم يكن مرتاحًا «لما تقوم به الأجهزة الأمنية من تحريك للمشهد»، بحسب ما قاله عرفة، الذي أضاف أنه فضّل معارضة الإخوان من خارج الجبهة. 

وكان لدى أبوالفتوح تخوفات من مآلات 30 يونيو، إلا أنه دعا للمشاركة بها لإدراكه استحالة استمرار الإخوان المسلمين في الحكم، بحسب ما يقوله عرفه. غير أن أبوالفتوح حاول التمسك بمطلب الدعوة لعقد انتخابات رئاسية مبكرة حتى النهاية، وقال في لقاء تليفزيوني على إحدى القنوات الفضائية المصرية الخاصة في شهر سبتمبر 2013 إنه كان يرى ذلك الحل الوحيد لمنع حدوث «انقلاب عسكري أو الوقوع في الفوضى»، مشيرًا في نفس اللقاء إلى أنه حتى بعد عزل مرسي طالب بأن يُجرى استفتاء شعبي على خارطة الطريقة.

يقول عرفة إن أبوالفتوح حاول خلال صيف 2013 الدامي التدخل أكثر من مرة لمنع تدهور الموقف، فاتصل بأحد قيادات الإخوان المسلمين يوم 2 يوليو محاولًا إقناعه بضرورة إنهاء الاعتصام وبدء التفاوض على أمل الوصول إلى حل آمن لانتقال السلطة دون عنف بالغ، غير أن الإجابة التي حصل عليها هي ثقة ذلك القيادي في أن المؤسسة العسكرية تتصرف تحت ضغط من السعودية والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية، وأن صمود معتصمي رابعة سيغير من توازنات القوى.

وعندما دُعي أبوالفتوح لحضور لقاء تشاوري مع الرئيس الانتقالي عدلي منصور عقب عزل مرسي، وافق بعد تردد على الحضور بناءً على نصائح الدائرة المحيطة به من السياسيين الذين رأوا أن الأفضل هو المشاركة في الحوار لدعم القوى المدنية داخل تحالف 30 يونيو بغرض الوصول إلى حل للأزمة السياسية بأقل قدر ممكن من العنف.

ومع بدء فض اعتصام رابعة العدوية، تواصل أبوالفتوح مع قيادتين مدنيتين في السلطة السياسية الانتقالية وقتها محاولًا إيجاد مخرج للموقف، قال أحدهما إنه «خُدع من الطرفين»، بينما قال الآخر إنه «ليس متحكمًا في الأمور الآن»، بحسب عرفة الذي سمع منه تفاصيل المكالمتين.

طوال تلك الفترة، كانت تصريحات أبوالفتوح تثير الجانبين. يقول عرفة إنه استقبل عدد كبير من الرسائل الغاضبة من أفراد بجماعة الإخوان المسلمين الذين رأوا أنه بمشاركته في 30 يونيو مهّد الطريق لما يرونه انقلابًا عسكريًا، بينما أثار وصفه ما حدث بأنه «انقلاب» ومطالبته عرض خريطة الطريق في استفتاء شعبي انتقادات أطراف عديدة من المعسكر الداعم لـ30 يونيو. 

زار أبوالفتوح المستشار جنينة في المستشفى أثناء تلقيه العلاج، وكان غاضبًا من الإحساس بأن حتى الكلام للصحافة لم يعد مسموحًا به

منذ 2014، بدأت مساحات الظهور الإعلامي تتقلص أمام أبوالفتوح، حتى أصبحت النوافذ الوحيدة المتاحة له هي القنوات الفضائية غير المصرية، أو صفحة الحزب على فيسبوك. بدأ التركيز على القيام بجولات في المحافظات محاولًا الحفاظ على تماسك الحزب في ظل وضع سياسي يزداد انغلاقًا مع احتدام الصراع بين السلطة والجماعة، وارتفاع وتيرة العنف.

يقول عرفة إنه في بداية سنة 2018 كان لدى أبوالفتوح بعض الأمل أن يصاحب انتخابات الرئاسة بعض الانفتاح في الوضع السياسي. كان يرى أن أزمة تيران وصنافير قد أضعفت من سيطرة النظام قليلًا، وأن أجواء الانتخابات بطبيعتها يصاحبها بعض التخفيف في القيود. وجاء إعلان ترشح أحمد شفيق ثم سامي عنان ليدعم الإحساس بأن النظام الحالي ليس مسيطرًا بشكل كامل. لينتهي كل ذلك بعنف مع ترحيل شفيق من الإمارات إلى القاهرة، والقبض على عنان من منزله، والاعتداء بالضرب على نائبه المستشار هشام جنينة، ثم القبض على محمد القصاص نائب رئيس حزب مصر القوية. حدث كل ذلك بين نهاية يناير وبداية فبراير.

زار أبوالفتوح المستشار جنينة في المستشفى أثناء تلقيه العلاج، وكان غاضبًا من الإحساس بأن حتى الكلام للصحافة لم يعد مسموحًا به. سافر أبوالفتوح إلى لندن، وهناك أجرى مقابلة تليفزيونية مع قناة «الجزيرة» ثم تلفزيون «العربي» وشن خلالهما هجومًا عنيفًا على النظام السياسي، قبل أن يُقرر العودة إلى القاهرة ليجري مقابلة ثالثة مع «بي بي سي» في صباح اليوم التالي لعودته، الموافق 14 فبراير، ليُلقى القبض على أبوالفتوح في مساء اليوم نفسه من منزله مع ستة من أعضاء هيئة المكتب الخاصة بحزب مصر القوية. اقتادت الشرطة الجميع إلى قسم التجمع الخامس، قبل أن تفرج عن أعضاء هيئة المكتب.

يقول حذيفة، نجل أبوالفتوح، إن خاطر القبض على والده كان حاضرًا منذ اللحظة التي أُذيع فيها لقائه مع «الجزيرة». غير أن أبوالفتوح أخبر أسرته أن القبض عليه، إن تم، لن يكون في المطار أو في الليلة الأولى لوصوله. 

كان الجميع يتوقع القبض عليه بعد ما قاله في لقاءاته التلفزيونية، حتى إن مذيع «الجزيرة» سأله وهو في لندن إن كان سيعود إلى مصر، وكانت إجابته: «لا مكان لي على الكرة الأرضية إلا مصر.. سأعود ولا يمكنني أن أعيش خارج مصر إلا لوظيفة». يشبه الأمر كثيرًا ما مر به قبل 37 عامًا عندما علم في سبتمبر 1981 بأن اسمه ضمن قائمة الاعتقالات الأخيرة التي وقعها الرئيس أنور السادات. كان أبوالفتوح وقتها في معسكر طلابي بروما، ونُصح بألا يرجع إلى مصر غير أنه أصرّ على العودة، وسُجن وقتها لمدة عامين. وكان أبوالفتوح قد دخل في مشادة كلامية مع الرئيس السادات في فبراير 1977، عندما كان رئيسًا لاتحاد طلاب جامعة القاهرة آنذاك، حول إبعاد محمد الغزالي عن الخطابة في مسجد عمرو بن العاص.

بدا الأمر وكأن أبوالفتوح كان يسعى إلى السجن، إلا أن حذيفة يرى أن والده كان يعتقد دائمًا أنه لا يوجد شيء حتمي في السياسة، هناك دائمًا احتمالات مختلفة حتى في أكثر الظروف انغلاقًا. في النهاية، كان أبوالفتوح يرى أن هناك رسالة يجب إرسالها سواء للنظام السياسي أو للجمهور، مضمونها أن الأفق السياسي لا يجب أن يُغلق بهذه الطريقة، وأن الموقف الحالي دقيق لا يحتمل الصمت. يقول حذيفة إن والده كان يتساءل قبل القبض عليه: «ماذا سيحدث لو حاولنا مقابلة أي شخص من مؤسسة الرئاسة للحديث معهم؟» كان أبوالفتوح مجددًا يحاول كسر القواعد المفروضة عن طريق عدم طاعتها، وخلق مسار بديل.

تجربة السجن الحالية لأبو الفتوح مختلفة عن المرة السابقة في أن العزلة هي سمتها الأساسية

يجمع عرفة وحذيفة على أن تجربة السجن بين عامي 1995-2000 كانت الفترة التي راجع فيها أبوالفتوح الكثير من أفكاره بخصوص جماعة الإخوان المسلمين، وأن تمايزه السياسي عن القيادات المحافظة للتنظيم بدأ في تلك الفترة. يرى حذيفة أن الجمع بين العشرات من قيادات التنظيم في سجن واحد لمدة خمس سنوات كانت تجربة كافية لاكتشاف عمق الاختلافات الفكرية والسياسية. 

غير أن تجربة السجن الحالية مختلفة في أن العزلة هي سمتها الأساسية. منذ القبض على أبوالفتوح في 14 فبراير 2018، حرصت السلطات على إبعاده عن أي سجناء آخرين. سُجن أبوالفتوح في زنزانة انفرادية في سجن المزرعة العمومي بمجمع سجون طرة. وفي الشهور الأولى، كان موجودًا داخل عنبر يضم زنازين أخرى مأهولة بالسجناء، مما كان يتيح له سماع أصواتهم عبر الجدران أثناء حديثهم مع بعضهم البعض، حيث كانوا ممنوعين تمامًا من الحديث إليه. 

لاحقًا، قررت إدارة السجن نقله إلى عنبر خالي من السجناء. وكان يُسمح له بالتريض مرة واحدة يوميًا في ممر العنبر الفارغ. وبعد قرابة العام، أصبح يُسمح له بالتريض في الفناء الخارجي للسجن، لكن في مواعيد مغايرة لتريض باقي السجناء كي لا يلتقي بأحد. لا يُسمح لأبوالفتوح بمشاركة باقي السجناء صلاة الجمعة أو الذهاب لأي مكان داخل السجن سوى أماكن الزيارة. 

في البداية، كانت الزيارة تتم في حجرة خاصة داخل السجن، مختلفة عن المكان المخصص لزيارة باقي السجناء. لاحقًا، أصبح أبوالفتوح يُنقل إلى سجن شديد الحراسة داخل مجمع طرة في مواعيد الزيارات، التي باتت تُجرى خلف حاجز زجاجي وعبر التليفون. لم تتجاوز مدة الزيارة أبدًا حاجز النصف ساعة بحسب ما يقوله حذيفة. كانت أسرته تحاول خلالها نقل أكبر قدر ممكن من الأخبار العائلية إليه، كي لا يشعر بالعزلة عن أسرته. ومع انتشار فيروس كورونا، مُنعت الزيارات عن كافة السجون المصرية بداية من 10 مارس الماضي، ليتحول السجن إلى ثقب أسود ابتلع السجناء دون القدرة على معرفة ما يدور داخله.

في بداية فترة السجن، كان لدى أبوالفتوح نافذة محدودة. فرغم منع المراسلات والمجلات والصحف عنه، إلا أن إدارة السجن كانت تسمح بدخول بعض الكتب. يقول حذيفة إنهم حاولوا التوفيق بين القراءات التي يحبها وبين ما تسمح به إدارة السجن. تمكن أبوالفتوح من إعادة قراءة تفسير القرآن للشعراوي وأعمال المتنبي وجبران خليل جبران وعباس العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ، قبل أن تتراجع الإدارة عن السماح بدخول الكتب، لتعود الزنزانة خاوية إلا من المصحف الخاص به.

أكثر ما يُقلق حذيفة هو تدهور الحالة الصحية لوالده الذي يبلغ من العمر 69 عامًا. يعاني أبوالفتوح من أزمات انقطاع التنفس أثناء النوم، وهي حالة مرضية شُخصت سنة 2006، وتحتاج بجانب العلاج إلى استخدام جهاز للتنفس أثناء النوم لضمان وصول الأكسجين بدرجة كافية للمخ والجسم. ورغم السماح بدخول الجهاز إلى زنزانة أبوالفتوح إلا أنه لم يعد يعمل بسبب الحرارة الشديدة داخل السجن واحتياج الجهاز إلى الصيانة وإعادة الضبط. وبدون الجهاز، يصبح النوم مضطربًا ومتقطعًا بشكل دائم، وقد يؤدي عدم العلاج إلى مضاعفات من بينها الاكتئاب، ارتفاع ضغط الدم، السكري، الجلطات والأزمات القلبية، واضطراب ضربات القلب.

بالإضافة إلى تلك الأزمات، لدى أبوالفتوح تاريخ مرضي مع ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري، ومع الحبس خسر نحو 30 كيلوجرامًا من وزنه، بالإضافة إلى تعرضه لأزمات قلبية متكررة، يضطر أبو الفتوح، الذي درس ومارس الطب، إلى التعامل معها بنفسه في عزلته. في كل مرة يشعر بالألم في صدره، يستجمع ما تبقى له من طاقة يبدأ الطرق على الباب ويستخدم ما يملكه من أدوية محاولًا إنقاذ نفسه. يقول حذيفة إن والده تمكن حتى الآن من التعامل مع هذه الأزمات القلبية بـ«توفيق من الله»، لكن ما يخشونه هو تأثيرها على حالة القلب، خاصة مع تكرارها. يضيف حذيفة أن هناك طبيبًا يتابع حالة والده من وقت لآخر، لكنه في النهاية يحتاج إلى فحوصات ورعاية ليست متوفرة داخل مستشفى السجن. وخلال جلسات تجديد الحبس، كرر أبوالفتوح ومحاميه طلباتهما بنقل الأول إلى مستشفى خاص، على نفقته الشخصية، لإجراء عملية جراحية في البروستاتا، وهو الطلب الذي يُرفض دائمًا.

تبدو عزلة أبوالفتوح في محبسه الحالي هي نقيض ما سعى إليه طوال السنوات التي تلت خروجه من السجن سنة 2000. فبينما قضى أبوالفتوح السنوات الأولى من الألفية محاولًا كسر العزلة التنظيمية التي كان يفرضها عليه وعلى أفكاره التيار المحافظ داخل جماعة الإخوان، ثم أمضى السنوات التالية لثورة يناير في محاولات الخروج عن ثنائية الاستقطاب الإسلامي العلماني، ثم حاول في سنوات ما بعد الإخوان كسر العزلة عن حزب مصر القوية، جاءت السنتين الأخيرتين، لتدفع به إلى عزلة جديدة، أكثر إحكامًا وإغلاقًا.

* جرى تغيير اسم المصدر حفاظًا على سلامته 

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن