يومًا ما| مستقرٌ عند مستوى محتمل من الملل
 
 

إحدي القصص الخمس الفائزة في مسابقة يومًا ما للقصة القصيرة، والتي نظمها المركز الثقافي الفرنسي بالقاهرة بالتعاون مع «مدى مصر». ووجهت فيها دعوة للكاتبات والكتاب أن يحاولوا ويحاولن «تخيل يوم سيحل على مصر، أو سيحل عليكم، في المستقبل القريب أو البعيد، يوم بإمكانه تغيير حياتكم أو قناعاتكم، يوم تتخيلون أنه سيكون الأهم في حياتكم، بإمكانه إحداث التغيير الأهم فيها، أو في نفوسكم وقناعاتكم».

حلق حازم لحيته أخيرًا!

في ذلك الصباح لفت ذقنه الحليق أنظار العالم وهو يخرج من بيته، صُعِق البواب لرؤيته، وحياه بلسان ثقيل، وعندما مر به جاره على دراجته النارية اختل توازنه واصطدم بسيارة يوشك صاحبها أن يتحرك بها، فاندلعت مشاجرة شرسة، أمَّا في العمل فكانت المهزلة الحَقَّة، حملق فيه زملاؤه وكأن على رؤوسهم الطير، ثم تهامسوا بعصبية الممسوسين، بعدها بدأ بعضهم يبدي تذمره وقرفه، وآخرون تمتموا بشيء عن ضياع الأخلاق والدين، وقلة حذروه من مغبة تهوره ولوحوا في وجهه بسيف الندم الآتي لا محالة.

أمَّا أنا فكان إحساسي مختلفًا، قفزت صائحًا من الفرح عندما تلقيت مكالمته؛ أخيرًا سيكف حازم عن استشارتي في قراره الجريء الذي يدرسه منذ أعوام، ودأب على الاتصال بي بعد منتصف الليل ليخبرني أنه عقد العزم عليه، ثم يعاود الاتصال فجرًا ليخبرني أنه تراجع، ثم مكالمة أخيرة في السادسة صباحًا تنتهي وأنا أسبه حتى الجد العاشر، وألعن يوم عرفته ويوم راودته الفكرة، ثم أُغلق الهاتف في وجهه.

حلق الثرثار لحيته أخيرًا، ولكنني لم أسمع في صوته السعادة المفترضة لشخص حقق هدفًا يلاحقه منذ اثنتي عشرة سنة، بالأحرى كان عصبيًّا وغاضبًا وهو يخبرني، قال: «الكل يحملق فيَّ أينما ذهبت!».

– «تجاهلهم؛ مَنْ انتبه لمراقبة الناس له مات همًّا».

– «يا سلام! خذوا الحكمة من فيلسوف الغبرة!»  

ضحكت ووعدته بترتيب احتفالية مميزة بهذه المناسبة، ثم أنهيت المكالمة ونهضت إلى مرآتي، تحسست لحيتي المتناثرة في وجهي بغير انتظام، تتكتل عند ذقني وسالفيَّ، ثم تخف بامتداد الخدين، ولا تتصل بشاربي المكون من بضع شعيرات تبدو كاتساخ ما.. مشهد غير متناسق لدرجة محزنة، خاصة إذا أضفنا إليه شعري الطويل الكثيف الذي يغطي أذنيَّ، وملامحي الطفولية، وجسدي الممتلئ، لتكون المحصلة النهائية سمتًا مراهقًا ناعمًا مقززًا وكأنني في المرحلة الثانوية بينما أوشك على بلوغ الثلاثين. في تلك اللحظة تمنيت لو كانت لي ربع شجاعة حاتم.

في المرحلة الإعدادية كنت وحازم نراقب تغيرات جسدينا بفخرٍ وسعادة، العضلات التي تتكور يومًا بعد يوم، والأشياء التي تبرز وتنتفخ، وشعرنا الذي يطول ويكثُف، وينتشر في كل مكان، والزغب يملأ وجهينا في طريقه للتحول إلى شوارب ولِحًى. كان نضجه أسرع مني بكثير، ابن المحظوظة! وثقلت لحيته في مظهر أنيق وهو بعد في السابعة عشر، أمَّا أنا فكانت تلك اللحية الغريبة أكبر مكاسبي، هنا بدأنا نتجمد وتوقفت كل التغيرات.

عندما تأكدت أن لا شيء في جسدي تغير لشهرين متعاقبين ذهبت إلى أبي ملتاعًا، فاحتضنني مواسيًا وقال لي إن الأمر سيء، لكن عليَّ التأقلم لأنه سيلازمني ما حييت. حكا لي أن القدامى كانوا يتغيرون دون توقف، تستطيل شعورهم وتنبت لحاهم بين عشية وضحاها، وتواظب نساؤهم على زيارة الكوافير كل أسبوع لإزالة الشعر الزائد في وجوههن بالفتلة، ويستعملن الشمع والحلاوة في انتزاعه عن أطرافهن ومناطقهن الحساسة. أدهشتني تلك المعلومة وسألت جدتي عنها فضحكت محرجة ثم تكلمت.. قالت لي إنها ادخرتْ صيفًا كاملًا في شبابها لتزيل الشعر الزائد تحت إبطيها بالليزر، وحين انتشر التحجر افتقدتْ ظهوره، وتمنتْ أن ينمو مجددًا لتحظى بجلسات النظافة الدورية التي تُشعرها بالتجدد والانتعاش، وبعكس ما تخيلتْ من قبل غدت النعومة الدائمة في جَيبَيها هذين مملة، وصار بياضهما المستمر شيئًا سمجًا غير ذي معنى.. يبدو أن للأشياء غير المستحبة والمستقذرة أهميتها أيضًا، فلولاها ما قدرنا النقاء.

كان أجدادنا طبيعيين جدًّا، لا أحد يعلم لماذا بدأ الجمود يطرأ على جيلهم فالأجيال التالية، في البداية توقفت شواربهم عن النمو، وكفَّت حواجب النساء عن الامتلاء، ولاحظ المراهقون أن الأعوام الثلاثة الأولى للبلوغ تمنحهم التغير الأخير في مظهرهم، والذي سيلازمهم أبدًا. ومنذ ذلك الحين ثبت مظهر الجميع، وصارت كل العيوب الجسدية والشكلية بلا علاج.. البشرة الحساسة لن يخفف ألمها شيء، البدانة لا خلاص منها، والنحافة لن تملؤها أطنان الحلويات والدهون، الأظافر الطويلة لم تعد مظهرًا تختاره المرأة كل فترة ثم تغيره، إذا قُصّرتها فلن تطول مجددًا، وإذا كانت طويلة فعلى صاحبتها تغيير نمط حياتها بالكامل لتحفظها من الانكسار.. ينطبق الوضع ذاته على الشعر، وكل شيء آخر.

في البداية، أجرى البعض تغييرات بسيطة مثل تهذيب الحاجبين وحفّ الشعر الزائد، لكن مع ترسخ الوعي بأن أي خطأ يقع فلن تزول عواقبه جعل الناس يتشبثون بما هم عليه مهما كان سيئًا، وصاروا ينفقون من حيواتهم أعوامًا طويلة ليحلموا بمظهر معين، ونظافة معينة، وانطباع بعينه يتركونه عند معارفهم، وكيف يغيرون في مظهرهم ليحققوا هذا بأقل قدر من خسائر، وأقل احتمالات للندم مستقبلًا، لكن أحدًا لم يتحرك للأمام خطوة واحدة.. فقط حافَظوا على ما يملكونه على تواضعه وسوئه بأقصى قدر من الشراسة والتوجس، وبالتدريج أصبح أي تغيير في المظهر فادح الثمن، أبديًّا، لا مهرب منه ولا اختباء.

فرض علينا تحجر أجدادنا وآبائنا أن نقاتل دفاعًا عن أي تغيير نختاره أمام ملايين الخائفين، والذين يحاكمونك بوحشية لاتخاذك قرارًا لا يجرؤون عليه، لأن الكل يريد للكل أن يبقى ثابتًا مثله، وألّا يزعزع تقبله المهين للأمر الواقع بطرح أي احتمال للتغيير. كل شيء كان مستقرًا عند مستوى محتمل من الملل، لا يدفعك لنبذ الحياة لكنه لا يغذي رغبتك فيها، وقد ضقت ذرعًا بتحمل هذا الثقل حتى بلغت العشرين، عندها قررت أن أقص شعري وأحلق لحيتي المشوهة، وأحظى بإطلالة الشباب أقوياء الشكيمة الواثقين الهادئين، لكن أبي تصدى لي وأخبرني أنه لن يسمح لي بأن أتخذ قرارًا كهذا الآن، أخبرني أن من الحكمة تأجيل القرارات المصيرية لعمرٍ مناسب، فالحياة تجبرنا على اتخاذها في سن لا تسمح لنا باستيعاب أبعادها، ومن الذكاء أن ندرك أن الوقت المناسب لم يحن بعد، وذكَّرني بما أصابه.

يتصف رجال عائلتي بلحاهم الكثيفة الطويلة، والتي تُحدد وتزال الشعيرات القصيرات المتناثرة على أطرافها، فتمنحهم إطلالة أنيقة كالأمراء. عندما بدأ التحجر لم يؤثر الأمر كثيرًا فيهم، وتفاخروا بأنهم الوحيدون المحظوظون الذين يمتلكون المظهر الأفضل ولن يحتاجوا أبدًا لتغييره. ثم جاء أبي في سن الثالثة والعشرين ليحلق لحيته كاملة فهاجت الدنيا وماجت، صار أضحوكة العائلة لسنوات، وحتى يومنا هذا ما زالوا يمازحونه أو يعيّرونه بذقنه الحليق في مناسبات مختلفة، ولم يتجاوز أبي قط التأثير النفسي الذي خلفه فيه هذا التغيير، صار يخشى أي احتمالات جديدة تذيقه مزيدًا من المعاناة، والأسوأ أنه صار ينقل مخاوفه لأي شخص يجترئ على التمرد.

لكنني لم أتطلع لأبي طيلة حياتي، وإنما اتجهت عيناي إلى عمي إبراهيم.. كان رجلًا شجاعًا يزدري آراء الآخرين كلها، حلوها ولاذعها، شارك في ثورةٍ عظيمة رجَّت مصر رجًّا وهو في العشرين من عمره، وخرج منها بانتصار وحيدٍ عظيم هو إصراره على أن يعيش حياته كما يريد.. يرتدي ما يريد ويأكل ما يريد، ويلاحق من الأحلام ما يرغب لا ما رُسِمَ له، ويلقي دعاباته الجريئة ويضحك بمجون في وجود أكبر الكبار، وللغرابة لم يجرؤ أحد على تعنيفه يومًا! وعندما سأم مظهره الثابت في سن الثلاثين حلق نصف لحيته فقط فأصبح له وجهان، نصف أيسر رصين كثيف اللحية أنيقها، ونصف أيمن حليق وأملس وعذب الوسامة. أتذكر انبهاري به عندما رأيته بهذا الشكل أول مرة، وأتذكر صرخة جدتي.

أطلقت عليه العائلة لقب «إبراهيم ذي الوجهين» فاستقبل الاسم بضحكة مجلجلة، ورغم طول عهد أبي بالسخرية القاسية وتأثيرها فإنه لم يرحمه، قال له إنه يرقص على السلالم، فرد عليه عمي ساخرًا بأنه أفضل من غيره، امتلك نصف الشجاعة ونصف الوقار.. ارتدت السخرية في صدر أبي وأسرَّ أثرَها في نفسه.

كانت العائلة تترقب المصائب التي ستحل على عمي إبراهيم، فهو مدير تنفيذي في شركة دولية لا تحتمل هذا العبث، لكن شيئًا سيئًا لم يحدث لعمي، كان يلتقي كل عميل بالوجه الذي يناسبه، وعندما ينكشف وجهه الآخر لا يغير هذا من نظرة الناس له.. منحه وجهاه سمعة ممتازة، وأسبغا عليه طابع الذكاء والدبلوماسية والقدرة على التأقلم مع مختلف الظروف، فرض عمي نفسه على الحياة، ولم يسمح لها بالتسلل إلى قلبه إلا بالمتع وهدوء البال، وكان هذا أعظم انتصار عرفته على الإطلاق.

الآن يفارق حازم جحافل الثوار النظريين إلى زمرة المنتصرين الحقيقيين، شعرت بغبطةٍ بالغة لصديق عمري الذي غلب توقعاتي، لم أتخيل قط أن يفعلها، سنوات طويلة من الثرثرة عن حقنا في التحرك للأمام، بدلًا من الثبات عند تفاصيل تافهة تحرمنا الحياة الحقيقية، وشعارات كثيرة جوفاء ومثالية أفقدتني الثقة في إرادته، لكنه فعلها آخر الأمر. الوغد! تصفحت صورنا في الثانوية ثم الجامعة ثم عند حصولنا على أول وظيفة.. كانت الوجوه متطابقة وكأن زمنًا لا يمر، شباب زائف خاوٍ من كل بهجة للجموح والتجريب، لكن الآن صار بوسع حازم أن يبدأ حياة جديدة. رحت أتخيل كيف أصبحت ملامحه، وأي انطباع سيترك بعد الآن، وكيف سأشعر حين أراه؟

أخرجت من أعماق دولابي مجلات ادخرتها لسنوات، مجلات موضة أجنبية تعرض كيف يعيش «المتغيرون» في البلاد الأخرى ويستمتعون بإطلالات مختلفة تجعلهم أشخاصًا آخرين كل بضعة أيام، تجعلهم بشرًا. تصفحت ألبومات مخصصة لحلاقة الذقن، وراقبت كيف يتغير وجه الموديل من الذقن الطويلة الكثيفة وحتى الذقن النامية نصف الناعمة ثم الوجه الحليق. قارنت بين شكله في الشعر الطويل والرأس المحلوق.. تخيلت نفسي مكانه فنبض قلبي، اختيارات إنسانية بسيطة تجعل للحياة طعمًا، ما أجمل القدرة على أن تختار لنفسك شكلًا جديدًا من حين لآخر، يشعرك هذا بالتقدم في الحياة والسن.. التغيير ضروري للحياة كما أن الحياة ضرورية للحياة.. اندلعت الغبطة في صدري وتخيلت نفسي مكان حازم فلم أطق صبرًا على أن أحذو حذوه، ثم بدأ الصدام.

خلال الأيام التالية انتشرت أخبار حازم في البلد، فهو أول حالة تمرد تظهر علنًا خلال عشر سنوات، واستضافته القنوات التلفزيونية المختلفة ليحكي تجربته، كيف تعاقد مع مهندس تجميل صمم عملية الحلاقة معتمدًا على منهج خاص درسه بالخارج، وكيف اختار الحلاق من ذوي الخبرة لتفادي إحداث جروح أو خدوش لن تزول آثارها، ورحلته في البحث عن صابون حلاقة وماكينة آمنة، ثم المكان المجهز لأي طوارئ، لكن العملية سارت بسلام واستغرقت نصف ساعة فقط.

قوبلت تجربة حازم بانبهار عميق، وبدأ اسمه يتردد على ألسنة الشباب كتعويذة سحرية، وتحدثت الصحف عن تجربته وأثنت على جرأته واختلافه، وكتبت أقلام يانعة تدعو الشباب إلى التحلي بالشجاعة واختيار الحياة التي تناسبه، بينما كتبت أقلام أصولية تنتقد تمسكهم الفارغ بالمظاهر وولعهم بالتقليد الأعمى للأجانب، وخروجهم على الأخلاق وخصوصية ثقافتنا، وعدم تقديرهم لكوننا حالة خاصة يجب أن تحافظ على تفردها الذي لن يفهمه من يعانون تغير أجسادهم باستمرار.

تصادمت الآراء ما اقتضى إقامة مناظرات على الهواء مباشرة بين ممثلي المعسكرين، بعدها بدأت القنوات تسعى للقاء عائلة حازم، فعبرت أمه عن غضبها لفعلته إذ خان ثقتها، وقالت أخته إنه تصرف بميوعة وتمرد على الأصول التي تمسكت هي بها ولم تزهدها يومًا. بشكل عام كانت النساء أكثر شراسة في مهاجمة حازم، والانتقاص منه واتهامه بما ليس فيه. لم أستغرب موقفهن إذ إنهن لم يعانين من لعنة التحجر كما عانى الرجال؛ لديهن صبغات الشعر المختلفة، والأظافر الصناعية، والشعر المستعار، والعدسات اللاصقة، وجميع أدوات المكياج، وهكذا فإن بوسعهن الحصول على ألف تغيير في لحظة دون أن يلومهن أحد، ومن يملكون سعة الاحتمالات يصعب عليهم التعاطف مع الطرف الأقل حظًّا في الحياة.

لم يحتفظ حازم بصورة البطل طويلًا، فرغ الإعلام من تلميعه وتنجيمه، لكنه لم يفرغ من استغلاله فقلب المائدة، وبعد أسبوعين من مضغ مجده العظيم، ظهرت خطيبته على التلفزيون تتحدث عن خيبة أملها فيه، مرصعة حديثها بكل الكليشيهات التي ينادي بها المتحجرون، التقاليد والأصول والأخلاق.. كل الغباءات التي تحكمت في حياتنا وأعجزتنا عن أتفه الاختيارات وأبسطها. كانت فتاة تافهة لم تبدل في مظهرها شعرةً منذ بلغت و«تحافظ على تغييرها للوقت المناسب» كما تقول للجميع في شمم. طالما سخرت من رائحة عرقها البشعة، ومظهرها الرث، والزغب الكثيف فوق شفتيها الذي ينافس شاربي، وتبجحها بأنوثتها الفارهة المكنونة التي تخبئها لفارسٍ وحيدٍ، بينما تكره كل لمحة جمال بغلظةٍ منفرةٍ.. كنت أتعجب كيف لا ترى حقيقتها، وأتعجب أكثر لقدر الاستعلاء الذي تواجه به العالم لمجرد أنها امتنعت بمحض إرادتها عن شيء أقبل عليه آخرون، فاتخذت من اختيارها الخاص ذريعة لانتقاد الكل دون أن تنتبه إلى أن أحدًا لم يطالبها به أصلًا.

نجحت التافهة في نسف قضية حازم من أساسها؛ ربطت بين ضعف رجولته واختياره مظهرًا مختلفًا يشعره بالتميز، سَبَبْتُها متمنيًّا لو أنفذ عبر الشاشة لأطبق على عنقها وأصيح: «جربي النظافة أولًا لتفهمي أيتها المتعفنة». فراقبت الشتائم تنهال على صديق عمري حتى من معسكر مؤيديه الأوائل المتحمسين.. ثوار نظريين وقعوا في الخطأ الكلاسيكي الذي دمر ملايين قبلهم: اعتناق أول تمرد يُفرغون في الدفاع عنه شعورهم بالكبت والعجز دون إيمان حقيقي، ثم الإفاقة مع الموجة المضادة واعتناقها، ليجدوا في مهاجمة ما دافعوا عنه بالأمس فرصةً جديدةً لتفريغ مزيدٍ من كبتهم. لم يكسب أحد من تلك المعركة إلا مراكز الحلاقة وعيادات التجميل التي ازدهرت إعلاناتها بجرأة في كل مكان.

ازدادت أوضاع حازم سوءًا في الأسابيع التالية، بدأت جحافل المتعصبين تلاحقه أينما ذهب، يقسِّمون أنفسهم إلى مجموعات تترصده أمام بيته وعمله والمقهى. كانوا يسبونه ويلعنون محاولاته لتسميم أدمغة الشباب، بعدها بدأوا يقذفونه بالثمار الفاسدة، ثم الطوب، وملأوا الشوارع بملصقات تحمل صورته كخائن سيدمر الوطن، وأخيرًا أخطأته رصاصة في حادثة أشعلت الرأي العام، البعض رآها تطرفًا غير محمود في مواجهة فكرة واختيار شخصي الأفضل أن تسن قوانين لمعاقبة أصحابه من الشواذ، والأغلبية رأتها محاولة ضرورية لاستئصال الفساد من جذوره وردع من يجترئ على اقترافه ثانية.

بلغت نفسية صديقي الحضيض، انطفأ وجهه رغم نصاعة بشرته المحلوقة الوسيمة، وخبا نور عينيه، ثم اتصل بي ذات فجر يقول لي إنه سيخرج اليوم منتظرًا الرصاصة الصائبة، فارتديت ملابسي وطرت إليه.. جرجرته إلى سيارتي ثم إلى بيتي حيث بقي يومين قبل أن يبلُغَنا المطاردون، ويرجمون النوافذ بالأحجار حتى تكسَّرت فاضطررنا للهرب من سطح العمارة إلى عقار مجاور، وبدأت رحلتنا في التنقل بين بيوت الأصدقاء. بعضهم كان مساندًا لكنه يخشى الصدام مع الحكومة، رغم أن لا قانون يجرم ما فعله حازم، وأخبرونا أن العرف بمنزلة القانون في بلادنا، وعليه فإن أي انتهاك له يجعلنا جديرين بالمساءلة القانونية إرضاءً للغاضبين وانتصارًا للغوغاء. انتقلنا لبيت صديقٍ آخر جادلنا في ما حدث، قال إنه يعرف جيدًا أن اختيار المظهر حرية شخصية يتمتع بها كل الناس في جميع أنحاء العالم، ورغم هذا فإنه لا يستطيع أن يقول إن ما فعلناه كان سديدًا. ألقى عليَّ لومًا خاصًّا «الصديق الحق يمنع صديقه من ارتكاب الأخطاء».. حملقت فيه ولم أرد، وخرجت مع حازم وقد انفصمت صداقتنا معه.

كنت أحاول الوصول لعمي إبراهيم لكن بلا جدوى، فهو مسافر دائمًا ولا يبقى في مصر أكثر من أسبوعٍ يطير بعده مرة أخرى، وعندما بلغت عتمة تخبطي ذروتها اتصلت بي مديرة مكتبه تقول لي إنه في منزله الصيفي بالساحل الشمالي، ورحبت بحضورنا. انطلقت مع حازم من فورنا وأنا أحدثه بحماس أن عمي سيساعدنا وينجينا من هذه المأساة، وقد تُسهِّل لنا علاقاته الفرار من البلد، فهز رأسه موافقًا دون تفاعل حقيقي.. كانت كلمة «أنا نادم» معلقة على شفتيه، لكن جزءًا منه كان متمسكًا بأنه لم يفعل إلا ما هو حق له، وما بين الشعورين تهاوى صديقي.

وصلنا إلى فيلا عمي الفخمة قبيل الضحى، واستقبلنا بوجهيه الوسيمين وضحكة صاخبة ملأت العالم حتى إن حازم ابتسم وتبدد بعض همه. أمرنا عمي بالراحة الآن على أن نلتقي على الغداء، وأخذتنا سكرتيرته إلى غرفتين طيبتين، أفطرنا واسترخينا أمام منظر البحر، والتقيت حازم ظهرًا فبدا مستريحًا وإن لم يخف تجهمه.

كانت الفيلا مزدحمة، يهرع فيها شباب بملابس رسمية أنيقة حاملين أوراق وملفات العمل، ويدخل ويخرج ضيوف متعاقبون يبدون غاية في الأهمية. لم يفرغ عمي للقائنا إلا عصرًا، واجتمعنا حول مائدة الطعام في شرفةٍ واسعة. قال عمي: «والله زمان يا حازم! لم أرك منذ تخرجكما في الثانوية».

– «شرف لي أن أقابلك مجددًا يا سيدي».

– «لقد سمعت عمَّا فعلت.. تصرف شجاع، أتمنى أن تكون أشجع في ما بعده».

خفض حازم عينيه إلى طبقه وعبث بطعامه بطرف ملعقته ولم يرد، سأله عمي: «ماذا ستفعل في حياتك الآن؟» 

لم يرد حازم، سرحت عيناه وتاهتا. قال عمي: «لا تقلق، سأساندك بكل ما استطيع، أفضل من ينقذك من حماقاتك مَنْ سبقك إلى الحماقة ذاتها».

منزعجًا وغاضبًا علقت على قوله: «أترى ما فعله حازم حماقة؟ أنت بالذات يا عمي؟!»  

– «ليس ما فعله بالتأكيد، ولكن ما هو عليه الآن.. إنه عاجز عن تجاهل الأغبياء».

انفلت غضب حازم للمرة الأولى: «إنهم يحاولون قتلي».

– «أنت تعيش في أرض الجنون، وإذا توقعت خيرًا ممن تلوثوا في هذا المستنقع ستكون أغبى الأغبياء. أفضل ما يمكنك فعله أن تواصل حياتك وكأن شيئًا لم يكن، لا تقاتل لتثبت لهم أنك تستحق حريتك، فقط عشها، ضعهم أمام الأمر الواقع واتركهم يتخبطون حتى يبتلعوا ما أنت عليه».

– «لكنني سأواجههم».

– «لمجرد أنك تكرههم؟ الكراهية تحجز لعدوك جناحًا فاخرًا في عقلك أنت أحوج إليه منه. أخبرني يا حازم، ماذا تخطط أن تفعل في حياتك الآن؟» 

كان الرد جاهزًا على طرف لسان حازم، هم بإلقائه في وجه عمي ثم توقف، تراجع، ثم اتسعت عيناه وارتج عليه، ثم صمت. قال عمي: «أترى؟ لقد استهلكوا طاقتك وحياتك في الدفاع عن قرار تافه لأنك تهتم برأيهم، وتهتم بإثبات أنهم على خطأ وأن يدركوا أنهم على خطأ وإلا أكلت نفسك حيًّا، لكن القدرة على تجاهل الحمقى دون الشعور بالندم هي أعظم انتصارات العاقلين».

عندما انتهى الغداء عدت لغرفتي وحدي، وسيطر كلام عمي على تفكيري، ثم أخرجت مجلة الموضة التي رافقتني في هربي الطويل، واستقرت عيناي عند صورة بعينها، وفكرت أن لديَّ أحلامًا وخططًا كثيرة للمستقبل لم أستطع أن أمضي قدمًا في تحقيقها لأني غير راضٍ عن الرجل الذي أراه في المرآة، لا أراه أنا، ورؤية انعكاسه الغريب كل صباح تشلني عن التعاطي مع نفسي بجدية، ولعل هذا ما يجعل الآخرين يستهترون بي فيحيلون حياتي جحيمًا. وَجَفَ قلبي عندما اتخذت القرار وذهبت إلى مكتب عمي لأقول: «أريد هذا المظهر».

نظر عمي للصور المختارة لحلاقة الذقن والشعر، ثم قال لي: «سأرسل في طلب حلاقي الخاص».

جعلني رد فعله أكثر توترًا، تمنيت لو سألني «أأنت متأكد؟» أو حذا حذو أبي في تحذيري.. تركني عمي لنفسي وكان هذا أقسى شيء.. حسنًا، هذا ما ظننته حتى سألني الحلاق: «متأكد؟» 

أومأت وريقي جاف، وأجفلت عندما دارت ماكينة الحلاقة الكهربائية وجرت على رأسي، ثم مرت الموسى على وجهي وحدتها تُشعل فيَّ شعورًا بالخطر والإثارة.. تخيلت وجهي حينما ينتهي الحلاق، أي انطباع صلب سأترك عند الناس، كيف ستنظر لي الفتيات، كيف سأتعامل مع عملائي.. تعاظمت آمالي وضَخُمَتْ حتى انتهى الحلاق ونظرت في المرآة.

رأيت شابًّا ينظر إليَّ في فضول واستكشاف، بدا أقل بدانة مما أنا عليه، وأكثر أناقة وتلاؤمًا مع الروح التي أعيش معها، لكنه كان عاديًّا جدًّا، مجرد شاب وسيم حليق الوجه بشعر قصير منحه سمتًا جادًّا جديرًا بالثقة، لم أشعر بشيء أسطوري فيه، أهذا ما ادخرت حياتي لأشعر به؟ كل هذا القدر من العادية؟!

ابتلعت خيبة أملي وشكرت الحلاق بشحوب وهو يهنئني، قال لي «نعيمًا» كما كنت أرى في الأفلام القديمة فابتسمت، وانعكست ابتسامتي باهرةً على وجه الشاب في المرآة، انبثق جمال «العادية» ليركل كل الأساطير التي ربونا عليها إلى التراب، «وجهك سيضيء إذا انتظرت الوقت المناسب لتتغير».. «الفاسدون وحدهم يغيرون ما خُلقوا عليه».. «المتمسك بثباته كالقابض على الجمر».. كل هذا لم يكن له معنى أمام شعوري المفاجئ بأني إنسان حيُّ.. روح حرة تُشبه نفسها لا ما قرره العالم.

سرت واجفًا صوب غرفة حازم، حيَّاني بعض العاملين مع عمي بابتسامة سعيدة مهنئة دون مبالغة أو تهويل، وطرقت باب صديقي بانتظار أن يفتح لي، توقعت أن يصرخ بوجهي أو يعنفني أو يحتفل بي، لكنني لم أتوقع التحول السعيد المدهش في ملامحه، والابتسامة العظيمة التي فغر بها فاهه وتحولت لضحكة كبيرة، بعد لحظةٍ واحدة من الجمود عرفني خلالها، ثم شدني إلى حضنه لنتعانق، حُرَّين.

كانت تلك أسعد ليلة في حياتي وحياة حازم، ضحكنا حتى الفجر ونحن نستكشف ملامحنا وما خلقته فينا كرجلين لا يشبهان ما كنا عليه لسنوات، وسرعان ما وضعنا اختيارنا لمظهرنا خلف ظهرنا والتفتنا لما هو أهم وأبقى، تحدثنا عن مستقبلنا وما نرجو تحقيقه، اختلفنا في سبل تحويله لحقيقة لكننا اتفقنا على أهمية أن نرحل بعيدًا عن صغار العقول والطموح.. كان التغيير الذي نطمح إليه الآن أكبر وأعظم من كل أحلامهم، وترسخ فينا أن متى بدأ التغيير فهو لا يتوقف ولا ينتهي إلى عدم، بل هو أثر يكبر يومًا بعد يوم ليغير حياةً بأكملها.

كانت تلك أسعد ليلة في حياتي وحياة حازم، أو هذا ما ظننته حتى استيقظنا بعد أيام وشعور غريب يراودنا، اتجه أحدنا إلى الآخر متوجسًا وأخرس بفرحة مكتومة وغامضة، متحسسين ذقنينا اللتين اكتسبتا خشونة لم نتوقعها، وبدأت شعيراتها في النمو من جديد.  

اعلان
 
 
آية عبد الرحمن  
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن