عندما نستجير من رمضاء «الاستبداد» بنار «الاستعمار»

في إحدى الروايات الجزائرية قالت السيدة العجوز لأحد قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي حكمت الجزائر منذ استقلالها عن الاحتلال الفرنسي عام 1962: «يا بني الاحتلال الفرنسي استمر 130 سنة وانتهى، فمتى ينتهي استقلالكم للبلاد؟»، تعبيرًا عن فشل واستبداد حكم الجبهة التي قادت حرب التحرير بنجاح لكنها فشلت في إقامة حكم ديمقراطي وتوفير حياة كريمة للشعب الجزائري على مدى أكثر من نصف قرن.

ومن صفحات الأدب الجزائري إلى الواقع السياسي في لبنان، تحول الخيال إلى واقع عندما تم إطلاق عريضة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي إلى البلد، ليوقع عليها عشرات الآلاف من اللبنانيين باعتبارها صرخة يأس وإعلان كفر قطاع كبير من الشعب اللبناني بالنظام السياسي الذي تحلل خلال السنوات الأخيرة بفعل الفساد والطائفية والتبعية، أكثر من كونها دليل خيانة وعمالة للغرب كما روج البعض.

لم يهز انفجار مرفأ بيروت أحياء ومباني «ست الدنيا» فقط، بل ضرب قواعد شرعية التركيبة الحاكمة في لبنان التي تجاهلت مطالب شعب أعلن تمرده قبل شهور وخرج إلى الشوارع رافعًا شعار «كلن يعني كلن» في دلالة على رفضه لكل مكونات الطبقة السياسية التي أغرقت لبنان في دوامة من الفشل والتخبط والصراعات.

تحايلت النخبة الحاكمة التي لم تتغير منذ نحو أربعة عقود على مطالب الشعب بإصلاحات شكلية، تبدلت الوجوه لكن التركيبة السياسية الطائفية التي يتحكم فيها بارونات الفساد لم تتغير، حتى حلت كارثة المرفأ، فخرجت صرخة الجريح الذي ينازع الموت لتطالب باستدعاء المستعمر، عسى أن يمنح الدولة التي توشك على الغرق قبلة الحياة.

خرجت العريضة التي وقع عليها أكثر من 60 ألف لبناني إلى الفضاء الإلكتروني، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت بعد الانفجار الذي أسفر عن مقتل أكثر من 160 شخصًا وإصابة أكثر من ستة آلاف آخرين، واعتبرها مراقبون أنها آخر مظهر من مظاهر اليأس من السلطة الحاكمة في البلاد.

وجاء في العريضة التي كتبت باللغة الانجليزية: «لقد أظهر المسؤولون اللبنانيون بوضوح عدم القدرة الكاملة على تأمين وإدارة البلاد.. ومع فشل النظام وتفشي الفساد والإرهاب والميليشيات، لفظت البلاد للتو أنفاسها الأخيرة.. نعتقد أن لبنان يجب أن يعود تحت الانتداب الفرنسي من أجل إقامة حكم مستقر ونظيف».

وبعد إطلاق العريضة على موقع «آفاز»، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدات تحمل نفس مضمونها، ووضع المغردون صور للرئيس الفرنسي وهو يتجول وسط الخراب الذي أحدثه الانفجار مع نداء بإعادة الانتداب الذي عاشه لبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، منذ عام 1920، قبل أن يعلن استقلاله العام 1943، بعد توقيع الميثاق الوطني اللبناني.

وفيما اعتبر بعض المعلقين الأمر مجرد نكتة، استنكر آخرون المطالبات بعودة «الاحتلال»، واتهموا الموقعين على العريضة بالخيانة والعمالة للغرب، فيما أقر فريق ثالث بأن لبنان لم يكن في الأساس مستقلًا، فالطوائف والأحزاب والحركات السياسية تابعة بشكل أو بآخر لدول وقوى إقليمية ودولية، فمن  «الانتداب الإيراني والخليجي الحالي إلى الفرنسي  السابق يا قلبي لا تحزن».

ماكرون في زيارته التي تحدث فيها مع مواطنين تعرضوا للضرر، أكد  تقديم الدعم للشعب اللبناني ومساعدته في محو آثار الكارثة، كما شدد على أن دعمه لن يصل إلى يد الفاسدين، مؤكدًا أنه «لن يتعدى على سيادة لبنان».

وقال الرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحفي: «ما أود قوله لكم ألا تطلبوا من فرنسا ألا تحترم سيادة لبنان، سأكون هنا في كل مرة يكون فيها اللبنانيون بحاجة للمساعدة.. صدقوني لن يصدر مني أي تدخل، وأيضًا لن يصدر مني محاباة لأحد، سأتصرف بدافع الصداقة لأن بيننا تاريخ مشترك يتواصل منذ 100 عام».

وخلال الزيارة أشار ماكرون إلى إنه سيقدم مبادرة سياسية جديدة تتضمن بدء الإصلاحات وتغيير النظام ووقف الانقسام ومحاربة الفساد، معتبرًا أن لبنان يعاني من أزمة سياسية ومالية، وردًا على من طالبوا بـ «الانتداب» قال الرئيس الفرنسي فيما معناه: «فرنسا لن تحكمكم بل أنتم من ستحكمون أنفسكم»، وهو ما اعتبره البعض رسالة لتخفيف الهجوم الذي لاحق الزيارة من منصات الإعلام ومواقع السوشيال ميديا التي وصف بعضها جولة ماكرون بأنها زيارة رئيس دولة «الحماية».

بعد أن أدرك الشعب اللبناني حجم الدمار الذي خلفه انفجار المرفأ، خرج إلى الشوارع مرة أخرى ليعيد مطالبه برحيل الطبقة الحاكمة، رافعًا شعارات «علقوا المشانق»، و«يوم الحساب».

«اليوم نبكي ضحايانا، وغدًا ننظف بلدنا وبعد الغد نقوم بشنقهم»، كانت تلك إحدى الرسائل التي حملها المتظاهرون والتي عبرت عن نفاد صبر الشعب في البلاد التي تحكمها طوال العقود الأربعة الماضية نخبة سياسية فاسدة وحفنة من أمراء الحرب، فيما رفعت شابة عشرينية صورة لصديقتها التي قتلت في الانفجار مذيلة بشعار «حكومتي قتلتني».

لسان حال اليائسين والمحبطين الذين هرعوا إلى الشوارع، ولخصها الكاتب طوني عيسى في جريدة «الجمهورية» اللبنانية، أنه «لا أمل في جماعة السلطة الذين ينادون بالوطنية ويطلقون الوعود بالإصلاح، لكنهم فاسدون ويرهنون البلد للخارج ويدمِّرون الدولة، والأمل الحقيقي يبقى في الناس الذين كفَروا، وهؤلاء الناس أوصلوا رسالتهم إلى ماكرون: لا تُجرِّبوا المجرَّب. هؤلاء لن يسيروا بالإصلاح ولو على قطع رأسهم. إنّهم يكذبون عليكم ويكسبون الوقت فقط. إذا أردتم فعلًا إنقاذ لبنان، ساعدونا للتخلّص منهم».

وعلى وقع الاحتقان وتحميل الشعب اللبناني للحكومة مسؤولية سقوط آلاف الضحايا أعلنت حكومة حسان دياب استقالتها الإثنين 10 أغسطس، وقال دياب في كلمة متلفزة «اليوم وصلنا إلى هنا، إلى هذا الزلزال الذي ضرب البلد.. اليوم نحتكم إلى الناس وإلى مطالبهم بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة المختبئة منذ سبع سنوات، إلى رغبتهم بالتغيير الحقيقي»، مضيفًا «أمام هذا الواقع نتراجع خطوة إلى الوراء بالوقوف مع الناس، لذلك أعلن اليوم استقالة هذه الحكومة».

استقالة الحكومة، في وجهة نظر كثير من اللبنانيين ليست كافية، فكم من حكومة تبدلت خلال الأزمات السابقة، أزمة الشعب اللبناني الذي خرج إلى الشوارع مع النخب التي تسيطر على مقاليد السياسية، مع نظام المحاصصة الذي يفرز نفس التركيبة وأن تغيرت الوجوه، مع حزب يملك ميليشيا وسلاح لا يملكه الجيش الوطني، مع زعماء طوائف يقدمون مصالح الطائفة على مصلحة الوطن.

الأحداث التي شهدها لبنان خلال الأيام القليلة الماضية، فتحت الباب لنقاش واسع حول الأسباب التي دفعت مواطني دولة عربية من المفترض نظريًا أنها مستقلة إلى الكفر بنظام الحكم الوطني، وأعادت إلى الواجهة الأسئلة المسكوت عنها «هل دولنا بالفعل مستقلة في قراراتها؟.. وهل شعوبها هي صاحبة السيادة؟ أم أن الأنظمة الحاكمة رهنت أمر السيادة بالتبعية لقوى دولية وإقليمية حتى تضمن بقائها واستمرارها؟».

الحقيقة أن تهميش الشعوب ومحاولات إخضاعها من قبل الأنظمة، قد تدفعها في كثير من الأحيان إلى الكفر ليس بالأنظمة التي لا يشغلها سوى استمرارها على مقاعدها بل بالأوطان ذاتها، تجلى هذا الكفر في صور شتى أبرزها انتحار البعض وهم يحاولون عبور البحر المتوسط على مراكب الموت للنجاة من جحيم الوطن، أو إقدام البعض الآخر على التخلص من حياتهم تحت عجلات مترو الأنفاق، أو دعوات فريق ثالث إلى عودة المستعمر للخلاص ممن يظنون أنفسهم أنظمة وطنية.

لن يستقر لبنان أو غيره من دول المنطقة دون أن تكون هناك سيادة حقيقة للشعوب دون وصاية من أحد سواء كانت مؤسسات قوة أو طوائف أو ميلشيات، فيكون لها الحق في اختيار من يحكمها ومن يراقب حكامها ومن يشرع لها قوانينها، وأن تملك أدوات عزل كل فاشل أو فاسد ومحاسبته ومحاكمته أمام قضاء مستقل نزيه، ولن يحدث هذا إلا بإقرار نظام ديمقراطي حقيقي قائم على المواطنة والحرية والعدالة والمساواة، نظام يحترم المواطن ويقر بأنه صاحب السيادة الحقيقي، حينها لن يفكر أحد في الخلاص عبر استدعاء المستعمر، أو الهروب من جحيم الأوطان بالانتحار في مراكب الهجرة غير المنظمة،  فصاحب الاختيار سيتحمل مسؤولية اختياره.

«إن أصل الداء هو الاستبداد السياسي، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية»، هكذا شخص المفكر الكبير عبدالرحمن الكواكبي داء المنطقة ووضع دوائها قبل 100 عام، مشيرًا إلى أن «أنكر المنكرات بعد الكفر هو الظلم»، ومنذ أن فصل الكواكبي في شرح الداء والدواء في كتابه المرجع «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» لا تزال بلادنا تُحكم بالظلم، ولا تزال الأنظمة تسلم بعضها البعض رايات الاستبداد، وأجهضت كل محاولات بناء دول حرة مستقرة، حتى أصبحنا على ما نحن فيه من تخلف وجهل وتبعية وإن ادعينا القوة والعلم والاستقلال.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن