في زمن «كورونا».. كيف يتعامل الأهالي مع نقص المياه؟
 
 
 

يعيش هشام سليم (29 سنة)، متزوج ويعول أربعة أطفال، في قرية الشيخ علي شرق بمحافظة قنا، إحدى مناطق عديدة في مصر تعاني بشدة من نقص المياه.  يقول هشام «بنسمع تعليمات يوميًا من بعد انتشار المرض عن أهمية غسل اليدين، لكن المشكلة أن محدش عرّفنا هنجيب المياه منين اللي نغسل بيها إيدينا؟».

تبدأ الحياة في قرية الشيخ علي في السابعة صباحًا. يستأجر الأهالي عربات الكارو التي يستعين بها المواطنون لنقل المياه من القرى المجاورة في رحلة يومية تصحبهم فيها الجراكن والأوعية والزجاجات البلاستيكية، ملاذهم الوحيد للشرب والنظافة.

يقول سليم: «تأجير التروسيكل لنقل المياه يكلفني 30 جنيه في اليوم، ومبقتش عارف هجيب الفلوس دي منين، خصوصًا بعد أزمة كورونا». بعد انتشار الفيروس، ضاعف سليم كمية المياه التي ينقلها من القرى المجاورة للحفاظ على نظافة أطفاله وزوجته، وبالتالي كان ذلك ينعكس مباشرة على دخله. «جركنين في اليوم بعد المرض مش بتكفيني أنا وزوجتي وأولادي الأربعة، عشان كدا فلوس نقل المياه زادت الضعف».

خطة سليم وأسرته في استخدام المياه خلال آخر شهرين بعد الزيادة في العبء الاقتصادي عليه لم تتضمن غسل اليدين، ولكن المهام الأكثر أهمية كالشرب وتحضير الطعام. «الفترة الأخيرة مبقتش عارف هجيب فلوس النقل منين علشان كدة بقيت أهتم أن المياه تكون للشرب وتحضير الطعام أكتر من غسل اليدين أكتر من مرة في اليوم ومفيش حل غير ده».

وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة للطفولة، يجب المداومة على تنظيف اليدين وغسلهما بالماء والصابون لمدة من 20 إلى 30 ثانية للوقاية من الإصابة بالعدوى. وبحسب الأمم المتحدة فإن من المتوقع أن يزداد الطلب على المياه لغسل اليدين في المنازل بمقدار 9-12 لترًا للفرد في اليوم للحد من انتشار «كورونا».

في محاولة للتحكم في انتشار العدوى، دعت هالة زايد، وزيرة الصحة والسكان، في أبريل الماضي الشعب المصري لتحدي غسل الأيدي. لكن أزمة المياه التي تعيشها مصر، وسوء توزيعها بين المدن والقرى في محافظات مصر كافة، تجعل من الالتزام بمعايير النظافة والوقاية من العدوى مهمة شبه مستحيلة.

متوسط استهلاك الفرد من المياه للشرب والأغراض المنزلية يتجاوز 200 لتر في اليوم الواحد في المدن، فيما يصل لنحو 150 لترًا في القرى

يستهلك الصنبور الحالي في المتوسط حوالي ستة لترات من الماء في الدقيقة. إذا استمر الغسيل اليدوي لمدة 20-30 ثانية يصل إلى 2-3 لتر من الماء إذا كان الصنبور قيد التشغيل، أو لنحو لترين مع إغلاق الصنبور. وبالتالي، فإن الأسرة المكونة من خمسة أفراد ستحتاج من 100-150 لتر من المياه يوميًا فقط لغسل اليدين عشر مرات في اليوم. وبحسب إحصاء الشركة القابضة لمياه الشرب في 2018، فإن متوسط استهلاك الفرد من المياه للشرب والأغراض المنزلية يتجاوز 200 لتر في اليوم الواحد في المدن، فيما يصل لنحو 150 لترًا في القرى.

الأرقام الرسمية تشير إلى تناقص نصيب الفرد حاليًا من المياه في مصر إلى أقل من 600 متر مكعب سنويًا، مع ثبات حصتنا المائية من مياه النيل. وبحسب توقعات الأمم المتحدة، فإنه بحلول عام 2025 قد تصل مصر إلى مستوى ما يطلق عليه «أزمة مياه مطلقة»، حيث تقل حصة الفرد عن 500 متر مكعب سنويًا.

تهيمن الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي على توزيع المياه في مصر، وتعتمد محطات تنقية مياه الشرب التابعة لها على ثلاثة مصادر رئيسية للمياه. المصدر الأول مياه النيل والترع (حوالي 86%)، الثاني الآبار الجوفية (حوالي 14%)، أما الثالث فهو تحلية مياه البحر، والذي يمثل نسبة لا تكاد تذكر، بحسب مبادرة «تضامن» العمراني المعنية بالتنمية المستدامة. وتقوم الشركة القابضة بضخ المياه المحلاة عبر شبكاتها للمستهلك النهائي.

تتضاعف الأزمة كذلك بسبب سوء توزيع الخدمات العامة والميزانيات المرتبطة بها داخل محافظات مصر بشكل لا يتسم بالعدالة أو يتواءم مع كثافة السكان والطلب على تلك الخدمات. وبحسب تصريحات صحفية لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي عام 2014، حين كان وزيرًا للإسكان، تنتج محطات مياه الشرب مياه نظيفة تكفي مصر كلها بمواصفات جودة مطابقة للمقاييس العالمية، ولكننا نعاني من «سوء التوزيع»،وهي الأزمة التي عمرها نحو 40 عامًا، وتحول دون وصول مياه الشرب للكثير من المناطق والقرى أو انقطاعها عن البعض الآخر. «نعاني من مشكلة توزيع حيث تتكدس المحطات في بعض المناطق، بينما هناك مناطق تعانى من نقص أو محرومة من محطات مياه، وهذا يسبب انقطاع المياه ربما لعدة أيام».

يحظى سكان المدن بقدر أكبر من الخدمات العامة كمًا وكيفًا مقارنة بسكان الريف. على سبيل المثال، هناك 56% من سكان الريف لا تصلهم مياه الشرب النقية باستمرار، مقارنة بسكان الحضر الذين يتمتعون بخدمات المجاري والمياه بشكل شبه كامل. وفي مقابل متوسط نصيب للفرد من المياه في القاهرة يبلغ 483 لترًا يوميًا، والإسكندرية 511، يبلغ المتوسط في المنيا مثلًا 138 وأسوان 209، بحسب تقرير حديث لجهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك عن العام المالي 2018/2017.

كما تشير إحصائيات «يونيسيف» في 2016 إلى أن هناك أكثر من ستة ملايين مصري يعيشون بدون وصلات مياه، منهم 13.3% في المناطق الريفي بالوجه البحري، وترتفع في ريف الصعيد إلى 17٪ مقابل 1.5 % من الأسر في المناطق الحضرية، فيما يعاني 6.6 مليون مصر من انقطاع إمدادات المياه يوميًا، ويحصل 1.5 مليون مصري على المياه من حاويات أو عربات المياه.

ولا يقتصر التوزيع غير المتكافئ للخدمات على الفروق بين المناطق الحضرية والريفية فحسب ولكن هناك فروقات واضحة كذلك بين المناطق الغنية والفقيرة في نفس المدينة، وأيضًا بين المناطق المخططة والأخرى غير الرسمية. ويمكن ملاحظة التفاوت في مستوى تقديم الخدمات بالنظر إلى توزيع المياه، حيث تتعرض بعض المناطق متوسطة ومنخفضة الدخل بشكل منتظم لفترات طويلة من انقطاع المياه. وهناك أمثلة عديدة على وجود فجوة واسعة بين المناطق مرتفعة ومنخفضة الدخل داخل المدن بالنسبة لنوعية وكمية المنشآت الصحية والمدارس وتوفر النقل العام والصرف الصحي والمساحات العامة، طبقًا لبحث مبادرة «تضامن».

تأثير سوء التوزيع ظهر واضحًا خلال أزمة «كورونا» حيث عانت مختلف القرى والمدن المصرية، وتحملت ملايين الأسر عبء توفير كميات أكبر من المياه.

زينب عطية (53 سنة)، من قرية «الجيزة» التابعة لمركز كفر الدوار بمحافظة البحيرة، تضبط ميزانية بيتها لتوفير أكبر قدر من المياه لحماية أسرتها من فيروس كورونا، والحفاظ على استمرار غسل اليدين أكثر من مرة في اليوم. تقول عطية إنه «في بداية انتشار المرض وفرض حظر التجوال، كان عندي خوف شديد من الخروج من البيت، بس كنت مضطرة علشان أجيب مياه من الجيران نشرب منها ونغسل إيدينا».

الحل الوحيد المتاح أمامها هو ملء الجراكن والزجاجات البلاستيكية من أحد بيوت جيرانها التي تقطن بقرية «الكريون»، والتي تبعد عن منزلها مسافة نصف كيلومتر تقريبًا. «لو كنت أقدر أمشي كنت عملت كده، وعشان كدا كنت مضطرة لتأجير عربية لنقل المياه». ثمن تأجير سيارة لنقل المياه من 30-40 جنيهًا. «قبل المرض، نقلة واحدة كانت تكفيني»، تقول عطية، لكن «حاليًا مستحيل للحفاظ على غسل اليدين باستمرار، علشان كده بقيت أقلل مصاريف البيت غير الضرورية عكس الأول».

تعاني قرية الجيزة بالبحيرة من أزمة نقص المياه وانقطاعها عن البيوت منذ سنوات عديدة. تشير إلى أنه هناك أماكن مرتفعة داخل القرية لا تصل المياه إليها نهائيًا، وتقدم معظم أهالي القرية بشكاوى عديدة إلى المسؤولين، لكن لم تحل الأزمة بعد. تقول عطية إنه «في الشتاء، المياه مش بتيجي غير كل كام يوم، وفي الصيف الانقطاع بيكون على طول تقريبًا».

التلوث الشديد الذي تعاني منه مياه النيل والترع تحد من قدرة محطات التنقية على التخلص منها

فصل الصيف يمثل لزينب وأسرتها معاناة كبيرة، لكن هذا الصيف يفوق أي صيف سابق. بعد انتشار «كورونا»، أضيفت إلى حياتهم طبقات من المعاناة بسبب نقص المياه الشديد مع بداية شهر يوليو، وهو ما توضحه بقولها: «أنا عندي أربعة أولاد وخايفة عليهم من المرض، ومبقتش عارفة مشكلة المياه دي ممكن تتحل امتى، خصوصا أنها موجودة من سنين».

توسعت الحكومة خلال الأعوام الماضية التوسع في إنشاء محطات تحلية المياه للتغلب على هذه الأزمات. بحسب تقديرات رسمية العام الماضي، يبلغ عدد المحطات القائمة 63 محطة، بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 799 ألف متر مكعب يوميًا في محافظات شمال سيناء وجنوب سيناء والبحر الأحمر ومطروح والإسماعيلية والسويس. بينما يبلغ عدد المحطات الجاري تنفيذها 19 محطة بطاقة إجمالية 375 ألف متر مكعب يوميًا بتكلفة إجمالية 7.9 مليار جنيه بمحافظات مطروح والبحر الأحمر وشمال سيناء وجنوب سيناء وبورسعيد والدقهلية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوات، إلا أنها تظل قاصرة عن حل الأزمة بشكل كامل، كما تظل هذه الإنجازات محصورة على مستوى الكم فقط من حيث أطوال الشبكات المنفذة أو عدد الوحدات السكنية التي تم ربطها بشبكات المياه، ولم يمتد لحل مشكلة مياه الشرب القائمة بصورة فعلية، بحسب مبادرة «تضامن».

أشارت المبادرة في دراسة لها نشرتها في 2013 إلى أن التلوث الشديد الذي تعاني منه مياه النيل والترع تحد من قدرة محطات التنقية على التخلص منها، إلى جانب ارتفاع نسبة ملوحة مياه الآبار الجوفية وتلوثها نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي والصناعي إليها، وتهالك شبكة المياه وارتفاع نسبة الهدر فيها إلى 50%.

تضيف رشا الخولي، خبيرة هندسة المياه، إلى أن الإشكالية تكمن في تجديد وإحلال شبكات المياه والطلمبات والبنية التحتية بشكل عام، وإيجاد حلول بديلة تدعمها الدولة.

أحد أهم تلك الحلول، بحسب رشا، هو تنقية مياه النيل واستخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والمياه الجوفية وتجميع  مياه الأمطار، وكذلك الاستغناء عن زراعة بعض المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه كمحصول الأرز، والاعتماد على استيرادها من الخارج مقابل تصدير محاصيل أخرى غير مستهلكة للمياه.

إلى جانب التوسع في إنشاء محطات مياه الشرب لتغطية جميع السكان في مختلف المناطق، يتفق نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، مع أهمية «تغيير سياسة المحاصيل الزراعية التي تزرع في مصر عن طريق الاستغناء عن المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه وتخفيض المساحات الزراعية من محاصيل الأرز وقصب السكر والموز»، ورفع كفاءة الري في الحقول عن طريق شبكات الرش والتنقيط.

يشير نور الدين كذلك إلى أهمية التوسع في محطات تحلية مياه البحر، والتي يُفترض أن توفر بدءً من العام الحالي 1.7 مليون متر مكعب كل يوم، بنسبة 6.6% من إجمالي مياه الشرب.

اعلان
 
 
مصطفى حسني 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن