فستان الحاج وجيه
مراجعة لرواية جيلان صلاح «بوجارت أعزف لي لحنًا كلاسيكيًا»
 
 
 
المصدر: دار «ضمة» على فيسبوك
 

1

حياتى كقاريء بائسة جدًا، تسير منذ سنوات خلت ولسنوات قادمة وفق خطط صارمة. تتراكم الكتب فوق الأرفف، وأتقدم وسط غابتها ببطء. هناك قراءات لأغراض مهنية تتعلق بمشاريع جاري التخطيط أو العمل عليها، قراءات كتابات الأصدقاء، وقراءات المتعة سواء لكُتّاب لدي فضول اتجاههم، أو آخرين استكمل علاقتى بهم، قليلًا ما أحيد عن المسارات المحددة سلفًا. قد يظهر كتاب مثير للانتباه جديد، فيمر أولًا باختبار «الفرك والشمشمة».. ليتم تقديره ووضعه في الجدول المحدد سلفًا.

مؤخرًا كنتُ أفكر في قمصان النوم الحريمي، وكيف ومتى تطوّرت تلك الصناعة بينما اضمحلت قمصان النوم الرجالي، أو توقفت على القمصان الكستور التي تصل حتى الركبة. تستخدم قمصان النوم حاليًا كوسيلة للتجريس والتشهير، ذلك بإجبار المهزوم في الخناقات على ارتداء قميص النوم الحريمي لتجريسه.

لكن بعيدًا عن أعين الناس، في مكان خفي كمخزن الحاج وجيه سيد مرسي بالإسكندرية، يتعرض الجسد الذكوري للصدمة الأولى، ثم يبدأ الملمس الحريري لقمصان النوم الحريمي الستان في إحداث استثارة غامضة. تشبّ الرغبة برأسها من بحيرة واسعة ساكنة، ثم تتجلى الرغبة على سطح تلك البحيرة. 

تحمل تلك الرواية القصيرة الماكرة لجيلان صلاح عنوان «بوجارت، أعزف لي لحنا كلاسيكيًا».

2

عرفت الرواية من خلال «استيتوس» للصديق والناشر شريف بكر الذي بدوره عرفها بترشيح من د.شيرين أبو النجا. دون هذه المصادفات لم أكن لأسمع عن الرواية. اشتريت نسخة إلكترونية وقررتُ الاحتفاظ بها لتأخذ دورها في جدول القراءات. فتحت الرواية لفركها وشمها. والفرك والشم، طقوس كلبية للتعرّف على الكتب وتقديرها، أساسها تقليب الكتاب وقراءة أجزاء متناثرة منه، وربما أول صفحة مثلًا، لتحديد طبيعته ومستواه.

بعض الكتب لا تستحق أكثر من فركها، لتجد نفسك عرفت كل ما في الكتاب ولا حاجة للمزيد. معظم الكتب يتمّ التعرف عليها ثم صفها على رف الكتب غير المقروءة انتظارًا للوقت المناسب. في هذه الرواية، ما أن بدأتُ في أول صفحة حتى وجدتُ نفسي قرب النهاية… للدقة عشر صفحات وأنهي الرواية.

يتسلل الحاج وجيه السيد مرسي ذو الستين عامًا والأحفاد الكثيرون إلى المخزن، سيختار اليوم «الباروكة» الصفراء. سيركب الأظافر الملونة، سينهمك في رسم ملامح وجهه بالمكياج، حتى تتجلى شخصيته الثانية في المرآة، يتلاشى وجيه وتشرق فريدة.

3

أوقفتُ القراءة ثم عدتُ للبداية بعد يومين. في أقل من أسبوع قرأت الرواية مرتين. ليست رواية «بوجارت» ذات بناء خطى لكي يمكن تخليصها، ولا تتمحور الأحداث حول حبكة درامية، رغم سهولة اختلاقها. لكن واضح أن جيلان اختارت كتابة الرواية بأسلوب الشذرات المتناثرة من محطات زمنية متعددة، لكي تصرف ذهن القارئ عن غثاء الدراما والحبكة والحدوتة، ولتدفعه إلى الانهماك في ملء الفجوات، لأن الصراع الحقيقي في الرواية يحدث داخل الحاج وجيه لا خارجه.

يصل الحاج وجيه السيد مرسي إلى سن المعاش. تحرر من أعباء الوظيفة. وتزوج الأبناء والبنات وانتقلوا لبيوتهم وحياتهم الخاصة، ولا ينغص عليه حياته سوى زوجته المتسلطة يسرية. لكنه يهرب من نكدها إلى المخزن الذي ورثه عن والده، فهناك على مدار سنوات طويلة أخفى خبيئته. فمنذ صغره ولديه شغف بالملابس وأدوات الزينة النسائية، يجمعها ويشتريها من مختلف المحلات ويخفيها في المخزن، والآن حان وقت الاستمتاع بكل هذا النعيم.

خلال سنوات حياته، يخفي الحاج وجيه شخصيته الأخرى «فريدة» داخله، ويقمعها محاولًا السيطرة عليها خوفًا من الخجل والفضيحة، لكن الآن تخرج فريدة ويقف الحاج وجيه أمام المرآة في المخزن غارقًا في العطور والمكياج يرقص مُقلدًا مارلين مونرو، ولا يستيقظ إلا حين ينتبه لعضوه المدلدل الذي لا يعرف ما يصنع به.

4

لا أتذكر أن قرأت عن شخصية مهتمة بالـ cross-dressing أو شهوة الملابس المُغايرة (لا أعرف ما الترجمة الصحيحة) إلا في رواية «أوقات ضائعة» لغادة الطنباري. لكن البطل  في رواية غادة مثلي جنسيًا ويضع المكياج ويرتدي الملابس في العلن وأثناء العمل قاصدًا الدخول في صدمات علنية وعنيفة، في وقت الصدمات حيث تدور أحداث الرواية في سنوات الحماس الثوري 2012. لكن في رواية جيلان لا تحضر الأحداث الكبرى حتى في الخلفية. والبطل موظف بالمعاش، يرى زملائه يستعدون للموت ووداع الدنيا على قهوة المعاشات، لكنه يختار أن يبدأ حياته الحقيقة الآن.

في ذات الوقت يتعرّف على مارلي، الزوجة الشابة جارته، والتى تنجرف ببطء نحو الاكتئاب وتخبره بأنها عقمت نفسها وتستعد للانتحار لأن الاكتئاب الوراثي قدرها، فقد ورثته عن عائلتها، فأمها انتحرت وهي تعرف أن هذا مصيرها.

بينما تتجه مارلي إلى النهاية تفتح لعمو وجيه -كما تناديه- باب الحياة، تصحبه لحفلات الشباب، وتعزم عليه بالنبيذ، وتكشف له دنيا أخرى غير الدنيا، وحين تتوطد علاقتهما، يعترف لها بسره ويصحبها إلى المخزن لتقابل «فريدة» للمرة الأولى.

فريدة التي ظلت حبيسة في الظلام لعقود طويلة تحلم بلحظة الظهور للعلن برؤية الآخرين وقبلات الرجال، لكن حين تستيقظ لا تجد سوى مارلي لتقبلها قبلتها الأولي. قبلة لن تنقذ مارلي من اكتئابها ومصيرها المحتوم، لكنها تطلق فريدة من القمقم.

5 

وضعت جيلان خيارًا لغويًا مريحًا في الكتابة، السرد بالفصحى والحوار بالعامية. خيار بسيط أنتج لغة سلسة بعيدة عن التكلف لكن في ذات الوقت تقع أحيانًا في مصيدة الكليشيهات في استخدام تشبيهات ومجازات مكررة، لكن تستعيد ألقها في الحوارات المكتوبة بحرفة وصياعة.

تتشظى الحكاية على مدار الرواية، تتشظى لغة السرد، وتتداخل. أحيانًا كثيرة لا نعرف مَن يتكلم، هل هو راوٍ عليم، أم الأستاذ وجيه، أم فريدة، أم مارلي التي تفاجئ وجيه في نهاية الرواية بقصته وقد كتبتها في شكل رواية مستلهمة حياته وأسراره مما يغضبه ويدفعه لتحطيم اللابتوب والثورة على مارلي وفريدة.

لا يبدي الحاج وجيه أي ميول مثلية طوال الرواية، وأحد اللعب الذكية لجيلان حين تختلط ضمائر السرد المذكرة بالمؤنثة، في محاولة لخلق شخصيات متجاوزة للحدود الجندرية المُستقرة، دون أن تنجرف في التنظير الثقافي الكويري.

6

تتداول في تاريخ الأدب العربي تحديدًا أسطورة جندرية حول قدرة بعض الكتاب الذكور على التعبير والكتابة عن مشاعر وعوالم المرأة. بعض الكتاب كذكور -إحسان عبد القدوس رائد هذا المجال- تخصص في الكتابة عن شخصيات نسائية، وغالبًا حين يكتب ذكر رواية بطلتها امرأة يكون السؤال الأولي حول كيفية التحضير للكتابة عن شخصية نسائية بهذا التعقيد.

لكن لا تواجه الكاتبات بسؤال مماثل حين تكتبن عن شخصيات ذكور، ربما لأنه ما من تعقيد في الكتابة عن الذكور.

تلهو جيلان مع تلك الحدود الجندرية الأدبية، ربما لأنها تعلم أن حالة وجيه / فريدة ليست استثناءً، فداخلنا يعيش المفهومين، لكن المجتمع ومؤسسات الضبط الاجتماعى هي ما تسمح بظهور الذكر أو الأنثي وتشكله. وحياة وجيه هي تعبير عن هذا الأمر، فعلى طول الرواية نرى كيف توالت الصفعات عليه حين وجدته أمه يتشبه بالنساء، وكيف يتعرض للسخرية من زوجته لمجرد مواظبته على حلاقة ذقنه وأن تظل ملساء. ومثلما تكتب جيلان عن وجيه، تكتب كذلك عن فريدة السجينة داخله. لتضعنا في مواجهة تساؤلات عن معنى الذكورة والأنوثة، لتحقق الرواية غرضها الواضح وهو خلخلة المفاهيم، وإجبارنا على النظر للداخل.

7

هذه ليست رواية عن الجنس، بل عن الخوف من الأحكام الجندرية. عن حيرة الأستاذ وجيه مع جسده. 

هو لا يشتهى مارلي، وقلبه ليس معلقًا إلا بفريدة الأنثى داخله. لكن حتى مع فريدة هو ليس إشتهاءً.. هل يمكن أن يشتهى الواحد نفسه مُكتفيًا بها؟ بأن يخلق ما يريده داخله.

قرب النهاية، وفي بار «ايليت» في الإسكندرية يلتقي وجيه ومارلي. تحدثه هي بكلام كبير عن ضرورة تحرير فريدة، أن يتخلى عن البدلة التي حشر نفسه فيها طوال عمره الوظيفي. أو كما تكتبها جيلان:

 «تصاعد صوتها رخيمًا، حنونًا؛ كيكة محشوة بالفراولة والكريمة. أغمض عينيه وترك صوتها يأخذه بعيدًا، حيث لا هي هي ولا هو هو. ولا حتى فريدة. تخيّل كائنين بلا أعضاء تناسلية، بلا نوع جنسي، ملفوفين كالمومياء ولكن بأجساد رخوة لينة، يرقصان في مواجهة بعضهما البعض على خلفية من صلصال، كل شيء فيها صلصال؛ الماء والخضرة والأرض والجبال».

8

تنهى جيلان روايتها بمشهد محير يقع بين الهروب والثورة، يهرب وجيه من حفل تكريمه في المصلحة بمناسبة بلوغه المعاش. يجري إلى العمارة، لكنه لا يجد مارلي، غادرت مارلي وزوجها البناية. يهرول إلى المخزن يضع الباروكة والمكياج، وهذه المرة لن يحبس فريدة بين جدران المخزن. يخرج فستانًا أزرق اشتراه منذ سنوات. القرار نهائي، سيرتدي الفستان ويمنح فريدة حريتها في الحياة خارج المخزن. 

لكن ما قيمة الحرية حين تأتي متأخرة بلا طاقة على ممارستها، مضى الزمن، لم يحسب حساب العمر وتغيير مقاسات جسده / جسدها. وحين يرتدى الفستان يتمزق من كل الاتجاهات، ويشاهد جمال فريدة يتهاوى أمام عينيه يدور في غرفة المخزن مُتخبطاً. وتنتهي الرواية ببداية جديد حيث تختمها جيلان قائلة: «ودقي يا مزيكا».

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن