رقباء الشاليه يتحدثون
 
 

في عددنا الخمسين، نقدم دليلًا* يخبرنا بكيفية اختيار فيلم يصلح للمشاهدة في أجواء لَمَّات العائلات بالمصايف:

في الإجازات، توضع علاقاتنا العائلية تحت الاختبار. كبرنا ولم نعد نعيش مع أهالينا في منزل واحد، ولكن أحيانًا نسافر -معًا- إلى شاليه العائلة الصيفي، وتكون محاولة التأقلم على المعيشة مُجددًا صعبة.

الكثير من الأسئلة، تعليقات لا تخلو من النقد. متى وأين نشرب سيجارة، ماذا سنأكل اليوم، سنطلب بعض الأغراض من السوبرماركت الفلاني، «ولكنهم حرامية». الرطوبة قاتلة، المراوح قديمة، البحر جميل ولكن لا يشجع على السباحة، زادت الأسرة أفرادًا مع مرور الوقت -وقعنا في الحب وصار لدينا شركاء وبعضنا أنجب كائنات صغار- والآن بالكاد يسعنا البيت الذي اعتبرناه كبيرًا يومًا ما.

تتراكم التوترات خلال اليوم، ولا تتبدد سوى قرب غروب الشمس: تنكسرالحرارة، نتناول الطعام الذي اتفقنا على إعداده بأعجوبة بعد نقاشات بدت وكأنها لن تنتهي، تخفت أصوات الأطفال ويقترب موعد نومهم، ويصبح الجلوس في الحديقة ممكنًا في غياب ذباب النهار (لمكافحة البعوض وسائل واستراتيجيات احترفناها مع التجربة؛ لذا فالليل أرحم).

لو تركنا الوقت لإيقاعه العفوي لضاع بينما كل منّا في وادٍ، بصحبة تليفونه، منفصلًا عن الآخرين: البعض يلعب، البعض يرد على رسائل نصية، البعض يقرأ المقالات، البعض يقلب في صور الأصدقاء على انستجرام، إلخ. وحده فيلم يقدر على جمعنا لنقضي الليلة نفسها سويًا، ولكن يجب أن يكون فيلمًا يروق للجميع. ندرك الآن أنها المهمة الأصعب على الإطلاق: كيف نختار فيلمًا يصلح للمشاهدة مع أهالينا؟

حين نسألهم عن تفضيلاتهم، يقولون إنهم على استعداد أن يشاهدوا أي شيء، ولكننا نعلم أن ذلك ليس حقيقيًا. في الواقع، هم لديهم العديد من المتطلبات، والتي كثيرًا ما تصطدم مع تفضيلاتنا نحن. نقوم بتوصيل الهارد الخارجي للتلفزيون الجديد الذي اشتريناه قبل الإجازة خصيصًا لمشاهدة الأفلام كعائلة. نقلب بين الملفات؛ أفلام وأفلام جمعناها مقرصنة عبر السنين. لا يصلح الإنترنت هنا للستريمينج. نتولى نحن مهمة الاختيار: نبحث عن فيلم لطيف، قصة درامية مؤثرة ولكن غير كئيبة.

«عايزين حاجة كدا تغيّر موودنا» تقول الأم. حسنًا، هذا الفيلم برّه اللعبة؛ فقصة رجل أسود ورحلته للتحرر من العبودية بالكاد تغيّر «الموود»، إلا إذا قصدنا تغييره للأسوأ. ولكن نهايته سعيدة، ما هي النهايات السعيدة حقًا؟ ما هو إلا مصطلح ابتدعته هوليوود من أجل بيع القصص التي تنتجها لجمهور يتوق إلى الهروب. تحرر الرجل من عبوديته بالفعل، لكن ما زال السود يقتلون في شوارع المدن الأمريكية، وفي وضح النهار.

حسنًا، قصة حب ناعمة ورومانسية، جميل. لكن محوره علاقة مثلية، يلفت أحدنا نظر بقيتنا. معه حق، نحن قطعًا لا نريد أن يعقب الفيلم نقاش محتدم يُحيل ليلتنا جحيمًا؛ لتلك النقاشات مع العائلة وقتها، والإجازة ليست المجال الأنسب. فيلم كوميدي إذًا، لا يمس بمعتقدات أحد، مسلٍ ومضحك ولذيذ. ولكن ربما سيقولون: «إيه الإسفاف ده يا ولاد؟» وسينتهي الأمر بكل منهم على تليفونه مرة أخرى بعد أن يفقدوا الاهتمام.

فيلم تايواني شهير، على قائمة الأفلام التي نرغب في مشاهدتها من مدة، فرصة جيدة لنشاهده معًا. ولكن أسلوب السرد والإيقاع غير مألوفين بالنسبة للأهل، سيصيبهم الملل سريعًا؛ من الأفضل أن ننتقي فيلمًا ذا حبكة واضحة، بناء تقليدي مكوّن من ثلاثة فصول تسهل متابعتها.

في نادي الفيديو، حين كنّا صغارًا، لم يسمح لنا سوى أن نختار فيلمًا من ركن الأطفال والأفلام العائلية. كانت الأم تأخذ التصنيف العمري للأفلام بجدية شديدة؛ وبالتالي كان باقي المحل ممنوعًا، تستكشفه أمنا وحدها لتختار الفيلم الذي ستشاهده مع والدنا أثناء الويك إند، بينما نختار نحن الصغار فيلمنا. مع مرور الوقت كنّا قد حفظنا الأفلام المُتاحة لنا، وتملكنا الفضول حول الأفلام الأخرى -أفلام الكبار- التي زينت أفيشاتها واجهة المحل. كانت التسعينيات بنجومها اللامعين، جوليا روبرتس وتوم كروز ونيكولاس كيدج وغيرهم، ولكن كُتبت علينا أفلام ديزني وغيرها من الرسوم المتحركة، أو الكوميديا الأمريكية العائلية بعناوينها المعروفة، Home Alone وما إلى ذلك. أقصى ما تمكننا منه كان أن نشاهد خلسة الفيلم الذي استأجره الوالدين أثناء وجودهما خارج المنزل (تلك هي الطريقة التي شاهدنا بها

«Brave heart» للمرة الأولى، وكانت نسخة كاملة دون قطع، لا ندري كيف وُجدت في نادي الفيديو الصغير المقابل لبيتنا).

الآن نقف أمام التلفزيون الجديد، وقد وضعنا الزمن وخبرتنا مع التورنتس التي لم يتمكن أهالينا يومًا من فهمها في موقع الرقيب. تتملكنا الدهشة حين ندرك أن هذا تحديدًا هو الدور الذي نلعبه أثناء محاولاتنا اختيار فيلم لنشاهده وسط لمّة العائلة. انقلبت الآية؛ لدينا نحن السيطرة الكاملة على مكتبة الأفلام، وهي أكبر مما حواه أي من نوادي فيديو طفولتنا. نبيح الأفلام الآمنة فقط: خفيفة دون أن تكون تافهة، مؤثرة عاطفيًا، ولكن غير مُحبطة، «هادفة» دون أن تفتح نقاشًا غير مرغوب فيه، خالية من التجريب لتنال رضاء «الجمهور».

نفكر في أطفال العائلة النائمين بالداخل: حين يتجاوزون مرحلة الكارتون وينشط فضولهم، هل نمارس رقابة عليهم؟ هل يمارسون هم رقابتهم الخاصة علينا بعد عقود، حين تنتقل إليهم مفاتيح المشاهدة؟ هل هناك مفر؟

نختار «Godfather» في نهاية الأمر: طالما حضر الشك؛ «خليك في المضمون». فيلم ثقيل يخالف القواعد، ولكن تخف وطأته حين تكون متوقعًا لأحداثه، لا تفاجئك المأساة، وهو فيلم عرفه أهالينا قبل أن نعرفه.

تنتهي الليلة بسلام، وننام كلنا سعداء: يسمونها «كلاسيكيات» لسبب.

و#سلام.

 

*الدليل كتبه أشخاص تحوّلوا إلى رقباء بينما هم جلوس في شاليه العائلة ليلة خميس.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن