مجلس الشيوخ.. الخلطة الأمنية للعملية الانتخابية
 
 
أرشيفة - مواطنون أمام إحدى اللجان الانتخابية
 

عضو بارز في أحد الأحزاب المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ المزمع إجرائها 8 و9 أغسطس الجاري في الخارج، و11 و12 في الدخل، قال لـ «مدى مصر» مازحًا إن «القائمة الوطنية» التي تجمع أحزاب الموالاة الصريحة للحكم وأحزاب المعارضة الخجولة، اختارت «كليوباترا» رمزًا انتخابيًا، مستلهمةً ارتباط الاسم في الثقافة الشعبية المصرية بالسجائر المحلية الأشهر، والتي تستطيع أغلبية المصريين شراءها في ظل الأزمة الاقتصادية.

يتردد كثيرًا في الأوساط السياسية أن أحد كبار ممولي العملية الانتخابية هذا العام هو رجل أعمال يمتلك سلسلة مصانع، يحمل أحدها اسم «كليوباترا»، وأن الرجل، الذي طالما وصف الاسم بأنه «فأل خير»، كان هو من اقترح شعار «القائمة الوطنية» ابتعادًا عن الرموز التقليدية مثل الجمل والهلال والشمس والنجمة.

على أي حال، بحسب مصادر حزبية على صلة بالعملية الانتخابية، مصير المرشحين المئة على «القائمة الوطنية» أو قائمة «من أجل مصر» كما يسميها البعض، ليس محل شك، فهؤلاء سيجدون طريقهم مع مئة ثانية يعينهم رئيس الجمهورية، ومئة ثالثة تتنافس على المقاعد الفردية لمجلس الشيوخ المكون من 300 عضو. 

ولكن كيف وصلنا لهذه القائمة، ولهذا المجلس الذي كان قد أُلغي أصلًا في دستور 2014؟

لم يكن قرار عدد من الأحزاب -المفترض فيها أنها معارضة- بالمشاركة مع أحزاب تعرف أنها «أحزاب الدولة»، سهل اتخاذه.

في غرفة اجتماعات بأحد المكاتب التابعة لرئاسة الجمهورية في بدايات خريف 2019، التقى أحمد جمال الدين، مستشار الرئيس للشؤون الأمنية، بناءً على تكليف مباشر من رئيس الجمهورية، بعدد من القيادات الأمنية من مختلف الأجهزة بمشاركة محدودة من جهاز الرقابة الإدارية. أحمد جمال الدين، بحسب مصدر قيادي في أحد الأحزاب المشاركة في انتخابات «الشيوخ» والذي حضر الاجتماعات، هو فعليًا المنسق بين الأجهزة الأمنية، وهو أيضًا حامل تعليمات الرئيس.

طرح الاجتماع السؤال الأول، من هم اللاعبون الذين سيتم استدعاؤهم لصياغة مشهد انتخابات الشيوخ؟ ثم السؤال الثاني، كيف تتم صياغة الغرفة الثانية نفسها؟ بحسب ذات المصدر القيادي، استغرق الأمر عدة أسابيع من النقاشات حول اللاعبين، وكان هناك نقاش رئيسي حول حزب مستقبل وطن، هل يظل في المقدمة أم يتم الدفع به إلى الخلف لصالح حزب آخر اقترح بعض المشاركين في الاجتماعات دعمه، وهو «الشعب الجمهوري».

«مستقبل وطن» أسسه محمد بدران، رئيس اتحاد طلاب مصر الأسبق، في نوفمبر 2014، ودخل الحياة السياسية لأول مرة من بوابة مجلس النواب الحالي بحصده 50 مقعدًا من إجمالي مقاعد المجلس الـ 596، متصدرًا المركز الثاني بين الأحزاب الممثلة في البرلمان، ومعروف بعلاقاته الوطيدة بجهاز الأمن الوطني. أما «الشعب الجمهوري» فقد تأسس في سبتمبر 2012، واستطاع حصد 13 مقعدًا فرديًا في تسع محافظات في انتخابات مجلس النواب الأخيرة، مسجلًا المركز الخامس بين الأحزاب الممثلة في المجلس، وهو محسوب على أحد الأجهزة السيادية، بحسب المصدر الحزبي القيادي.

وبحسب مصادر من ثلاث أحزاب مشاركة في الانتخابات المرتقبة، استقر القرار على أن يكون «مستقبل وطن» هو العنوان الرئيسي لانتخابات الشيوخ، وأن يتم استقدام عددًا من رجال الأعمال الذين يسعون للحصول على رضا الدولة لتمويل الحزب، على أن يكون «الشعب الجمهوري» الحزب الوصيف.

هكذا، ضمت القائمة الوطنية، الناتجة عن اتفاق أبرمه «مستقبل وطن» مع 11 من أحزاب الموالاة وبعض أحزاب الحركة المدنية لتشكيل تحالف انتخابي برئاسته لشغل مقاعد القائمة المئة في مجلس الشيوخ، ليضم التحالف أحزاب: الشعب الجمهوري، حماة وطن، مصر الحديثة، الوفد، التجمع، المصري الديمقراطي الاجتماعي، الإصلاح والتنمية، الحركة الوطنية، المؤتمر، الحرية، المصري.

«الوعد أن الأمن لن يتدخل لصالح مرشحي ‘مستقبل وطن’ أو غيره من الأحزاب ضد مرشحي أحزابنا، مع الأخذ في الاعتبار أن مرشحي أحزابنا ليس لديهم الدعم المالي الذي يتمتع به مرشحو هذه الأحزاب بالنظر إلى ما تحصل عليه من دعم من رجال الأعمال»

وبحسب نفس المصادر، فإن الطريق نحو الاستقرار على الصياغة النهائية للقائمة شمل الكثير من النقاشات، شارك في جانب منها عدد من رجال الأعمال الأقرب للدولة، بينهم محمد أبو العينين وجمال الجارحي وأحمد السويدي وأحمد أبو هشيمة وهشام طلعت مصطفى.

المصادر نفسها قالت إن الاستقرار على إبراز أبو العينين والسويدي أتى بناءً على أن اسم هشام طلعت مصطفى ما زال مرتبطًا في الأذهان بتورطه في قضية قتل مغنية عربية عبر وسيط من ضباط أمن الدولة السابقين، وأدين كل منهما قضائيًا، حيث نفذا أحكامًا بالسجن، خرج منها مصطفى إفراج بعفو رئاسي في 2017، وصدر لشريكه في الجريمة عفو آخر العام الجاري. أما أبو هشيمة، وإن كان سعى حثيثًا لاستعادة ثقة النظام الذي سبق أن أبعده عن دائرة الحظوة، ما زال «قيد الاختبار». كان أبو هشيمة قد سطع نجمه في مايو 2016 بتربعه على عرش الإعلام المناصر للسلطة برئاسته لمجلس إدارة مجموعة «إعلام المصريين» المالكة لعدد من الجرائد والمواقع الإخبارية، بالإضافة إلى قنوات فضائية، قبل أن يتم إقصائه في ديسمبر 2017 من رئاستها، وإحلال وزيرة الاستثمار السابقة وزوجة محافظ البنك المركزي الحالي داليا خورشيد محله.

بناء على ذلك ظهرت قوائم الترشيحات والترشيحات البديلة لـ«مستقبل وطن» لتسيطر بشكل كبير، ليس فقط على «القائمة الوطنية» ولكن أيضًا على الترشيحات الفردية، حيث استقطع لنفسه أكثر من 90% من الترشيحات، تاركًا ما تبقى لـ«الشعب الجمهوري» ليتنافسا سويًا مع مرشحين من أحزاب المعارضة الهادئة التي قبلت بأمرين: أولهما أن تشارك مع «مستقبل وطن» و«الشعب الجمهوري» وغيره من أحزاب الموالاة في «القائمة الوطنية»، وثانيها أن تتنافس على عدد من الكراسي الفردية في سباق وُعدت أن تكون فيه المنافسة على قدر لا بأس به من الشفافية.     

«الوعد أن الأمن لن يتدخل لصالح مرشحي ‘مستقبل وطن’ أو غيره من الأحزاب ضد مرشحي أحزابنا، مع الأخذ في الاعتبار أن مرشحي أحزابنا ليس لديهم الدعم المالي الذي يتمتع به مرشحو هذه الأحزاب بالنظر إلى ما تحصل عليه من دعم من رجال الأعمال»، بحسب عضو في أحد أحزاب المعارضة المشاركة، على علاقة بالعملية الانتخابية.

لم يكن قرار عدد من الأحزاب -المفترض فيها أنها معارضة- بالمشاركة مع أحزاب تعرف أنها «أحزاب الدولة»، سهل اتخاذه.

الأمر استلزم مبادرة لم تأتِ أولًا من الأمن الوطني، ولكن من أعضاء في «مستقبل وطن» اقتربوا أولًا من أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي، والإصلاح والتنمية، والمؤتمر. النقاش، بحسب مصدرين من أحزاب المعارضة المشاركة، كان محتدمًا، أولًا لأنه جاء على خلفية ما عرف بـ«تظاهرات سبتمبر 2019» والتي انطلقت بشكل محدود في عدد من المدن، في أعقاب ما بثه المقاول والفنان محمد علي بشأن «فساد» محتمل في مشروعات نفذتها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة.

عمليات القبض والقمع التي أعقبت تلك المظاهرات أغلقت الباب أمام أي توقع لإنهاء أزمة ما عرف بـ«تحالف الأمل»، حيث كان قد تم القبض على عدد من أبرز الوجوه السياسية الشابة في يونيو 2019، خلال سعيهم لتكوين تحالف انتخابي واسع يقوم بالبناء على الصوت الشعبي المعارض، والذي بدا واضحًا في التعديلات الدستورية.

وبحسب مصادر تحدثت بشكل منفصل مع «مدى مصر»، هناك من رأى أنه لا ينبغي بأي حال المشاركة في أي انتخابات يجريها النظام، لأن ذلك يمثل «تدليسًا» للواقع السياسي. آخرون رأوا أن المشاركة يجب أن تكون مشروطة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين لم توجه لهم تهم، وكل من وجه إليه تهم لا علاقة لها بالعنف. فريق ثالث رأى أن النظام لن يقبل شروطًا، ولن يبادر حتى بإيماءة إيجابية، وأن الحل يكمن في القبول بالمشاركة بحثًا عن «إحداث ثقب في جدار الصمت الذي ليس بالضرورة جدارًا مصمتًا بالكلية»، بحسب تعبير مصدر في حزب معارض، أوضح أن الأمر أحدث بالفعل انقسامًا في الآراء.

من وافق على المشاركة كان يعلم أنه ذاهب إلى مقامرة، لأن الدولة لم تقدم أي وعود قطعية بالإفراج عن المعتقلين أو تخفيف حدة الملاحقات الأمنية أو فتح باب الحوار السياسي بأي شكل من الأشكال، وأن كل ما نقل إلى المشاركين في الاجتماعات التمهيدية للتحضير للانتخابات، والتي جرت في أحد مقرات الأمن الوطني، لم تكن سوى وعودًا بنقل المطالبات بالإفراج، دون أدنى وعد حقيقي بأن تكون هناك إفراجات مجدولة قبل أو حتى بعد انتخابات الشيوخ، أو حتى تالية لانتخابات مجلس النواب المقرر إجراؤها نهاية العام الجاري.  

«الأمن الوطني هو فعليًا من لديه خريطة العائلات والتحالفات والنازعات، ورجال الأمن الوطني في المحافظات هم من يعرفون كيف يمكن تشجيع العائلات وكبارها، بالترغيب أو الترهيب»   

في النهاية، قرر البعض المشاركة، وقرر البعض الآخر الانسحاب تمامًا من اجتماعات الحركة المدنية، فيما قرر آخرون البقاء مع التحفظ. من رفضوا المشاركة هم أحزاب الكرامة والدستور والتحالف الشعبي والعيش والحرية، التي أصدرت في 23 يوليو الماضي بيانًا تعلن فيه رفضها، ليس فقط المشاركة في انتخابات جرى الإعداد لها في سياق لا يتوافق مع مقتضيات الديمقراطية، وإنما أيضًا لأنها انتخابات لاختيار غرفة برلمانية ستكون بدون صلاحيات تشريعية ورقابية، بحسب البيان.

وبحسب ثلاثة مصادر في أحزاب مشاركة في الانتخابات، فإن الخطة التي وضعتها اللجنة الأمنية المشتركة بالتنسيق مع عدد من رجال الأعمال وبعض القيادات الحزبية تهدف إلى أن يكون في مجلس الشيوخ ما لا يزيد عن 10 إلى 25 عضوًا من أصل 300 عضو، ينتمون إلى الأحزاب المسماة معارضة، بما في ذلك الوفد والتجمع والديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية وغيرها.

إلى جانب هؤلاء، سيكون هناك نحو 150 إلى 180 عضوًا من «مستقبل وطن» ونحو 20 إلى 30 عضوًا من «الشعب الجمهوري» إلى جانب عدد من المقاعد لأعضاء ما يسمى بـ«تنسيقية الشباب» التي تأسست في يونيو 2018 تنفيذًا لتوصيات المؤتمر الوطني الخامس للشباب، وتضم ممثلين لـ 25 حزبًا من الموالاة والمعارضة، ليشغل هؤلاء جميعًا فيما بينهم 200 مقعد، التي يتم التنافس عليها بين القائمة والفردي. أما المئة مقعد المخصصة للتعيين فسيختارها رئيس الجمهورية حسب ترشيحات متوازية تشمل رأس الكنيسة وقيادات دينية إسلامية، وترشيحات من الجهات الأمنية التي تشرف على اختيار الشخصيات الرئيسية في الجامعات وغيرها من المواقع، إلى جانب عدد من الشخصيات التي ترى مؤسسة الرئاسة أنها أبلت بلاءً حسنًا ويمكن منحها فرصة الجلوس علي مقاعد الشيوخ، مثل وزراء ومستشارين سيتم استبعادهم تمهيدًا لقدوم جدد. 

وبحسب مصدر حزبي، فإن الجهات الرقابية، وعلى رأسها الرقابة الإدارية، تعكف على رفع تقارير وافية لمؤسسة الرئاسة عن كل المرشحين للتعيينات لضمان نصاعة ملفاتهم المالية والأمنية.

ولكن، لم يكن من الواضح على وجه التحديد السبب الذي قررت على أساسه دوائر الحكم إعادة الغرفة البرلمانية الثانية، التي تفتتح أعمالها في خريف العام الجاري، وكانت تعرف سابقًا بمجلس الشورى، بعد أن كانت رفضت مقترحات أثناء صياغة دستور 2014 لاستبقائها. 

كانت اللجنة المكونة من عشرة أعضاء لكتابة دستور 2014 قد اقترحت إلغاء مجلس الشورى بسبب تكلفة إجراء انتخاباته، فضلًا عن موازنته التي تتجاوز مليار جنيه في ظل ظروف اقتصادية صعبة تمر بها البلاد، وهو ما أيدته اللجنة التالية لكتابة الدستور، لجنة الخمسين. وأكدت غالبية المؤيدين للإلغاء وقتها أن «الشورى» لم يكن أكثر من مجرد أداة للسيطرة على الصحافة ووسيلة لمجاملة رجال النظام وأنصاره بـ«الحصانة البرلمانية» عن طريق «الثلث المعين» من أعضائه، في حين امتنع ممثل القوات المسلحة وقتها عن التصويت، وكان ممثل الكنيسة على رأس الرافضين لإلغاء المجلس، لكونه قناة لتمثيل الأقباط برلمانيًا عن طريق التعيين.

الإجابة من أروقة الأحزاب التي شاركت في العملية التحضيرية للانتخابات، وتحديدًا من رئيس أحد الأحزاب المشاركة في الحوار مع «مستقبل وطن» مفادها مطالبة عدد من قيادات الأمن الوطني خلال عملية الإعداد للتعديلات الدستورية، التي قُدمت للبرلمان في فبراير 2019، بعودة مجلس الشيوخ لخلق مساحة أوسع للولاءات جنبًا إلى جنب مع تلك التي يتم خلقها من خلال اختيارات المرشحين المدعومين من الدولة والمعينين من السلطة التنفيذية في مجلس النواب، والذين يتم ترشيحهم بناء على قيمة التبرعات التي يقدمونها للسلطة، بحسب مصدر من أحد الأحزاب الثلاثة المشاركة.

«الأمن الوطني هو فعليًا من يدير المشهد السياسي الداخلي بكل تفاصيله خلال العامين الماضيين من بعد الانتخاب الثاني لعبدالفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية في ربيع 2018 لأن الإقبال على الانتخابات كان ضعيفًا في البداية، وتم فورًا الاستعانة بالأمن الوطني من قبل الجهاز [السيادي] الذي كان يشرف على الانتخابات، وتحركت فعلًا بسرعة قيادات الأمن الوطني في القرى واستدعت شبكة الاتصالات والعائلات وتم تحسين الحشد سريعًا»، تقول قيادة محلية بإحدى العائلات الصعيدية النشطة في العملية الانتخابية.

الأداء الجيد للأمن الوطني امتد للاستفتاء على التعديلات الدستورية في 2019، بحسب نفس المصدر، وهو ما «جعل هذا الجهاز الذي ارتبط اسمه السابق ‘أمن الدولة’ بأكبر مشاهد العبث الانتخابي قبل ثورة يناير، رقمًا لا يمكن إغفاله في أي تجهيز سياسي للانتخابات». 

وأضاف المصدر أن الأمن الوطني هو فعليًا من لديه خريطة العائلات والتحالفات والنزاعات، ورجال الأمن الوطني في المحافظات هم من يعرفون كيف يمكن تشجيع العائلات وكبارها، بالترغيب أو الترهيب، لتقديم الدعم المادي اللازم لأي تحرك سياسي، كما تم أثناء الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أو حشد الناخبين كما حدث بعد ساعات من مشهد اللجان الخاوية في التصويت الثاني على رئاسة السيسي. 

ربما لن تكون العودة لمن جلسوا على مقاعد البرلمان في ظل حكم مبارك، بل لأبنائهم وأبناء أخواتهم، ليأتي الجيل الثاني من الحزب الوطني تحت عناوين متباينة، منها «مستقبل وطن» أو «الشعب الجمهوري» أو المستقلين

المصدر نفسه أوضح: «بما أن فكرة الغرفة الثانية هي فكرة الأمن الوطني، كان من الطبيعي أن يكون فاعلًا في ميكنة هذه الانتخابات، ولكن ليس وحده، لأن الجهاز [السيادي الذي أدار الانتخابات السابقة] أصبح له دورًا مباشرًا في المشهد السياسي الداخلي، ولم يعد من الممكن استبعاده، خاصة وأن وجود الشخصيات الأقرب للرئيس في هذا الجهاز، بما في ذلك عباس كامل، الذي زامل الرئيس سنوات طويلة، ومحمود السيسي، الذي عاد للجهاز بعد محاولة بعض الدوائر المعادية له داخل الجهاز إبعاده، يجعل الرئيس نفسه مستريحًا لأن يبقى الأمر تحت ناظري هذا الجهاز». وتابع المصدر: «على عكس ما كان باديًا في مراحل مختلفة منذ تمرير التعديلات الدستورية من أن جهة بعينها هي من تمسك بدفة الأمور وحدها، فالمشهد النهائي جاء تشاركيًا في إدارة العملية الانتخابية وفي اختيار شخوصها».

وبحسب المصادر الحزبية الثلاث، سيراقب الأمن الوطني، أداء كل المشاركين في مجلس الشيوخ، بحيث يتم تقييم أداء الأحزاب الموالية خاصة «مستقبل وطن» و«الشعب الجمهوري»، لتقرير تقسيم مشاركتها في انتخابات مجلس النواب في وقت لاحق من العام الجاري. وقد تتحسن حظوظ الشعب الجمهوري ويحصل على نسبة أكبر من ترشيحات مقاعد «النواب» إذا ما جاء أداؤه مرضيًا، خاصة وأن مؤسسة الرئاسة لا تريد لـ«مستقبل وطن» أن يكون خليفة للحزب الوطني الديمقراطي المنحل، لأن الرئاسة لا تؤمن بدور لآلية سياسية لها كيان مستقل، بل ترى أن الحزب الوطني عندما تحول من مجرد أداة في يد الأمن، كما كان في بدايته الأولى، إلى حزب له دورة الحياة الخاصة به التي كان يقررها المقربون من النظام آنذاك؛ على رأسهم صفوت الشريف وكمال الشاذلي، ثم تنافس عليها مع جمال مبارك وأحمد عز، تعد أحد أسباب سقوط حكم مبارك.

هذا التفكير كان وراء المواجهة مع تجربة حزب «المصريين الأحرار» الذي أسسه رجل الأعمال نجيب ساويرس عام 2011، بحسب سياسي قريب من ساويرس. فالفشل في الاتفاق بين رجل الأعمال والدولة راجع إلى رؤية ساويرس لحتمية وجود حزب يمثل صورة أكثر تطورًا من الحزب الوطني، وهو الأمر الذي لم يكن محل قبول، لا من مؤسسات الحكم التي تتحسب من حيث المبدأ من وجود شخصيات بارزة على الساحة السياسية، ولا من الأجهزة الأمنية التي لم يُخفِ كثير منها أن مسيحية ساويرس تجعله غير مرشح للعب دور سياسي في مقدمة الصفوف، بحسب المصدر

إلى جانب ذلك ستتم مراقبة أداء الأعضاء المستقلين القادمين من خلفية الحزب الوطني، والذين يأتي ترشحهم اعتمادًا على دوائر مهمة في الحزب المنحل، يرتبط بعضها بمهندس انتخابات مجلس الشعب السابق في 2010، رجل الأعمال أحمد عز، الذي يقول أحد الحزبيين المتنفذين إنه تمكن من «تسديد كل ما طلب منه» بما في ذلك تقديم الدعم المالي لبعض المرشحين، «بل أنه كانت هناك اقتراحات وتوقعات أن يسعى عز للعودة للحياة السياسية من خلال المشاركة في الشيوخ».

وبحسب المصادر الحزبية المشاركة في الانتخابات، لا تمثل الرواية للعودة المحتملة لعز في حد ذاتها عنوانًا مستقلًا، وإنما هي عنوان فرعي لعودة رجال الحزب الوطني للمشهد السياسي، خاصة من ينتمي منهم لعائلات نافذة، وربما لن تكون العودة لمن جلسوا على مقاعد البرلمان في ظل حكم مبارك، بل لأبنائهم وأبناء أخواتهم، ليأتي الجيل الثاني من الحزب الوطني تحت عناوين متباينة، منها «مستقبل وطن» أو «الشعب الجمهوري» أو المستقلين. 

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن