ما جناه «كورونا» على الحيوان الأليف
 
 
الصور: هدير المهدوي
 

فور أن اقتربتُ من الباب، بدأتُ أسمع عشرات الكلاب تنبح من الخلف، فعلمتُ أنني وصلت إلى وجهتي بعد رحلة طويلة من وسط القاهرة إلى أطراف محافظة الجيزة، تحديدًا منطقة أبو صير. فتح لي يوسف، كبير العمال بمأوى إنقاذ «فوريفر Furever» للكلاب، وفور دخولي، وقبل أن أخبره بهويتي وبموعدي مع حنان عاطف، إحدى مؤسسات المأوى، كان هناك حفلٌ في استقبالي: عشرات الكلاب تجمعوا حولي في فرح وحماس؛ كلاب بلدي وكلاب من سلالات أخرى، يهزون ذيولهم ويقتربون، وبنفس قدر الحماس استقبتلني مئات القطط والكلاب في مأوى إنقاذ «إيسما ESMA» في زيارة أخرى لنفس المنطقة.

على يمين المدخل، كان يوسف وعامل آخر يجلسان حول كلب بلدي وصل صباح ذلك اليوم بعد تسميمه، وبقى يومين مُلقى في الشارع، حتى أحضرته فتاة للمأوى لإنقاذه. يوسف، الذي يعمل بالمأوى منذ أربع سنوات، ولديه خبرة إجمالية حوالي تسع سنوات في إنقاذ الحيوانات، أخرج السم من الكلب، وركب له محلولًا، وجلس هو وزميله يربتون على الكلب المُتألم، حتى يتوقف عن البكاء. بنهاية اليوم، كان الكلب قد تجاوز مرحلة الخطر، وتحسنت حالته.

هذه الكلاب، كثير منهم مصاب، هم الدفعة الأخيرة التي وصلت المأوى، بعد أن تخلى عنهم أصحابهم، أو بعد أن كادوا يقتلون في الشوارع، بسبب ما أُشيع -منذ مارس الماضي- أن الكلاب والقطط تنقل فيروس «كورونا» للإنسان، الأمر الذي نفاه خبراء، منهم منظمة الصحة العالمية، لعدم وجود دلائل عليه حتى اللحظة. الحقيقة أن الإنسان قد ينقل الفيروس للحيوانات وليس العكس.

في «إيسما»، المأوى الذي تزيد مساحته عن ثلاثة فدادين، اصطحبني أحد العمال في عنابر وأحواش القطط والكلاب المُصابة والمُسربة. صاحبنا في الجولة «زورو»، كلب بلدي أُنقذ بعد أن أراد مجموعة من الأشخاص قتله بسبب لونه الأسود. كان «زورو» حارسًا لي منذ بداية الرحلة، يتأهب حين تزداد أعداد الكلاب حولنا، كنوع من الحماية، حتى سبقني إلى الباب قبل رحيلي.

في نهاية مارس الماضي، انطلقت حملة، شارك فيها عدد من الفنانين والمشاهير، للتوعية بأن الحيوانات لا تنقل «كورونا». وفي نهاية مايو الماضي، نظمت إحدى العيادات البيطرية حملة أخرى للتوعية بأن القطط والكلاب لا ينقلون العدوى، وقاموا بتصوير الكلاب والقطط الصغيرة وقد عُلقت في رقابهم لافتات تطالب الناس بعدم التخلي عنهم، وعدم الفزع منهم، لأنهم لا ينقلون المرض.

أثر «كورونا» سلبًا على كل القطاعات، وعلى كل الكائنات أيضًا في مصر، لكن الفظائع التي واجهتها حيوانات المدينة منذ بدء انتشار المرض ليست أمرًا جديدًا. العنف أمر تواجهه الحيوانات في مصر بشكل يومي، وتكشف حكاياته عن نوع من العنف متجذر في المجتمع يُطال مختلف جوانب الحياة.

لم تصب كورونا القطط والكلاب، لكن الهستيريا فعلت

«من وقت الإعلان عن موضوع كورونا ونتيجة معلومات غلط وإشاعات البعض اللي قالت إن الحيوانات بتنقل كورونا حصل مأساة: ناس فتحت بيوتها ورَميت حيواناتها في الشارع وناس حدفت حيواناتها من البلكونة، بسبب البانيك، وإن الناس بتصدق أي كلمتين يتقالوا»، تقول مُنى خليل، الإعلامية وإحدى أوائل الناشطين في حقوق الحيوانات وإحدى مؤسسات جمعية ESMA لإنقاذ الحيوانات، لـ«مدى مصر». «المواد التوعوية اللي كانت بتتبث في التليفزيون والراديو والمواصلات العامة والمصالح الحكومية كانت بتقول (تجنبوا الحيوانات) فطبعًا الناس اللي معندهاش وعي وما بيروحوش للمصادر الرسمية المتخصصة، رموا حيواناتهم».

كيرولوس صاموئيل منير، الطبيب البيطري في عيادات British Animal Hospitals فرع مدينة الشيخ زايد، يواجه عادة أزمة العثور على حيوانات مُلقاة أمام العيادة تخلى عنهم أصحابهم. لكن منذ مارس الماضي تحديدًا «زاد موضوع إننا نفتح باب العيادة الصبح نلاقي قطط وكلاب متسربة، كان بيجيلنا تليفونات كل يوم من ناس عايزة تتخلص من حيواناتها، وكنا بنخليهم عندنا لغاية ما نلاقي لهم شلتر»، حسبما يوضح لـ«مدى مصر».

بحسب الطبيب البيطري، هناك أحد أنواع «كورونا» يصيب الكلاب والقطط طوال الوقت، لكنه ليس كوفيد-19، ولا ينتقل للإنسان، ويأخذون تطعيمًا له. يوضح أنه تمّ اكتشاف حالة أو حالتين فقط لقطط حاملة للفيروس، وحالة لكلب، انتقل لتلك الحالات من الإنسان، لكن لم تُسجل أي حالة انتقل فيها الفيروس من قطة أو كلب إلى إنسان، بحسب كيرولوس، الذي يضيف: «فيه ناس جالهم كورونا وكانوا بيكلمونا يسألونا يعملوا إيه مع حيواناتهم، وحيواناتهم كانت سليمة، كنّا بنقولهم دايمًا يلبسوا ماسك، ودايما ينضفوا حيواناتهم بالمياه وخل التفاح».

لم يشهد كيرولوس أو يقرأ عن حملات تسريب حيوانات بسبب «كورونا» إلا في مصر، مُفسرًا ذلك بأنه «جهل». بحسب عدد كبير من النشطاء والمنقذين تحدثوا إلى «مدى مصر»، أثرت حلقة تليفزيونية قدمها الإعلامي أحمد موسى، في الرابع من أبريل الماضي، بشكل كبير فيما حدث خلال الشهور التالية. حنان عاطف، المؤسسة الشريكة في مأوى «فوريفر» للكلاب، تقول إن «أحمد موسى صَدَّر معلومة غلط، واللي سمعوه محدش هان عليه يقرا ويفهم، ذنب قطط وكلاب كتير في رقبته». بعد هذه الحلقة، «كله فتح بابه وطلع القطط والكلاب في الشارع»، تقول إيمان فوزي، منقذة ومنسقة لإحدى المجموعات الالكترونية للإنقاذ والتبني.

حنان عاطف مؤسسة مأوى «فوريفر» للحيوانات، مع عمال المأوى

استضافت حنان في المأوى الذي تديره مع آخرين منذ ثلاث سنوات أكثر من 40 كلبًا منذ انتشار «كورونا»، ما بين بلدي وجولدن ريتريفر وكوكر وجيرمان شيبرد ولولو. الكلاب البلدي جاءت مسمومة، والكلاب الأخرى جاءت «مخبوطة»، أو «مشلولة»، أو «جربانة». تقول حنان إن المكان استضاف الفترة الماضية أكبر عدد من الكلاب، ليصل الإجمالي حاليًا إلى أكثر من 450 كلبًا تمّ إنقاذهم.

أما مُنى فاستضافت في مأواها أكثر من 290 حيوانًا أليفًا خلال الشهرين الماضيين، أغلبهم قطط، وجميعهم كانوا يعيش في بيوت. «حيوانات البيوت متعودة على بيت وسرير وأكل معين، فجأة لقوا نفسهم عندنا في الشِلتر وسط 700 قطة وأكتر من 800 كلب»، تقول مُنى، «فيه حيوانات اكتئبت وانقطعت عن الأكل، فبقينا نلف عليهم ندور لهم على تبني عشان ما يموتوش. شريكتي في الشلتر خدت أربعين قطة خصوصًا كبار السن. كان لازم نطعّم ونكشف لأنهم اتبهدلوا في الشارع، اللي اتشّلوا، واللي اتخبطوا بعربيات، واللي اتعضوا من حيوانات تانية، منهم اللي شعرهم وقع وبقوا هياكل عظمية من قعدة الشارع».

لم تكن ملاجئ الحيوانات هي الوحيدة التي استضافت كلابًا وقططًا في الفترة الماضية، فهناك الكثير من المنقذين الذين يعملون بشكل فردي كان لهم دورًا كبيرًا في الإنقاذ من تلك المأساة أيضًا. أمنية الزهيري، والتي تعمل في إنقاذ الحيوانات منذ 2016، توضح لـ«مدى مصر» أن هناك منقذين يعملون بشكل فردي، وهؤلاء لا يمتلكون أماكن إيواء، لذلك يستضيفون الحيوانات المُصابة في منازلهم بعد علاجها، حتى يبحثون لها عن متبنين أو مراكز إيواء. وهناك جروبات وصفحات إلكترونية عديدة متخصصة في إنقاذ الحيوانات، يعلن فيها عن القطط والكلاب المُصابة، أو التي تمّ التخلي عنهم، كما يعلن فيها عن تبني الحيوانات.

دادج كامل، واحدة من هؤلاء المنقذات التي أشارت لهم أمنية، تقيم في الإسكندرية، في خلال الشهرين الماضيين كان متوسط الكلاب المسربة التي أنقذتها يبلغ  15 كلبًا، وفي أحد الأيام وصل عدد الكلاب لأكثر من 30 كلبًا. تقول لـ«مدى مصر»: « كان بييجي لي انهيار عصبي، الكلاب كانت بتعيط. من كتر ما بجيب كلاب متسربة، نزلت رقمي على الانترنت، عشان الناس بدل ما يرموا الكلاب في الشارع، يكلموني أروح أخدهم، فتليفوني مبطّلش رن 24 ساعة في اليوم. ناس تكلمني 2 بالليل تقولي تعالي خدي الكلب دلوقتي».

من ضمن الكلاب التي أنقذتها دادج -مؤخرًا- كلب من ثلاثة ذهب بهم مقتنيهم لطبيب بيطري لقتلهم ولم ينج منهم سوى واحد، وآخر طرده صاحبه خارج المنزل وظل الحيوان يبكي أمام الباب.  

الأمر لم يختلف كثيرًا على المستوى الرسمي، حيث انطلقت حملات تسميم للكلاب والقطط في محافظات كثيرة بقرارات من الطب البيطري أو المحافظين أو أعضاء مجلس النواب، خصوصًا خلال أوقات الحظر، تقول كل من منى ودادج.

بالطبع لم يستطع المنقذون، جمعيات أو أفراد، استيعاب كل هذه الأعداد. وتسببت محدودية الأماكن في أماكن الإيواء في ضغوط كبيرة. تقول عبير حنفي، عضوة فريق إنقاذ اسمه our team لـ«مدى مصر» إن «الفترة اللي فاتت مبقاش فيه أماكن في الشلاتر، من كتر الآلاف اللي خدوها، حتى للحيوانات المُصابة، هم في الآخر إمكانياتهم محدودة». كما أثر إغلاق المطارات على تبني الحيوانات من الخارج كثيرًا، بحسب حنان.

كما تفاقمت الأزمة لأن عددًا من مراكز الإيواء «خدت البريدز، فبمقاش فيه أماكن للكلاب والقطط البلدي»، بحسب إيمان. عبير لاحظت أن «معظم الحيوانات اللي بتتعذب جدًا بيكونوا بلدي، وحيوانات البيوت عمومًا فرصها أحسن في الملاجئ والتبني، لو الكلاب البلدي مصابين إصابات خطيرة بنلاقي لهم أماكن في الملاجئ، لكن الكلاب السليمة أو اللي إصاباتهم طفيفة بيكون فرصهم أصعب».

لكن هل هذا العنف جديد؟ 

أجمع المنقذون على أنه برغم كثافة العنف والقسوة تجاه القطط والكلاب مؤخرًا بسبب «كورونا»، إلا أن هذه القسوة ليست جديدة أبدًا. تقول أمنية إن هناك عنف تجاه الحيوانات في المجتمع، رأته في آثار التعذيب على الكلاب والقطط الذين أنقذتهم خلال السنوات الماضية. بحسب رأيها، «الناس في مصر معندهاش ثقافة حب الحيوان، محدش بيتكلم عن الأهالي اللي بيسيبوا عيالهم يعذبوا الكلاب. بيتكلموا بس لمّا الحيوانات بتهاجم عشان تدافع عن نفسها. أصل الكلاب بتهوهو، أصل القطط بتعمل بي بي ع السلم. كلب بيهوهو.. يموت يعني؟ ومفيش قانون بيجيب حق الكلاب والقطط اللي بيتعذبوا».

يتنوع التعذيب ما بين اغتصاب كلاب ورميهم بمياه نار، بالإضافة إلى أشخاص مرضى يشترون الكلاب بهدف تعنيفهم، بحسب حنان. أكثر حالة متكررة ربما تعكس التعذيب، خصوصًا لجراء الشارع، هي ربطهم من رقابهم. يوضح أحمد عبد الستار، منقذ، لـ«مدى مصر» أن «أكتر حالات الكلاب البلدي اللي انقذتها، بيكونوا اتلف حوالين رقبتهم حبل وهم جراوي، من عيال صغيرة، فبيكبروا والحبل يجرح رقبتهم، وأوقات مايبقوش عارفين يتنفسوا أو ياكلوا». يحكي أحمد عن «ليالي»، الكلبة التي استغرق إنقاذها أسبوعًا كاملًا بسبب خوفها، وكانت مُعرّضة للموت، بسبب حبل ضيق للغاية ربط على رقبتها وهي صغيرة، ودخل في لحمها بعد أن كبر حجمها.

«الناس بتجيب حيوانات يتمنظروا بيها، فيه كلاب كتير الناس بتشتريها وبعدين يتحطوا على السطح ولا البلكونة، وناس كتير بتتخلص من البيبيهات، فيه اللي بيعرض للتبني وفيه اللي بيسرب علطول»، توضح أمنية. وتتفق مُنى معها مضيفة إن «تسريب الحيوانات بيحصل من زمان، وليه مواسم، في رمضان دايمًا بيكون فيه مأساة، خصوصا الكلاب، عشان نجسين، ومع نهاية الصيف بيرموا حيواناتهم، أصل الولاد هينشغلوا بالدراسة، وفيه اللي بيكتشفوا فجأة هنصرف منين؟ إيه ده لازم نطعّم؟ إيه ده دول هياكلوا ويشربوا ويتعالجوا». هذا بالإضافة إلى الكلاب التي يتمّ تشريسها واستخدامها في dog fightings ومراهنات، أو في ترويع الناس، تضيف مُنى.

غياب العقوبة على تعذيب الحيوانات هو السبب، في رأي عبير، في ازدياد العنف. تقول إنه «لو اتنين تلاتة اتحبسوا بجد وخطاب ديني مختلف، الوضع هيبقى أحسن. هم بيعملوا كده عشان الحيوانات مالهاش دية، وكأنها مابتحسش. الأطفال الصغيرة، بيقطعوا ديول القطط والكلاب الصغيرة، ولما نيجي نكلمهم، أهاليهم يزعقولنا ويقولولنا سيبوهم يلعبوا. والناس بتتعامل معايا إني مجنونة لما بنزل أأكل كلاب، الناس في الشارع يطنشوكي لو بتتخانقي مع حد بيعاكس، لكن لو فيه كلب هيتلموا يتخانقوا معاكي ويهشوه، ويرموا المياه والأكل اللي بنحطهم».

يعمل كيرولوس في إنقاذ حيوانات مصابة، ويستقبل حالتين في الشهر على الأقل في عيادته لكلاب أُطلق عليها النار أو الخرطوش، أو دُهست بسيارات، أو اعتُدى عليهم بالسكاكين أو بالشوم أو بمياه نار، أو سُمموا. يضيف أن الناس يتخلون عن حيواناتهم من قبل «كورونا»، إن مرضوا بحساسية أو بالسرطان. «من كام يوم مثلًا، واحد جابلنا كلب بتاعه عنده [فيروس] بارفو، سابه وقال لنا هروح أجيب حاجة من العربية، وما رجعش من ساعتها. وقريب بردو طبيب بشري جابلنا كلب بتاعه عيان، دفع لإقامته وعلاجه تلات أيام، ومجاش أخده، الجهل مالهوش علاقة بمستوى التعليم».

لم تسلم دادج من العنف هي الأخرى بسبب إنقاذها الحيوانات. تقول إنها «اتهددت كتير باعتداءات وانا بنقذ كلاب، ولو مكنتش شخص مش بيخاف ومش بيتهدد كان زماني اتضربت، لكن أنا بعرف أحمي نفسي». تضيف أن صديقة لها «لقت كلب مربوط في الشارع، طلبت منهم يفكوه فضربوها، إحنا عندنا ثقافة التطاول عالستات، والإنقاذ بالنسبة لي أصعب عشان أنا ست، وكذا مرة ناس يتلموا عليّا عشان يضربوني».

حاجة ملحة لحماية الحيوانات

منذ ديسمبر 2018، نظمت جمعيتا «إيسما» و«إيساف»، باسم اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، حملة في مدينة الشيخ زايد لتعقيم وتطعيم القطط والكلاب في المنطقة، وذلك بالتنسيق مع جهاز المدينة التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية بالجيزة. توضح مُنى: «حققنا إنجازًا كبيرًا، الجهاز ساهم بـ10٪ من التكاليف وإحنا 90٪، أكل وشرب وعلاج وجراحات والتطعيمات والتعقيم، ونفسنا نكمل ونعمل ده في مناطق تانية».

تعقيم الحيوانات [منعها من الإنجاب] مهم أيضًا لمواجهة الحملات ضدهم وتسريبهم، حسبما أوضح كل من تحدث إلى «مدى مصر». توضح إيمان إن «التعقيم مهم عشان في وقت مش هيكون فيه مكان لكل العيال الصغيرة دي، هيصرفوا عليهم إزاي، ولو عرضوهم للتبني، هيعرفوا منين مين هيعاملهم كويس، ومين هيجوعهم ولا يضربهم ولا يعذبهم»، وهو مهم أيضًا حتى لا تزداد حيوانات الشارع فتكون حجة لتسميمهم، بحسب أمنية.

الجهة الحكومية المسؤولة عن الحيوانات في مصر هي الهيئة العامة للخدمات البيطرية التابعة لوزارة الزراعة، والتي أُنشئت بمقتضى قرار رئاسي رقم 187 لسنة 1984 لحماية الثروة الحيوانية. بينما ترى مُنى أن دورها يقتصر «على الإساءة والمعلومات المغلوطة اللي بتنقلها للحكومة، ومفيش التزام باللي بيتقال في المؤتمرات الدولية، بقالنا 25 سنة بنهاتي معاهم في أهمية التعقيم، وإن اللي بيعملوه إهدار مال عام في سم ورصاص والمشكلة بتسوء، إحنا الدولة الوحيدة في المنطقة اللي بتستخدم الأسلوب الهمجي ده».

سعى ناشطون في حقوق الحيوان لوقف استخدام السم دون جدوى، توضح مُنى أن «لجنة البيئة [في مجلس النواب] عملت لجان استماع عشان وقف استخدام سم الإستركنين، وفيه قضية من 2014 رفعتها دينا ذو الفقار لوقف استخدام السم، ولسه في «النقض»، وفيه دعوى تانية اترفعت قدام مجلس الدولة لنفس السبب، واترفضت 2 يونيو اللي فات. تسميم الحيوانات بيحصل من وقت قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966، والقرار الوزاري رقم 35 لسنة 1967، مفيش وزير من ساعتها قرر يغير القرار؟».

تتذكر مُنى حملات قتل الخنازير الجماعية التي قامت بها هيئة الخدمات البيطرية وقت انتشار فيروس h1 n1 المعروف بـ«إنفلونزا الخنازير»، تقول إن «الهيئة موتت الخنازير كلها وماحدش قالهم حاجة، وبعد سنين قالوا إحنا كنّا غلط، مكانش مستاهل قتلهم، هل فيه حد حاسبهم؟». وتشير أيضًا إلى خلل في المعلومات الصادرة عن الهيئة، والتي تستند عليها في قتل الحيوانات البلدي، خصوصا الكلاب، تقول: «الهيئة بتطلع أرقام غلط. السنة اللي فاتت قالوا حصل 410 ألف حالة عقر كلب، و56 حالة وفاة بسبب العقر. أي حد بيروح اتعض من قط ولا نسناس ولا حيوان مربيه، بيسجلوه عقر كلاب، والناس اللي ماتت ماعملوش ليهم أي تحاليل ولا تشريح يثبت أن الوفاة بسبب السعار».

هربًا من المحاسبة، عادة ما يكون استخدام السم في وقت الفجر، بحسب حنان. تضيف أن «الكلاب زادت لما موتوا الخنازير صاحيين بالجير الأبيض من 11 سنة، ساعتها الزبالين مشتغلوش، فالكلاب صحتها زادت، بسبب الزبالة، وعددهم زاد، والفئران زادت، فالقطط زادت، ولما بيسموا الكلاب التعابين بتزيد».

من ناحية أخرى الإبلاغ عن تعذيب حيوانات أمر صعب، فبحسب عدد من المنقذين لا يستطيع شخص الإبلاغ إلا إذا كان معه تفويض من جمعية مرخصة. تقول إيمان إن «بره لو حد حبس حيوان، سربه أو عذبه، ممكن يدفع غرامة أو يتحبس. عشان حد في مصر يروح يعمل محضر، الموضوع بيرجع لتعاطف الضابط، وبيرجع لو فيه رخصة إنقاذ. فيه ضباط بيقولوا للمبلغين، يعني هنسيب جرايم السرقة والقتل ونروح نشوف الكلب بتاعك؟ مرات بنعمل الموضوع حِبي، يعني كان فيه واحد رابط كلبين جيرمان شيبرد قدام السندباد، جبنا ضابط بشكل ودي هدد الراجل اللي رابط الكلاب، لكن في الحقيقة هو ما يقدرش يعمله حاجة».

منذ حوالي عام ونصف، لجأ أحمد عبد الستار لإحدى الجمعيات المرخصة لعمل بلاغ في شخص اعتدى بعنف على كلب لأنه دخل أرضه، وبالفعل تمّ استدعاء الشخص للقسم، وحقق معه، وحُبس أربعة أيام قبل الإفراج عنه، يقول أحمد: «قرصة ودن، ودي كانت أقصى حاجة ممكن تحصل. البلاغات بتاعة الحيوانات بتمشي لما تكون ترويع مواطنين مش تعذيب حيوانات»، ومع ذلك يتمنى أحمد أن يتوقف العنف ضد الحيوانات ليس خوفًا من القانون ولكن بدافع الرحمة.

بحسب حنان هناك قوانين تحمي الحيوانات، لكنها لا تطبّق طوال الوقت، المشكلة في رأيها هي أن الناس لا تبلغ في أقسام الشرطة عن حالات العنف ضد الحيوانات «عشان بيتريقوا عليهم وبيشتغلوهم، لكنهم لو أصرّوا يعملوا محضر، هيعملوا محضر». تؤكد حنان أيضًا أن وجود التواصل الاجتماعي جعل الدنيا أفضل في اكتشاف العنف ضد الحيوانات، والخوف من ردود الأفعال، مضيفة أنه «لو الموضوع كبر، الحكومة بتتحرك، زي الفيديو بتاع الحصان اللي بيتضرب، ومن تلات سنين ولد اتحبس ست شهور عشان عذب كلبه، واللي فتح بطن كلب بسكين اتحبس، وماكس الكلب اللي اتقطع بسكاكين اللي عملوا كده اتحبسوا».

بحسب مُنى، القانون يحمي الحيوانات التي لها ملكية خاصة، رغم أنه المفترض به حماية كل الحيوانات المستأنسة، وليس فقط حماية الحيوانات التي لها قيمة مالية، مؤكدة أن هناك قصورًا تشريعيًا، فلا يوجد قانون لحماية الحيوانات في مصر، سواء كانت أليفة أو برية. ومنذ 2004، سعت مُنى والمهتمين بحماية الحيوانات لوجود تشريع، لكن هيئة الخدمات البيطرية تضعه في الدرج، على حد قولها، كان آخر هذه المحاولات في مارس 2019، «قالوا نعمل قانون، قعدنا مع الهيئة إحنا ونقابة الأطباء البيطريين وتامر الشهاوي [عضو مجلس النواب] استلم منّا مشروع قانون، وقدّم بيه مذكرة، ومانعرفش عنه حاجة. إحنا مش هنخترع العجلة، فيه قوانين موجودة في بلاد تانية، ده حتى لو عملوا عقوبات للإساءة للحيوانات، غرامات مثلًا، هتدخل دخل كويس، يمكن يبقى قد السياحة».

تنصّ المادة 45 من الدستور المصري على أن الدولة تكفل «حماية وتنمية المساحة الخضراء في الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المُعرّض منها للانقراض أو الخطر، والرفق بالحيوان، وذلك كله على النحو الذى ينظمه القانون». وبينما لا يوجد قانون مخصص للحيوانات في مصر، يأتي ذكر حماية الحيوانات في المواد 355، 356، و357 من قانون العقوبات 58 لسنة 1937، والمُعدّل في أبريل 2018، التي نصّت على عقوبة تصل إلى السجن ما بين سنة إلى سبع سنوات، وغرامة مائتي جنيه لمَن قتل عمدًا، أو قام بتسميم، أو أضرّ ضررًا كبيرًا، أو شرع في قتل أسماك، أو دواب الركوب أو الجر والحمل، أو المواشي. كما يعاقب القانون بالحبس ستة أشهر ونفس مقدار الغرامة لمَن سمم أو قتل عمدًا حيوانًا مُستأنسًا «دون مُقتضى».

تبرر تصريحات المسئولين بوزارة الزراعة وكل من هيئة خدمات الطب البيطري، أو الإدارة المركزية للصحة العامة والمجازر التابعة للهيئة، حملات قتل الحيوانات بالشارع، فرئيس الإدارة المركزية حسن الجعويني فسّر، في تصريح صحفي في مارس من العام الماضي، استخدام سم الإستركنين، لأنه رخيص، مبررًا استخدامه لمواجهة «عقر المواطنين»، وكان وزير الزراعة السابق عز أبو ستيت، صرح في مارس من نفس العام، بأن هناك 15 مليون كلب ضال، وأن الوزارة تعمل على حماية المواطنين من هذه «الآفة»، وأن التخلص منها يستند للقانون رقم 53 لسنة 66 بالإضافة إلى فتوى تحلل قتل الكلب الضال، صادرة من دار الافتاء في نوفمبر 2007. 

وفي نوفمبر 2018، تردد أن قرارًا وشيكًا بتصدير القطط والكلاب إلى الخارج، وذلك تضمن دولًا تتناول هذه الحيوانات كطعام، وهو ما أثار جدلًا دفع وزارة الزراعة لنفي صحة هذا القرار. 

«محدش بيقول للناس عيب ولا حرام لأن الجهات الحكومية المسئولة بتموت الحيوانات، والجهات الدينية ساكتة» تقول مُنى.

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن