أخرجنا من البلا بلا بلا
 
 
رسوم: سهير شرارة
 

#جو عام

كتابتنا هُنا وليدة العجز وقلة الحيلة، رغم ذلك نحاول تقديم دليل يتفاعل مع حرمان محبوسات ومحبوسين من رؤية تروي الشوق، هذه الرؤية التي تأثرت بمنع الزيارة.
نحاول -عبر فقرات الدليل التالية- صناعة تواصل مع المحكومات والمحكومين بالانقطاع عنّا، العائشات والعائشين في بلاء أكبر من بلائنا، ثم زادت قسوة بلاء الحبس مع الوباء.

 أما بعد؛

 ما الذي يمكن فعله؟

 

 نكتب جوابًا

 

أن يقتصر التواصل على جواب، فإن ذلك يفيد بأن سلطة تحكم وتفرض منعًا، فاللقاء قُيّد، وشبكة الإنترنت حُجبت، فلا أحد -في الواقع- يتلقى أو يرسل جوابات ورقية في عصرنا إلا إن كان سجينًا.

مما يقتضيه هذا النوع من التواصل؛ الخضوع للفحص. يجب قبول وجود رقيب يمكنه منع دخول أي رسالة، لذا يفضل ألا تكون الكتابة غامضة، الجواب ليس نصًا تجريبيًا أو مساحة تفاعل، بل شكلًا للتواصل مع إنسان جرى إبعاده عن محبيه، وكاتبة وكاتب الجواب يرغبان في وصوله.

في الجواب، نريد أن نقول إن العالم يفتقد كل من يفصلنا عنه/عنها جدار. أن الأمور ستكون على ما يرام قريبًا، فلا مانع من بث بعض الأمل -دون كذب بالتأكيد، فالأمل الكذاب ضرره كبير.

يُستحب أن يكون الجواب قوامه الحقيقة، مع كتابتها بشكل يبث الأمل. 

تفضل مراعاة أو الاستسلام لكون النص سيُقرأ بحرص وتؤدة ليتأكد مسؤول ما من عدم خطورة الرسالة، لذا حين الفراغ من الكتابة، نظن أن إعادة القراءة واجبة، بل يجب كتابة الرسالة من جديد لأن كلامًا أفلت بسبب جرف العاطفة، فصارت الكتابة كاشفة دون قصد لخصوصيات المرء المحكوم بالانقطاع عنّا. ولأن المرسل إليها والمرسل إليه رُفعت عنهما كل حماية، كل خصوصية، لذا فإن إعادة الكتابة واجبة. 

وفي المسودة المقبلة، يُفضل مراعاة ألا تُكتب أمور يعاقب عليها القانون أو تمنع الوصول، على الأقل حتى لا يُلام الكاتب/ الكاتبة على أن الجواب لم يصل.

معلش، نعلم أن الأمر ليس باليسير. 

[يمكن قراءة «رسائل من نجوم الوحشة» وهو مشروع توثيقي يضم رسائل المعتقلين، تلك الرسائل التي خرجت رغم البلاء والحبس].

ننتظر اتصالًا

آخر ما يعرفه فلان عن «ص» أنه كان في السجن، لكنهما تحدثا منذ قليل، هكذا أخبرنا فلان الذي يعلم أن بعض السجناء يستطيعون تدبير شريحة اتصالات وتليفون محمول صغير للتواصل مع العالم الخارجي. 

لم يكن فلان يعرف «كود» التواصل، ولا يزال؛ هل الاتصال في اتجاه واحد فقط، من السجن إلى خارجه؟ في الأغلب نعم. هل يُستخدم التليفون للضروريات والطوارئ فقط؟ تساءل فلان، لكنه لا يعلم. ولكن لم تكن هذه هي الأسئلة التي شغلت باله وقتها، بل السؤال الأكثر إلحاحًا هو محاولة اكتشاف لغة للحوار بين شخصين يعيشان واقعين اجتماعيين مختلفين. 

حدثنا فلان عن حيرته؛ هل ينبغي عليه في أي اتصال مُقبل أن يتطوع بالشرح مفترضًا أن «ص» لا يعرف عن تجربتـ«نا» في الخارج؟ ثم تراجع مفكرًا أن سؤاله يتضمن بعض التعالي. 

أخبرنا بأنه فكر أيضًا، هل يجب أن تكون في تلك النوعية من المكالمات مساحة للثرثرة؛ حديث بلا هدف محدد، للتسلية، أم أن فرصة الاتصال ثمينة مما لا يجعل من الحكمة تبديدها؟ 

هل ينبغي أن يكتب نقاطًا تكون جاهزة حين يأتي اتصال جديد؟ أم يحاول فلان أن يكون أكثر عفوية، بالتحدث أكثر مُحاولًا تسلية «ص» بالحكايات وإعطائه جرعة مُكثفة مما يحدث بالخارج بشكل حميمي؟ أم أن يسمع فلان «ص» أكثر؟

سيظل فلان محتارًا، منتظرًا لاتصال جديد من رقم مجهول، لعله يجد صوت عزيز يحدثه من خلف عزلة الحبس.

نهادي

 

ما الهدية المناسبة؟ 

قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نطرح آخر؛ ما السجن؟

هو زمن، وقت مستقطع من الحياة، والزمن بالنسبة للسجينات يختلف.

لذا فإن الهدية يفضل أن تتصل بالزمن، أو تساعد على حسابه بشكل صُنع خصيصًا للسجينة. إذًا لنعد لها نتيجة.

دليل إعداد نتيجة: 

صديقات يجتمعن بمنزل إحداهن للعمل على الهدية. النسوة المُشرقات تقسمن الأشهر بينهن في غرفة جلوس وحولهن ورق أرز، مجلات قديمة وجديدة، أحجام وألوان وأصناف من الأقلام، المقصات اللاتي لا تستطيع السجينات الحصول عليها بالداخل إحترازًا من استخدامها كسلاح!

حولهن مشروبات ساخنة وكحولية، أصناف من السجائر المختلفة. 

تقضي النسوة اليوم في العمل السعيد.

هكذا يستمر إعداد النتيجة.. تتداخل وتتناقض العواطف تجاه كل ما يدور في فلك البحث عن مخرج مادي أو شعوري لحبسة الصديقة. 

تُخلق الذكريات بينما تُصنع الهدية، لكن يخيم أيضًا شعور بالذنب بسبب اللهو والضحك والتجمع. 

هكذا جمع فقدان صديقة داخل دهاليز السجون النسوة الحزينات السعيدات المخنوقات الغاضبات الخائفات صانعات البهجة والتوتر. 

تعرف النسوة أنهن لو لم يكن سويًا لما صُنعت الهدية التي تقاوم ثقل الزمن الميت، المحبوس داخل جدران. 

ثم تتخيلن سعادة صديقتهن بالهدية، مع تمني رؤيتها حين تصلها الهدية، إن وصلت. 

خروج/انتظار*

إيقاع الوقت مختلف قوي بعد الخروج، والرجوع لإيقاع الوقت العادي مُربك جدًا، مفهوم الوقت في السجن نفسه تقيل، أنا كنت بكتب كل تفاصيل اليوم العادية جدًا عشان أحس بيه، عملت إيه ممتع، وإيه مُنتج.. دلوقتي بقيت أبطأ بكتير عن قبل السجن مرتاحة مع بطئي، مش بحاول أرجع نفسي للرتم السريع اللي كنت أعرفه. 

جوه الوقت كتير، وفي أوضة مقفولة، فكان لازم نمط الأحداث اللي بتمر علينا عشان الوقت يعدي.

في الختام، نهدى هذا النص إلى المحكوم عليهن/عليهم بالانقطاع عن أعزائهن/م، ومع صعوبة أن يتعرّفوا/يتعرفن على كلماتنا، نتعايش مع الغياب، وما يسببه من حزن مقيم لا يتبدد. 

نوقن أن كل غائب حتمًا سيعود، ويخرج من البلاء بلا بلاء، أو من البلا بلا بلا

و#سلام

*هذا القسم كتبته يارا سلام مستعيدةً خبرتها مع الوقت، بعد خروجها من سجن القناطر في 2015.
اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن