من دولة يوليو إلى بنات «تيك توك»: مصر هي «كفر البطيخ»
 
 
فؤاد المهندس في مشهد من فيلم أرض النفاق، إنتاج 1968
 

«إنني أطالب السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء الجاد أن يتقدَّم إلى مجلس الشعب بمشروع قانون بإسقاط الجنسية المصرية عن أية امرأة من هؤلاء تضيِّع بما تظهر به على صفحات الجرائد، وفي الأفلام جهودَ أمَّةٍ مجيدة، منذ مائة وخمسين عامًا وهي تناضل نضال الأبطال كي تصنع الكرامة لشعبها وأمتها».

هكذا طالب الكاتب يوسف إدريس في مقال له بعنوان «من أجل حفنة نساء» في جريدة الأهرام في السبعينيات، وذلك تعليقًا على ظهور مغنية مصرية غير مشهورة اسمها سهير صبري، في إحدى الملاحق الفنية، لواحدة من الصحف العربية «بنصف قميص نوم» ليتهمها مباشرة بالدعارة، ولتتحول هذه الصور للاتهام الشهير بالإساءة لسمعة مصر. 

«ماذا أيها السادة، بهذه الصور، تريدون في النهاية؟ أن تقولوا إن مصر أصبحت هي هذه السهير والعزيزة والغادة … إلخ؟ تريدون أن تقولوا: هذا هو «الفن» الوحيد الذي أصبحت تجيده مصر وأصبح له «جمهوره» في بلادكم الغنية.

لا يا سادة!

إن مصر ليست سهير وغير سهير».

«البنات والصيف» وكفر البطيخ

في هذا التقرير نستعرض عددًا من الأمثلة على الاعتراضات الأخلاقية على بعض منتجات الإعلام والفن، في كل عهود دولة يوليو. 

رغم أن جمال عبدالناصر كان يهاجم خصومه بوصفهم من الرجعيين، إلا أنه كان يعترض اعتراضات أخلاقية على بعض ما ينشر في المجلات ويذاع في الإذاعة، فيروي الكاتب إحسان عبدالقدوس أن عبدالناصر قد اعترض على أن حديثه الإذاعي قائلًا «تصبحوا على خير، تصبحوا على حب»، وطالبه باستخدام كلمة «المحبة» بدلًا من «الحب»، ليرفض عبدالقدوس ويتوقف حديثه الإذاعي، ثم اعترض عبدالناصر على أحداث ورسومات رواية «البنات والصيف» التي كانت تنشر في مجلة «صباح الخير» عام 1958، وأبلغ عبدالقدوس اعتراضه عن طريق محمد حسنين هيكل وعن طريق حسن صبري، مدير الرقابة، مما دعا الأديب لتعديل اتجاه الرواية وتخفيف الرسوم المصاحبة لها.

أما في عام 1960، وبعد صدور قانون تنظيم الصحافة، وفي اجتماع عاصف مع أعضاء مجالس الصحف الجدد، كما يروي الكاتب فتحي غانم، هاجم عبدالناصر الصحف والمجلات المصرية، حين قال إنه لا يقبل أن تباع الصحف بالدعارة، وهاجم رسوم كاريكاتير الفنان حجازي في مجلة «صباح الخير»، التي تبرز مفاتن المرأة ورسوم الكاريكاتير، التي تخبئ فيها الزوجة عشيقها في الدولاب ليقول العبارة الشهيرة «مصر ليست مطلقات نادي الجزيرة.. مصر هي «كفر البطيخ».

وفي عهد أنور السادات الذي رفع شعارات مثل «دولة العلم والايمان» و«أخلاق القرية» وأتاح المجال لشيوخ الجماعات الإسلامية ليصبحوا نجومًا، يصنعون نجوميتهم بالهجوم الأخلاقي على المطربين والمطربات وبرامج التليفزيون والسينما، في تحالف لضرب الناصريين واليساريين، فقد ازداد تأثير ونفوذ رجال الدين على الرأي العام وعلى الحكومة.

 ويروي الكاتب لينين الرملي، في مقال له، قصة منع مسلسله الإذاعي «سها هانم رقصت ع السلالم» من بطولة فؤاد المهندس وشويكار، والذي كان يذاع في شهر رمضان الموافق أغسطس من عام 1977، فبعد إذاعة عدة حلقات من المسلسل هوجم من قبل الجماعات الدينية في الصحف وفي المساجد عن طريق الشيخ كشك، بسبب ما اعتبروه خروجًا على الأخلاق سواء في القصة أو في أداء شويكار الصوتي، وكانت النتيجة إعلان عبدالمنعم الصاوي، وزير الإعلام، إيقاف إذاعة المسلسل بعد الحلقة العاشرة، ليصاب فؤاد المهندس بأزمة صحية بعد إيقاف المسلسل بقرار من شقيقته صفية، رئيسة الإذاعة وقتها.

أما في عهد مبارك، وفي أغسطس 1983، وكما تذكر الكاتبة أمل عريان فؤاد في كتابها «سلطة السينما.. سلطة الرقابة»، فقد قرر وزير الثقافة عبدالحميد رضوان، وقف عرض فيلمي «درب الهوى» و«خمسة باب» بعد عرضهما في دور العرض، وحصولهما على الترخيص الرقابي، وذلك بعد حملة صحفية ضد الفيلمين اشتركت فيها الصحف القومية، وأبرزها صحيفة «أخبار اليوم»، التي نشرت مقالًا بعنوان «لا يا وزير الثقافة»، واتهمت الصحف الفيلمين بالإساءة لسمعة مصر لاحتوائهما على مشاهد جنس وابتذال، وكان استقبال أغلب الصحف إيجابيًا لقرار المنع، فكتب محسن محمد، رئيس تحرير «الجمهورية»، مشيدًا بقرار المنع، وواصفًا صانعي مثل تلك الأفلام بأنهم يقومون بتعرية مصر، وبأن المخرجين يقومون ببيع مصر في أفلام جنسية تحط من كرامتها، بينما كان هناك القليل من المتخوفين مما حدث باعتباره يهدد حرية التعبير ويعطي للسلطات الحق في منع أفلام أخرى، كما قال الناقد سامي السلاموني، بينما طالب نجيب محفوظ بعدم معاقبة الرقباء الذين أجازوا عرض الفيلمين، لأن ذلك سوف يؤدي إلى أن يقوم الرقباء برفض أعمال الفنية إيثارًا للسلامة.

هيفاء وصافينار والتيك توك

بعد 31 عامًا، في أبريل 2014، قام رئيس الوزراء إبراهيم محلب، بوقف عرض فيلم «حلاوة روح» لهيفاء وهبي، ورفعه من دور العرض، وذلك بعد انتقادات لملابس ومشاهد بطلته. «ثم قضت محكمة القضاء الإداري في نوفمبر 2014 بوقف قرار رئيس الوزراء بمنع عرض الفيلم. وفي يوليو 2019 قضت المحكمة الدستورية العليا بتأييد دستورية المادة القانونية التي تتيح لجهاز الرقابة على المصنفات الفنية سحب الترخيص السابق إصداره بالعرض إذا طرأت ظروف جديدة.

كانت معركة «حلاوة روح» بمثابة البداية لحالة غير مسبوقة من البلاغات والمحاكمات الأخلاقية، بدأت بمحاكمة الراقصتين شاكيرا وبرديس بسبب «تحريضهما على الفجور» من خلال كليبات غنائية، ثم بإحالة بطلات ومخرجي كليبات «بص أمك» و«أنا عايزة واحد» للمحاكمة، بتهم «التحريض على الفسق والفجور وخدش الحياء العام وإثارة الغرائز»، ثم إحالة الراقصة الروسية «جوهرة» في فبراير 2018 بتهمة ارتداء بدلة رقص غير مطابقة للمواصفات والحكم عليها بالسجن لمدة عام في أبريل 2019، أما الراقصة الأرمينية صافينار فكان نصيبها الحكم بالحبس ستة أشهر وغرامة خمسة آلاف جنيه بتهمة الرقص دون ترخيص قبل إلغائه، بالإضافة للحكم بالسجن ستة شهور وغرامة 15 ألف جنيه، بعد إدناتها بـ«إهانة علم مصر»، قبل تخفيفه لاحقًا في سبتمبر 2015 بإلغاء الحبس ومضاعفة الغرامة إلى 30 ألف جنيه.

بعد الانتهاء من فتيات الكليبات والراقصات، جاء ظهور تطبيق تيك توك بمثابة تحدي جديد لصورة الدولة الأخلاقية التي تود الحفاظ عليها، وكانت البداية مع اتهام حنين حسام بـ«الاتجار بالبشر»، وذلك بعد دعوتها للفتيات للاشتراك في أحد التطبيقات لعمل فيديوهات والتحدث مع عملاء بمقابل مادي، وهو ما رأت فيه الدولة تهديدًا لأخلاق فتيات الطبقة الوسطى وما تحتها، لتبدأ الدولة حملة على فتيات التيك توك الشهيرات، وصل عددهن إلى تسع فتيات، باتهامهن بـ«الاعتداء على قيم الأسرة المصرية والتحريض على الفسق ونشر صور ومقاطع فيديو خادشة للحياء».

فعلى الرغم من أن النظام الحالي يناصب جماعات الإسلام السياسي العداء بشكل واضح، إلا أنه يرى أن قيامه بالحملات الأمنية الأخلاقية يحميه من المزايدة الأخلاقية من جانب مؤيدي تلك الجماعات، كما أنه يعطي الانطباع المطلوب وصوله للشعب، ولمستخدمي الإنترنت خصوصًا: لا تعتقد أنك بعيد عن أعين الدولة وسلطتها باكتسابك الحرية من خلال شبكة الإنترنت، حصولك على جماهيرية أو عدد متابعين أو على مكاسب مادية يتم بموافقة الدولة، وعند الضرورة يمكن للدولة القبض عليك إذا تخطيت الحدود السياسية أو الأخلاقية.

اعلان
 
 
محمد يحيى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن