علاج ما أفسده «كورونا».. «ما يغلاش عليك»
 
 
صورة: محمد الراعي
 

تنطلق اليوم، الأحد، المبادرة الرئاسية لتحفيز الاستهلاك المحلي «ما يغلاش عليك»، وتستمر لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد. المبادرة في شكلها المبسط والمباشر أقرب للأوكازيون، كلاهما يهدف لتصريف المنتجات المعروضة، ويعتمد في ذلك على تقديم خصومات سعرية على السلع المختلفة، ولكن مع بعض الفوارق التنظيمية والتمويلية أيضًا.

من حيث التنظيم، تأتي المبادرة هذا العام بتكليف رئاسي، وبحسب وزارة المالية، تخضع لإشراف أكثر من وزارة وجهاز رقابي، بينما الأوكازيون تنظمه وزارة التموين والتجارة الداخلية. من الناحية التمويلية، فإنه إلى جانب الخصومات التي يقدمها المنتجون المشاركون في المبادرة (إجراء يحدث أيضًا في الأوكازيون) تحاول الحكومة مساعدة المستهلكين في توفير التمويل اللازم لعملية الطلب (الشراء)، وهو ما يميز المبادرة عن الأوكازيون.

وبحسب تفاصيل المبادرة المعلنة من وزارتي المالية والتخطيط، تسهم «المالية» في توفير التمويل للمستهلك من خلال إجراءين. الأول: منح حاملي بطاقات التموين خصمًا إضافيًا بقيمة 10% على الخصم الذي يقدمه المنتجون والموزعون، بحد أقصى 1000 جنيه للبطاقة وهو الإجراء الذي يكلف الخزانة العامة للدولة نحو 12 مليار جنيه. أما الإجراء الثاني، فيتمثل في إنشاء صندوق لضمان مخاطر التمويل الاستهلاكي (لمن يشتري السلعة بالتقسيط)، برأسمال ملياري جنيه.

المبادرة دعوة صريحة لرفع معدلات الاستهلاك، وهي دعوة مغايرة لتوجهات كانت الحكومة قد أدرجتها في خطتها للتنمية متوسطة الأجل 2018-2019 وحتى 2021-2022، والتي تستهدف رفع معدلات الادخار. فهل يمثل هذا تراجعًا من الحكومة عما عزمت عليه سابقًا؟ أم هناك ضرورة ملحة تقتضي أن تكون الأولوية للاستهلاك لا الادخار؟ إذا كانت الاجابة بنعم، فما هي الضرورة؟ وما هو التمويل الاستهلاكي الذي تعتمده الدولة بصندوق ضمان قيمته ملياري جنيه من أجل تسهيل حصول المواطنين على السلع بقروض قالت الحكومة إنها مخفضة؟

هل يحتاج الاقتصاد تحفيز الإنفاق أم تعبئة الادخار؟

الأرقام وحدها هي التي تقودنا للإجابة على هذا السؤال. بحسب ما أعلنته وزارة المالية من أرقام، فقد الناتج الإجمالي نحو 130 مليار جنيه خلال فترات الحظر الجزئي التي أعقبت ظهور فيروس كورونا.

دفع هذا «المالية» لخفض المستهدف لمعدلات النمو (التي تعبر عن الزيادات في الناتج الإجمالي المحلي لمختلف القطاعات) من 6% إلى 4% خلال العام المالي المنقضي. خفض التوقعات الحكومية حيال معدل النمو تمت ترجمته بشكل صريح في مؤشر مديري المشتريات خلال شهور أبريل ومايو ويونيو الماضية، والذي رصد معدلات تباطؤ في الأنشطة الاقتصادية ظهرت في انكماش مستويات الإنتاج والطلبيات الجديدة وتراجع معدلات الطلب، وكذلك تدني حجم الصادرات. وبحسب تقارير المؤشر الثلاثة عن الأشهر التالية لظهور فيروس كورونا، انخفض نشاط القطاع الخاص غير النفطي إلى ما دون حاجز 50 نقطة، وهو الحد الفاصل بين الانكماش والنمو.

يعتمد المؤشر في دراسته على بيانات مجمعة من مسؤولي المشتريات التنفيذيين في أكثر من 400 شركة من شركات القطاع الخاص المصري. كما يقدم المؤشر، الذي تعده مجموعة IHS Markit، نظرة عامة عن ظروف التشغيل في القطاع الخاص.

المعطيات السابقة، والمتعلقة بتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، دفعت الحكومة لاستهداف زيادة معدلات نمو الإنفاق الاستهلاكي من خلال طرح هذه المبادرة بشقيها (خفض الأسعار وتقديم تسهيلات تمويلية) لخلق معدل طلب مرتفع على المنتجات تستعيد معه المصانع وتيرة النشاط الإنتاجي، والتي ربما ترفع معدلات التشغيل التي تراجعت مؤخرًا بسبب انتشار الفيروس في مصر.

مثل هذه المبادرات «مطلوبة في أوقات الركود»، بحسب الدكتورة سلوى العنتري، الرئيسة السابقة لقطاع البحوث بالبنك الأهلي. تقول إن المبادرات من هذا النوع تدعم طرفي المنظومة الإنتاجية (المنتج والمستهلك)، لكن الخطر الحقيقي في المبادرات التي تدعم القوة الاستهلاكية للشرائح العليا من الطبقة المتوسطة لأن هذه الشريحة هي التي تتبنى الاستهلاك الترفي، وبطبيعتها تبدد معدلات ادخار محتملة.

لكن المبادرة التي أطلقتها الحكومة لتحفيز الاستهلاك تستهدف بالأساس الفئات محدودة الدخل والشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، وربما الشريحة الوسطى أيضًا من نفس الطبقة، والتي أُضيرت بشدة من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي ومن بعده انتشار فيروس كورونا، حيث ترمي المبادرة، بحسب العنتري، لمساعدة هذه الشرائح المجتمعية في الوفاء باحتياجاته من ناحية، وكذلك تصريف المنتجات الراكدة وتنشيط القطاعات الإنتاجية المختلفة من ناحية أخرى.

إذًا حالة الركود الإنتاجي والاستهلاكي التي خلفتها تداعيات انتشار فيروس كورونا تستلزم زيادة معدلات الإنفاق الاستهلاكي. ولكن ماذا عن طموحات الحكومة لزيادة معدلات الادخار، والتي تستهدف الوصول بها إلى 23% من الناتج الإجمالي المحلي بحلول العام المالي القادم 2021-2022؟

ترى العتري أن هذه المبادرة لا تتعارض على الإطلاق مع فكرة الادخار، ولا الضرورة الملحة للاقتصاد المصري لرفع وتعبئة معدلات الادخار، والتي تتطلب سياسات تستهدف بالأساس الطبقات القادرة ذات الإنفاق الاستهلاكي الترفي، لأنهم -بطبيعة الحال- الفئة القادرة على الادخار نظرًا لطبيعة دخولهم المرتفعة، والتي تختلف عن الفئة التي تستهدفها المبادرة.

تشرح العنترى أن الفئات الدنيا والمتوسطة، وبسبب انتشار الفيروس، أُضيرت بشكل ملحوظ في دخولهم، ما أفقدهم فوائض الدخول، إن لم يكن أفقدهم الدخول نفسها، ولهذا فهم في حاجة لهذه المبادرة لتلبية احتياجاتهم بأسعار مخفضة ومساعدات تمويلية.

بحسب دراسة للجهاز بعنوان «أثر فيروس كورونا المستجد على الأسر المصرية حتى مايو 2020»، أفقدت أزمة «كورونا» نحو 26% من المشتغلين وظائفهم خلال الفترة من نهاية فبراير وحتى مايو الماضي، بينما انخفضت دخول نحو 73.5% من الأفراد.

ماذا عن التمويل الاستهلاكي؟

تستهدف المبادرة بيع منتجات بنحو 100 مليار جنيه. عملية البيع يلزمها نقودًا لتمويل عملية الشراء. وفي محاولة منها لتقديم دعم تمويلي للمستهلكين، أعلنت الحكومة عن صندوق ضمان مخاطر التمويل الاستهلاكي برأسمال قيمته ملياري جنيه تموله الخزانة العامة للدولة.

صندوق ضمان مخاطر التمويل الاستهلاكي تتلخص مهمته في تمكين وتسهيل حصول المواطنين على السلع من خلال آلية التقسيط والاقتراض عن طريق ضمان الحكومة لهذه القروض لدى البنوك وشركات التمويل الاستهلاكي.

بحسب الهيئة العامة للرقابة المالية (الجهة الرقابية على مقدمي هذا النشاط من الشركات)، يمكن تعريف  التمويل الاستهلاكي على أنه كل أشكال التمويل التي تتجه إلى تمكين المقترض من شراء سلع معمرة بغرض الاستهلاك وسداد ثمنها على فترة زمنية ممتدة. بموجب هذا التعريف، فإن التمويل الاستهلاكي يشمل السيارات والأجهزة المنزلية والأدوات والمعدات.

سبق الإعلان عن المبادرة قرارًا من الهيئة العامة للرقابة المالية بداية الشهر الجاري بتوسيع قائمة السلع  والخدمات المشمولة في نشاط التمويل الاستهلاكي، والذي ينظم عمله القانون رقم (18) لسنة 2020. وتتضمن القائمة الجديدة إنتاج و/أو توزيع الأثاث وتجهيزات المنازل، والملابس والأحذية والشنط والساعات والمجوهرات والنظارات، والمستحضرات الطبية والتجميلية، والأدوات والملابس الرياضية، ولعب الأطفال، والكتب والأدوات المكتبية، والمواد الغذائية، وقطع غيار السيارات. كما أتاحت الهيئة بقرارها الصادر بداية الشهر الجاري تمويل المشتريات من المحال والسلاسل التجارية المتنوعة والصادرة بفاتورة واحدة -دون عقبات في نوعية المنتجات المسموح بشرائها- وحرية كاملة في الشراء من السلاسل التجارية بالتقسيط وعلى آجال متفق عليها.

وقررت الهيئة كذلك، ضم خدمات جديدة لمنظومة التمويل الاستهلاكي من بينها خدمات صيانة المركبات وسيارات الركوب بجميع أنواعها، وصيانة الأجهزة والمعدات الاستهلاكية، والتشطيبات والتجهيزات المنزلية.

وكانت قائمة السلع المشمولة في منظومة التمويل الاستهلاكي قبل الإضافات التي أجرتها الهيئة مؤخرًا تشمل المركبات والسلع المعمرة ومن بينها الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، إلي جانب الخدمات التعليمية، والخدمات الطبية، وخدمات السفر والسياحة. 

ومع توسيع قاعدة السلع والخدمات المشمولة في منظومة التمويل الاستهلاكي وإنشاء صندوق لضمان مخاطره، يتوقع حازم مغازي، الرئيس التنفيذي لشركة «أمان للخدمات»، أن تخلق المبادرة حالة رواج بالسوق، مرجحًا ارتفاع حجم تعاملات شركات التمويل الاستهلاكي واتساع قاعدة عملائها بمئات الآلاف من العملاء على مستوى الجمهورية، سواء على مستوى المبادرة أو في المستقبل.

وبحسب مغازي، فإن نظم التمويل الاستهلاكي في العموم تسهم بدور هام في التنمية لأنها تسهل عملية حصول المستهلك على منتج خارج إمكانياته المادية، من خلال تقديم تسهيلات تتوازن مع دخله، موضحًا أن خلق طلب سلعي يسهم بشكل كبير في دوران عجلة الاقتصاد، نظرًا لأن الطلب لا بد وأن يقابله إنتاج يعادل الاستثمار والتشغيل، وهي محاور رئيسية في عملية التنمية.

تقول سلوى العنتري إن إنشاء صندوق لضمان التمويل الاستهلاكي يتكامل مع مبادرة تحفيز الاستهلاك المحلي، ولكن «ينبغي الحذر والانتباه بشدة لأسعار الفائدة التي ستضعها الشركات على المستهلكين». بحسب وصفها، فإن سعر الفائدة المعلن من قبل الشركات ربوي. وترجع العنتري ذلك إلى أن فائدة مقطوعة على أصل الدين كله بفرض أنها 1% شهري على أصل الدين 1000 جنيه، و لمدة 10 شهور، فيدفع المستهلك القسط الأول 100 جنيه + 10 جنيه الفائدة بما يعادل 110. يظل يدفع نفس القسط على مدار الشهور التالية بالرغم من أن أصل الدين يتناقص مع سداد الأقساط، بمعنى أنه في الشهر الثاني سيتبقى على العميل عليه 900 جنيه فقط و1% من الـ 900 جنيه تساوي 9 جنيه، ولكن لأن الفائدة 1% مقطوعة فسيظل يدفع من أول قسط لآخر قسط 110 جنيه. نظريًا، تبدو الفائدة كأنها 10% على مدار مدة السداد، في حين أنها عمليًا تتجاوز 20%.

هل تعالج المبادرة ما أفسده كورونا؟

تقدم خدمات التمويل الاستهلاكي في مصر جهتين: الأولى هي البنوك من خلال قروض التجزئة متنوعة الأشكال (فيزا المشتريات، قروض شخصية، قروض السيارات، قروض التعليم)، وتخضع هذه القروض لرقابة البنك المركزي. والثانية هي شركات التمويل الاستهلاكي، والتي يبلغ عددها سبع شركات، بخلاف شركات تمويل السيارات، بحسب حازم مغازي. ويستفيد من هذا النشاط مليونا مواطن، ويبلغ إجمالي حجم النشاط نحو 70 مليار جنيه سنويًا.

يقول حازم مغازي إن التسهيلات التي تقدمها شركات التمويل الاستهلاكي لا تختلف عن قروض التجزئة الممولة من البنوك لأن نوعي التمويل في النهاية مهمتهم واحدة، وهي توفير الخدمة أو السلعة للمستهلك بالتقسيط، وإن كانت شركات التمويل الاستهلاكي توفر هذه الخدمة للعملاء الذين لا يستطيعون الحصول على التسهيلات الائتمانية من البنوك، والذين لا يملكون حسابات مصرفية، وعدد المواطنين الذين لا يملكون حسابات بنكية أكثر بكثير ممن يملكون وهؤلاء هم الفئة المستهدفة من قبل شركات التمويل الاستهلاكي، لافتًا إلى أن الشركات والبنوك تقوم بأدوار متكاملة في توفير السلع للمستهلكين بتسهيلات مختلفة.

يضيف أن المبادرة ليست بالتحديد لمواجهة تداعيات «كورونا» الاقتصادية، لأن الحكومة كانت تعتزم إطلاق هذه المبادرة بداية العام نظرًا لحالة الركود النسبي التي ظهرت بالأسواق، ولكن «كورونا» أجلت المبادرة قليلًا، وها هي تنطلق مع بداية الشهر القادم. ويتوقع أن تخلق تحرك عجلة الاقتصاد من جديد في جميع الاتجاهات؛ التشغيل والإنتاج والاستثمار وأخيرًا الاستهلاك.

ترى محللة قطاع استهلاكي بأحد بنوك الاستثمار، طلبت عدم ذكر اسمها، أنه إذا تم تنفيذ المبادرة بنفس الصيغة التمويلية والرقابية المعلن عنها قد تسهم في معالجة مشكلات الركود، وبالتبعية حفز معدلات الطلب والإنتاج وكذلك التشغيل.

وكان وزير المالية قد شدد على أن المبادرة ستخضع للتقييم الدوري والمتابعة الدقيقة من مختلف الوزارات والجهات المعنية، خاصة جهاز حماية المستهلك، لضمان نجاحها وإنجاز الأهداف المرجوة، لافتًا إلى أن هذه المبادرة الرئاسية قابلة للتجديد مرة أخرى على ضوء ما تحققه من نتائج.

توضح محللة القطاع الاستهلاكي أنه إذا التزم المنتجون بالتخفيضات المعلنة (نحو 20%)، وإذا راقبت الجهات المختصة كل من المنتج والممول، حتمًا ستنجح المبادرة في تحريك الركود، مشددة على أن المبادرة واحدة من الإجراءات المتبعة لعلاج تداعيات كورونا الاقتصادية، ولا يجب أن يعول عليها وحدها لمعالجة ما خلفه كورونا من آثار.

الأيام القادمة إذًا هي الفيصل في جدية المبادرة التي جاءت بتكليفات رئاسية، والأيام أيضًا هي القول الفصل الذي سيفصح عن القوة الشرائية للمستهلك المصري.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن