«شركة قها».. عقدان في انتظار التطوير
 
 

أوصى الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير التموين علي مصيلحي نهاية الشهر الماضي بتطوير شركة «قها» للصناعات الغذائية المحفوظة ضمن خطة تطوير الشركات التابعة للقابضة الغذائية لاستعادة إنتاجها المتميز، وجاءت توجيهات السيسي بتطوير الشركة في إطار اجتماع لمتابعة الموقف بالنسبة للمخزون الاستراتيجي من السلع التموينية الأساسية لتوفيرها للمواطنين.

التوجيهات صدرت لاستعادة قها للإنتاج المتميز. الاستعادة تعني أن هناك شيئًا  أو ربما أشياء مفقودة. ما الذي فُقد؟  ومتى؟ وكيف؟ الإجابة على هذه الأسئلة تستلزم قراءة جيدة في تاريخ وبيانات شركة قها، التي كانت بين الشركات التي اختصها السيسي اسمًا بالتطوير.

ماذا عن قها؟

«قها»، ككل شركات القطاع العام، نشعر تجاه منتجاتها بنوع من النوستالجيا لأنها كانت حاضرة في كل الأوقات والمناسبات: طبق الفول على الإفطار، سندويتشات المربى للمدرسة، الشربات لمناسبات النجاح والأفراح.

الحضور الطاغي لمنتجات الشركة حتى منتصف تسعينات القرن الماضي يرجع إلى قدم وجودها في سوق الأغذية المحفوظة. أنشأت الشركة عام 1940 وبدأت بمصنع واحد فى مدينة «قها» باسم المصنع المصري للأغذية (قها)، وفُرضت الحراسة عليها في عام 1961. وفي العام التالي، أعيد تأسيس الشركة لتصبح «شركة مساهمة مصرية» تحت اسم النصر للأغذية المحفوظة (قها) مملوكة للدولة  ليتم اختصار الاسم بعد ذلك في الاسم الحالي. بدأت الشركة بمصنع صغير في مدينة قها بمحافظة القليوبية وكان الأول من نوعه على مستوى الشرق الأوسط في صناعة الأغذية المحفوظة. وبحلول 1972، بلغ عدد مصانع الشركة ستة مصانع بكل منها خطوط إنتاج متكاملة (قها التحرير 1961، والطابية 1965، وأبوكبير 1971، والرشيد وقرين 1972، إلى جانب المصنع الرئيسي).

لعبت مصانع «قها» دورًا واضحًا وقويًا في عملية الإمداد الغذائي في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973. وانتشرت منتجات الشركة البالغ عددها 32 منتجًا تحت شعار «جربوها مرة ستفضلونها دومًا» في مختلف أنحاء الجمهورية وبعض دول الجوار.

مع صدور قانون قطاع الأعمال العام 203 لسنة 1991، أتاحت أكثر من مادة بالقانون للشركة عملية نقل الملكية وتوسيعها فيما يعرف بالخصخصة. وكانت الخصخصة بداية رحلة فقد الأمجاد التي تحاول الحكومة الآن استعادتها.

الخصخصة

على الرغم من تحقيقها أرباحًا، باعت حكومة عاطف عبيد 90% من أسهم شركة «قها» في عام 1998 بواقع 4.5 مليون سهم/32 جنيهًا للسهم، في صفقة بلغت قيمتها في ذلك الوقت نحو 144 مليون جنيه يُضاف إليها الفوائد لمستثمر رئيسي (مجموعة شركات عوف)، ويمثلها رجل الأعمال حسن محمد عوف، أحد المستثمرين في مجال صناعة الغازات الصناعية، كالأكسجين وثاني أكسيد الكربون، وهو مجال بعيد تمامًا عن الصناعات الغذائية التي قرر المستثمر الدخول فيها.

تسلم المستثمر الشركة في ديسمبر 1998 بعد سداد 35 مليون جنيه من قيمة الصفقة على أن يسدد باقي قيمة الصفقة على خمسة أقساط سنوية بعد انقضاء فترة السماح الممنوحة للمستثمر من قبل الحكومة، والتي حددها عقد البيع بعام ونصف.

لم يتمكن المستثمر بعد انقضاء فترة السماح من السداد، فتم منحه 16 شهرًا إضافيًا فشل بعدها أيضًا في السداد، كما تعثر أيضًا في سداد مستحقات العاملين خلال الفترة من يوليو 2001 حتى أغسطس 2002.

فشل المستثمر في إدارة الشركة وتعثره في سداد الأقساط ومستحقات العاملين بها كان دافعًا قويًا للشركة القابضة للصناعات الغذائية بإقامة دعوى لفرض الحراسة القضائية على شركة «قها»، حيث صدر بشأنها حكم محكمة الإسكندرية للأمور المستعجلة بفرض الحراسة في أبريل 2002 بالدعوى رقم 2413 لسنة 2001 ليتم تنفيذ الحكم بفرض الحراسة في أغسطس 2002.

استمرت الشركة في العمل تحت الحراسة، وخلال هذه الفترة جرت مفاوضات طويلة بين الشركة القابضة ووزارة الاستثمار من جانب، والمستثمر من جانب آخر، انتهت إلى تسوية تتلخص في فسخ العقد مع المستثمر ونقل ملكية الشركة إلى الشركة القابضة (استردادها) مقابل نحو 52 مليون جنيه تسددها القابضة للمستثمر. وبالفعل، نُقلت الملكية للشركة القابضة في 28 نوفمبر 2007.

بدورها، أقامت «القابضة» دعوى قضائية لرفع الحراسة عن «قها». وفي 25 مايو 2008، تم الفصل في الدعوى برفع الحراسة عنها، وهي الدعوى التي عادت على إثرها شركة «قها» لحوزة الدولة مرة أخرى بعد عشر سنوات عجاف كانت كافية لقتل اسم منتجات الشركة في السوق، وكفيلة أيضًا بتهيئة سوق الأغذية المحفوظة لمنتجات جديدة لمنافسين جدد للشركة. عشر سنوات كانت كافية أن تجعل اسم منتجات «قها» مجرد ذكرى.

عودة بائسة

عادت «قها» من الخصخصة لحوزة الدولة بعد أن سجلت قوائمها المالية خسائر مجمعة بلغت 126 مليون جنيه من بينها 18 مليون جنيه قرض من الشركة القابضة، و45 مليون جنيه قرض من بنك تنمية الصادرات فرع رشيد، و26 مليون و300 ألف جنيه قرض من بنك مصر إكستريور، بالإضافة إلى نحو  30 مليون جنيه مستحقات التأمينات الاجتماعية عن العاملين وديون للموردين والكهرباء والتليفونات والمياه والضرائب، وهي الخسائر التي أرجعها رئيس الشركة القابضة وقتها أحمد الركايبي لقلة خبرة المستثمر الذي اشترى الشركة، والذي أدى بإدارته إلى الفشل. واعترف الركايبي أن «قها» قبل الخصخصة كان رأسمالها بالموجب وعند عودتها أصبح رأسمالها بالسالب بسبب ما تكبدته من خسائر.

خسائر «قها» خلال فترة الخصخصة والحراسة لم تقتصر على الشق المادي بل امتدت للشقين البشري والرأسمالي (الأصول والمعدات وخطوط الإنتاج)، بحسب مصدر بمجلس ادارة الشركة طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إن الفترة التي وقعت فيها «قها» في قبضة المستثمر والحارس القضائي، كانت الشركة تعمل تقريبًا بنحو 20 % من طاقتها ما أدى إلى تعطل آلات ومعدات كثيرة داخل المصانع التابعة للشركة لسنوات، وهو ما أدى إلى فقدان هذه الأصول لكفاءتها.

الأمر نفسه كذلك بالنسبة للعاملين الذين فقدوا جزءًا من مهارات العمل نتيجة التعطل الإجباري الذي عانت منه الشركة في تلك الفترة والتي كان يصل بها الأمر في بعض الأحيان لعدم توفر موارد لشراء خامات للإنتاج. كما اتجه بعض العاملين للالتحاق بأعمال بديلة ومختلفة لتعويض الفاقد في الدخل، حيث إن الخصخصة والحراسة والخسائر التي كبدها المستثمر للشركة حرمت العاملين في تلك الحقبة الزمنية من الحوافز والبدلات واكتفت الشركة القابضة التي تولت أمر العاملين بصرف الرواتب الأساسية فقط.

كما طبقت الشركة القابضة بمجرد استلام «قها» وانعقاد أول جمعية عمومية لها، العمل بنظام المعاش المبكر الذي أفقد الشركة 50% من كوادرها الفنية، والذين التحقوا بالعمل بشركات منافسة، بحسب بيانات صادرة عن الشركة حصل «مدى مصر» على نسخة منها.

التطوير تاريخ ممتد من الكلام

لم تكن توجيهات الرئيس السيسي بتطوير الشركة هي الصحوة الأولى في ملف التطوير، لكن سبقها صحوات متعددة أعقبها ثبات متقطع. الثبات الذي دخلته عمليات تطوير الشركة التي أعلن عنها المسؤولون المتتابعون على الشركة يبرهن عليها تقرير أوضاع الشركة الصادر عن مجلس إدارتها الحالي بداية العام الجاري، والذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه.

تسلم مجلس الإدارة الحالي الشركة وبها خطوط إنتاج فرعية ورئيسية عاطلة منذ 20 سنة وبعضها لمدد تتراوح بين 10-15 سنة، ما جعل الشركة تعمل حتى 2016 بنحو 20% بطاقتها الإنتاجية، بحسب مصادر بمجلس الإدارة، وهي نفس النسبة التي كانت تعمل بها تحت الحراسة والخصخصة.

من بين خطوط الإنتاج الرئيسية التي ظلت معطلة 20 سنة متواصلة، خط إنتاج الصلصة في مصنع «قها»، وكذلك خط إنتاج المربى وخط إنتاج السيدرونيك (لإنتاج علب الصفيح بمصنع الطابية الإسكندرية)، وخط إنتاج الفول بمصنع الطابية الإسكندرية، وكلها من خطوط الإنتاج الرئيسية ومنتجاتها من أهم منتجات الشركة التي اشتهرت بها وساهمت في بناء اسمها التجاري بالسوق قبل الخصخصة. هذا بالإضافة إلى عدد من أنفاق التبريد وبعض الأصول الرأسمالية التي ظلت معطلة لمدد طويلة تتراوح بين 10- 15 سنة وتسبب تعطيلها في توقف خطوط إنتاج رئيسية.

خطوط الإنتاج العاطلة حتى 2016 تشير إلى عجز خطط التطوير التي سبقت هذا العام والتي تشدق بها المسؤولون عقب عودة الشركة من الخصخصة لحوزة قطاع الأعمال.

ففي عام 2009، العام التالي لعودة الشركة من الخصخصة، اعتمدت الشركة القابضة خطة لإعادة هيكلة الشركة ماليًا وإداريًا وفنيًا بقيمة 38 مليون جنيه. وبالرغم من أن الخطة تشمل الهيكلة المالية والفنية (والمقصود هنا بالجانب الفني إعادة تشغيل الخطوط المعطلة وضخ استثمارات على الأصول والمعدات)، إلا أن 33 مليون جنيه منها ذهبت لإنشاء هايبر ماركت (منفذ بيع كبير)، وخمسة ملايين فقط لباقي بنود الهيكلة.

ونظرًا لأن خطة تطوير الشركة بعد العودة لحوزة الدولة، والتي اعتمدت قبل الثورة، لم تؤت بثمارها، فقد ظلت الشركة تحقق الخسائر خلال السنوات التالية لها، ومن واقع الموازنات المالية تجاوزت الخسائر نصف رأسمال الشركة، ما دفع الجمعية العمومية في 2014 للنظر في المفاضلة بين تصفية الشركة أو استمراريتها. وجاء قرار الجمعية الذي وثقته الجريدة الرسمية باستمرار الشركة في العمل مع وضع خطة لتطويرها لتجاوز الخسائر، وهو ما تم الموافقة عليه في يناير 2014.

وبعد عام من قرار الجمعية العمومية بعدم التصفية وبضرورة التطوير، قالت وزارة التموين والتجارة الداخلية إنها اعتمدت 100 مليون جنيه لتطوير الشركة وإعادتها إلى سابق عهدها.

لكن تقرير الشركة المشار إليه سابقًا يؤكد أن 2015 لم يشهد تنفيذ أي خطة للتطوير، حيث أوضح التقرير أن مجلس الإدارة الذي تولى مسؤولية الشركة في 2016 تسلم خطوط إنتاج رئيسية معطلة لأكثر من 20 سنة.

عكف مجلس الادارة الحالي على التطوير الداخلي لخطوط الإنتاج المعطلة ومعالجة مشكلات العمال المالية والوظيفية، بحسب مصدر في مجلس إدارة الشركة، والذي أكد أنه تم تشغيل خطوط إنتاج المربى والفول والصلصة، وعمل حركة ترقيات لنحو نحو 280 عاملًا. وبلغ إجمالي عدد العاملين بالشركة 1096 عاملًا بنهاية نهاية 2019.

وبالرغم من تشغيل الخطوط المعطلة بالشركة، إلا أن الشركة لم تنجح في السيطرة على السوق كما كانت في السابق. حيث تؤكد أرقام الإنتاج والمبيعات أن نصيب الشركة من السوق ما زال في نقطة متراجعة جدًا. وبحسب المصدر، فإن الشركة تنتج 12 ألف طن سنويًا يتم تصدير النصف تقريبًا إلى بعض الدول العربية وأمريكا وفرنسا واليونان بما قيمته 60 مليون جنيه مصري. وباعتراف المصدر نفسه، فإنه لا كميات الإنتاج ولا حجم المبيعات يرقى إلى مكانة الشركة وطاقاتها الانتاجية ولا حتى خبرات العاملين بها، بحسب وصفه. وبالرغم من تشديد رئيس الشركة القابضة ومجلس الشركة على جدية التطوير، إلا أن حجم الإنتاج والمبيعات لم يعكسا ذلك حتى الآن. فعلى سبيل المثال، بلغ إجمالي الإنتاج خلال 2014-2015 نحو 11 ألف و803 أطنان بينما بلغت المبيعات عن نفس العام نحو 77 مليون جنيه، فيما بلغ حجم الإنتاج في الوقت الحالي 12 مليون طن سنويًا بزيادة 197 ألف طن فقط. بينما بلغت حجم المبيعات نحو 118 مليون جنيه بزيادة 41 مليون خلال الفترة من 2015 وحتى الآن، وهي الزيادة التي ربما تكون ناتجة عن ارتفاع معدلات التضخم.

النتائج المتواضعة لخطط التطوير التي عزمت الحكومات المتتالية تطبيقها على الشركة دفعت وزارة التموين والتجارة الداخلية التي تتبعها «قها» للتعاقد في نوفمبر 2019 مع مكتب استشاري؛ هو شركة «فينكورب» لتطوير الشركة ودمجها مع الشركات ذات نفس الصفة الإنتاجية «إدفينا». وبحسب محمد سالم حمدي، رئيس شركة «فينكورب»، يتولى مكتبه وضع خطة شاملة للهيكلة المالية والإدارية بالشركتين، بجانب توصيات للتطوير الشامل للإنتاج، وكيفية زيادة الحصة السوقية للكيان الجديد محليًا، واختراق أسواق خارجية للتصدير، متوقعا إنهاء دراسة الشركتين خلال خمسة أشهر، أي بحلول مايو 2020، بسبب ضخامة الأصول الإنتاجية ومعارض البيع والتوزيع، ليتم بعد ذلك وضع خطة واضحة لتطوير وتحديث خطوط الإنتاج، والتى لم تشهد أي تطوير منذ القرن الماضى، عبر الإحلال والتجديد، بجانب تحديث وسائل النقل والتوزيع.

لكن هذا لم يحدث حتى الآن. بحسب عضو ثانٍ في مجلس إدارة الشركة تحدث إلى «مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه، لم تنته «فينكورب» بعد من تقديم خطة التطوير والدمج، فيما كشف العضو أن ملامح هذه الخطة تتركز حول إنشاء مجمع جديد للصناعات الغذائية المحفوظة في مكان آخر وعلى أرض جديدة، رافضًا ذكر موقع المجمع الجديد. وقال المصدر إن تمويل خطة التطوير سيكون ذاتيًا وغير معتمد إطلاقًا على الموازنة العامة للدولة، متوقعًا الانتهاء من الخطة الشاملة للتطوير خلال ثلاث سنوات، لافتًا إلى أن الهدف الرئيسي هو إعادة الشركة لما كانت عليه في الماضي.

وبالرغم من المحاولات المتكررة والمتتالية لتطوير «قها» منذ عام 1998، إلا أنه لا يسع مستهلكيها سوى مزيد من الانتظار لعل الوقت يكتب النجاة لهذه الشركة.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن