الاستبداد ومحاولات الإفلات من حكم التاريخ

إذا كان الصحفي هو «مؤرخ اللحظة الراهنة»، والصحافة هي «المسودة الأولى للتاريخ» كما يقولون، فإن أي تلاعب في توثيق تلك اللحظة بحجب بعض جوانبها أو العبث في تفاصيلها هو محاولة لتزييف التاريخ وتضليل الأجيال القادمة بطمس وقائع ما جرى.

يعمل الصحفي، حسب ما تقتضيه القواعد المتواترة، على رصد الحدث وتوثيقه وإبراز زواياه وتحليله ولو من خلال قراءة أولية متوترة وطازجة، فيحمي بقصد أو بدون بعض الوقائع التاريخية المعاصرة من الاختفاء والاندثار، فلولا حضوره في المكان والزمان المناسبين لكانت الكثير من الأحداث ستؤول ربما إلى الكتمان ومن ثم إلى النسيان، وعليه فإن الصحافة هي «المادة الخام» أو «المصدر الأساسي» وفي بعض الأحيان «الثانوي» لمؤرخ المستقبل.

عندما تُنحى تلك القواعد جانبًا، وترفعها سلطات الاستبداد على «الرفوف» بحجة «ضرورات الأمن القومي» تارة، أو «مصلحة الدولة العليا» تارة أخرى، أو «الحفاظ على قيم المجتمع وأمنه وسلامته» تارة ثالثة، وعندما يسيطر الخوف على صالات تحرير الصحف، وتتحكم الرقابة الذاتية في شغف ومهنية الصحفي، حينها يتحول المصدر الأساسي للتاريخ إلى مصدر للزيف والكذب والأوهام والتضليل، فتتعرض المادة الخام التي يستند إليها الباحثون إلى التشوه.

مع ذلك فالوقائع والأحداث والأحكام ستبقى مدفونة في مصادر أخرى تنتظر من ينبش عنها ويربطها ببعضها البعض ويضعها في سياقها حتى تكتمل الصورة، لتتعرف الأجيال المقبلة على الحقيقة وتطالعها من كل الزوايا، ساعتها لن يبقى لنا نحن معشر الصحفيين إلا اللعنات التي سيصبها علينا كل من يطالع ما ننشره في صحافة هذه الأيام.

من حين إلى آخر تثار إشكالية العلاقة بين الصحافة والتاريخ، وتدار معارك بين الصحفيين من جهة والمؤرخين الأكاديميين من جهة أخرى حول دور الصحفي في توثيق التاريخ الراهن، ودور الصحف كمصدر أولي يستند إليه مؤرخ المستقبل في الوقوف على ما جرى أو على الأقل اعتباره طرف خيط يمكنه من استكمال بحثه.

في كتابها «تاريخ الصحافة المصرية.. دراسة تاريخية ومعاصرة»، تقول الدكتورة عواطف عبدالرحمن أستاذ الصحافة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة إن «وظائف الصحافة تتفاوت من مجتمع إلى آخر، وتتراوح ما بين الإعلان والتثقف والترفيه في المجتمعات الرأسمالية، والتعبئة والتوعية والتنظيم الجماعي والنقد الذاتي في المجتمعات الاشتراكية، ومساندة قضايا التحرر الوطني والتنمية المستقلة في دول العالم الثالث، وقد بقيت الوظيفة الأولى أي الإعلام هي القاسم المشترك للصحافة في ظل الأنظمة الاجتماعية والسياسية المختلفة».

أضيفت للصحافة وظيفة أخرى هي التوثيق، والتي ترتبت على ثورة المعلومات التي أصبحت سمة العصر الراهن، حيث ألقيت على أكتاف الصحافة المعاصرة مسؤولية تجديد المعلومات وملاحقتها وذلك بسبب دوريتها التي تسمح لها بهذا الدور أفضل مما يقوم به الكتاب، الذي يتميز بضيق دائرة توزيعه وبطء دوريته عن الصحف.

إذن فالإعلام والتوثيق، بحسب عبدالرحمن، يمثلان نقطة الاقتراب الوظيفي بين كل من الصحافة والتاريخ، وإذا كانت الصحافة المعاصرة أصبحت مرجعًا وثائقيًا لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه، فإن ذلك يثير عدة إشكاليات تتعلق باستخدام الصحافة كمصدر للتأريخ، ومدى اعتماد المؤرخين على الصحف كمصادر أولية أو ثانوية للبحوث والدراسات التاريخية.

يختلف المؤرخون في نظرتهم إلى الدور الذي تقوم به الصحف في البحوث التاريخية ولكنهم يجمعون على شيء واحد هو أهمية المعلومات التي تتضمنها الصحف وعدم استغناء المؤرخ عنها مهما شابها من تحيزات أو مبالغات، فهي تعد مصدرًا أوليًا ذا أهمية للتاريخ الوطني ولدراسة التطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع.

عبدالرحمن تضيف: «إذا كان العامل الزمني يمثل المحور الرئيسي لاهتمام المؤرخ، فلا شك أنه لن يجد ذلك متوفرًا إلا في الصحف التي تقوم بحفظ وتسجيل الأحداث كوحدات زمنية، فرغم التحفظات التي تتعلق بطبيعة ونوع المادة التاريخية التي يتطلبها كل بحث، يظل للصحيفة دورها الذي يسترعي الاهتمام في تزويد البحث بالمادة التاريخية المطلوبة ويزداد هذا الدور أهمية، خصوصًا إذا كانت المادة ذات طابع إخباري، أي تتضمن أحداثًا أو وقائع، لأنه من الصعب استقاؤها بالدقة نفسها من المصادر الأخرى، وهذه هي السمة الرئيسية التي تنفرد بها الصحف عن سائر المصادر التاريخية».

أما الدكتور فتحي ليسير أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية فيقول في كتابه «تاريخ الزمن الراهن.. عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر»، إن المؤرخين المحترفين انقسموا في آرائهم عن الصحفيين ودورهم في توثيق اللحظة الراهنة إلى فريقين، الأول يواجه كتابات الصحفيين بالاستخفاف والتنقيص، وهو الفريق الغالب، «حيث كان الصحفي يتلقى مجموعة من الشهادات القاسية والثقيلة التي تستخف بانتاجه المهني، فهو يشبه البطل الأسطوري اليوناني سيزيف الذي يحمل نفسه عناء ومشقة ما هو آيل للنسيان، مهما بلغت كتاباته الدقة والإتقان لأن مصيرها هو سلة المهملات، فهو يكتب للمؤقت والعابر وبالتالي فإنه يكتب للنسيان».

ويمنح الفريق الثاني، بحسب ليسير، الصحفيين قيمة معتبرة في مجال الكتابة التاريخية من قبيل المقولة المشهورة للفيلسوف والمفكر الفرنسي ألبير كامو: «الصحفي هو مؤرخ اللحظة» التي تبناها بعد ذلك المفكر والمؤرخ المغربي عبدالله العروي.

ويشير ليسير إلى أن الاختلاف بين ما يقوم به الصحفي الاستقصائي ومؤرخ الزمن الراهن لا يمكن أن يكون إلا في أسلوب تقديم النتائج، أما البحث فيتم بطرق مماثلة في الحالتين معًا، «فالصحفي والمؤرخ، يعتمد كل منهما على مخبر، وكلاهما يؤول الخبر ليعطيه معنى، أي تجميع المادة، وفحصها وغربلتها ثم تأويلها ومساءلتها». كما أن عمل كل منهما، سواء المتعلق بالعمل الميداني أو العمل التحريري، يطرح نفس الإشكالات والالتباسات.

وفي توضيح للفرق بين طبيعة مهمة كل من الصحفي والمؤرخ يقول العروي إن كليهما يشتغلان على نفس آثار الحدث، والفرق يكون في زمن التوثيق، والمقصود بالزمن هنا هو المهلة المخولة لكل منهما، والمسافة التي يتخذها الصحفي والمؤرخ من الحدث الذي يكتب عنه، هذه المسافة التي «إذا ضاقت تحول المؤرخ إلى صحفي، وإذا عاد الصحفي إلى الأخبار بعد مدة وتأملها تحول إلى مؤرخ».

ويرى العروي أن دور الصحفي يقتصر على نقل الأحداث والوقائع، وجمع أكبر قدر من المعلومات والأخبار عن الحدث الذي يغطيه، مع الحيطة والحذر بشأن مصداقية المصادر والمعلومات، حتى لا يسقط في فخ الأخبار الزائفة.

ورغم اتفاق العروي وليسير وعبدالرحمن وغيرهم من الباحثين والمؤرخين، على أهمية الدور الذي تلعبه الصحافة في توثيق الحاضر وتقديم مفاتيح أو مادة خام لمؤرخ المستقبل، ألا أنهم حذروا من أن عبث النظم التسلطية وتلاعبها بتلك المادة الخام قد يعرض التاريخ إلى تشوه مؤقت لحين ما تنجلي الحقائق عبر مصادر أخرى.

فالاعتماد على ما يتركه الصحفيون من أرشيف واعتباره مصدر أساسي للتاريخ، في ظل نظم تفرض سطوتها على الإعلام والصحافة وتضع المئات من المحاذير والخطوط الحمراء، يفرض على الباحث تمحيص ونقد المادة الصحفية التي يستند إليها في بحثه، ومضاهتها بمصادر أخرى حتى يصل إلى تكوين صورة مقبولة ومنطقية عن الواقع الذي يتتبعه.

تسعى نظم الحكم الاستبدادية ليس إلى تضليل الرأي العام أو خداع المتلقي فقط، بل إلى تسطير وكتابة تاريخ موازي لا ترى فيه الأجيال المقبلة سوى إنجازاتها وانتصاراتها وتأييد الجماهير الغفيرة لها، فتعمل على دفن أي نقيصة أو هزيمة أو تقصير أو قمع لشعوبها المقهورة، فتحاصر الصحافة وتضيق الخناق على حرية الرأي والتعبير، وتسلط رقبائها فيعملوا آلة الحذف والحجب والمنع في المحتوى الإعلامي.

يعتقد الحاكم المتغلب أن التاريخ لن يذكر سوى محاسنه ما دامت آلة الرقابة تقف على من يصيغون المادة الأولية للتاريخ، لا يعلم أنه مهما تطابقت عناوين الصحف وأخبارها ومقالاتها التي تتغنى بإنجازاته وحكمته، فسيجد الباحثون في المستقبل مصادر أخرى تتناقض مع ما نشرته صحافته وإعلامه، فمهما بلغت السيطرة ستظل بعض المصادر تفتح باب الشك فيما سمحت الرقابة بنشره.

عندما يطالع باحث التاريخ في المستقبل مصدره الأولي «الصحف» ويقارنها مع مصادر تاريخية أخرى للتأكد من دقة الوقائع وشمولها، ويخضعها إلى المعايير المنهجية الصارمة للبحث التاريخي، مثل النقد والإحاطة بالمناخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي المصاحب لصدور تلك الصحف، سيعلم مدى الزيف الذي أحاط بالمجتمع وقت نشرها، حينها يمكن له أن يؤرخ لما مرت به صحافة تلك الحقبة وما فرض عليها من حصار وتضييق بهدف تجميل صورة السلطة وتضليل الشعب.

إذا كانت أنظمة الحكم المتسلطة نجحت في شراء أو إرهاب الصحفيين الذين اعتبرتهم بعض المجتمعات الحرة «قضاة المحكمة الابتدائية» التي تصدر أحكامها على أحداث التاريخ الراهن، فلتعلم أنها لن تكون قائمة عندما تعرض تلك الأحداث والأحكام على «قضاة محكمة النقض» مؤرخي المستقبل الذين سيراجعون ويفحصون وينقدون أحكام أسلافهم ويقارنوها بشواهد ووثائق أخرى حتى يصدروا أحكامهم النهائية على ما جرى.

لا تطمئنوا إلى ما سيكتبه عنكم التاريخ، فمكانكم محجوز مهما حاولتم الإفلات من الحكم.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن