محمد منير: أسئلة على هامش الموت
 
 

بعد أيام من إخلاء سبيله، توفي، أمس، الصحفي محمد منير، لتثير ملابسات وفاته أسئلة يفترض أن تكون مشروعة ومنطقية، فضلًا عن كونها جديرة بالإجابة، بغض النظر عن كونها أصبحت أسئلة «تهدد أمن الوطن وتزعزع استقراره» في رأي البعض.

الحكاية باختصار أنه بسبب رأي أو مجموعة أراء ومواقف، ألقت قوات اﻷمن القبض على صحفي، وقررت النيابة حبسه احتياطيًا، بعدما اتهمته بنشر أخبار كاذبة، وتم احتجازه في أحد أقسام الشرطة. لم يكن وضع الصحفي الصحي في أفضل حالاته، فتم نقله لمستشفى السجن، ثم أُخلي سبيله بعد يوم واحد، لتظهر عليه في اليوم نفسه أعراض مرضية جديدة، تشير لإصابة محتملة بفيروس كورونا، ويتم حجزه في مستشفى مخصص لعزل مصابي «كورونا»، ويتوفى لاحقًا.

لماذا قررت النيابة حبس الصحفي احتياطيًا، ولماذا ألقت الشرطة القبض عليه من اﻷساس؟ سنؤجل طرح هذين السؤالين قليلًا، ونبدأ بالسؤال اﻷكثر إلحاحًا في اللحظة الحالية: هل أصيب محمد منير بفيروس كورونا أثناء حبسه؟

بحسب ما كتبته ابنته، اليوم، لم يكن محمد منير مصابًا بـ«كورونا» حين دخل مستشفى ليمان طرة، بل إن دخوله المستشفى لم يحدث سوى بعد التأكد من خلوّه من الفيروس، حيث تم نقله، في 30 يونيو، من مقر احتجازه، في قسم الطالبية، إلى مستشفى الهرم لإجراء مسحة وأشعة مقطعية على الصدر لإثبات عدم إصابته بـ«كورونا»، وبناء عليه تم نقله لمستشفى طرة.

أما بحسب عضو مجلس إدارة نقابة الصحفيين، محمود كامل، فإن نقل منير إلى مستشفى طرة كان بسبب عدم وجود جهاز أشعة مقطعية مناسب في مستشفى الهرم، الذي كان قد نُقل إليه، بوساطة من نقيب الصحفيين، لإجراء فحوصات، لم يبدو مما كتبه كامل أنها ارتبطت بـ«كورونا»، وإنما كانت متعلقة بالوضع الصحي العام لمنير، الذي كتب لاحقًا إن الكشف الطبي عليه في طرة كشف عن إصابته بجلطة وقصور في وظائف الكلى.

على كل اﻷحوال، في اليوم التالي لنقله إلى مستشفى طرة، 2 يوليو، صدر قرار بإخلاء سبيل منير دون ضمانات، وعاد لمنزله، قبل أن تظهر عليه في اليوم نفسه أعراض الإصابة بـ«كورونا»، ويطلب هو نفسه لاحقًا من نقيب الصحفيين، التدخل لإيجاد مكان له في أحد مستشفيات العزل، وهو ما تم بالفعل بنقله إلى مستشفى العجوزة في 7 يوليو.

مهم هنا التذكير بأن نقل شخص ما إلى مستشفى مخصص لعزل مصابي «كورونا»، يعني بالضرورة أن هذا الشخص مصاب بالفيروس، وهو ما يؤكده في حالة منير إعلان ابنته، اليوم، أن فحوصات أجريت له قبل نقله لـ«العجوزة» أثبتت إصابته بالفيروس، وتأكدت تلك الإصابة باختبار تم في المستشفى نفسه يوم 8 يوليو.

إذن، لماذا نحتاج كل هذا الجهد ومراجعة التواريخ للتأكد من، أو حتى الإشارة إلى، أن الصحفي الراحل أصيب بفيروس كورونا أثناء حبسه الاحتياطي، ووجوده في عهدة وزارة الداخلية؛ سواء في قسم الطالبية أو مستشفى ليمان طرة؟ إجابة هذا السؤال تحيل إلى سياق أوسع متعلق بكيفية تعامل الداخلية مع مزاعم ومخاوف انتشار الفيروس في أماكن الاحتجاز.

منذ بداية انتشار الفيروس في مصر، منتصف مارس الماضي، قررت وزارة الداخلية منع الزيارات المقررة قانونًا للمسجونين والمحبوسين، كما توسعت في منع التواصل بينهم وبين ذويهم، مكتفية بنشر بيانات من آن ﻵخر عن حملات تعقيم لأماكن الاحتجاز، وتوزيع وسائل الحماية على المحبوسين. وهو الحال الذي لم يتغير حتى بعد إعادة الحكومة فتح ما أغلقته من المجال العام، وبرغم مطالبات عدة من ذوي سجناء وجهات مختلفة بإطلاق سراح المحبوسين، أو تسهيل التواصل معهم على اﻷقل، بهدف الاطمئنان على أوضاعهم الصحية، خاصة بعد الإعلان عن وفاة أحد موظفي سجن طرة بعد إصابته بالفيروس، والذي كان موقع عمله يستلزم تواصلًا مباشرًا مع المحبوسين.

في حين قد يوضح السياق السابق تعقيد إعلان إصابة محمد منير بـ«كورونا» أثناء وجوده في عهدة وزارة الداخلية، يبقى السؤال قائمًا حول سبب القبض عليه من اﻷساس، وحبسه احتياطيًا.

«كان منير مخلصًا لكل ما يعتقده وجريئًا في إعلانه، وكاتبًا ساخرًا ومشاغبًا… ولم ينقطع منير أيضًا عن انشغاله بشؤون نقابته العريقة، ولم يبخل أبدا بدور أو بنصيحة من أجل صالحها وصالح زملاءه أعضاءها طوال مسيرته المهنية والنقابية الممتدة»، هكذا وصف ضياء رشوان، نقيب الصحفيين ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات، محمد منير بعد ساعات من وفاته.

ما كتبه «النقيب» يشير إلى صحفي ونقابي مخضرم، عمل خلال سنوات عمره الـ 65 في تجارب صحفية متعددة، منها: «الأهالي»، و«مصر العربية»، و«اليوم السابع»، وتم إنهاء عمله باﻷخيرة على خلفية مشاركته في مظاهرات رفض التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، حسبما أوضح هو نفسه في فيديو نشره على فيسبوك، فضلًا عن كونه أحد مؤسسي جبهة «الدفاع عن الصحفيين والحريات».

غير أن منير تحول في يونيو الماضي، من صحفي مخضرم، إلى عنوان للأخبار الصحفية، بعدما نشر، عبر فيسبوك، فيديو مسجل من كاميرا مراقبة، لقوات من الشرطة تقتحم شقته، قبل أن يتم إلقاء القبض عليه من منزله بعد ساعات، ويظهر لاحقًا في نيابة أمن الدولة، التي قررت حبسه احتياطيًا على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا، بتهم «مشاركة جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي».

من جانبها، نشرت أسرة منير، وقتها، بيانًا، قالت فيه إن القبض عليه يأتي بعد مشاركته في لقاء تليفزيوني على قناة «الجزيرة» للحديث عن الأزمة اﻷخيرة بين الكنيسة الأرثوذكسية ومجلة «روزاليوسف» بسبب أحد أغلفتها، في حين لم تكشف أي جهة رسمية عن تفاصيل التحقيق مع منير، أو ما استندت إليه النيابة في اتهامها له، كما لم يعلن هو أيًا من تلك التفاصيل بعد إخلاء سبيله، ما يجعل التفاصيل القانونية للقضية غير واضحة بشكل كافٍ.

لكن ما كان واضحًا للجميع أن «المتهم» كان صحفيًا يمارس مهنته بشكل ما، رغم سابق تضييقات تعرض لها، وكانت حالته الصحية وحدها سببًا كافيًا لعدم حبسه احتياطيًا على ذمة تهمة لا يمكنه العبث في أدلتها -إن وجدت، فضلًا عن سهولة الوصول له حيثما كان. وهو ما يعيدنا للسؤالين الأساسيين: لماذا قررت النيابة حبس محمد منير احتياطيًا، ولماذا ألقت الشرطة القبض عليه من اﻷساس؟

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن