عن أزمة حكم «أبي أحمد».. ما كشفه مقتل مطرب إثيوبي معارض
 
 

عندما افتتح رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، قصر الإمبراطور مينليك الثاني، عقب تجديده، يوم 10 أكتوبر من العام الماضي، كان يأمل أن يساعد ذلك على نسيان مظالم الماضي في بلاده. قال مكتبه في بيان إن المنتزه الذي يقع فيه القصر يرمز إلى قدرة إثيوبيا على التجمع من أجل هدف مشترك.

في اليوم التالي، فاز أحمد بجائزة نوبل للسلام لجهوده من أجل استئناف محادثات السلام مع إريتريا.

أمطر العالم أحمد بالمديح، إلا أن بعض سكان البلد الذين يبلغ عددهم  110 ملايين نسمة، كانوا أقل تأثرًا بالحدث. بالنسبة لشعب أورومو، أكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا، يُعتبر مينليك –هذا التمثال الشمعي الذي يجلس الآن على عرشه الخشبي الأصلي داخل القصر– سيد حرب الإبادة الجماعية أكثر من كونه الأب المؤسس للبلاد.

على بُعد 150 كيلومتر، بينما كان أحمد يرافق قادة الصومال والسودان وأوغندا وجنوب السودان في أنحاء القصر، كان رجل الإعلام الشهير والنجم الصاعد في الدفاع عن قضية شعب أورومو، جوهر محمد، يزور تمثالًا يُجسد يدًا مبتورة، ومرفوعة إلى أعلى وهي تحمل ثدي امرأة. التمثال تذكير دائم لشعب أورومو الذين بُترت أيادي رجالهم وقطعت أثداء نسائهم على يد قوات تابعة للإمبراطور منليك في أواخر القرن التاسع عشر.

طالما كان الاحتفاء برئيس وزراء إثيوبيا كموحد للبلاد منذ توليه الحكم بعد ثلاث سنوات من النزاع بين 2015 و2017 بسبب معارضة الأورومو للحكومة السابقة لسلبها حقوق شعب الأورومو المدنية.  يرى المحللون أن مشروع أحمد السياسي يسعى لبناء دولة متماسكة ومتجاوزة لتاريخها العرقي، ولكنه بات منعزلًا عن قاعدته من شعب أورومو الذي ينتمي له، وهو ما تجلى في أحداث الأسبوعين الماضيين.

خرج الآلاف من شعب أورومو إلى الشوارع احتجاجًا على مقتل هاشالو هونديسا، يوم 29 يونيو الماضي، وهو مطرب أورومو البارز، الذي غنى عن محنة شعبه وانتقد أحمد علانية في مقابلة تلفزيونية حديثة مع محطة شبكة أورومو الإعلامية. في اللقاء، طرح هونديسا أسئلة بشأن تمثال للإمبراطور مينيليك في أديس أبابا، وسأل لماذا لا يُزال مثل تماثيل أخرى؟

أثناء نقل رفات هونديسا إلى مسقط رأسه في بلدة أمبو، على بُعد حوالي 100 كيلومتر من العاصمة، رافق جوهر الجثمان مع بعض أنصاره المنتمين إلى حزب مؤتمر أورومو الاتحادي المعارض. واتُخذ قرار بعد ذلك بإعادة الجثمان إلى العاصمة أديس أبابا، عقب اتفاق الجميع على تشييع الجثمان هناك.

لم توافق القوات الفيدرالية على القرار. ومع اقتراب الجثمان من مكتب حزب أوروميا بروسبيرتي في وسط المدينة، نشبت مواجهات بين الجنود الفيدراليين والموالين لـ جوهر، وفقًا لشهادات من الجانبين. بينما كان جثمان هونديسا داخل مركز أورومو الثقافي القريب، أُطلقت أعيرة نارية وقُتل ضابط شرطة واحد على الأقل، وفقًا لتصريحات مفوض الشرطة الفيدرالي إنديشو تاسيو، ودوايت بيكيلي (21 عامًا) نجل الأمين العام لحزب مؤتمر أورومو الاتحادي بيكيلي جيربا، الذي أُلقي القبض عليه هو وجوهر، يوم 30 يونيو،  ثم أُعيد جثمان هونديسا إلى أمبو بطائرة هليكوبتر حكومية.

قال مسؤول مقرب من أحمد، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، إن الشرطة كانت على عجلة من أمرها أثناء التحقيقات مع جوهر وبيكيلي. ويقول المصدر إن المحققين بحثوا عن أدلة حول دورهما في التحريض على العنف من خلال وسائل الإعلام واعتراض دفن جثمان هونديسا. أخبر نجل بيكيلي «مدى مصر» أن والده رافق السلطات بعد مداهمة منزل الأسرة مساء الخميس، وأخبرته الشرطة أنه يخضع للتحقيق بتهمة القتل.

لم يستجب أي مسؤول من الشرطة الفيدرالية للعديد من المكالمات الهاتفية.

يقول محللون ومراقبون للمشهد السياسي المتصدع في إثيوبيا إن هذه الأحداث كانت حتمية بالنظر إلى الانقسام المتزايد بين أحمد وقاعدته الجماهيرية في منطقة أوروميا وهي إحدى ولايات أثيوبيا التسعة.

بالنسبة للباحث الإثيوبي في جامعة بيوركنس في أوسلو، كيجيتيل ترونفول، فإن «الأزمة الراهنة كانت في طور الإعداد منذ بعض الوقت». ويضيف: «لقد أدى مقتل هاشالو إلى رد فعل أعمق من مجرد معارضة شعب أورومو المتصاعدة ضد أحمد. لقد رأى كثيرون في اعتقال جوهر وبيكيلي جيربا دليلًا حاسمًا على أن أحمد يعمل ضد مصالح شعب أورومو».

مع غموض مصير جوهر وبيكيلي، يخشى كثيرون من اندلاع المزيد من الاحتجاجات العنيفة التي أسفرت عن مقتل أكثر من مئتي شخص، وفقا لتقارير الشرطة، إضافة إلى 86 قتيلًا آخرين في أكتوبر الماضي بعد أن تظاهر أنصار جوهر ضد محاولة مزعومة لاعتقاله في منزله في أديس أبابا.

يقول شيميني بيغنا، عضو حزب مؤتمر أورومو الاتحادي، والذي يعيش في بلدة أداما على بُعد حوالي 100 كيلومتر من أديس أبابا، إن مدينته شهدت اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وأفراد الأمن، الذين فتحوا النار، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة 75 آخرين يوم 30 يونيو الماضي.

«من الصعب جدًا التنبؤ بما قد يحدث. ولكن عندما أرى تصرفات الحكومة عقب وفاة هاشالو هونديسا، وكذلك تصرفات الحكومة في القبض على زعماء المعارضة، لا أشعر بالتفاؤل»، يضيف بيغنا.

من ناحيته، يقول ترونفول، الذي يعتقد أن الحكومة في أضعف حالاتها منذ سقوط النظام العسكري عام 1991، إن بقاء جوهر خلف القضبان «من المرجح أن يؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار»، ويزيد من فرصة انضمام المزيد من الشباب إلى ميليشيا متطرفة تعرف باسم «جيش تحرير أورومو».

كما يقول ميريرا جودينا، رئيس حزب أورومو الاتحادي المعارض، الذي ينتمي إليه جوهر الآن، إن على الحكومة أن تتعامل مع وفاة هونديسا باعتبارها فرصة لالتئام الجروح القديمة في البلاد.

«الطريقة الوحيدة التي يمكن للحكومة من خلالها تفادي [المزيد من العنف] هي الإفراج عن جوهر ليصبح جزءًا من فريق التفاوض ومشاركًا في النقاش حول مستقبل إثيوبيا»، يقول جودينا، «نحن في مفترق طرق خطير وحرج للغاية».

من جانبه، يقول مهاري تاديلي مارو، الأستاذ في معهد الجامعة الأوروبية: «لا يمكن أن يهدأ الغضب بسهولة لسببين. كان المطرب شهيرًا للغاية وكان يعبَّر عن رأيه مؤخرًا، منتقدًا الحكومة ورئيس الوزراء وآخرين، من بينهم الحزب الحاكم. السبب الثاني هو عدم ثقة أحد في أن الحكومة ستجري تحقيقًا مستقلًا وشفافًا، وتضع الحقائق أمام الناس. سوف تُثار شكوك كثيرة حول احتمالية تورط الحكومة».

«إنه ضمير شعب أورومو. إنه صوتهم»، يقول رئيس تحرير صحيفة أديس ستاندرد، تيسدال ليما، عن هونديسا، مضيفًا أنه «شخص يبعث الروح في المظالم التاريخية ويعيد سرد الروايات التي تحاول الدولة طمس معالمها تمامًا».

التقى أحمد يوم 3 يوليو الجاري مفوض الشرطة الاتحادية إنديشو تاسيو، والمدعي العام أدانيش أبيبي، ورئيس هيئة الأركان العامة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبي الجنرال آدم محمد، لمناقشة سُبل المضي قدمًا.

وبحسب المتحدث الرسمي باسمه، بيلين سيوم، فإن أحمد «أوضح أن حوادث الأيام القليلة الماضية كانت محاولات مُدبرة لإحداث اضطرابات مدنية في البلاد. وقال أيضًا إن قوى غير محددة «تآمرت» في الوقت الذي كانت فيه إثيوبيا تجري محادثات مع مصر حول كيفية ملء سد النهضة المثير للخلافات.

«شدد رئيس الوزراء كذلك على أهمية أن يسأل جميع الراغبين في السلطة أنفسهم، كيف سيحكمون بلدًا يقودونه إلى الدمار والحرب الأهلية»، يقول سيوم.

لم يتوقع الكثيرون أن تعود الأمور لهذا العنف في أثيوبيا.

فقد ساعد جوهر، من خلال نشاطه على الإنترنت وشبكته الإعلامية التي تتخذ من مينيسوتا في الولايات المتحدة مقرًا لها، أحمد في الوصول إلى السلطة عن طريق تحفيز المعارضة ضد سلفه هايلي مريام ديسالين. استغل أحمد موجة السخط ضد الحكومة وتعهد بانتقال سياسي من شأنه أن يضع كفاح شعوب أورومو في الاعتبار.

بعد أربعة أشهر من وصوله إلى السلطة في يوليو 2018، زار أحمد الولايات المتحدة للقيام بجولة بين المهاجرين الإثيوبيين والتحدث معهم عن إصلاحاته لتعزيز الحريات المدنية وشفاء الجروح الناجمة عن عقود من التوتر العرقي.

وفقًا لهنوك جابيسا، الذي ساعد في تأسيس شبكة أورومو الإعلامية بالتعاون مع جوهر، التقى الأخير أحمد في مينيابوليس، وآمن بخطته الانتقالية. كان جوهر يرغب، وفقًا لهنوك، في أن يلعب ليمي ميجيرسا، الذي يشغل حاليًا منصب وزير الدفاع، وكان رئيسًا لولاية أوروميا عندما وصل أحمد إلى السلطة، دورًا مركزيًا في المضي قدمًا بالبلاد، والتقارب من منطقة أمهرة المجاورة، التي طالما كانت عدوًا لشعب أورومو.

«لقد رأى جوهر نفسه جزءًا من هذا التحول، لأنه يُعد مُعبرًا عن شباب أورومو»، يقول هنوك، الناقد القوي لأحمد.

وبدلًا من ذلك، عاد أحمد إلى إثيوبيا وركز سياسته على أجندة قومية أكثر، والتزم بمفهومه الخاص «ميديمير»، وهي كلمة في اللغة الأمهرية، يمكن ترجمتها بشكل فضفاض على أنها «التقارب».

«في فترة زمنية قصيرة للغاية، قلب أحمد الطاولة. نجح في إخضاع ليمي، وابتكر مفهوم ميديمير»، يقول هينوك.

في الخطب التي ألقاها منذ توليه السلطة، شدد أحمد على سعيه باستمرار لوضع إثيوبيا على مسار جديد يتجاوز الصعوبات السابقة المتعلقة بالانقسامات العرقية وحقوق القوى الإقليمية. لقد سمح للجماعات العرقية، مثل سيداما في جنوب البلاد، بإجراء استفتاء خاص بهم حول إنشاء دولة إقليمية جديدة بعد سنوات من الانتفاضات ضد القوات الفيدرالية. كما أن في عهد أحمد، تمكنت أحزاب المعارضة من العمل رسميًا، وتحسنت الحريات المدنية وأُطلق سراح آلاف النشطاء.

مع ذلك، يقول محللون إن سياساته الأوسع نطاقًا، والتي تهدف إلى صياغة هوية وطنية إثيوبية متماسكة، لا تتوافق مع الروح السائدة لدى أغلبية شعب أورومو، لأنها لم تمنحهم الحقوق التي يطالبون بها.

سرعان ما أدرك جوهر أنه كان قليل الفائدة لأحمد، وسرعان ما أصبح خصمه الأبرز. في 5 أغسطس الماضي، عاد إلى أديس أبابا من الولايات المتحدة مُحاطًا بحراسة شخصية.

اعلان
 
 
سايمون ماركس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن