هل تتدخل مصر عسكريًا في ليبيا؟
 
 
أحد جنود «الجيش الوطني الليبي» التابع لخليفة حفتر
 

في حديث له أمام جنود وضباط المنطقة العسكرية الغربية، في 20 يونيو الماضي، أشار الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى أن مصر مستعدة للتدخل عسكريًا في ليبيا إذا لزم الأمر. لكن لا تزال هناك سلسلة من القنوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية، التي يجب على القاهرة استنفادها قبل أن تغامر عسكريًا في ليبيا، يقول محللون ومصادر لـ «مدى مصر»- ناهيك عن الضغط الاقتصادي الذي تعانيه مصر بسبب جائحة «كوفيد 19». 

قبل حديث السيسي، دعت أصوات بارزة في وسائل الإعلام المصرية إلى ضرورة القيام برد صارم ومباشر، بعد الخلاف الدبلوماسي الذي سببه احتجاز العمال المصريون في غربي ليبيا، وذلك إذا تجاهلت «الميليشيات الإرهابية وأنصارها الأتراك» ما حددته مصر من «خطوط حمراء».

 بعد تفقده لقوات المنطقة الغربية على الحدود مع ليبيا، ظهر السيسي على شاشة التليفزيون، وأثناء حديثه كانت الكاميرا تتجه من حين لآخر ناحية الجنود الذين يقفون على أهبة الاستعداد بجانب صفوف من الدبابات، تمتد إلى نهاية الأفق. جعل المشهد كلماته أكثر واقعية: مصر مستعدة بشكل واضح للتدخل عسكريًا في ليبيا إذا لزم الأمر.

«إن أي تدخل مباشر من الدولة المصرية قد اكتسب الآن شرعية دولية»، قال الرئيس للجمهور المجتمع في القاعدة الجوية: «التوقف عند هذا الخط، ونبتدي إجراءات ومباحثات وتفاوض للوصول إلى حل للأزمة الليبية. وإذا كان يعتقد البعض إنه يستطيع أن يتجاوز خط سرت – الجفرة، دا أمر بالنسبة لنا خط أحمر».

 اليوم، أمَّنت مصر الاستعداد القتالي -سواء عن طريق التدخل البري أو شن غارات جوية محتملة ضد أهداف محددة- لكنها تواصل تقييم التطورات في ليبيا بعناية من أجل تحديد ما إذا كانت ستختار القيام بهذه الخطوة العسكرية داخل ليبيا أم لا، وذلك وفقًا لاثنين من المسؤولين المصريين، تحدثا مع «مدى مصر» شريطة عدم الكشف عن هويتهما. تقول المصادر من المسؤولين والمحللين إن ما يشكل هذا التقييم قد يكون أكثر تعقيدًا مما يوحي به استعراض الرئيس للقوة العسكرية، وإن هناك سلسلة من الاعتبارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية قبل اللجوء لمغامرة الحرب داخل ليبيا.

تعثر «الوفاق» في سرت والجفرة.. والتواجد الروسي يتزايد

 في تطور مفاجئ، أصبحت سرت، البوابة الاستراتيجية للمنشآت النفطية الرئيسية، والجفرة، التي تضم قاعدة جوية رئيسية يمكن للقوات المتحالفة مع ما يعرف بـ«الجيش الوطني الليبي» المتمركز شرق البلاد الانطلاق منها لحماية سرت وفرض القوة على الجنوب الغربي، ساحتي معارك حاسمتين في ليبيا. حدث ذلك بعد تراجع تقدم الجيش الوطني الليبي نحو العاصمة الليبية طرابلس بدعم من روسيا والإمارات ومصر وفرنسا والأردن في خلال الـ 14 شهرًا الماضية.

قبل أقل من ثلاثة أسابيع من تحذير السيسي بالتدخل المباشر، كان الرئيس المصري يقف خلف منصة في قصر الاتحادية بالقاهرة، وإلى جواره المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي كان يُعرف من قبل بالرجل القوي، والذي كان يقف في العاصمة المصرية بينما تنفذ قواته انسحابًا استراتيجيًا من آخر معاقلها في ضواحي طرابلس. وفي الجهة الأخرى من السيسي، كان يقف الصاعد الجديد في سماء السياسة الليبية ورئيس البرلمان الشرقي، عقيلة صالح، الذي كان يدعم حفتر منذ فترة طويلة، لكن خارطة الطريق السياسية التي طرحها تسببت في توتر بين الرجلين.

اجتمع الرجال الثلاثة على خشبة المسرح للإعلان عن مبادرة سياسية من شأنها أن تطلق مفاوضات سياسية، وتبشر بوقف إطلاق النار وتضمن استقلالية «الجيش الوطني الليبي» من خلال إبطال اتفاقية الأمم المتحدة السياسية لعام 2015 التي شكلت «حكومة الوفاق الوطني»، منافس حفتر الرئيسي في الحرب على طرابلس.

وفي صباح اليوم نفسه، أول يونيو، الذي شهد لقاء السيسي وحفتر وصالح، شنت حكومة الوفاق الوطني، التي قلبت مجريات الحرب بدعم من تركيا وآلاف المرتزقة السوريين التركمان، هجومًا على سرت والجفرة. تقدمت قوات حكومة الوفاق إلى مدخل سرت الغربي بحلول نهاية يوم 6 يونيو، وتزايدت التوقعات بأن القوات الحكومية سوف تستعيد بسرعة المدينة التي فقدتها أمام الجيش الوطني الليبي في يناير الماضي.

 بالنسبة للقاهرة، سقوط سرت يمثل تهديدًا يلوح في الأفق بأن تستخدمها قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا كنقطة انطلاق لمزيد من التوغل شرقًا، والاقتراب من الحدود الغربية المصرية سهلة الاختراق.

مع ذلك، تمكن «الجيش الوطني الليبي» من الاحتشاد وصد الهجوم على المدينتين. كما نقلت وكالة رويترز عن مصدر في «الجيش الوطني الليبي»، أمس الأحد، عن هجوم جوي على قاعدة «واطية» التي كانت حكومة الوفاق الوطني قد استعادت السيطرة عليها من قوات حفتر. كما نشرت وكالة أسوشيتيد برس في نفس اليوم عن الهجوم على القاعدة التي كان متوقع قيام تركية بالتوسع العسكري فيها، ناقلة عن متحدث باسم القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني، أن الهجوم الجوي كان من طائرات أجنبية لحساب معسكر حفتر.

أخبر قائد ميداني في القوات الحكومية المتمركزة في سرت «مدى مصر» أن عمليات حكومة الوفاق في سرت والجفرة تباطأت بشكل مطرد منذ بدايتها المُبشرة في أوائل يونيو الماضي، قبل أن تتوقف بشكل تام مع تزايد الدعوات لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات. جاء تجميد الحركة على الخطوط الأمامية بعد أن أبلغت القيادة العسكرية لحكومة الوفاق الوطني، التي تنسق مع المستشارين الأتراك، القائد الميداني بإبطاء مساعيه لتجنب الدخول في صراع مباشر مع المرتزقة الروس المرتبطين بالرئيس فلاديمير بوتين، الذين انسحبوا من الخطوط الأمامية لطرابلس في مايو الماضي، لكنهم يُنسقون العمليات في الوقت الراهن خارج القواعد الجوية في الجفرة، على بعد 358 كم جنوب سرت، و«الغردابية» على بُعد 15 كم جنوب سرت.

ويؤكد مسؤول رفيع المستوى في حكومة طرابلس أنه «لا يوجد ضوء أخضر تركي لبدء عمليات عسكرية». ومع ذلك، زار وزير الدفاع التركي طرابلس للقاء مسؤولي حكومة الوفاق يوم الجمعة الماضي.

ويقول دبلوماسي أجنبي مطلع إن روسيا وتركيا، اللتين دعمتا الأطراف المتنازعة في الصراع، تجريان مناقشات لضمان عدم دخول قواتهما في صراع مباشر، وكذلك لمحاولة إيجاد صيغة لحل سلمي. ومع ذلك، يبدو أيضًا أن هناك اختلافًا حول أين تبدأ وتنتهي مجالات النفوذ التركية والروسية المحتملة، إذ جرى  تأجيل المحادثات رفيعة المستوى، التي كانت مقررة في 14 يونيو بين روسيا وتركيا.

خلال فترة هدوء القتال، عملت روسيا على تعزيز دفاعات سرت وجعلت ما بدا وكأنه انتصار وشيك لحكومة الوفاق الوطني «تجربة أكثر تكلفة»، كما يقول جلال حرشاوي، الباحث في معهد كلينجندايل. وبحسب المتحدث العسكري باسم حكومة الوفاق الوطني عبد الهادي دراه، فقد وصلت أكثر من 11 طائرة شحن تحمل أسلحة ومرتزقة وستة صواريخ دفاع جوي روسية من طراز «بانتسير إس1» إلى سرت لتحصين المدينة. وأفادت تقارير أخرى عن احتمال وصول صواريخ باليستية تكتيكية من طراز «سكود بي» من شرق ليبيا.

 يقول علي الجمل، أحد مقاتلي قوات حكومة الوفاق الوطني، والذي عاد مؤخرًا إلى مصراتة بعد شهر في الخطوط الأمامية غربي سرت، إن «السيطرة على سرت أصبحت أكثر صعوبة».

ولا يرجع تعقيد المعركة التي تشنها حكومة الوفاق الوطني إلى زيادة القوات الروسية فحسب، ولكن إلى حقيقة تجدد الشقاق القديم داخل خليط القوات الغربية المتحالفة اسميًا مع حكومة الوفاق.

وبحسب شخصية بارزة من مصراتة، في حين عادت بعض القوات التي انتشرت في العاصمة لصد هجوم حفتر إلى مدنها، أقام البعض الآخر معسكرًا في جنوب طرابلس، بهدف اكتساب سيطرة اقتصادية وسياسية، كما فعلت بعض الميليشيات من قبل. «تلقينا الدعم، لكن معظم القوات المتمركزة في طرابلس لم تنضم إلينا»، تقول الشخصية البارزة من مصراتة.

أين مصر؟

 في حديث مستقل، قال المسؤولان المصريان إن مصر تلقت تأكيدات من عدة لاعبين دوليين بأن تركيا لن تدفع حكومة الوفاق الوطني للتقدم أكثر من هذا نحو الشرق.

ويضيف أحد المسؤولين أن هذا لا يعني أن الاتفاق قد تم. «نحن نراقب الوضع، وعلينا أن نتأكد غاية التأكد»، يقول واحد من المسؤولين.

يشكك حرشاوي في استعداد مصر عسكريًا أو اقتصاديًا للانخراط في صراع مفتوح مع تركيا، مشيرًا إلى أنه «لدى تركيا قوات بحرية سريعة الحركة، وقاعدتان جاهزتان تقريبًا في ليبيا بالفعل»، إلى جانب الضغط الاقتصادي الذي تعاني منه مصر بسبب تداعيات فيروس كوفيد 19.

«الجدير بالملاحظة بشأن الخط الأحمر من سرت إلى الجفرة، والذي أعلنه الرئيس السيسي، هو أن هذا الخط قد يقع تحت حماية جهات غير مصرية وغير ليبية في نهاية المطاف»، يقول حرشاوي، مشيرًا إلى روسيا والمساعدة اللوجيستية من الإمارات. «بشكل عام، فإن الجزء الأصعب من العمل ينجزه لاعبون آخرون وليس مصر».

ويزيد الدور البارز لروسيا في سرت من تعقيد احتمالات التدخل المصري، وكذلك الخطاب العدواني الذي وجهته القاهرة لتركيا. «لا تزال روسيا ملتزمة بضمان أن تدرك جميع الأطراف المعنية في ليبيا أن لكل دولة مصالحها الاستراتيجية، وأن تركيا لديها مصالحها الاستراتيجية تمامًا مثل مصر»، يقول الدبلوماسي الأجنبي المطلع. تحاول روسيا الضغط من أجل «نهج جماعي» لإيجاد حل سلمي.

«إذا تصاعدت الأمور، فقد تقتصر القوات المسلحة المصرية على الدخول إلى الجزء الشرقي من برقة. وفي النهاية، ليس لدى تركيا ولا حكومة الوفاق الوطني مصالح في الشرق. لذا فإن مصر قد تختار تلك المنطقة لنشر قواتها وإطلاق بعض التهديدات»، وفقًا لحرشاوي. «قد يكون هذا أيضًا وسيلة تجعل القاهرة تدفع الألوية التابعة للجيش الوطني الليبي للذهاب إلى سرت، وهو ما لم يحدث بأعداد كبيرة حتى الآن».

 اعتماد على القبائل

في حين تصدرت تصريحات السيسي في 20 يونيو، بشأن احتمال التدخل المصري، عناوين الصحف، إلا أن بيانًا أقل بروزًا من الرئيس كان واضحًا، كما تقول الباحثة البارزة في شؤون ليبيا في مركز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا جازيني.

في خطابه، ذكر السيسي أن مصر تفكر في «تدريب شباب القبائل وتجهيزهم تحت إشراف زعماء القبائل». ماذا قصد السيسي عندما أشار إلى القبائل الليبية؟

بحسب جازيني، هناك خياران على الأقل، أولهما يشير إلى حشد القبائل الليبية الكبيرة التي نزحت من ليبيا منذ أكثر من 100 عام واستقرت الآن غرب مصر. مع ذلك، فإن مثل هذه الخطوة ستثير العديد من قبائل شرق ليبيا، والتي تتعاون معها مصر. «هذا خوف قديم بين القبائل الشرقية الأصغر التي تخشى عودة القبائل القوية من مصر»، تقول جازيني.

وتلاحظ جازيني أن الخيار الآخر هو أن تدعم مصر فرقة قبلية في ليبيا تحت إشراف القذافيين. يقول مسؤولون مصريون ومصادر ليبية إن الخيار الثاني هو الذي يبدو مقبولًا من أجل تشكيل قوة عسكرية محتملة برعاية مصرية في ليبيا.

 يقول كلا المسؤولين المصريين إن هناك قنوات مفتوحة مع لاعبين ليبيين يمكن أن يصبحوا جزءًا من مستقبل ليبيا السياسي، مشيرين إلى أن سيف الإسلام القذافي، نجل الحاكم المخلوع معمر القذافي، باعتباره أحد الشخصيات التي «يضعها بعض اللاعبين الدوليين في الاعتبار».

لا تعارض مصر، وفقًا للمسؤولين، إشراك القذافيين، حتى وإن لم ينصب اهتمامها على سيف الإسلام. إن دعم القذافيين، طبقًا لكلا المسؤولين، لا يتعلق بدعم العقيد السابق، بل بالتأثير الكبير الذي سيحققه لدى القبائل. وتقول المصادر إن صالح يفتح قنوات في الوقت الراهن مع قيادات القذافيين، تحقيقًا لنفس الغاية.

ويؤكد أحد كبار القذافيين وضابط سابق في القوات المسلحة الليبية هذه المحادثات، قائلًا إن بعض قطاعات الشبكة الخضراء، ومن بينها القذافيون الذين قاتلوا في ظل قيادة حفتر، تجري محادثات للتنسيق مع الجهود المصرية لتشكيل قوة من القبائل الليبية للدفاع عن شرق ليبيا.

كما أعلن البرلماني مصطفى بكري على صفحته على تويتر الأسبوع الماضي عن زيارة وفد من القبائل الليبية قريبًا لمصر.

 كيف يؤثر ذلك على حديث مصر عن التدخل في ليبيا؟

بحسب مسؤول مصري ثالث، من المؤكد أن القبائل سيكون لها دور أكبر، وهناك محادثات حول نشر قوة قبلية في سرت، وتعتقد مصر أن هذه القوة ستساعد في تخفيف حدة التوتر بين حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي، كما أنها ستلعب دورًا مؤثرًا كطرف ثالث في العلاقات بين الطرفين.

«سيساعد وجود القبائل في سرت أيضًا على طمأنة القاهرة بشأن الوضع على الأرض، وسيؤدي هذا إلى تقليل فرص التدخل المصري المباشر»، يضيف المسؤول.

شرق ليبيا المثقل بالديون

تتعلق الحسابات السياسية المصرية للتدخل في ليبيا بالوضع المالي لحكومة الشرق الغارقة في الديون بسبب الأموال التي أنفقتها لدعم «الجيش الوطني الليبي»، ولكنها لم تعد قادرة على الحصول على مصادر تمويل عقب إغلاق المنشآت النفطية.

هناك مفاوضات جارية لاستئناف تدفق النفط الذي توقف منذ يناير 2020، عندما أغلق حفتر أنابيب النفط في محاولة لممارسة الضغط على حكومة الوفاق الوطني. وتبلغ الخسائر نحو ستة مليارات دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات المؤسسة الوطنية للنفط، التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

كما أن هناك محاولة إيجاد حل لما يحدده خبير اقتصادي مطلع على الوضع المالي في الشرق بـ 50 مليار دينار ليبي (حوالي 35.8 مليار دولار أمريكي) كانت وزارة المالية في حكومة الشرق تبيعها لبنك مركزي موازٍ في الشرق، من أجل تمويل «الجيش الوطني الليبي». تتطلب التسوية من البنك المركزي في طرابلس الاعتراف بالديون في الشرق واستيعابها، وهو مشروع مكلف من وجهة نظر حكومة الوفاق الوطني، كما تقول جازيني، خاصة لعدم اعترافها بحكومة الشرق.

 إن التوصل إلى حل لهذه المسألة الاقتصادية أمر بالغ الأهمية لجميع البلدان التي ترغب في الإبقاء على «الجيش الوطني الليبي»، ومن بينها مصر، لأنه بدون حسم هذه القضية، لن يتمكن «الجيش الوطني الليبي» من مواصلة العمليات الأمنية الحيوية في شرق البلاد، بحسب جازيني.

تلعب مصر دورًا نشطًا في محاولة استئناف ضخ النفط في الأسابيع الأخيرة، وأجرت مناقشات مكثفة مع باريس وروما وبعثة الأمم المتحدة الخاصة في ليبيا لضمان استئناف عمل حقول النفط واستئناف الإنتاج «لصالح جميع الليبيين»، دون السماح لعائدات النفط بأن تصبح «عائدات للميليشيات التي أرسلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ليبيا»، كما يقول مصدر مصري رابع.

 يتعلق الموضوع هنا بمنظومة تحصيل عائدات النفط الذي تودع مباشرة في حسابات يديرها البنك المركزي الخاضع لسيطرة حكومة الوفاق الوطني. ونتيجة لنظام قائم منذ عهد القذافي، يتم تلقي جميع عائدات الصادرات القانونية من الهيدروكربونات بالدولار الأمريكي ويتم تحويلها مباشرة إلى حسابات لدى مؤسسات مالية غربية، كما أوضح حرشاوي في مقال عام 2019. ويتمتع مصرف ليبيا المركزي في طرابلس بحق الوصول إلى هذه الحسابات.

ظهرت بوادر تقدم نحو التوصل لاتفاق في الأسبوع الماضي. وأصدرت المؤسسة الوطنية للنفط تعليمات لجميع الشركات العاملة في 20 يونيو للاستعداد من أجل استئناف عمليات التشغيل. وعقد عدد من شيوخ القبائل في الشرق اجتماعًا الأسبوع الماضي لمناقشة الاستئناف المزمع لإنتاج النفط، وأخبر مصدر قريب من المناقشات «مدى مصر» أن إبرام الاتفاق يتوقف على توزيع «أكثر عدلًا» لإيرادات النفط لكل مناطق ليبيا الثلاث التاريخية.

ولكن اجتماع شيوخ القبائل أخفق في التوصل إلى اتفاق بشأن استئناف عمليات النفط. وبدلًا من فتح الصنبور، أعلنت القبائل يوم الإثنين أنها فوضت مهمة التواصل مع المجتمع العالمي والأمم المتحدة لقيادة «الجيش الوطني الليبي»، من أجل التوصل إلى اتفاق «لإيجاد حلول لمنع وصول عائدات النفط إلى أيدي الميليشيات الإرهابية».

وقالت المؤسسة الوطنية للنفط في ردها على بيان شيوخ القبائل في الأول من يوليو الجاري، إن الظروف القاهرة المفروضة في الأصل منذ 18 يناير الماضي، ستظل قائمة لحين سماح القوات الشرقية التي تسيطر على المنشآت للشركات العاملة باستئناف التصدير.

يضغط أولئك في الشرق من أجل اتفاق يضمن إعادة توزيع عائدات النفط، ويضمن كذلك إشرافًا دوليًا على حساب ضمان موجود خارج ليبيا، تقول جازيني. لطالما اشتكى حفتر وأصوات الشرق، وحاولوا تغيير الواقع الراهن لصالحهم من خلال القوة، لأن طريقة تقسيم الثروة النفطية الهائلة في ليبيا غير عادلة.

وبحسب المسؤول المصري الثالث، لا «الجيش الوطني الليبي»، ولا برلمان الشرق، مستعدان للسماح باستئناف تشغيل حقول النفط دون اتفاق نهائي على توزيع عائداته، إذ يحتاجون إلى التأكد من أن الإيرادات ستوزع على نحو منصف بين الجماعات الليبية كافة.

 من جهة أخرى، المبدأ الرئيسي للاتفاق الراهن الذي تسعى الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى فرضه، هو إيداع جميع أموال النفط في حساب خاضع للمؤسسة الوطنية للنفط لمدة 120 يومًا، في حين يتعين على البنك المركزي الشرقي والبنك المركزي الغربي إجراء مفاوضات لمحاولة إيجاد حل لديون الشرق.

ويقول مصدر في مصرف ليبيا المركزي إن مسؤولي البنك يعارضون خطة وضع عائدات النفط في حساب تسيطر عليه المؤسسة الوطنية للنفط، لأنها خطوة ستجعلهم يفقدون السيطرة على قلب الاقتصاد الليبي.

«نرفض بشدة أن تكون أموال الشعب الليبي مرتبطة بمسار غامض، يُغرق الجميع في حالة من الفوضى. قد لا تتم تسوية الخلاف حول توزيع الإيرادات إذا جرى تطبيق هذا الحل، وقد نجد أنفسنا في مواجهة أزمة سياسية أسوأ وأكثر تعقيدًا»، يقول المصدر، منتقدًا ما يراه رغبة المؤسسة الوطنية للنفط في الحصول على حصة إقليمية محتملة من أموال النفط.

في اجتماع مع مسؤولين أتراك رفيعي المستوى، بمن فيهم الرئيس رجب طيب أردوغان، خلال زيارة إلى تركيا الأسبوع الماضي، ناقش محافظ بنك طرابلس المركزي صادق الكبير، معارضته لأي خطة من شأنها تغيير الإطار القانوني لتحصيل عائدات النفط، بحسب المصدر.

ستكون الإرادة السياسية للدفع باتجاه استئناف إنتاج النفط اختبارًا محوريًا لشكل المفاوضات الاقتصادية المقبلة، واختبارًا لقدرة مصر على التدخل لتسهيل إبرام اتفاقية لتسوية الديون، لضمان الإبقاء على الجيش الوطني الليبي. إذا فشلت المفاوضات، ربما يعني هذا أن تزيد احتمالات تدخل مصر عسكريًا، تقول جازيني.

يتفق المسؤولان المصريان الأولان مع هذه الفرضية، قائلين إنه إذا أوقفت قوات حكومة الوفاق عملياتها في ضواحي سرت، وأُعيد فتح حقول النفط الليبية بطريقة تضمن تقسيمًا عادلًا لعائدات النفط، فمن غير المُرجح أن تتبنى مصر الخيار العسكري، على الأقل على المدى القصير.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن