العالقون في الخليج.. العمالة المصرية في زمن الأزمة
 
 
والدان يرتديان قناع الوجه الواقي يعانقان أطفالهما عند وصولهما إلى مطار القاهرة الدولي - صورة: رويترز
 

أفسدت أزمة فيروس كورونا خطة ماهر* لإنهاء رحلة عمله الطويلة في الخليج، والعودة نهائيًا إلى مصر خلال عامين، الإنهاء الذي تسببت ظروف مختلفة لتأخيره مرارًا.

الشركة التي يعمل بها ماهر، 40 عامًا، مهندس مدني، قررت تخفيض أجره إلى الثُلث، مقابل وعود شفهية بتجديد عقد العمل لمدة عامين آخرين، وعدم إنهاء علاقة العمل. بخلاف هذا التخفيض المُفاجئ في الراتب، وبجانب هذه الوعود، يقول ماهر لـ«مدى مصر» إن إدارة شركته طلبت من جميع العاملين الأجانب بمختلف وظائفهم توقيع ملحق إضافي لعقود العمل المُبرمة سابقًا. وبحسب هذا الملحق، يحق لصاحب العمل إيقاف أو فسخ العقد وإنهاء الخدمات دون أن يحق للطرف الثاني المُطالبة بتعويض بأي حال من الأحوال، بما في ذلك كل مكافأة نهاية الخدمة، وذلك في حال فرضت الدولة إجراءات استثنائية مثل تلك التي صاحبت أزمة كورونا.

مع تفشي فيروس كورونا واتخاذ دول الخليج عددًا من التدابير الاحترازية لمحاصرة الجائحة، واجهت الشركات ضغوطًا اقتصادية تحمل المغتربون أغلبها. أعداد هائلة من العمالة المصرية في مختلف دول الخليج فقدت وظائفها أو أُجبرت على الحصول على إجازة إجبارية حتى تتضح الصورة. آخرون اضطروا للقبول بشروط مجحفة، سواء بتقليص أجورهم أو تغيير عقودهم مقابل الاحتفاظ بوظائفهم.

حاولت الدولة التفكير في سيناريوهات لاستيعاب العمالة العائدة من الخليج، وأطلقت وزارة الهجرة مبادرة أسمتها «نورت بلدك» لاستيعاب جزء من هذه العمالة في المشروعات القومية أو حثها على الاستثمار.

لكن ملامح هذه المبادرة لم تتضح بعد. الأكيد أن هذه الفرص لن توفر مقابلًا ماديًا ملائمًا يكافئ ما كانوا يحصلون عليه. وبين الأزمة التي تضرب دول الخليج، وغياب أي أفق لفرص عمل ملائمة في مصر، يزداد المستقبل ضبابية بالنسبة لملايين المصريين العاملين هناك.

لم يعد ماهر وغيره من العمالة الوافدة بضاعة عزيزة على حكومات الخليج لإدارة مشروعاتها التنموية كما كانوا في سبعينيات القرن الماضي. وقتها، شهدت تلك الدول براكين من ثروات النفط المفاجئة، دفعتها للالتفات إلى تحديث البلاد، لكنها وجدت نفسها في حاجة إلى عقول وأيادٍ عاملة لديها المهارات المطلوبة للتحديث، الأمر الذي لم يتوافر لدى تلك الدول، والتي يعمل غالبية أبنائها ما بين رُحّل وتجار وحرفيين ومزارعين.

أجيال من المهندسين المدنيين سبقوا ماهر إلى أرض شبه الجزيرة العربية لتأسيس ثورة من العمران والمُدن الجديدة والطرق والموانئ سمحت بها تدفقات أموال النفط إلى قطاع المقاولات، إلى حد أن ناقلات النفط كانت ترسو في موانئ الخليج لتفريغ حمولات ضخمة من الأسمنت لتعود لاحقًا إلى بُلدانها مُحملة بنفط الخليج. وتسربت أموال النفط شيئًا فشيئًا إلى قطاعات الصحة والتعليم.

تحول الخليج العربي إلى ثقب أسود يجتذب العمالة الوافدة، والذين أصبحوا «العمود الفقري للبُنى الاقتصادية والاجتماعية» للخليج على مدى العقود اللاحقة. خلال منتصف السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات، شكلت العمالة الأجنبية 90% من قوة العمل في الخليج.

سافر ماهر إلى الخليج عام 2005، بعد أن عمل مهندسًا في هيئة محافظة القاهرة، اتباعًا لنصيحة والده، بأهمية العمل الحكومي والأمان الوظيفي الذي يوفره. لكنه وجد مرتبه لا يناسب طموحاته في الارتقاء الطبقي، فاتجه للبحث عن عمل في الخليج، مُتشجعًا ببعض من أفراد عائلته ممن سبقوه إلى هناك، كغيرهم ممن رأوا في الخليج فرص أفضل تصل إلى دخول أعلى 30 ضعفًا مما كانوا سيحصلون عليه في مصر. ساعد هذا على نمو حجم العمالة المصرية المُتجهة إلى الخليج من 25% في الثمانينيات إلى 70% إبان مطلع الربيع العربي.

في البداية، سافر ماهر إلى السعودية وعمل لدى القطاع الخاص، واستمر عمله على نحو جيد، بذل فيه جهدًا هائلًا، وقضى ما يقرب من ثلاث سنوات في مواقع الإنشاء المختلفة تحت شمس الصيف الحارقة في العاصمة السعودية الرياض.

خلال هذه السنوات، تراكمت مُدخرات ماهر فأقدم على الزواج. استطاع حينها دفع مُقدم إحدى وحدات مشروع «مبارك لإسكان الشباب» في إحدى المدن الجديدة، وتحمل بقية تكاليف الزواج من تجهيز الشقة والشبكة والمهر وحفلة الزواج وكذلك كلفة المكالمات الدولية مع خطيبته، قبل انتشار تطبيقات المحادثات الهاتفية. استنفدت الشقة والزواج مدخراته، لكنه «أكمل نصف دينه» وأصبح لديه شقة في مصر.

أنهى ماهر عقده في السعودية، وانتقل إلى محطة جديدة في رحلة الخليج بعد أن تقدمت إحدى الشركات الإماراتية بعرض أفضل ارتقى لها ماهر مُستعينًا بخبرته التي اكتسبها أثناء العمل في السعودية. اصطحب معه زوجته في نهاية 2007، وتوجها إلى دبي.

بعد عامين في دبي، بدأت ارتدادات الأزمة المالية العالمية التي أشعلت العالم في 2008 تنعكس على أسعار إيجار العقارات وعلى المُستوى المعيشي الذي ارتفعت تكلفته بشكل كبير. كان ماهر أمام خيارين؛ إما الاستمرار في الإمارات كمهجر دائم، أو العودة إلى مصر وبدء مشروعه الخاص فيها. لكنه لم يكن جاهزًا لأي من الخيارين. اضطر ماهر إلى خيار ثالث، وهو العودة إلى السعودية مرة أخرى.

مثلت أزمة 2008 عاملًا طاردًا للعديد من العمال في الخليج. كانت فرص العمل في الخليج، ومنذ وقت سبق الأزمة، تتعرض لعدد من المتغيرات تحت إشراف حكومات الخليج.

أول هذه المتغيرات كان دخول العمالة الآسيوية، وخاصة الهندية، في منافسة على الحصة الأكبر من العمالة الوافدة في الخليج. عزز من موقف هذه العمالة لدى حكومات مجلس التعاون أنها عمالة غير ماهرة أو غير مدربة ذات خصائص تعليمية منخفضة، وبالتالي أقل تكلفة مقارنة بالأيدي العاملة المصرية.

كما بدأ عدد من دول الخليج سياسات إحلال العمالة المحلية محل الأجنبية. أصبح مفهوم «السعودة» على رأس مسببات القلق وسط العاملين المصريين في السعودية، أكبر مستقبل للعمالة المصرية في الخليج. وأدرك العاملون المصريون أن مستقبلهم في الخليج ليس أبديًا.

انطلقت سياسات إحلال العمالة المحلية لعدة أسباب، من بينها الخوف من تصدير حالة الاحتجاج السياسي لتلك البلدان. لكن تبقى الأسباب الاقتصادية هي العنوان العريض لهذا التوجه. توسعت دول الخليج منذ التسعينيات في ضخ استثمارات كبيرة لقطاعات التعليم والتدريب بهدف زيادة حجم وكفاءة العمالة المحلية، والإسراع في إحلالها محل العمالة الوافدة إليها من الخارج، وهو ما بدأت تجني ثماره في السنوات الماضية.

اتبعت دول الخليج عددًا من الآليات لتنفيذ خطة الإحلال. بات لدى بعضها وزارات تُكرس جهودها لتلك الخطة، وسنّت أخرى أُطرًا مؤسساتية تتمثل في فرض نظام الحصص على القطاع الخاص المُستوعب الأكبر للعمالة الوافدة. ويقضي نظام الحصص بتحديد نسب للعمالة الوطنية والأجنبية وفرض رسوم على أصحاب العمل في حال المخالفة.

بدأت دول مثل السعودية بشنّ حملات موسعة لترحيل المُقيمين بشكل غير شرعي -التي كانت تغض الطرف عنهم سابقًا- خلال العقد الماضي، لتُرحل 2.7 مليون وافد في عام واحد. واحتل المصريون ثاني أكبر نسبة، 12%، من إجمالي المقيمين غير الشرعيين المُرحلين في موجة ترحيل تمت ما بين أبريل ونوفمبر 2017.

في هذا السياق، وحين توجه ماهر وزوجته ومعهما مولودهما الأول من دبي إلى الرياض، حاول أن يعمل من خلال ما يُعرف بـ «التأشيرة الحُرة» بتكلفة بلغت نحو 30 ألف ريال سعودي، دفعها عبر قروض ألزمته بتكريس مدخرات عدة أشهر لتسديد ديونه.

«التأشيرة الحرة»، هكذا تُعرف لدى العاملين بالخليج خاصة السعودية، تعني الاتفاق بين الوافد الأجنبي وصاحب عمل ما على استخراج تأشيرة عمل على كفالة صاحب العمل هذا، على ألا يعمل لديه في واقع الأمر. المقابل يكون مبلغ مالي كبير يتفاوت بحسب نوع التأشيرة، يحصل عليه الكفيل الوهمي -تجار التأشيرات- مُقدمًا، إلى جانب مبلغ شهري يدفعه العامل إلى الكفيل.

وعلى الرغم من عدم قانونيتها، لجأ ماهر إلى هذه التأشيرة هروبًا من تحكم الكفيل، وهو شخصية عادية أو اعتبارية مسؤولة قانونًا عن العامل المغترب، واستخراج وثائق الإقامة القانونية له، وبدونه تصبح إقامة الوافد غير شرعية تُعرضه للترحيل. وتحرم نُظم الكفالة المعمول بها العمال المغتربين من أغلب حقوقهم، ما تسبب في تعرضها لانتقادات حقوقية كثيرة.

أدخلت «التأشيرة الحرة» ماهر في دروب من المشكلات مع صاحب العمل الوهمي، وقرر تغيير هذا الوضع. استطاع ماهر بعد ذلك العمل من خلال عقد حقيقي لمدة عامين كان يتم تجديده دوريًا. تنقل ماهر بين عدة وظائف، واضطر لتقديم بعض التنازلات فيما يخص المقابل المادي، لكنها إجمالًا تسمح باستمرار الادخار.

كبرت أسرة ماهر وبات لديه طفلين، وخلقت الإجازات السنوية لأسرته تحديًا جديدًا. ضاقت شقة «إسكان مبارك للشباب» الصغيرة على الأسرة، ليبدأ محاولة توفير مساحة أكبر كي تستوعب أسرته. كان ذلك في ظل طفرة الأسعار التي حدثت بعد 2016، فتكلفت الشقة الجديدة في نفس المدينة حوالي مليون جنيه.

حال ماهر لم يختلف عن حال معظم العاملين المصريين في الخليج. جزء كبير من مدخراتهم يذهب إلى قطاع العقارات في مصر، والذي يُمثل نحو ثُلث الناتج الإجمالي المحلي. بحسب تقديرات «عقار ماب»، تمثل أموال العاملين في الخليج 45% من مبيعات هذا القطاع في مصر.

لكن تشطيب الشقة الجديدة كان يعني استهلاك ما تبقى من مدخرات ماهر التي كرسها لتأسيس مكتب استشارات هندسية بعد العودة إلى مصر. تأجل حلم العودة مرة أخرى، وقرر ماهر استكمال العمل في الخليج.

في هذا الوقت، قررت السعودية رفع رسوم تجديد الإقامات والرسوم السنوية لأسر ومرافقي العمالة الأجنبية هناك، وذلك ضمن خطة «السعودة». 

فرض رسوم على العمالة الأجنبية يعني رفع تكلفة تشغيل الوافدين على أصحاب العمل في القطاع الخاص، ومن ثمّ تتوازن نسبيًا تكلفة تشغيل العمالة الأجنبية والمحلية، فيفقد الوافد ميزته التنافسية، أنه الأرخص، ما سيدفع أصحاب العمل لتوظيف المحليين، ما يُعطي زخمًا لخطط الإحلال، بحسب ما يعتقد «ستيفن هيرتج»، أستاذ بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية «LSE». وهو ما تم استهدافه بالفعل من خلال فرض رسوم على أصحاب العمل عن العمالة المغتربة لديه، وكذلك رسوم تصاعدية سنويًا تُفرض على العاملين الأجانب وذويهم المُقيمين معهم عند تجديد الإقامات.

بالنسبة لماهر، وصلت التكلفة الجديدة لتجديد إقامات أسرته أكثر من 120 ألف جنيه في السنة. «قررت أن تعود أسرتي إلى مصر، على أن استمر عامين آخرين على أقصى تقدير ثم أعود نهائيًا إلى مصر»، يقول ماهر، «لست وحدي فغالبية زملائي من الجالية المصرية، اتخذوا قرار البقاء وحيدين هنا، مع إعادة أُسرهم إلى مصر، على أمل ترشيد النفقات وتسريع عملية الادخار ثم العودة نهائيًا».

إلى جانب هذا، تأثر حجم تأشيرات العمل الممنوحة للأجانب بسبب خطط الإحلال الخليجية. على سبيل المثال، شهدت المملكة العربية هبوطًا حادًا في منح تأشيرات العمل من قبل القطاعين الحكومي والخاص من ما يتجاوز ثلاثة ملايين تأشيرة عمل مُنحت في 2015 إلى 1.6 مليون فقط في عام 2017. بحسب تقديرات حمدي إمام، رئيس شعبة إلحاق العمالة بالخارج لـ«مدى مصر»، فإن هذا الانخفاض مرشح للاستمرار فيما بعد «كورونا».

الآثار الاقتصادية السلبية الناتجة عن أزمة كورونا تأتي امتدادًا لأزمات أكثر عمقًا بدأت قبل أعوام طويلة ترتبط بطبيعة اقتصادات الخليج الريعية المعتمدة على النفط. وتعمقت الأزمة مؤخرًا بعد هبوط أسعار النفط هبوطًا تاريخيًا خلال أبريل الماضي. كما يواجه النفط مستقبلًا غير مضمون في ظل الأزمة المناخية التي يمر بها الكوكب وارتفاع الأصوات المطالبة باستخدام طاقة نظيفة صديقة للبيئة، خاصة داخل الاتحاد الأوروبي.

لهذا، حاولت السعودية، والتي تملك عملاق النفط العالمي «أرامكو»، البدء في إعادة بناء اقتصادها كي يعتمد على موارد متعددة ونقلها إلى عالم ما بعد النفط، فيما يُعرف بـ«رؤية 2030». لكن رياح «كورونا» العاتية ضغطت على المالية العامة السعودية، ما دفعها لإعادة تحديد أولويات الإنفاق مرة أخرى، وهو ما أوقف العمل على المشاريع التنموية الضخمة مثل مشروع «نيوم» السياحي، أحد أبرز ما رُوج له كتعبير عن وجه السعودية الجديد في عالم ما بعد النفط.

يشير أفشین مولوی، الباحث في معهد «جونز هوبكنز» للسياسات الخارجية، إلى أن جائحة «كورونا» لن تُحدث تغييرات راديكالية في سوق العمل الخليجي، لكن دورها سينحصر في تسريع وتيرة ما بدأ منذ زمن من ممارسة الحكومات مزيدًا من الضغوط على أصحاب القطاع الخاص، الذين لا زالت شهيتهم منفتحة أكثر تجاه الوافد الأجنبي الأقل كلفة دومًا، وهو ما تعالجه هذه الدول بمزيد من فرض الرسوم على أصحاب العمل عن عمالتها الوافدة ما سيُنهي الفجوة ما بين تكلفة تشغيل العمالة الوافدة ونظيرتها المحلية.

بالنسبة لماهر، 2020 كان العام الثاني والأخير في المهلة التي حددها لنفسه لإنهاء رحلة غربته في الخليج قبل أزمة كورونا. لكن حلم العودة إلى مصر للعيش مع أسرته وبدء مشروعه الخاص تأجل مرة أخرى. الآن، أصبح ماهر «مُعلّقًا» لا يعلم كيف ستنتهي الأمور التي قد تصل إلى إعادته إلى مصر إجباريًا، مع شكوك أكبر في الحصول مرة أخرى على تأشيرة عمل بعد هذه الأزمة الطاحنة. «لم تعد العودة النهائية إلى مصر خيارًا مُتاحًا وفقا لخطتي السابقة، ولا يُمكنني حتى زيارة أسرتي لأن إجازتي السنوية اُستهلكت في فترة الحجر المنزلي وفقًا لقرارات العمل، كما أنه لا توجد تأشيرات خروج وعودة الآن»، يقول ماهر. «العودة إلى مصر حاليًا تعني القفز إلى المجهول».

* اسم مستعار

اعلان
 
 
سارة سيف الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن