ديمة كريّم: أزمة لبنان بنيوية واللجوء لصندوق النقد يفاقمها (حوار)
 
 

تجددت المظاهرات الاحتجاجية في لبنان مرددة الشعار الأصلي لانتفاضة 17 أكتوبر «يسقط حكم المصرف»، مع عودة مظاهر الحياة إلى طبيعتها في لبنان بعد تراجع الإصابات بفيروس كورونا المستجد، وذلك بعد شهور من بدء الانتفاضة في أكتوبر الماضي.

خلال أسابيع الإغلاق المرتبطة بعدوى الفيروس، خرج اللبنانيون إلى الشوارع مرات محدودة، لكنها شهدت قمعًا من قبل القوى الأمنية والعسكرية، ما أدى على الأقل إلى مقتل المتظاهر فواز السمان في طرابلس (شمالي بيروت). كما تضاعف سعر الدولار الأمريكي مقارنة بالليرة اللبنانية، ففي حين أن السعر الرسمي لا يزال 1500 ليرة للدولار، فإن السعر الفعلي تجاوز 7000 ليرة. حدث هذا في سياق يتفاوض فيه لبنان مع صندوق النقد الدولي لتمويله وضخ الدولارات في نظامه المالي، ما أدى بالطبع إلى موجة غلاء كبيرة في الأسعار وزيادة في معدل البطالة وانسحاب كبير من العمالة الأجنبية التي تتركز في العمل المنزلي ومحطات الوقود والمخابز وكذلك المشروعات الزراعية.

وكما عادت التظاهرات، عادت أسئلة مشروعة لتطرح نفسها: لماذا أعلن لبنان تعثره عن دفع ديونه في مارس الماضي، عمليًا لماذا أعلن لبنان إفلاسه؟ وهل عجّلت الانتفاضة الشعبية من تحقق أزمة لبنان الاقتصادية؟ أم أن أسباب الأزمة كامنة في صلب النظام الاقتصادي والسياسي؟ وهل يجد لبنان دعمًا ماليًا خارجيًا؟ وهل يستطيع ذلك الدعم بالأساس إخراج لبنان من أزمته؟ تجيبنا على تلك التساؤلات وغيرها الباحثة الاقتصادية ديمة كريِّم.

مدى مصر: كيف يمكننا وصف أزمة الاقتصاد في لبنان؟ وهل زاد احتجاج الناس من وطأة تلك الأزمة؟

ديمة كريّم: أزمة لبنان الاقتصادية هي أزمة بنيوية كامنة في أساس النموذج الاقتصادي-السياسي، وهي أزمة متراكمة. لو نظرنا فقط منذ انتهاء الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي، فإن النظام السياسي عمد إلى بناء نموذج اقتصادي هش للغاية ومعرض دائمًا للأزمات، ومسألة تفاقم تبعات تلك الأزمات هي مسألة وقت لا أكثر.

هذا النموذج قائم بالأساس على استقطاب الدولارات من الخارج وتثبيت سعر صرف العملة المحلية، وضمان تدفق الدولارات ضروري لذلك التثبيت. كانت تأتي التدفقات بالدولار من قطاعات غير منتجة كالسياحة والعقارات والتحويلات الخارجية الآتي معظمها من [العمالة اللبنانية في] بلدان الخليج. ومن صفات تلك القطاعات أنها ذات قيمة مضافة ضئيلة ولا تخلق فرص العمل وتتعرض للأزمات تأثرًا بأي صدمة أو تقلب سياسي.

القلب الأساسي في هذا النموذج هو المصارف أو البنوك. بدأت تلك المصارف في تحقيق أرباح هائلة وقت إعادة الإعمار عقب انتهاء الحرب الأهلية عن طريق الاستثمار في سندات الخزينة بفوائد مالية مرتفعة (أي الاستثمار في ديون الدولة). ساهم ذلك في تثبيت سعر الصرف، لكنه ساهم كذلك في تفاقم الديون على مدى عقود، فوصلت إلى 86.2 مليار دولار في الربع الأول من 2019.

وبما أن تلك الأزمات ليست معزولة عن النموذج الاقتصادي نفسه، فلا يمكننا تحميل المسؤولية للمصارف وحدها، ولكن كذلك إلى مصرف لبنان [البنك المركزي]، والطبقة السياسية الحاكمة نفسها، وهي بالمناسبة المستفيد الأكبر من وجود هذا النموذج.

هناك دراسات كثيرة بيّنت مدى استفادة الطبقة السياسية من ذلك النموذج. مثلًا يمكننا الإشارة لدراسة الاقتصادي جاد شعبان التي يوضح فيها أن 40% من أصول المصارف مملوكة للطبقة السياسية. يمكننا الإشارة أيضًا إلى دراسة أستاذة الاقتصاد نسرين سلطي والتي أوضحت أن الفوائد على الحسابات في المصارف أقل بكثير من الفوائد التي تحصلها المصارف من شراء سندات الخزينة، وبالتالي فإن المصارف لم يكن لديها حوافز لخلق استثمارات أو تسليفات أخرى، لأن أرباحها مضمونة بالفعل من تمويل الدين العام ودون مجهود يذكر.

بالمحصلة، فإن هذا النوع من الأزمات هو نوع مزمن مصاحب لهذا النموذج السياسي-الاقتصادي. ولا تلجأ الطبقة السياسية في إنقاذ هذا النموذج إلا للجهات الخارجية من خلال الدعم أو الودائع. وفي هذا السياق، يمكننا النظر إلى «مؤتمرات إنعاش لبنان» منذ التسعينات سواء كانت خليجية أو أوروبية أو أمريكية.

للأسف، في الأزمة الراهنة، لم تعد الجهات الخارجية مهتمة بإنقاذ لبنان، لاسيما أن لبنان كان يعد تلك الجهات في كل مرة بتنفيذ إصلاحات هيكلية دون أن ينفذ أي منها.

مدى مصر: بعد إعلان الحكومة الحالية عن تعثر لبنان عن دفع ديونه، كيف يمكن له خلق استثمارات بديلة تحقق تدفقات دولارية؟

ديمة: دعنا قبل أن نتحدث عن البدائل أن ننظر سريعًا كيف وصلنا إلى هذا التعثر.

كما قلنا، فنحن أمام أزمة بنيوية في الاقتصاد، وفي ظل إدارة مالية فاسدة وفي ظل نظام محاصصة أكثر فسادًا.

تراكمت الأزمة المالية على مدى عقود، لكن في 2011 رأينا مؤشرات على انفجار أزمة قريبًا. لأول مرة من أواخر التسعينات، كانت تقديرات النمو سلبية وتعثرت القدرة على استقطاب الدولارات. بالعادة، كان يأتي إحسان أبيض من جهات خارجية، وهذا الآن ليس متاحًا بسبب الانصراف عن تنفيذ وعود الإصلاح الاقتصادي السابقة. لكن من المهم ألا نتغافل عن الأسباب السياسية المحلية والإقليمية التي سبقت حتى تشكيل الحكومة الأخيرة، ولعل أبرزها سيطرة حزب الله على لبنان. ومع تشكيل الحكومة الحالية المحسوبة عليه، لم يعد هناك استعداد سياسي دولي لإنقاذ الاقتصاد اللبناني.

كان من المتوقع أن الأزمة ستنفجر في كل الأحوال. ومن قبل الثورة في لبنان، ومنذ عام 2016، نفّذ المصرف المركزي هندسات مالية باهظة الثمن كانت عمليًا سياسات استباقية لتأخير الأزمة وتفادي الشحّ في الدولار، ما زاد من أرباح المصارف التي استفادت من هذه الهندسات المالية مقابل الاستمرار في تمويل النموذج الاقتصادي القائم. آخر علامات وصول الأزمة قبل الثورة تمثلت في وضع القطاع المصرفي قيودًا على سحب الودائع بالدولار الأمريكي، بالإضافة إلى محاولات أخرى هدفت لتجميد ودائع البنوك بالدولار في ظل الشحّ التدريجي للدولار في السوق. ومنذ أغسطس 2019، نشأت سوق صرف موازية لسعر الصرف الرسمي، وبدأ يتجلى حجم الأزمة التي وصلنا إليها.

كالعادة، لم يكن للطبقة السياسية رؤية للخروج من الأزمة، وكان همها الحفاظ على النموذج الاقتصادي الذي يضمن مصالحها، وكانت تعوّل على مؤتمرات الإنعاش الاقتصادي الدولية، التي قالت فيها الجهات المانحة إنها ستمنح لبنان مليارات الدولارات. لكنها في حقيقة الوضع كانت ديون جديدة. وبالتالي لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون شعار الثورة التي اندلعت في أكتوبر 2019: «يسقط حكم المصرف».

في مارس 2020، أعلن رئيس الحكومة تعثر لبنان عن دفع ديونه. اتخذت الحكومة الحالية والمحسوبة على فريق حزب الله قرارًا وضعنا أمام ثنائية سيئة في ظل تضاؤل احتياطي الدولار في مصرف لبنان: إما أن نتعثر في دفع ديوننا أو نعجز عن استيراد القمح والأدوية والسلع الأساسية. ويجب هنا التنويه أن هذا القرار القاضي بإعلان التعثر لم يكن مبنيًا على خطة إنقاذية، بل اتخذ وكأنه حل بينما كان في الحقيقة إعلان لتفجّر الأزمة.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يكون هناك الكثير من الاقتصاديين في صفوف الثورة، ومن قبل اندلاعها، مشغولين بدراسة الحلول المحتملة لهذا النموذج من الاقتصاد السياسي عبر إعادة هيكلة الدين العام وتحميل الطبقة المستفيدة من النموذج الاقتصادي أعبائه وتبعاته، وشطب حسابات بعض كبار المودعين واستبدال سندات الخزينة بسندات أخرى أقل فائدة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي المتضخم، والتركيز على تمويل قطاعات أكثر انتاجًا، والتركيز على حقوق الناس الأساسية بدلًا من برامج الرعاية الاجتماعية الممولة من الاستدانة.

في المقابل، ماذا تلقينا من القطاع المصرفي؟ أقدموا قبل الإعلان عن تعثر سداد الديون على بيع سندات «يوروبوند»، وهي ديون دولارية، لجهات خارجية، ما أدى لتفاقم الأزمة بعد أن باتت تسيطر جهات خارجية على 25% من سندات «يوروبوند». وبالتالي، لم تعد مسألة إعادة هيكلة الدين مسألة داخلية وبات موضوع معقد مرتبط بخطة شاملة تضع فيها الأطراف الخارجية كطرف أساسي.

الخلاف ليس على صحة قرار الإعلان عن تعثر الدفع، بل على كيفية اتخاذ القرار وغياب الخطة المرتبطة به. هذا القرار لم يكن مرتبطًا بخطة إنقاذ مثلًا، فقط أعلن ذلك وأقصي لبنان من الأسواق المالية العالمية ووضعنا أمام مخاطر التعثر غير المنظّم.

مدى مصر: وفي هذه الأجواء، ألا يبدو أن صندوق النقد خيارًا واقعيًا يستطيع الاتفاق مع الطبقة السياسية على تغيرات أساسية في النموذج؟

ديمة: بعد اتخاذ قرار التعثر، خصوصًا دون وجود خطة إنقاذ شاملة تعالج سوء النموذج الاقتصادي، بات لبنان أمام وضع يعجز فيه أن يستفيد من الأسواق المالية، وخياراته لاستقطاب مساعدة ضئيلة وأكثر مشروطية، وهذا وضع عادة ما تلجأ فيه الدول إلى صندوق النقد.

كثير من الاقتصاديين على مدار عقود حذروا من انفجار أزمة اقتصادية قريبة. وقتها كان التنويه بأن نبدأ بحل داخلي بتغيير السياسات الاقتصادية والمالية وإعادة هيكلة الدين العام. مع تفاقم الأزمة، لم يعد متاحًا اللجوء للإجراءات الداخلية، خاصة مع حاجة لبنان لضخ مالي جديد، وبتنا أمام خيارين: إما أن نلجأ للصندوق كأمر واقع أو أن نأخذ مسار فنزويلا [زيادة هائلة في التضخم وانقطاع الموارد الرئيسية وفرض العقوبات] مثلًا. وعليه، بدأت الحكومة باستشارات بعيدة، ثم وضعت خطة إنقاذية دربها الصندوق عليها، كخطة تنال إعجاب الصندوق نفسه.

المشكلة بالنسبة لي تكمن في كيفية مقاربة الدولة للأزمة وتوصيفها لها وفي تحديدها الفئة التي ستتحمل كلفتها. الدولة لم تبحث بالخيارات المتاحة للخروج من الأزمة بطريقة تضمن أسس العدالة الاجتماعية، وإنما جاء الأداء الرسمي ليلغي إمكانية الذهاب في أي خيار آخر غير خيار صندوق النقد الدولي. ولهذا الخيار تبعات سيئة توضحها تجارب مماثلة. وفيه شروط الصندوق القاسية التي لا تضع اعتبارًا للآثار الاجتماعية المرتبطة بالأزمات. هم يتعاملون مع الأزمة الاقتصادية كأرقام ووصفات نيوليبرالية تحمّل جميع الناس آثارها عدا المسؤولين عن الأزمة أنفسهم.

ومن التجارب التي تدخل فيها الصندوق، رأينا الآثار الكارثية التي تحققت بسبب وصفاته «الإصلاحية». هناك من يقول إن الصندوق منذ التسعينات بات يأخذ الآثار الاجتماعية في الاعتبار، لكننا رأينا الصندوق كيف يتعامل مع مشكلة الفقر مثلًا والتي يراها الصندوق كضرورة حتمية لا مفر منها.

هناك أيضًا من يقول إن لبنان يستطيع النقاش أو التفاوض مع الصندوق حول تلك الآثار، وإن لدينا قرار مستقل في السياسات التي نخضع لها. هذا ليس كلامًا واقعيًا، سياسات الصندوق واضحة، كسياسات تقشفية تحرر سعر صرف العملة وترفع الدعم وتؤدي إلى إفقار الناس، وهي سياسات موجودة في خطة الحكومة الآن.

المشكلة أيضًا أن لبنان بمجرد دخوله في برامج الصندوق سيصبح مرتبطًا بالمزيد من هذه البرامج المشروطة. خذ مثل الأردن، فمنذ سنة 1988 تتنقل من برنامج لآخر من برامج الصندوق، ومع كل برنامج جديد تصبح آثار السياسات التقشفية أكثر وطأة على فئات من الشعب. وهذا متكرر في أندونيسيا والأرجنتين واليونان.

خذ مصر، استدانت 12 مليار وقُدم هذا البرنامج على أنه نجاح مستندًا على انخفاض العجز، واستقرار سعر العملة بعد تحريره وفقد الكثير من قيمته، وانخفاض معدل البطالة الرسمي وزيادة النمو. في الحقيقة، هذه المؤشرات لا تعكس معاناة المجتمع المصري من تلك السياسات من تدني مستوى المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية وفقدان قيمة العملة وتدني مستوى الخدمات العامة وغيرها.

باختصار، اللجوء لصندوق النقد لا يؤدي إلى أي اصلاحات بنيوية، بل يضمن استمرار النموذج الاقتصادي بكل سيئاته.

مدى: في لبنان، حيث تغيب الدولة بالفعل عن جزء كبير من النشاط الاقتصادي ولا تتدخل كثيرًا في دعم المواطنين اقتصاديًا، ما هو الهامش الذي قد تتنازل عنه الدولة لتتماشى مع شروط صندوق النقد؟

ديمة: الحكومة منذ أسابيع أخرجت خطتين. الأولى قبل زيارة وفد الصندوق إلى بيروت، والثانية معدلة بعد الزيارة. وكليهما بالطبع خطط موجهة بالأساس إلى الصندوق وتتماشى تمامًا مع وصفاته المعتادة، لكن بالطبع مع وضع الخصوصية اللبنانية في الاعتبار. في الخطة الأصلية، كان من المفترض تحرير سعر الصرف بعد عام ونصف العام بهدف حماية الناس. في الخطة المعدلة، يجري تحرير سعر الصرف فور المباشرة في التنفيذ من 1500 ليرة لكل دولار إلى 3500 ليرة، على أن يظل يرتفع تدريجيًا حتى 4100 ليرة في 2024. هذا له آثار كارثية على القدرة الشرائية لمعظم فئات الناس. كما تركز الخطة على تقليص حجم القطاع العام وخصخصة معظم مرافق الدولة مثل الكهرباء، وكذلك ترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات من خلال زيادة الضرائب والرسوم ضمن سياسة تقشفية.

تقوم الخطة على أن تخفيف القدرة الشرائية سيؤدي إلى تخفيف الاستهلاك، ما يعني بالضرورة تقليل الاستيراد وبالتالي تحسن في ميزان المدفوعات، لكن كل هذا على حساب المجتمع الذي يتعرض لمزيد من الإفقار.

معك حق أن دعم الدولة محدود بالفعل، لكن حتى هذا الدعم سيرفع عن الكهرباء والوقود.

تقول الخطة إنها ستحمي معظم أموال المودعين في المصارف، ولا ضمانة إطلاقًا على ذلك، نظرًا لحجم الخسائر الهائلة في القطاع المصرفي وغياب الوضوح حول إعادة هيكلة هذا القطاع وتوزيع الخسائر فيه.

مدى مصر: لكن ألا يمكن لتلك الوصفات أن تغيّر النموذج الاقتصادي اللبناني مع كل هذه المساوئ؟

ديمة: هذا بالطبع طرح خاطئ. تلك السياسات تؤثر فقط على المدى المنظور من خلال تخفيف العجز وترشيد الإنفاق وزيادة الإيرادات، لكن هذه الإجراءات لها آثار سلبية على المدى الطويل كزيادة معدلات الفقر وتعثر المسار التنموي بالذات عندما تَعْلق الدول في برامج وخطط متتالية من تلك التي يفرضها الصندوق. وهناك عشرات النقاشات والدراسات التي تدلل على وجود أثر سلبي لسياسات الصندوق على معدلات التنمية.

بحسب إحدى هذه الدراسات، مثلًا بين سنة 1975 و2008، من بين 57 دولة استدانت من الصندوق، لم تتمكن أي دولة من تحسين أدائها الاقتصادي. بل أكثر من ذلك، فإن دول منها واجهت زيادة احتمال التخلف عن سداد الديون السيادية بنسبة 1.5-2%.

ما يثير الغضب في حالة لبنان أن الدول التي تلجأ للصندوق تفعل ذلك عندما تستنفد كل الجهات الأخرى التي من الممكن اللجوء إليه، وتلجأ إليه وهي مطأطأة الرأس، بعكس الحكومة اللبنانية التي تنظر للجوء إلى الصندوق كواحد من إنجازاتها. كثيرة الأمثلة التي أودى فيها اتباع سياسات الصندوق بأنظمة سياسية ورؤساء. هنا في لبنان، هناك الكثير من الأساطير التي تروج للتعامل مع الصندوق. هناك تناسي أن هذه قروض وليست مساعدات، وهناك تصور أن الصندوق سيقرضنا عشرة مليار دولار، وهذا أمر خاطئ. كل بلد لها كوتة في الصندوق تحدد الحد الأقصى لحجم المساعدات. وبما أن كوتة لبنان في الصندوق أقل من 900 مليون دولار فإنه لن يستطع تلقي مساعدة بأكثر من 4 مليار دولار كحد أقصى على مدى مدة برنامج الصندوق التي تكون عادة ثلاث سنوات.

بالطبع هناك استثناءات كثيرة كما حدث مع الارجنتين التي استدانت 11 ضعف الكوتة الخاصة بها، لكن الأمر في هذه الحالة كان له خصوصية سياسية ليست موجودة في حالة لبنان.

كما يُروج إلى أن الاستدانة من الصندوق ستطمئن جهات مانحة أخرى وتدفع بها للمساهمة في دعم لبنان، وهو ما لا يمكن اعتباره مضمونًا في ظل منظومة القوى الحاكمة في لبنان. ما يضعنا أمام خطر أن نكون قد انخرطنا في برنامج لصندوق النقد وتحمّلنا تبعاته على صعيد غياب العدالة الاجتماعية وغياب برنامج إنقاذي متكامل يعالج الأزمة البنيوية للنظام الاقتصادي، مما يدعنا في فخ الاستدانة المستمرة والأزمات الدورية.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن