كيف يؤثر تجميد الحكومة سعر الكهرباء للصناعة على منتجي الطاقة المتجددة؟
 
 

اتخذت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة قرارًا الأسبوع الماضي من المتوقّع أن يكون له ضررًا بالغًا على قطاع الطاقة المتجددة في مصر، وهو تجميد سعر الكهرباء للقطاع الصناعي لمدة خمس سنوات.

وزير الكهرباء محمد شاكر، قال في مؤتمر صحفي للإعلان عن القرار إنه اتُخذ تشجيعًا للقطاع الصناعي على الإنتاج لمواجهة آثار التباطؤ الاقتصادي المترتب على أزمة فيروس «كورونا».

يمثل القرار صدمة بالنسبة لشركات القطاع الخاص العاملة في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، حيث واجهت تلك الشركات قبيل أزمة كورونا وخلالها قرارات حكومية قد تعيق نشاطها، ويعد القرار الجديد عائقًا إضافيًا لتلك الصناعة، المعلّق عليها آمال كبيرة لإحداث نقلة نوعية في قطاع الطاقة خلال العقدين القادمين.

كيف يؤثر القرار على شركات الطاقة المتجددة المصرية، وعلى قرارات المستثمرين فيها في المستقبل؟ «مدى مصر» تحدّث إلى بعض المستثمرين والخبراء في المجال للإجابة على هذه الأسئلة.

قرار الحكومة

هناك ثلاثة عناصر لقرار إعادة هيكلة أسعار الطاقة. الأوّل هو القرار الأعمّ بمد فترة رفع الدعم ثلاث سنوات إضافية، أما الثاني، والأهم بالنسبة للقطاع الصناعي، فهو تثبيت أسعار الطاقة الكهربائية للسنوات الخمس القادمة للجهد الفائق والجهد العالي والجهد المتوسّط،، وأخيرًا فإن الحكومة ستدعم الكهرباء للصناعة بواقع 10 قروش لكل كيلو وات ساعة لنفس الفترة.

الأسعار المعلنة للخمس سنوات القادمة مدرجة في الجدول التالي الذي نشرته الوزارة:

لنترجم ذلك في صيغة مثال مبسط لمصنع شيكولاتة، وهو مصنع يستخدم الجهد المتوسط. لنقل أن المصنع يستهلك قدرة 2000 كيلوات لتشغيله. إن كان المصنع يعمل ثماني ساعات في اليوم لمدة 30 يومًا، سيكون استهلاكه للكهرباء 2 * 8 * 30، أي 480 ألف كيلوات/ساعة (الكيلو وات/ساعة هي وحدة قياس لاستهلاك الكهرباء)، وبالتالي ستكون تكلفة القدرة لديه 480 ألف كيلو وات x التعريفة، وهي 1.05 جنيه (1.15 كما في الجدول مخصوم منها 10 قروش دعم بحسب القرار)، أي 504 آلاف جنيه في الشهر (تستثني هذه الحسبة تكاليف أخرى ثابتة للكهرباء، ولكننا سنستغني عنها لغرض التبسيط).

القرار، كما قال الوزير، هو ضمان للمستثمر بأن هذه التكلفة ستبقى كما هي لمدة خمس سنوات كاملة، يؤكّد لصاحب العمل أن رفع الدعم لم يؤثّر عليه في هذه المدة، وأن الحكومة ستحميه من أي تقلبات محتملة في أسعار العملة أو الوقود التي تؤثّر على سعر الطاقة مباشرة.

كل ذلك يبدو مفيدًا للصناعة، لكن ماذا عن صناعة الكهرباء نفسها؟ في مصر، المنتج الأساسي للكهرباء هو الحكومة، التي تنتج 90% من الطاقة الكهربية من خلال الشركة القابضة للكهرباء. ولكن خلال السنوات الماضية، بدأت شركات خاصة تدخل إلى قطاع الطاقة المتجددة، التي تمثل في مصر نحو 10% من إجمالي الطاقة المنتجة. نحو ثلثي تلك الـ10% تأتي من السدود على نهر النيل، أي أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لا تتعدى 3% من إجمالي إنتاج الطاقة، طبقًا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

لكن خطة الحكومة هو أن ينتج قطاع الطاقة الجديدة والمتجددة 42% من إجمالي إنتاج طاقتها بحلول عام 2035. هذا القطاع ينمو بسرعة، حيث تضاعف إنتاجه خلال العقد الماضي، ما شجّع الكثير من شركات الطاقة المتجددة الصغيرة على الدخول إلى السوق لتوفير الكهرباء من الطاقة المتجددة للأفراد والشركات. كيف تتأثر هذه الشركات بالقرار؟

فقدان التنافسية

القرار يحرم شركات الطاقة المتجددة التي لديها القدرة على منافسة أسعار وزارة الكهرباء من زيادة أسعارها التي تبيعها لمواكبة التضخّم السنوي في تكلفتها، ما سيراكم عليها الخسائر خلال فترة التثبيت، كما يؤكّد أحمد زهران، رئيس أحد أسرع شركات الطاقة الشمسية نموًا في مصر، وهي شركة «كرم سولار»، لـ«مدى مصر».

يوضّح زهران أن القرار يُحمّل شركات الطاقة الجديدة والمتجددة تكلفة إضافية 50%، إذا افترضنا أن متوسط التضخّم السنوي 10% كل عام طوال فترة التجميد. فتكلفة الشركة من مستلزمات وأجور وإيجارات ترتفع كل عام، ولكنها لا تستطيع رفع قيمة سلعتها لتواكب ذلك التضخّم، لأن سلعتها هي الكهرباء.

تشرح استشارية شركات الطاقة الجديدة والمتجددة، نادية كراوية*، أن عقود تلك الشركات لبيع الكهرباء تأتي في صورتين. أولهما أن ينص العقد على توريد الكهرباء للعميل بنسبة أقل من السعر الحكومي. في هذه الحالة، فإن جدوى مشاريع الشركة في الفترة المقبلة قد انقلبت رأسًا على عقب بعد قرار التثبيت، حيث كانت توقعاتها جميعًا أن يُرفع الدعم تمامًا في منتصف 2022، ويرتفع السعر سنويًا. الآن من المرجّح أن تخسر الكثير من هذه الشركات خلال الفترة المقبلة، أو على الأقّل لا تدر أي ربح، لأن هوامش الربح في مجال الطاقة المتجددة ضيّقة، ما من شأنه التأثير على قدرتها للحصول على استثمارات مستقبلية. 

الشكل الآخر من العقود هو أن يكون العقد به أسعار غير نسبية، أي أن ينص العقد على أسعار الطاقة خلال فترة التعاقد. ولكن كراوية تؤكّد أن ذلك من المتوقّع أن يعرّض شركة الطاقة إلى متاعب أخرى مع الشركة التي تبيع لها الطاقة جراء شعور الشركة أنها تشتري الطاقة بسعر أكبر من سعر الحكومة، كالرغبة في إلغاء التعاقد أو إعادة صياغة شروطه.

تؤكّد كراوية أن القرار سيؤدي حتمًا إلى غلق العديد من الشركات، وترى أن الشركات الأكبر فقط هي التي قد تعبر الفترة دون خسائر كبيرة، ولكنها تقر أن القرار منطقي بالنسبة لحكومة لديها فائض كبير في الطاقة تسعى لبيعه.

فائض كهرباء يبحث عن ملجأ

يعتبر زهران وكراوية أن القرار المتخذ يعد حلًا بالنسبة للحكومة في فائض الكهرباء الكبير لدى مصر بعد تعاقدها لبناء ثلاث محطات كهربائية مع شركة سيمنز عام 2015 بإجمالي قدرة 14.4 جيجاوات، وهو جهد قريب من فائض الطاقة الكهربية في مصر.

بحلول نهاية 2019، وصلت القدرة الاسمية لإنتاج الكهرباء في مصر 56 جيجاوات، بفائض طاقة نحو 25 جيجاوات، أي أن قدرة مصر المستغلة فقط 31 جيجاوات، بواقع 55% فقط نسبة استغلال للسعة المتاحة.

رغم إقراره بضرورة دعم الصناعة وتقليل التكاليف للشركات بعد أزمة كورونا، لا يستطيع زهران تجاهل وجود هذا الكم الكبير من الطاقة الفائضة، ويرى أن بيع تلك الطاقة لا بد أن يكون ضرورة للحكومة كإحدى سبل تسديد ثمن الاستثمار في تلك المحطات، وتشاركه في الرأي كراوية.

تقول كراوية، وهي على اتصال وثيق بالعديد من شركات الطاقة الجديدة والمتجددة، إنه منذ بضعة أشهر قبل كورونا قد بدأت الحكومة في المماطلة لإصدار رخص مشاريع الطاقة الشمسية الخاصة، وتداولت أحاديث أن الحكومة تريد الحد من توسّع هذه المشاريع، حيث تضغط على شركات الطاقة الشمسية بأن لتخفيض نشاطها.

تؤكّد كراوية أن جهات داخل وزارة الكهرباء استاءت من دخول بعض شركات الطاقة الشمسية لقطاعات توفّر لها الحكومة الطاقة الكهربية، منها شركات كثيفة الاستهلاك للكهرباء.

تعطي كراوية مثال شركات مثل مصر للألومنيوم وفودافون، التي أقامت مناقصات لتوفير الكهرباء من مصادر متجددة. ترى أنه لوجود فائض لدى الحكومة، بدأ الضغط السياسي على شركات الطاقة الشمسية أن «يهدأوا»، إلى أن تحول ذلك الضغط إلى قرار بوضع سقف لكم الكهرباء التي توفّرها شركات الطاقة الشمسية في مصر.

منذ ثلاثة أسابيع، فرضت وزارة الكهرباء اشتراطات على شركات الطاقة الشمسية، شملت حدًا أقصى لإجمالي قدرات مشروعات الطاقة الشمسية بنظام صافي القياس (وهو النظام الذي شجّع الكثير من الشركات على الدخول إلى القطاع) على مستوى الجمهورية 300 ميجا وات، وحدًا أقصى للقدرة الإجمالية لمشاريع كل شركة 25 ميجا وات، بالإضافة إلى اشتراطات أخرى يرى زهران أنها تضر القطاع بشكل كبير.

يرى زهران وكراوية أن هذه القرارات، وإن كان بها وجاهة في بعض مناحيها مرتبطة بالحفاظ على الشبكة، حيث أن الطاقة الشمسية متقطعة وتؤثّر على الشبكة إن زادت عن حد معيّن، إلا أنهما يرجعان السبب الرئيسي ورائها إلى تقليص المنافسة لبيع فائض الكهرباء لدى الحكومة، والذي أكّدا أنه كان نتيجة الزيادة غير المحسوبة والمبالغ فيها في إنتاج الكهرباء التي سعت وراءها الحكومة بمشروع «سيمنز».

«الحكومة تريد أن تحوّل محفظة الطاقة لديها من الطاقة الجديدة والمتجددة، ولكن القرارات التي اتخذتها الحكومة تمنع عمل منتجي هذه الطاقة، فماذا تريد منهم؟»، يتساءل زهران متابعًا: «عندما تأخذ قرارات ‘تبهدل’ بها القطاع الخاص، كيف تطلب منه أن يشترك بمنتهى الثقة بعد ذلك في المستقبل؟».

ترى كراوية أن تلك هي المعضلة الأولى المترتبة على القرار الأخير. بعد تأكيدات متكررة من الوزارة أن الدعم سيرفع في 2022، كيف سيثق المستثمرين في هذا القطاع بالحكومة مرة أخرى؟

تؤكّد كراوية أن الطاقة المتجددة، الشمسية منها بالأخص، قد بدأت في تكوين سوق، وكان مشروع بنبان، وهو أكبر مشروع طاقة شمسية في مصر أنشأته الحكومة، حيث تدرب فيه الكثير من المهندسين والتقنيين والعمّال، وبدأ الممولون في القطاع الخاص في التحمّس لتلك المشاريع، ولكن قرار الأسبوع الماضي من شأنه أن يدفع أصحاب الشركات والممولين إلى إعادة التفكير في جدوى تلك المشاريع. «البنوك الممولة خائفة»، تقول كراوية، «ويجب أن تطمئنهم وتطمئن المستثمرين ليستمروا في الاستثمار».

*اسم مستعار

اعلان
 
 
عثمان الشرنوبي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن