رحلة إلى «جنة» مهجورة
4 أيام 3 ليال سائحًا في شرم الشيخ
 
 
 

وافق اليوم الرابع والستون لإغلاق «كورونا» في مصر أول أيام عيد الفطر؛ كنتُ في الأتوبيس السياحي الوحيد المُسافر من القاهرة إلى مدينة شرم الشيخ، وبعد عبور نفق سيناء، وقفنا في كمين شرطة «عيون موسى». نزل ستة من المسافرين لتدخين السجائر في الصحراء، واتخذ السائق مسافة منهم مُبديًا ضيقه. أشعل سيجارته ونفث دخانه بعصبية ثم قال: «السفر ممنوع النهارده أصلًا»، وشرح لهم وهو يلوّح بسيجارته في الهواء أن ضابط الكمين لديه قرارًا بمنع أتوبيسات النقل الجماعي من دخول محافظة جنوب سيناء، و«احتمال نرجع القاهرة».

اسمه جون، يرتدي قميصًا أزرق على جيبه الأيمن لوجو الشركة، وبنطال جينز، ويدخن الكليوباترا. توقع بعد قرار رئيس الوزراء بمنع النقل الجماعي أن ينطبّق القرار على شركته، وتمنى إجازة من الطريق، لكن رئيس السائقين أخبره أن لديه رحله إلى شرم الشيخ، وأعلنت الشركة الخاصة التي يعمل بها عن تسيير رحلة واحدة يوميًا في أيام العيد.

أخذت الحكومة إجراءات في هذا الأسبوع للحد من الحركة مع ارتفاع متوسط الإصابات بـ«كورونا» لـ700 إصابة يوميًا بحسب بيانات وزارة الصحة (قبل أن تتجاوز حاجز الألف في الأسبوع التالي للعيد). تضمنت الإجراءات غلق الشواطىء وفرض حظر حركة يبدأ من الخامسة مساءً. وفي محاولة لكتم نزيف الخسائر الذي مُنيت به السياحة٬ سمحت وزارة السياحة والآثار لـ74 فندقًا باستقبال النزلاء بنسبة لا تتعدى الـ25% -منها تسعة فنادق في شرم الشيخ- وذلك بعد استيفاء شروط التشغيل والحصول على شهادة السلامة.. هكذا استثنت الحكومة الشواطئ الخاصة بتلك الفنادق من قرار الإغلاق خلال فترة الإجازة. وبعد أقل من شهر، ارتفع عدد الفنادق التي سمحت لها وزارة السياحة بإعادة الفتح، ليصل إلى 196 فنادق، في 11 يونيو الجاري.

مثّلت أزمة «كورونا» واحدة من أكبر الضربات في تاريخ قطاع السياحة المصري، الذي يشكل من 12% إلى 15% من إجمالي الناتج المحلي. أغلقت الفنادق منذ خروج آخر الرحلات السياحية من مصر وتوقف حركة الطيران في 19 مارس الماضي وبلغت الخسارة في القطاع مليار دولارًا شهريًا. ومع العودة التدريجية لإعادة فتح بعض الفنادق أمام السياحة الداخلية، باستيفاء شروط السلامة٬ هناك فرصة للتأمل لما آلت إليه قلاع الـ mass tourism في مصر، وفي مقدمتها مدينة شرم الشيخ٬ كما يرويها مَن تبقى في تعداد عمالة القطاع. 

في كمين «عيون موسى»، كانت سيارات الملاكي تمر واحدة تلو الأخرى بعد أن ينظر أمناء الشرطة في هوياتهم. وكانت تركِن على الناحية الأخرى من الكمين سيارات عيادات متنقلة تابعة لوزارة الصحة. عند بداية توقفنا، صعد ممرضُ منها لقياس درجة حرارة المسافرين في الأتوبيس بمسدس قياس درجة الحرارة، ومن بعده صعد أمين شرطة، وسأل بعدم اهتمام شخصين لا يرتديان كمامات على وجهيهما؛ «فين الكمامات؟»، وانشغل عن إجابتهما بالبحث عن شيء يثير فضوله في وجوه ركاب المقاعد الخلفية في الأتوبيس.

قبل أربعة أيام من إجازة عيد الفطر، أصدر محافظ جنوب سيناء قرارًا لمديرية الأمن بتشديد التفتيش عند الأكمنة، خاصة في كميني «عيون موسى» و«رأس محمد»، وأمر بعدم مرور أي زائر من خارج المحافظة إلا إذا كان هذا الشخص يملك شاليهًا أو وحدة سكنية -بشرط تقديم صورة من عقد الملكية في الكمين، أو وجود حجز بأحد الفنادق المستوفية لشروط السلامة الصحية لإعادة الفتح.

كنّا أقل من 15 مسافرًا في أتوبيس يتسع لـ50 راكبًا، وبعد أن بدأنا نمل الانتظار، ودخلنا إلى الأتوبيس محتمين من شمس الظهيرة. صعد ضابط الكمين وبدأ يسألنا عن أسماء الفنادق التي حجزنا فيها. واتضح فيما بعد أنه ليس على علم بالفنادق التي سمحت لها الحكومة بإعادة التشغيل، وفي النهاية سمح لمَن معهم حجوزات في الفنادق بالمرور، وأنزل مسافرين اثنين كانا في مهمة عمل وليس لديهما حجز في فندق، واتجه الأتوبيس إلى طريق شرم الشيخ عبر جبل الطور بدونهما.

شرم الشيخ بعد حظر الحركة

كنا نمضي في صحراء جنوب سيناء على طريق أسفلتي واسع يشق الكثبان الرملية، متجهين إلى أقصى نقطة في جنوب المحافظة. مررنا على قرى صغيرة، على جانبي الطريق، لا يوجد لها أي دليل على الخرائط، بدوّ رُحّل ذهبوا هناك بسبب وجود بحيرة صغيرة أو وادٍ تستقر فيه الأمطار، ولم ينتبه لهم أحد. على حدود البصر من يسارنا جبال سانت كاترين وسلاسلها التي لا حدود لها، كانت ألوانها تتغيّر مع دوران الشمس. قابلتنا على الطريق عاصفة من الرمال البيضاء حجبت لفترة الرؤية. كنّا نمضي في فضاء واسع من اللون الأبيض للرمال، وحرارة الأتربة تلهب الأنوف داخل الأتوبيس المكيف. بدأت الشمس في الغروب، واقترب معها موعد حظر الحركة الذي فرضته الحكومة.

بسهولة لم نتوقعها تخطينا كمين «رأس محمد». صعد أمين شرطة يرتدي كمامة، ثم طابق حجوزات المسافرين بأسماء فنادق في قائمة كتبها على ورقة بيضاء بخط يده، وعثر على أربعة من الركاب لا تتطابق أسماء الفنادق التي حجزوا فيها مع الأسماء الموجودة في قائمته، زوجين جالسين في آخر الأتوبيس، وبنتين في مقدمته، حجزوا من خلال موقع Booking، فأخبرهم الأمين بأن تلك الفنادق مُغلقة لأنها لم تحصل على ترخيص بإعادة الفتح، ونصحهم باختيار أحد الفنادق التسعة المُدونة في ورقته، وطلب منهم تصويرها احتياطيًا.

وصلت إلى مدينة شرم الشيخ بعد بداية حظر الحركة بنصف ساعة. اختفت سيارات الأجرة من المدينة، ووقف المسافرون الذين جاؤوا معي بحقائبهم في موقف الأتوبيسات منتظرين تاكسي أو سيارة تأخذهم إلى فنادقهم بلا جدوى، بينما مرت ثلاث سيارات للشرطة مُطلقة سارينتها لتتأكد من تطبيق الحظر، ولم يلتفتوا لوجودنا.

عدّلتُ من حقيبة السفر على ظهري، ثم اعتمدتُ على خريطة جوجل للوصول إلى الفندق. كان على مسافة 23 دقيقة سيرًا من الموقف. استمتعتُ بهدوء الطريق وخلوه من البشر.

عند دخول المدينة، استقبلني مشهد بانورامي لمئات اليخوت البيضاء الراسية على الشواطئ المغلقة، وآلاف الشماسي المُنكسة والشازلونجات المرصوصة فوق بعضها.

حجز أغلب ركاب الأتوبيس في فندق «سان جورج» بسبب انخفاض سعره، وهو الوحيد الأربع نجوم من بين تسعة فنادق خمس نجوم سمحت لها وزارة السياحة بإعادة الفتح في المرحلة الأولى، ومنحتهم شهادة «غنخ. أودجا. سنب»- الحياة والرخاء والصحة بالهيروغليفية، وهي رخصة إعادة الفتح لاستقبال السياحة الداخلية ابتداءً من 20 مايو الماضي.

يمتلك الفندق رجل الأعمال المصري السكندري، عصمت ناثان، ويستثمر أمواله في البناء والاستثمار العقاري بالقاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ. كان كل شيء في الفندق مقنعًا إلى حد ما. ساوت الليلة فيه 880 جنيهًا لغرفة الشخص الواحد، صوره على مواقع السفر تطابق شكله في الواقع، صغير، وهادئ، وتصميمه جيد. له مبنيان لونهما أبيض كأغلب ألوان مباني المدينة، ولكل منهما طابقان يدوران حول حمام سباحة صغير. لا ينقصه سوى بُعده عن البحر بثلاثة كيلومترات، لكنه يملك أتوبيسًا يذهب إلى البحر ثلاث مرات من الساعة الثامنة صباحًا حتى الحادية عشر صباحًا. بدت فكرة جيدة التجول في شوارع المدينة بالأتوبيس في الطريق إلى البحر.

في مرمى قياس الحرارة

 

استقبلني موظف أمن في كشك خشبي صغير عند حاجز مرور السيارات خارج الفندق. قاس درجة حرارتي بمسدس قياس درجة الحرارة ودونها مع اسمي في كشف الزائرين، 35.3 درجة. على الباب وقف رجلان، علق أحدهما في جنبه الأيمن مسدسًا ظاهرًا على قميصه الفاتح، وآخر تولى إدخالي من بوابات الفندق الزجاجية إلى اللوبي أمام موظف الاستقبال الذي كان مُشتتًا بمكالمة شخص على الهاتف. هناك رجل وزوجته، في سن التقاعد، يجلسان في اللوبي خلفي، وقد أبلغاه أن غرفتهما ليست نظيفة، وحاول خلال المكالمة التواصل مع خدمة تنظيف الغرف لإرسال عامل ينظفها.

أتممتُ حجزي، وعندما سألته عن مواعيد انطلاق أتوبيس الفندق إلى الشاطئ، قاطعه الرجل الذي أدخلني، وقال له: «سيبني أنا أتكلم». أخبرني الرجل بأن الأتوبيس له ثلاثة مواعيد آخرها الحادية عشر صباحًا، ويعود في ثلاثة مواعيد آخرها الرابعة عصرًا، لكن عليّ الحجز المسبق، دونت المواعيد أمامه على ورقة، وقال قبل أن أغادر: «يمكنك أن تحجز مني أنا».

كان جميع زوار «سان جورج» من المصريين. أخرج مطعم الفندق طاولاته في مساحة مستطيلة مُطلة على حمام السباحة وباعد بينها. توقف مدير المطعم لاستقبال النزلاء، مع بداية موعد العشاء، ممسكًا بمسدس قياس درجة الحرارة. قاس لي درجة حرارتي مرة ثانية في أقل من ساعة، 35.2 درجة، واعتذر لي لإغلاق البوفيه المفتوح اتباعًا لتعليمات وزارة السياحة، وطلب مني أن أجلس على إحدى الطاولات انتظارًا لنادل سيأتي ويأخذ طلبي، وقدم لي قائمة الطعام المطهو مُسبقًا.

تجمعت أربع طاولات استمر جلوسها لفترة لا بأس بها؛ اثنان منهما لمجموعة شباب، جميعهم حافظوا على ارتداء بناطيلهم، وانشغل كل واحد منهم عن الآخر بموبايله، وطاولة لعائلة كبيرة جاءت بثلاثة أجيال: طفلان لم يحافظا على التباعد الاجتماعي بقدر حبهما في الجري، وزوجان صامتان، اختبأ الزوج وراء كاب ونظارة، وعاد بالكرسى إلى الوراء، وعادت زوجته هي الأخرى بكرسيها. لازال الوقت مبكرًا على النوم.

كانت التاسعة مساءً، بعد ثلاث ساعات من وصولي شرم الشيخ. ممنوع الخروج من الفندق حتى السادسة صباحًا. أنهيتُ العشاء ونويتُ الصعود إلى الغرفة. يحيط بمباني الفندق موظفو أمن يقفون على بعد عشرة أمتار من بعضهم البعض تقريبًا. كنتُ في اتجاه غرفتي، حين كان أحد موظفي الأمن جالسًا على كرسي في حديقة صغيرة أمام سلم المبنى ممسكًا بهاتفه، ولم يلتفت لي إلا عندما ألقيت عليه التحية، نهض واقفًا منتفضًا ورفع كمامته إلى وجهه، ثم أكمل انسجامه على الهاتف مع «بابجي» بعدما تخطيته.

لكل شيء هنا عامل، ومع ذلك، جميع العاملين من الرجال. أحد الموظفين أخبرني في اليوم التالي أنهم كانوا يوظفون سيدات، لكن توقفوا عن ذلك لأن «السيدات لا يحبون العمل»، بحسب تعبيره.

في اليوم التالي، جلستُ أمام حمام السباحة منذ الثامنة صباحًا بعد أن تناولت إفطاري، وانشغل عاملان بالتنظيف، تولى أحدهما التقاط أوراق الشجر المتساقطة في حمام السباحة، أما الآخر فكان يدور حول الشازلونجات والشماسي كانسًا بقايا ليلة أمس. أكياس بلاستيك وكمامات ألقى بها الزائرون ورائهم. بدأت الأسر تخرج من غرفها وتأتي للجلوس تحت الشماسي، وقفز طفلًا وحيدًا في الماء، راقبه عامل الأمن لفترة ثم غاب عنه وقام للدوران حول حمام السباحة، وعاد مجددًا إلى الجلوس على الكرسي مراقبًا اللا شيء.

كان حمام السباحة دائري، يفصله عن حمام سباحة الأطفال سور رخامي، صعد الطفل عليه وبدأ يمشي ليقفز في الماء مجددًا. حذره العامل من الانزلاق بينما يمشي على الحافة الرخامية. نظر لي وقال مبررًا: «كان فيه مجموعة مصريين من سنتين وواحد طلع على الرخامة حوضه انكسر. كان عاوز يعمل منظر قدام المدام بتاعته»، وضحك، «النهارده تاني ولا تالت يوم لينا شغل.. مش عاوزين مصيبة تانية تحصل».

يعيش ممدوح في محافظة أسيوط. أتى إلى مدينة شرم الشيخ منذ 20 عامًا، لكنه لم يستقر فيها. يعمل في فندق «سان جورج» مساعدًا في خدمة حمام السباحة، مقابل 2500 جنيه في الشهر. يبدأ يومه بتنظيف الحمام، ثم يرمي الكيماويات في الخزان لضبط نسبة الكلور، ويجلس طوال اليوم تحت أشعة الشمس. «كان لدينا فوط كبيرة هنا، وكنتُ مسؤولًا عنها، لكن وزعناها على الغرف بعد شروط وزارة السياحة لحماية النزلاء». 

«كنتُ شغّال في فندق غزالة. الله يرحمه أخويا مدحت كان شغال في شرم من قبلي، وأنا في الأول كنت شغّال في دمياط في الكنيسة، مسؤول عن النظافة، وبايت فيها. أي حد جاي بالليل افتحله. بعدها جيت لأخويا الكبير شرم الشيخ، كان يعمل في فندق غزالة وساعدني على العمل هناك، كان عندنا سياح من جميع البلاد يقيمون في المدينة، وفي يوم جمعة من عام 2005 حصل تفجير كبير في فندق غزالة، وكنت إجازة من يوم الإثنين، لكن أخويا كان في الفندق، وتُوفي». 

تعرضت مدينة شرم الشيخ، في عام 2005، لهجوم إرهابي تزامن مع ذكرى ثورة 23 يوليو، انفجاران استهدف أحدهما فندق «غزالة جاردنز»، والثاني منطقة السوق القديم، وبلغ عدد القتلى فيه 88 شخصًا. تراوحت خسائر النصف الثاني من العام بحوالي 3 مليار دولار، وهو نصف ما كانت تحققه خلال 6 أشهر وقتها، وأُلغيت نسبة كبيرة من الحجوزات ووجهت الدول الأجنبية تحذيرات لمواطنيها بعدم السفر إلى مصر.

«من بعد الحادثة مشيت من فندق غزالة، ودورت على فندق تاني. كان صعب اشتغل فيه وافتكر أخواتنا وأصحابنا. أول لما فتح فندق سان جورج في 2006 اشتغلت فيه، وكان الإنجليز ينزلوا فيه في البداية. لو أنت تلاحظ ساعة الثورة روسيا وقفت، وأوكرانيا وقفت، لكن الوحيدين اللي اشتغلوا الاتحاد الأوروبي وانجلترا، عكس الطيارة الروسية، لما وقعت وقفت السياحة كلها، من وقت تفجير الطيارة الروسية قطع الإنجليز وقطع الروس». 

انفجرت الطائرة التي كانت متوجهة إلى سان بطرسبرغ، في 31 أكتوبر 2015، بعد مغادرتها مطار شرم الشيخ، وقتل 224 مواطنًا كانوا عائدين إلى بلادهم بعد الإجازة. وأعلن تنظيم «ولاية سيناء» تبنيه الحادث بزرع قنبلة داخلها، ورفضت الحكومة الاعتراف بأن سقوط الطائرة كان عملًا إرهابيًا، على مدار أربعة أشهر، حتى جاء فبراير 2016، وأقرَّ الرئيس السيسي -رسميًا ولأول مرة- بأن إسقاط الطائرة الروسية نتاج عمل إرهابي هدف إلى الإضرار بالسياحة المصرية، والعلاقات بين مصر وروسيا. على مدار ثلاث سنوات خاصمت أغلب البلاد شرم الشيخ، وحظرت بعض الدول من بينها روسيا وانجلترا السفر إليها. 

«بدأنا بعدها نعاني مع المصريين، كنّا شغالين على سواقين التكاتك وبياعين الحشيش». ضحك: «هم اللي معاهم الفلوس». سألته كيف عرف مهنهم، قال: «ما الطيور على أشكالها تقع.. لكن بعد كام سنة بدأ ييجي الناس الراقية شوية».

عاد السياح الإنجليز مجددًا في فبراير الماضي، بعدما رفعت بريطانيا الحظر عن رحلاتها إلى شرم الشيخ، بعد انقطاع دام أكثر من أربع سنوات منذ تفجير الطائرة الروسية. 

عندما بدأ وباء كورونا انتهى توافد السياح مجددًا. «الفندق قفل من آخر مارس، ومرتباتنا مشيت، واللي كان في إجازة كان بياخد الأساسي. بنشتغل بنص طاقة العمال دلوقتي».

ودعتُ مدحت مُغادرًا الفندق إلى آخر. اكتشفت ليلة أمس أن الإنترنت لا يعمل بالغرف، ورغبتُ في اكتشاف فنادق أخرى بالمدينة، ولكن أين المدينة؟

مشيتُ باتجاه طريق السلام الدولي. أغلب بنايات المدينة من الفيلات، بيضاء وسقوفها من القرميد الأحمر، ولا سكان في الشوارع. بدأتُ أشك في وجود مواطنين في المدينة. اقترب من بعيد عجوز صعيدي على دراجة وانعطف داخل جراج رملي يستقر به عدة أتوبيسات سياحية. سألته عن الطريق السريع ونصحني باختصار المسافة بين الفيلات. عندما تجاوزتها٬ نزلت من تبة عالية في طريق غير ممهد، وعرفت أنني نزلت من هضبة شرم الشيخ، وعلى مرمى بصري كان الطريق السريع ومن خلفه جبال لا نهاية لها تعكس ظل الشمس عليها باللون الأسود والأحمر القرميدي.

أوقفت أول تاكسي رأيته. كان الطريق خالٍ من السيارات، ومضينا في طريق السلام الدولي الذي يقسم المدينة إلى ناحيتين، واحدة على البحر من يميننا بها الفنادق وشواطئها الخاصة وخليج نعمة، وأخرى بها بعض البيوت الصغيرة ومن خلفها الجبال.

كانت مبان متفرقة هنا وهناك على الطريق الموازي للجبل مهجورة ولم يُكتمل بناؤها. قال السائق: «هذا فندق لم يكتمل بعد وقوع الطائرة الروسية في 2015، مثل مشاريع أخرى». كان خليج نعمة مغلقًا محلاته حتى أنه لم يحمسني بالنزول إليه، قال السائق: «صديقي.. أنتَ هتقعد في الفندق طول مدة إقامتك، البلد كلها قافلة».

أتى أيمن من محافظة الغربية ليعمل سائق تاكسي هُنا. قضى 20 سنة في مدينة اقتصر العيش بها على أغراض السياحة فقط ووظائفها، وأصبحت طبقًا لمفهوم الجغرافيا السياسية مدينة سياحية بامتياز. كان أيمن يستقبل السائح من المطار وقد يتفق معه خلال الطريق إلى الفندق بخدمته طوال فترة بقائه، بما يشمل ذلك من تحركات في المدينة وخارجها. السفر 50 كيلومترًا لزيارة محمية رأس محمد، التردد في الصباح على نوادي الغوص، والانتقال إلى السوق القديم والتجول فيه لشراء الاحتياجات اليومية للإجازة، ثم السهر في خليج نعمة ليلًا.

يرى أن الضربة الأساسية للمدينة التي يعتمد اقتصادها على السياحة بشكل أساسي تسبب فيه الأتراك حين بدأوا الاستثمار هنا وأدخلوا خدمة الـ all inclusive. بـ400 دولار تستطيع قضاء أسبوع داخل الفندق وسيوفر لك الوجبات الثلاث والتحركات إن أردت.

أحدث نظام «الإقامة الشاملة» في الفنادق والمنتجعات السياحية المصرية شرخًا في المدن السياحية، لجهة جذب أنواع من السياح -غير السائحين الذي كانوا يأتون مصر لزيارة الآثار وممارسة رياضة الغوص، بحسب إبراهيم فودة، مرشد سياحي يعمل بمجال السياحة منذ نحو 20 عامًا. بموجب نظام «الإقامة الشاملة» أصبح السائح يتناول المأكولات والمشروبات من السابعة صباحًا حتى منتصف الليل داخل الفندق، وبالتالى لا يحتاج إلى الخروج للمدينة وزيارة المحال والمطاعم والكافتيريات. وتنقسم الأموال التي دفعها السائح بين الفندق والشركة منظمة الرحلة، بعكس السابق حيث كانت تقتصر إقامته في الفندق على الاستراحة من أجل رحلات قد تمتد إلى السفر داخل البلد من شرم الشيخ والغردقة إلى أسوان مثلًا.

كانت وجهتي إلى فندق «صن رايز ارابيان بيتش»، وهو أحد الفنادق المرخصة مؤخرا. وعندما علم أيمن، سألني: «بكم الليلة هناك؟»، ستكلفني الإقامة فيه أكثر من 120 دولارًا في الليلة. عندما أجبته نصحني بتغيير الفندق، ولما وجد عدم ممانعة مني ذهب إلى شاطئ shark bay، قال لي إنه قريب من مكان الفندق الذي اخترته لكن هناك فنادق أخرى «مبسّطة» الأسعار عنه وقد تكون جودتها أفضل. 

بُني الفندق، الذي اقترحه أيمن، من مجموعة غرف من الطوب الحجري والخشب على تلة صغيرة تطل على البحر. حافظ البناء على هوية المكان، واستحسنتُ تصميمه. أخبرني إن هذا الفندق من بين الفنادق القليلة المملوكة للبدو. استقبلنا عامل يجلس في غرفة الاستقبال وبدا وجهه ممتعضًا بعد قيلولة الظهيرة. قال إن الفندق مقفول، ولم يحصل على ترخيص إعادة الفتح، وعلل ذلك بأنه ليس خمس نجوم، «لكن ربما نحصل عليها الأسبوع المقبل».

يجاور منتجع Sunrise Arabian المملوك لرئيس غرفة شركات السياحة، حسام الشاعر، منتجع «ماريتيم جولي فيل» المملوك لرجل الأعمال المصري الإسباني، حسين سالم، والذي تعود صديقه الرئيس الأسبق حسني مبارك على الإقامة به، ومن بعده يقع المركز الدولي للمؤتمرات الذي يستقبل مؤتمر الشباب العالمي برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي. يحتكر الفندق شاطئًا عرضه 100 متر، ويجذب باسمه «شروق الشمس العربي» السياحة الخليجية، والطبقات الثرية في مصر.

كان حسام الشاعر، مالك الفندق، هو أحد الواضعين لشروط تشغيل الفنادق والمنتجعات السياحية من أجل إعادة فتحها، بعد اجتماعات مع وزير السياحة والآثار، انتهت وفقًا لبيان الوزارة، بقيام الاتحاد المصري للغرف السياحية وغرفة الفنادق بتوفير شهادات موقعة من الغرفة ووزارة السياحة والآثار ووزارة الصحة والسكان لتسليمها للفندق المستوفي للاشتراطات.

روتين قياس الحرارة

طلب مني موظف الاستقبال بعد قياس درجة حرارتي ترك الشنطة في الخارج، ودعاني إلى لوبي الفندق للجلوس، وبعد إتمام حجزي أوصلها إلى الغرفة في عربة جولف، بعد أن طاف بي المنتجع. كان يسبق كلامه دائمًا بـ«مستر محمد»، وهو اللقب المتعارف عليه داخل المدن السياحية، جميع النزلاء هنا يلقبون بـ«المستر»، حتى صرتُ «مسترًا».

هناك عشر حمامات سباحة، تدور حولهما البرجولات الخشبية والشازلونجات، ملعب تنس وحدائق زينة. كانت البرجولات على الشاطئ خالية من النزلاء، ونزلت كل أسرة في حمام سباحة مختلف عن الآخر.

في اليوم التالي، انضم لي صديقي رسام ومؤلف الكوميكس مجدي الشافعي الذي كان يبحث عن مهارات جديدة في استخدام ألوان الماء، وبدت شرم الشيخ مكانًا جيدًا لاكتسابها. أحضرنا الفوط من الغرفة ومشروبات تكفي قضاؤنا اليوم كله على البحر، وأخبرني مجدي بأن بحر شرم الشيخ بدون نظارات للغوص لا يساوي شيئًا، لكنني لم يكن لدي نظارة للغوص، وكان الحل الوحيد أن نذهب للبحث خارج الفندق عن نظارات للبحر لأن محل أدوات الغوص داخل الفندق كان مُغلقًا للهروب من دفع الإيجار.

«يتعدى إيجار المحل هناك داخل الفندق 25 ألف جنيه»، قال بارتندر يقف في بار مررنا منه للخروج من اللوبي، ودعانا لمشروب مجاني عندما وقفنا معه لنتكلم قليلًا، وبدا أنه مشتاق لخدمة تقديم المشروبات للزبائن والتحدث لهم من خلف البار. 

خرجنا من الفندق للبحث عن نظارات. على الناحية المقابلة للبوابة كانت عشرات المحال مُغلقة أبوابها، باستثناء محلين، أحدهما يبيع السجائر والقهوة، والثاني عرض علينا نظارتين مقابل 250 جنيهًا وأخبرنا بأنه يبيعها في موسم إجازات الأجانب بـ750 جنيهًا.

قفزنا في عمق ثمانية أمتار، بيوتًا لا حصر لها في الشعب المرجانية، وشاهدنا أسماكًا لا مثيل لها في العالم، حتى بدأتُ اختار سمكة تعجبني وأحاول متابعتها لدقائق حتى تختفي فجأة من رؤيتي.

ثم في اليوم التالي، كنتُ أجلس في المطعم لتناول الإفطار. استقبلتنا فتاة عاملة في المطعم بمسدس قياس درجة الحرارة، وطلبت منّا الجلوس على طاولة حتى يأتي لنا نادل لأخذ طلبنا. أُلغي البوفيه المفتوح من الفندق هنا أيضًا. تسببت هذه المسألة في ارتباك العاملين بمطعم الفندق. طوال السنوات السابقات، كان دورهم يقتصر على تنظيف الطاولات والوقوف هنا وهناك بين طاولات المطعم وهم يراقبون احتياجات الزبائن. 

جلست مجموعة من الأسر في مطعم الفندق انتظارًا لتقديم الفطار لهم، حيث أخرج المطعم ثمان طاولات، وهرب منهم مجموعة من الأطفال إلى حمام سباحة على بعد خطوات من المطعم. كانت الشمس مشرقة، والغربان تطوف على مقربة من الطاولات. لم تكن الغربان بالقرب مني إلى هذا الحد من قبل، حتى أنني بدأتُ أرى أعينها التي يصعب تميزها مع سوادها وملمس ريشها الأشبه بقطعة من القطيفة. كنتُ أجلس على حافة المطعم وبدأتُ أرمي لها خبزًا، فكوّنت الغربان حوله دائرة وبدأ كل واحدٍ منها يظهر مهارته في القفز بمجرد أن أرمي قطعة جديدة، يقفز فجأة ويلتهمها.

اقترب منّا الموظف الذي كان يصطحب عامل النظافة لرش الشاطئ أمس، كان يقف بالقرب منّا، وأخبرنا إن بعض الزبائن لا تحب الطيور لذلك لا يفضل أن نرمي لهم الخبز. اسمه محمد. كان كريمًا وأعطانا طاردًا للناموس عندما علم أننا نبحث عن واحد، وهو الوحيد الذي لم يسألنا عن مقابل مادي لأي خدمة سألنا عليها. انضم لنا على الشاطئ أثناء الغروب وحكى لنا عن لجنة وزارتي «السياحة والآثار» و«الصحة والسكان» التي قامت بالتفتيش على الفنادق، للتأكد من مدى التزامها  بتطبيق شروط السلامة الصحية، مما يمكّن حصولها على شهادة السلامة المعتمدة لاستقبال النزلاء المصريين.

بدأ حياته كهربائيًا في سوهاج، ثم سافر إلى ليبيا للعمل في البناء وكان يرص الطوب، وعندما قصف مطار طرابلس، في عام 2014، عاد إلى الصعيد ثم ذهب للعمل صيادًا في بحيرة ناصر، ثم التحق بالعمل في فندق «صن رايز» في إدارة مكافحة الحشرات. وأُضيفت على مهام وظيفته تعقيم الشاطئ ورش الشماسي والشازلونجات بالمواد المطهرة.

فى اجتماع برئاسة رئيس الوزراء في بداية مايو الماضي ضمن خطة عودة السياحة اعتمدت الحكومة ضوابط تخص تعقيم الفنادق، بالتنسيق بين وزارتي «السياحة والآثار» و«الصحة والسكان»، وقالت إنها تأتي وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية، وحضر الاجتماع وزيرة الصحة ووزير السياحة والآثار، وخرج بمطالبة الفنادق بتركيب جهاز تعقيم في مدخل الفندق، وإنهاء إجراءات تسجيل الدخول للنزيل إلكترونيًا أو باستخدام أقلام أحادية الاستخدام، مع تعقيم أمتعة النزلاء قبل الوصول إلى الفندق والمغادرة منه، وقياس درجات الحرارة للنزلاء عند دخول المنشأة كل مرة، إلى جانب توفير معقم اليدين في منطقة الاستقبال ومختلف المرافق في جميع الأوقات، وتطهير كافة المناطق العامة بانتظام.

استلم محمد تقرير بتلك التعليمات وبدأ تفعيلها حتى أتت لجنة من أربعة موظفين في 20 مايو الماضي، منهم اثنين من وزارة الصحة واثنين من «السياحة»؛ «أول لمّا دخلوا بدأنا نتعامل معاهم. عقمناهُم، جايبين معاهم شنطة عاوزين يشوفوا الشنطة دي هتتعقم ولّا لأ، هل أنت تاخدها للفندق، ولا النزيل يمسكها ويتعامل معاها».

كان محمد وأيمن وممدوح من المحظوظين الذين لم يفقدوا وظائفهم بعد توقف القطاع السياحي عن العمل. توقع نجيب ساويرس، أحد أكبر رجال الأعمال في مصر والذي يستثمر أيضًا في القطاع السياحي، أن القطاع سوف يكون أول المتضررين، وسوف يسعى إلى خفض رواتب العاملين بنسبة 50 بالمائة «وإلا هيفلّسوا، إن استمر الوضع لأكثر من شهرين سوف نجد انتحار. ودماء. وموت». واعترف وزير الدولة لشؤون الإعلام، مع الإعلامية لميس الحديدي، أن ضغطًا على الحكومة جرى لتشغيل الفنادق حتى لا يفقد العمال وظائفهم.

منحت الحكومة المصرية، طوال شهري أبريل ومايو، عدة امتيازات للمستثمرين في القطاع السياحي لعدم تسريح العاملين لديهم، وألغى الرئيس عبد الفتاح السيسي الضريبة العقارية على المنشآت الفندقية والسياحية لمدة ستة أشهر، كما أخّر سداد أي مستحقات عليها لمدة ثلاثة أشهر دون فوائد، وأُجّلت فواتير الكهرباء والمياه والغاز على الفنادق والمنشآت السياحية وشركات الطيران الخاصة لستة أشهر. وخفض البنك المركزى فوائد القروض من 8% إلى 5% لرجال الأعمال إذا حصلوا عليها بغرض سداد مستحقات العاملين، ووعد وزير البترول بتخفيض أسعار وقود الطيران إلى عشرة سنتات أمريكية على الجالون الواحد، بعد عودة الحركة مرة أخرى. 

كما حذرت وزارة السياحة والآثار أصحاب الفنادق والشركات السياحية من تسريح العمالة لديهم. وخصصت خط 19654 لتلقي شكاوى العاملين في القطاع، استقبلت الوزارة خلال الأسابيع الأولى من تفعيل خط الشكاوى 200 واحدة ضد شركات سياحة وفنادق ومراكز غوص، لكن كان أغلبها يخص مستحقات العاملين في الفنادق.

السؤال المتبقي في نهاية هذه الرحلة هو ما سينقذ عمالة قطاع السياحة على المدى الأطول، وإن كان نمط السياحة الاستهلاكية المتوطن في مدينة شرم الشيخ، والذي تعطله كل فترة حوادث الإرهاب ومؤخرًا الوباء، هو النمط الوحيد الممكن لإنعاش القطاع. 

اعلان
 
 
محمد طارق 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن