ماذا بعد انهيار حملة حفتر على طرابلس؟
 
 

بعد أربعة عشر شهرًا من شنه هجومًا على العاصمة الليبية طرابلس، وقف قائد الجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر، على منصة يوم السبت الماضي في القاهرة بجوار الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، مُعلنًا قبول وقف لإطلاق النار برعاية مصرية، والموافقة على مبادرة لاستئناف المحادثات السياسية لحل الصراع بين الفصائل الليبية.

تتكون «مبادرة القاهرة» من اقتراح بوقف إطلاق النار، واستئناف العملية السياسية، وهو ما تمخض عنه اجتماع، بين صالح وحفتر والعديد من السفراء الغربيين والعرب في القاهرة يوم السبت الماضي. وعقب اجتماع بين حفتر وصالح، نُقلت مبادرة القاهرة إلى السيسي للموافقة عليها، بحسب مسؤول مصري.

وتؤكد المبادرة، التي اطلع «مدى مصر» على نسخة منها، على وحدة الأراضي الليبية، والالتزام بالمحادثات السياسية التي بدأتها وأشرفت عليها الأمم المتحدة، والتي تجددت بمؤتمر برلين في يناير الماضي، وتعديل  المادة 8 المثيرة للجدل من الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، التي تشكلت بموجبها حكومة الوفاق الوطني، فيما يتعلق بإشراف الحكومة على قائد القوات المسلحة الليبية في المستقبل.

تمثل المبادرة اتجاهًا جديدًا في إدارة الأزمة الليبية، إذ بدأت موسكو، جنبًا إلى جنب مع القاهرة، في صياغة خطة لتعويض تراجع نفوذ حفتر عقب انهيار محاولات الجيش الوطني الليبي التوسع غربًا.

جاء حفتر، الذي طالما كان حليفًا لمصر، إلى القاهرة يوم الأربعاء الماضي في محاولة أخيرة لطلب مساعدات عسكرية لمحاربة حكومة الوفاق الوطني، من أجل السيطرة على مناطق غرب ليبيا تحت ستار قتال «الجماعات الإرهابية المدعومة من تركيا»، بحسب مسؤول مصري آخر، اطلع على طلب حفتر، بعد انسحاب خليطه العسكري المكون من ضباط القوات المسلحة الليبية السابقين، والمرتزقة الأجانب، والميليشيات المحلية والإسلاميين من الخطوط الأمامية لطرابلس.

ومع ذلك، فإن سعي حفتر لمباحثات فردية مع السيسي لم يتحقق، نتيجة لما وصفه المسؤول المصري بأنه «إحباط» طويل الأمد من حفتر داخل أروقة الحكم في القاهرة، والتي تشككت منذ البداية في هجوم الجيش الوطني الليبي على طرابلس في أبريل من العام الماضي، والذي حظي بدعم فرنسا والإمارات والأردن وروسيا. وبدلًا من ذلك، التقى حفتر بكبار المسؤولين المصريين، وفقًا للمسؤول المصري.

في صباح نفس اليوم، حاولت القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني، الكيان السياسي الذي حاول مرارًا السيطرة على ما تبقى من جنوب طرابلس، دفع الخطوط الأمامية إلى ضواحي ترهونة، آخر معاقل الجيش الوطني الليبي في غرب ليبيا.

لم تحدث مراسم تتويج انتصار حكومة الوفاق الوطني على بُعد 180 كيلومترًا إلى الشمال الغربي من ترهونة في طرابلس، حيث مقر الحكومة، ولكن في تركيا، التي أدى توفيرها لقوات من السوريين التركمان والمعدات العسكرية إلى تحويل دفة الحرب لصالح حكومة الوفاق. اتجه رئيس السلطة التنفيذية في حكومة الوفاق، فايز السراج، إلى تركيا في وقت مبكر من صباح الخميس للقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للاحتفال بالنصر.

«لقد حررنا طرابلس ومحيطها بالكامل. في الواقع، هذا النجاح هو انتصارنا جميعًا»، قال سراج من فوق منصة في أنقرة، بينما يجلس أردوغان على مقربة منه.

استغل أردوغان المؤتمر الصحفي للإعلان عن أن تركيا وليبيا ستعززان عمليات البحث والتنقيب عن النفط في شرقي البحر الأبيض المتوسط، وهو أمر متوقع منذ توقيع مذكرة التفاهم بينهما في نوفمبر، والتي وسعت المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا إلى ساحل ليبيا.

صباح يوم الجمعة، سيطرت القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني بشكل كامل على ترهونة بعد أن نظمت قوات حفتر انسحابًا كاملًا إلى الشرق في اليوم السابق، وفقًا لضابط سابق في القوات المسلحة الليبية من بني وليد، على دراية جيدة بالوضع داخل ترهونة. حملة حفتر الغربية، التي بدأت بالهجوم على طرابلس في أبريل 2019، انهارت تمامًا في أقل من أسبوعين، وذهب إلى القاهرة ليرى بعينيه مشهدها الأخير. وأعلنت حكومة الوفاق الوطني منذ ذلك الحين أنها ستحشد قواتها لاستعادة الجفرة في وسط ليبيا وسرت في الهلال النفطي.

«ستكون هناك مفاوضات سياسية مع الشرق، ولكن يجب أن نأخذ سرت والجفرة»، هكذا صرّح وزير الداخلية بحكومة الوفاق الوطني فتحى باشاغا لمحطة «بلومبرج» يوم الأحد، مشيرًا إلى أنه لن يكون هناك تقدم في الشرق بعد السيطرة على هاتين المدينتين. «نحن بحاجة إلى منع روسيا من إقامة قواعد في سرت والجفرة».

في الوقت نفسه، عبر السراج ضمنيًا يوم الإثنين عن رفضه لوقف إطلاق النار المقترح في مبادرة القاهرة، وذلك عندما تواصل مع قائد غرفة العمليات في سرت والجفرة لمواصلة العملية العسكرية في المدينتين.

لم تكن السهولة النسبية التي سقطت بها ترهونة والانسحاب المدبر من قبل الجيش الوطني الليبي في الحُسبان، حتى في أعقاب سقوط قاعدة الوطية الجوية الاستراتيجية في منتصف مايو، عندما كانت مصر والإمارات العربية المتحدة بصدد اتخاذ ترتيبات إبعاد حفتر عن الساحة الليبية.

وأبلغ مسؤولان مصريان، ثالث ورابع، «مدى مصر» في مايو الماضي، أن أي تعاون أمني مع الجنرال المحاصر سيكون فقط من أجل مصالح الأمن القومي المصري. وأوضح المسؤولان أن مصر حريصة على تحاشي حدوث فراغ السلطة في شرق ليبيا، خاصة بالنظر إلى المخاوف الأمنية طويلة الأمد للقاهرة بشأن حدودها الغربية سهلة الاختراق مع ليبيا.  تحقيقًا لهذه الغاية، تركزت السياسة المصرية على هدفين عسكريين: منع سقوط ترهونة من خلال الاستمرار في تزويد الجيش الوطني الليبي بمعلومات الاستطلاع العسكري، وإبعاد المليشيات عن شرق ليبيا.

يعاون مصر في هذه الأهداف روسيا التي برزت كأكبر راعٍ أجنبي في برقة. وبحسب المسؤول المصري الرابع، فقد حدث تواصل مستمر في الأيام الأخيرة بين روسيا وتركيا من جهة، وتركيا والولايات المتحدة من جهة أخرى. في حين يفهم المسؤول أن هناك اتفاقًا بين تركيا وروسيا على أن القوات التي تقاتل مع حكومة الوفاق الوطني لن تتحرك في اتجاه شرق البلاد، فقد تواصلت مصر أيضًا مع الولايات المتحدة لمحاولة الحصول على تأكيدات في نفس الاتجاه.

وبحسب جليل الحرشاوي، المحلل الليبي في معهد «كلينجنديل» في لاهاي: «إن الطائرات الحربية روسية الصنع التي ظهرت الشهر الماضي في الجفرة، مع ما يقرب من ثلاثة آلاف من المرتزقة الروس الذين لا يزالون متمركزين في ليبيا، تلعب دورًا حيويًا لصالح الفصائل المناهضة لحكومة الوفاق الوطني في الشرق». ولا يمكن لتلك الفصائل البقاء على قيد الحياة دون مساعدة عسكرية من روسيا. داخل المسرح الليبي، كما لا تستطيع دول الخليج ومصر إيقاف تركيا، وبالتالي فهذا الوضع يمنح روسيا نفوذًا هائلًا، وهو ما تعتزم موسكو استخدامه في المجال السياسي في الوقت الراهن.

وإدراكًا لأهمية روسيا، بدأت مصر سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية مع مسؤولي موسكو في الأسبوع الماضي. التقى نائب وزير الخارجية والممثل الرئاسي الخاص للشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوجدانوف والسفير المصري لدى روسيا إيهاب نصر يوم الثلاثاء لمناقشة التطورات في ليبيا. كما اتصل وزير الخارجية سامح شكري، يوم الأربعاء الماضي، بوزير الخارجية سيرجي لافروف. وبحسب البيان الصحفي الصادر عن وزارة الخارجية الروسية، «أكد المسؤولان مواقفهما المشتركة بشأن عدم وجود بدائل للتسوية السياسية في ليبيا، وشددا على ضرورة وقف الأعمال العدائية واستئناف المحادثات الهادفة بين الأطراف الليبية المتصارعة. وفي هذا السياق، أيد الوزيران برنامجًا لاحتواء الأزمة في ليبيا، اقترحه رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح. ويمكن أن يصبح هذا البرنامج أساسًا لحوار ليبي داخلي من أجل تعزيز تطوير العملية السياسية التي انطلقت في برلين».

وبحسب روايات المسؤولين الليبيين والمصريين الذين تحدثوا إلى «مدى مصر» في الأسبوعين الماضيين، فإن الصيغة الأولية لبرنامج روسيا ومصر من أجل «السيطرة على الأزمة في ليبيا» بدأت تتشكل.

أحد الركائز الأساسية لخطط مصر وروسيا هي خارطة الطريق السياسية التي طرحها صالح، رئيس مجلس النواب في طبرق، والذي كان مؤيدًا قويًا لحفتر في السابق، ولكنه يتنافس الآن للحصول على حصة أكبر في المشهد السياسي لنفسه وبدأ يتحرك ضد الجنرال. ولقد كانت خارطة الطريق التي طرحها صالح بمثابة الأساس لمبادرة القاهرة.

تركزت خارطة طريق صالح على إعادة هيكلة وانتخاب مجلس رئاسي جديد مكون من ثلاثة أعضاء يمثلون كل منطقة تاريخية في طرابلس، والذي سيشكل بعد ذلك حكومة جديدة، وهذا هو العنصر الأكثر وضوحًا في هذه الخطة.

ومع ذلك، بالنسبة لجميع مؤيدي حفتر، تم اتخاذ القرار بأن الجنرال الميداني ليس قائدًا سياسيًا وعسكريًا قويًا. لكن حفتر لن يخرج من المشهد قبل السراج. يقول المسؤول المصري الرابع: «سيتعين على حفتر وسراج الخروج من المشهد معًا».

وهنا يقول مصدر سياسي ليبي مقرب من حفتر: «إذا وجد الأتراك أنه من الضروري أن يطلبوا من السراج التقاعد كجزء من صفقة سياسية من شأنها إبعاد حفتر، فإنهم لن يمانعوا ولن يمانع السراج بالضرورة».

لن يخرج حفتر من المشهد بشكل كامل على الفور، لكنه سيبقى خارج ليبيا إلى أجل غير مسمى في الوقت الحالي، حيث تنفذ هذه الخطط لتشكيل هيكل سياسي لشرق ليبيا، وفقًا لضابط رفيع المستوى في الجيش الوطني الليبي قريب من الجنرال. وهو ما يرجحه المسؤول المصري الثالث بقاء حفتر في القاهرة لبضعة أسابيع على الأقل قبل أن يضطر للبحث عن مكان للتقاعد.

أثناء زيارة صالح للقاهرة في نهاية الأسبوع الماضي، ضغط مسؤولون مصريون رفيعو المستوى عليه لكي يكون أقل تعنتًا مع حفتر، وفقًا للمسؤول المصري الثالث، الذي أضاف أنه في حين دعمت القاهرة مبادرة صالح، أبلغه المسؤولون المصريون رفيعو المستوى بضرورة إدخال «تعديلات» عليها، دون تحديد ما ماهية تلك «التعديلات».

اعترف مسؤول غربي مطلع تحدث إلى «مدى مصر»، بأن المملكة المتحدة تجري محادثات مع صالح، لكنها أثارت تساؤلات حول قدرته على تسهيل المصالحة السياسية بمفرده.

المسؤول المصري الثاني، الذي تحدث إلى «مدى مصر» قبل زيارة صالح إلى القاهرة في نهاية الأسبوع الماضي، وافق على هذه الرؤية، قائلًا إن صالح لا يمكن أن يصبح بديلًا لحفتر. «إنه كبير السن وليس معاديًا للإسلاميين بما يكفي. مع مغادرة حفتر للمشهد، تصبح القضية الجوهرية هي كيف يمكننا التأكد من عدم سيطرة الإسلاميين على ليبيا».

تتجه روسيا ومصر أيضًا إلى عنصر رئيسي آخر في النسيج السياسي الليبي لتسهيل عملية تشكيل هيكل سياسي يحجب حفتر، وهو شبكة أنصار الرئيس السابق معمر القذافي.

يقول المصدر السياسي الليبي المقرب من حفتر، إنه من أجل تشكيل كتلة معادية للإسلاميين، سيتعين على مصر الاعتماد على شخصيات النظام السابق، الذين يعيش العديد منهم في مصر ولديهم علاقات قوية مع الحكومة المصرية. ويعترف المسؤول المصري الرابع بأن مصر تتواصل مع بعض شخصيات النظام السابق، على الرغم من أن قدرتهم على الضلوع بدور قيادي غير واضحة.

في ظل غياب حفتر، سيتم تقاسم واجبات رئاسة الجيش الوطني الليبي مع شخصية قيادية في شرق ليبيا، وفقًا للمصدر الثاني في الجيش الوطني الليبي والمسؤول المصري الثالث. ويبدو أنه لا يوجد اتفاق حول من سيتولى قيادة الجيش الشرقي بعد. وبحسب مصدر الجيش الوطني الليبي، فإن اللواء فرج أبوغالية -مؤيد للنظام السابق-، هو أحد الأسماء المطروحة لتولي هذا المنصب، خوفًا من فك ارتباط العناصر القذافية الموالية لحفتر وروسيا، في حين يقول المسؤول المصري إن رئيس أركان حفتر، عبدالرزاق الناظوري، وقائد القوات الجوية في الجيش الوطني الليبي صقر الجروشي، هما أيضًا قيد النظر.

كان حفتر أيضًا يجند أعضاء من النظام السابق ليكونوا جزءًا من الهيكل السياسي الشرقي في أعقاب انهيار حملته في غرب ليبيا، وفقًا لضابط رفيع المستوى في الجيش الوطني الليبي، مُقرب من حفتر ومصدر سابق للنظام تحدث إلى «مدى مصر».

هذه الحسابات المتوافقة مع مصر تتوافق أيضًا مع خطة روسيا طويلة الأمد بالاعتماد على شخصيات النظام السابق. في حين ساعد المرتزقة الروس المنتشرون في ليبيا، والمرتبطون بالرئيس فلاديمير بوتين، الجيش الوطني الليبي على التعافي من انتكاسة منتصف عام 2019، حافظت روسيا بالوقت نفسه باستمرار على اتصال مع لاعبين متعددين في ليبيا، من بينهم التابعين لنظام القذافي. ولقد حاولت روسيا سابقًا تسهيل الاتصال مع نجل القذافي، سيف الإسلام، وفقًا لتقرير «بلومبرج» في مارس الماضي.

«أحد الجوانب التي نعرفها على وجه اليقين بشأن تفكير روسيا في ليبيا هو التزامها بإعادة السياسيين والتكنوقراط والضباط العسكريين المعروفين بولائهم لمعمر القذافي»، حسب الحرشاوي الذي يضيف «لقد تم تجاهل هذه التيارات بشكل أو بآخر من قبل جميع الوسطاء الأجانب الآخرين منذ عام 2011. على الرغم من إيواء مصر لهم».

بالنسبة للحرشاوي، فإن التحول إلى شبكات القذافي سيكون بمثابة موازنة مرحب بها أو حتى بديلًا للعلامة التجارية السياسية التي يتمتع بها حفتر على المستوى الشخصي بدرجة عالية بالنسبة لروسيا. ويوضح:

«يلتزم الكرملين التزامًا عميقًا بالتأكد من تناقص سلطة حفتر، نظرًا لأنه غريب الأطوار لدرجة لا تسمح بالاعتماد عليه. لطالما كانت موسكو متشككة بشدة في قرار الجنرال في 2019 بشن هجوم على طرابلس.. نتيجة لمغامرته في غرب ليبيا، تسبب حفتر في تعريض الهيكل الأمني ​​الوحيد في الشرق لخطر الانهيار. تبنت الإمارات العربية المتحدة مغامرة حفتر الهجومية في أبريل 2019، لكن روسيا لا تحب هذا النوع من سياسة حافة الهاوية فائقة التكلفة. الروس واقعيون»،  كما يضيف: «من خلال تعزيز وضع القذافيين واستخدام خبراتهم، واستمرار التفاوض مع الفصائل الموالية لحفتر وحكومة الوفاق الوطني وتركيا، تدرك روسيا أنها تستطيع ترسيخ نفوذها في شرق ليبيا بطريقة فريدة ودائمة».

يقول دبلوماسي أجنبي مقيم في الشرق الأوسط وعلى دراية بطريقة إدارة موسكو للملف الليبي: «تخطط روسيا لإشراك أعضاء من النظام السابق في العملية السياسية. بعضهم لديه أفكارًا جيدة، ويمكن أن يصبحوا جزءًا من مستقبل ليبيا. تتحدث روسيا معهم كما تتحدث مع جميع الأطراف».

تخطط روسيا أيضًا لتحقيق تقدم مع حكومة الوفاق الوطني، حيث زار نائب المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أحمد معيتيق موسكو يوم الخميس الماضي. وقال معيتيق للصحفيين في ختام الاجتماع مع مسؤولي وزارتي الخارجية والدفاع إن حكومة الوفاق الوطنية لديها ثقة كاملة في أن روسيا ستكون شريكًا مهمًا في استقرار ليبيا.

أكد البيان الصحفي الصادر عن وزارة الخارجية الروسية بشأن الاجتماع مع معيتيق على ضرورة إفراج حكومة الوفاق الوطني «في أقرب وقت ممكن ودون شروط مسبقة» عن المواطنين الروسيين مكسيم شوجالي وسامر سويفان اللذين تم إلقاء القبض عليهما في طرابلس في مايو 2019 واتهما بإدارة  كتيبة إلكترونية روسية، بهدف التأثير على الانتخابات الليبية.

وجاء في البيان «المواطنان الروسيان في السجن في طرابلس هما العقبة الرئيسية أمام تطور التعاون المشترك بين البلدين».

وبحسب الدبلوماسي الأجنبي المقيم في الشرق الأوسط، فإن موسكو واثقة من أنه سيتم الإفراج عن سويفان وشوجالي قريبًا، خصوصًا مع زيادة الاتصالات بين روسيا وحكومة الوفاق الوطني وإجراء محادثات مكثفة موازية مع المسؤولين الأتراك.

تنسيق مصر مع روسيا يزعزع التحالفات التقليدية التي هيمنت على الأبعاد الدولية للصراع الليبي، ولكن هذا لا يعني تخلي مصر عن علاقاتها القائمة.

«اللافت هنا هو مدى تشابه حسابات مصر مع حسابات روسيا في هذه المرحلة، فمن الناحية النظرية، يفترض أن القاهرة تتبع خطى أبوظبي فقط، التي كانت الداعم الرئيسي للقاهرة منذ عام 2013. لكن هذا لم يحدث على الإطلاق منذ أن تدخلت تركيا بشكل علني في ليبيا»، يوضح الحرشاوي مضيفًا: «في برقة، تهتم القاهرة بالاستقرار الفعلي بالمعنى التقليدي وتثبت أنها أقل استبدادية من محمد بن زايد في الملف الليبي. هذا لا يعني إطلاقًا أن الإمارات خارج الصورة. لا تزال الطائرات بدون طيار الإماراتية المقاتلة تشن غارات جوية في ليبيا في الوقت الراهن. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر أبوظبي عملاقًا ماليًا تسعى كل من موسكو والقاهرة إلى استيعابها وإرضائها. ولكن، بعد القضاء على هجوم حفتر في طرابلس، يعتمد بقاء الجيش الوطني الليبي ومؤسسات أخرى في برقة على التزام مصر وروسيا. وقد تضطر الإمارات العربية المتحدة، في وقفة تكتيكية، إلى قبول هذه الديناميكية في الوقت الراهن».

التعاون المصري الروسي لتثبيت هيكل جديد للسلطة سيواجه في الوقت نفسه، تحديات. على سبيل المثال، وفقًا للمصدر الأول في الجيش الوطني الليبي، فتح تراجع حفتر المجال أمام الحركة الفيدرالية في الشرق لاكتساب الزخم وقبول الرأي العام، ليبدو أن تركيز مبادرة القاهرة على وحدة ليبيا يعكس مخاوفها من التفكك.

لكن القضية الأكبر تتعلق بكيفية تأثير علاقة روسيا مع تركيا في السياسة المحيطة بامتيازات الطاقة في شرق البحر المتوسط ​​على مصر.  ففي حين أن تركيا وروسيا دعمتا جانبي النزاع في ليبيا، فقد أبدتا أيضًا استعدادًا للتعاون في ليبيا، كما فعلتا في سوريا. وعلى الرغم من وجود احتمال لمواجهة عسكرية مباشرة بين الجانبين، قال ضابط بحري تركي سابق لـ «مدى مصر»: «لدينا علاقات اقتصادية كبيرة مع روسيا. نحن نتعاون في مجال الطاقة. لدينا تعاون أمني. هناك تعاون في صناعة الدفاع. لن تضحي روسيا بكل هذا من أجل حفتر».

في مطلع يناير الماضي، أجرى الجانبان محادثات وأجبرا جميع الأطراف المتحاربة على الالتزام بوقف إطلاق النار، حيث مارست روسيا ضغوطًا عن طريق سحب قوات «واجنر» من الخطوط الأمامية.

في ذلك الوقت، أعرب مسؤول مصري عن قلقه من أن الصفقة قد تشير إلى موافقة روسيا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني والتي ستمد المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا إلى شواطئ ليبيا، لأنها ستعرقل العمل على خط أنابيب شرق المتوسط «إيست ميد»، الذي كان من شأنه أن يؤثر سلبًا على سيطرة روسيا على إمدادات الغاز إلى أوروبا.

ووقعت حكومة الوفاق الوطني وتركيا اتفاقًا بشأن الحدود البحرية في البحر الأبيض المتوسط ​​في نوفمبر الماضي، إضافة إلى الاتفاق الذي أدى إلى زيادة التعاون الأمني ​​والعسكري، والذي سيثبت أنه حيوي في قدرة حكومة الوفاق على صد تقدم حفتر. وامتدت الاتفاقية إلى توسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا إلى شواطئ ليبيا، حيث تمر عبر عدة مناطق تتورط فيها أنقرة في نزاعات حول التنقيب عن الطاقة مع دول أخرى.

في ذلك الوقت، رفضت مصر الاتفاق باعتباره «غير قانوني»، كما قالت اليونان، التي تعتبر خصمًا لتركيا بسبب التوترات طويلة الأمد في قبرص، إن أي اتفاق من هذا القبيل سيكون مهزلة جغرافية، لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين سواحل تركيا وليبيا.

خريطة خط الأنابيب المقترح شرق المتوسط «إيست ميد»، بإذن من: المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

في حين أدانت مصر صراحة صفقة نوفمبر 2019 بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني، كان المسؤولون في وزارة الخارجية ونظم المعلومات الجغرافية يضغطون على الرئاسة من أجل القبول الهادئ للصفقة لأنها كانت ستمنح مصر امتيازًا بحريًا كبيرًا (انظر الخريطة أدناه) في هذه المفاوضات البحرية المتوقفة، حسب مسؤول مصري ثالث. ومع ذلك، لم تستوعب السلطة التنفيذية هذه التوصية.

يقول دبلوماسي تركي رفيع المستوى لـ «مدى مصر»: «إذا طبقت المعايير التي تستخدمها تركيا لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة، فسيكون لمصر الحق في زيادة ضخمة في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تقريبًا بحجم مساحة صربيا».

ومع ذلك، فإن الزيادة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر يجب أن تصطدم أيضًا بالتنافس السياسي الأكبر في شرق البحر الأبيض المتوسط حيث تتطلع كل من تركيا ومصر لدور مركز إنتاج الطاقة.

«تدفع الصراعات الجيوسياسية مصر وتركيا للتنافس معًا على من يكون مركزًا للغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط»، يقول وليد خدوري، خبير النفط والغاز الذي يركز على شرق البحر الأبيض المتوسط، موضحًا:  «تعمل تركيا على توسيع نفوذها العسكري إقليميًا، من أجل وضع يدها على احتياطيات النفط في المناطق التي تحتلها عسكريًا، ما يزيد من تحويل استقطاب الهيدروكربونات إلى استقطاب جيوسياسي».

استثمرت مصر رأسمالًا سياسيًا كبيرًا في تأمين اتفاق مع إسرائيل، من شأنه أن يكون خطوة أولى في جعل مصر مركزًا إقليميًا للطاقة. وبموجب الاتفاق، بدأت مصر في استيراد الغاز الطبيعي المسال من إسرائيل، والذي ستقوم مصر بتصديره من خلال مرافق شحن الغاز الطبيعي المسال التي تمتلكها.

ويتطلع أردوغان بالفعل إلى تعزيز محاولته لإخراج مصر من موقع التفوق، حتى خارج نطاق الاستكشاف قبالة الساحل الليبي. وبحسب دبلوماسي أوروبي، فإن تركيا تجري مناقشات مع إيطاليا، المنافس لفرنسا على النفوذ في ليبيا، حول صفقة غاز باستخدام خط أنابيب «جرينستريم» التابع لشركة «إيني» في غرب ليبيا.

ومن شأن هذه الخطوة أن تهدد خطة مصر المعلنة لاستخدام خطوط أنابيب «إيني» في ليبيا. وبحسب خدوري، بعد اكتشاف حقل الغاز الطبيعي الضخم، «ظهر»، أعلنت مصر عن نيتها «تصدير الغاز إلى أوروبا عبر خط أنابيب يمتد من حقل ظهر إلى حقول الغاز الليبية التي تديرها شركة إيني، والتي تعمل أيضًا في حقل ظهر، وربط الحقول البحرية الليبية مع خط غاز بحري إلى إيطاليا».

وقال مسؤول مصري لـ «مدى مصر» إنه عندما تحدث الرئيس الفرنسي ماكرون والسيسي في 30 مايو، تناولا التوسع التركي في البحر الأبيض المتوسط، واتفقا على عدم السماح لتركيا بالتحكم وحدها في مسألة الغاز الليبي. وجرى التعبير عن نفس الفكرة عقب سقوط قاعدة الوطية، وفقًا للمسؤول المصري الثالث. فلقد كان اهتمام مصر الرئيسي، بعد مسألة تأمين الحدود، هو منع قوات حكومة الوفاق والقوات التركية من الوصول إلى منطقة الهلال النفطي.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن