منة عبدالعزيز.. العنف الجنسي والإنترنت والعقاب

منة عبدالعزيز، شابة مصرية في السابعة عشر، ناشطة على تطبيقات التواصل الاجتماعي وبالأخص تطبيق «تيك توك»، حيث لديها ما يقرب من مائة ألف متابع/ة. بثّت منّة مقطعًا مصورًا من حساب صديقها فجر السبت الماضي، حيث ظهرت بكدمات على وجهها، تبكي وتقول إن شابًا يُدعى مازن إبراهيم قام باغتصابها وتصوير الواقعة بالفيديو بالتعاون مع شابة استدرجتها إليه تدعى شيماء شاكر، وآخرين. ضربها الجميع وهددوها إن تكلمت عن الواقعة، سيقومون بنشر فيديو الاغتصاب على الإنترنت، ويقتلونها ذبحًا. 

في بثها المباشر، طلبت منة عبدالعزيز العون والمساعدة قائلة: «عاوزة حقي». ساعات قليلة ونشر الشاب المتهم بالاغتصاب فيديو ينفي الواقعة ويبرر أنها ليست عذراء بعدما قاموا بالكشف على عذريتها (لا نعرف مَن تحديدًا، لكن يبدو أن المجموعة التي استدرجتها مشاركة معه). تلاه فيديو آخر للشابة شيماء شاكر، تنفي الاغتصاب وتؤكد الاعتداء بالضرب، وتهدد علانيةً بنشر مقاطع فيديو لممارسة جنسية رضائية بين منّة ومازن وتُهدد «برمي منّة من البلكونة». أكدت هي الأخرى بأن منّة تستحق ما حدث؛ لأنها تنشر محتوى غير لائق على «تيك توك» وأنها «شرم*طة». 

بين غضب عارم ووسم باسم «حق_منة_عبد_العزيز» وتعليقات مستخدمي/ات الإنترنت بأن منّة تستحق الاغتصاب بسبب مقاطعها على «تيك توك» على موقعي «فيسبوك» و«تويتر»، ظهرت منّة في عدة فيديوهات برفقة مازن إبراهيم يبدو عليها الارتباك والخوف؛ تنفي الاغتصاب وتؤكد الاعتداء الجسدي وتُعلن مصالحتهما. أيام قليلة وأعلنت النيابة العامة المصرية في بيانها «القبض» على منةّ ومَن تتهمهم بالاعتداء. تلاه بيان آخر يؤكد تعرّضها للاغتصاب، الضرب، والتهديد لنفي الواقعة. ثم أمرت بحبسها على ذمة التحقيق، ووجهت لها اتهامات التحريض على الفسق و تزوير حساب إلكتروني.

اللجوء للشرطة: خيار غير متاح

تلجأ أقلية من ضحايا الاعتداءات الجنسية، بدايةً من التحرش اللفظي إلى الاغتصاب، للشرطة. ولعل ذلك سببًا في عدم دقة الأرقام المحصاة رسميًا حول قضايا الاعتداء الجنسي في مصر. يُساهم في ذلك العوار القانوني تعريف الاغتصاب في مواد قانون العقوبات المصري والتي تُعرّف الاغتصاب بأنه إيلاج قضيب داخل مهبل بالإكراه، وما دونه يُصنّف «هتك عرض» وعقوبته الجنائية أقل من الاغتصاب، مادة (267). يُعد اللجوء إلى الشرطة في أغلب حالات الاغتصاب خيارًا غير متاحًا أمام الضحايا، ويتعدّى ذلك العوار القانوني إلى رحلة من المساءلة والمساومة والوصم منذ لحظة الوصول إلى قسم الشرطة. يسألهنّ العساكر وأمناء الشرطة والضباط عن كل تفصيلة في الواقعة بدافع الفضول قبل تحرير محضر رسمي. يستفهمون بإصرار ماذا كانت ترتدي، لماذا تم الاغتصاب، لماذا تواجدت في هذا المكان، ما هي صلتها بالجناة، ولماذا قررت الإبلاغ. يحدث ذلك كله في مناوبة غير مفهومة بين محاولة إثناءها عن تحرير المحضر وتخويفها من المبيت في النيابة ومن تشويه سمعتها وسمعة عائلتها كامرأة. يليه رحلة حكي ثانية داخل أروقة المستشفى محل الكشف الطبي من الأطباء والتمريض. وسط ذلك، تتسرب البيانات الشخصية للمبلغة لأهل الجناة، حيث أن محاميّ الخصوم يقومون بتصوير المحاضر التي تحوي تلك المعلومات، ويتواصلون مع عائلتها ويحاولون التأثير عليهم للتنازل.

كما حدث مع صديقة في صيف 2018، عندما اطلّع محامي الخصم على المحضر الذي حررته، اتصل أهل الجاني بها وبأسرتها، وتواصلوا مع أحد أفراد الكنيسة القريبة من منزلها. ليطلب أحد العاملين في الكنيسة من والدها بشكل مباشر أن يضغط عليها للتنازل عن المحضر حتى لا تتحول إلى «فتنة طائفية» لأن الجاني شاب مسلم. إن قررت المُبلغة استكمال الإجراءات، تستكمل رحلة حكي مماثلة أمام النيابة، إن تم القبض على الجناة، فيساومها أهل الجناة ويبتزونها عاطفيًا: «هتدمري مستقبله. هو خلاص عرف غلطته. حرام عليكي هتستفيدي إيه لما يتحبس. طب خدي فلوس واتنازلي». ثم تهديد ووعيد بأن ما تفعله سيتبعه عواقب سيئة عليها. 

في عام 2017، انتقم الجاني من المُبلغة التي تسببت في حبسه بعد الإبلاغ عنه بتهمة التحرش الجنسي في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «فتاة المول»، حيث خرج من السجن ولاحقها بسلاح أبيض وطعنها في وجهها. 

في خضم تلك المعاناة، تنجو بعضهن وتستكمل إجراءات التقاضي. في كل مرحلة من مراحل الإبلاغ، تتعرض المُبلغات للابتزاز والضغط من ضباط الشرطة أنفسهم قبل عائلتها وقبل الجناة. وفي كل مرحلة يُجتر ألم واقعة الاعتداء الجنسي على المُبلغة وتعيش صدمة الاعتداء مرارًا. يزداد الأمر صعوبة إن كانت المُبلغة من طبقة اجتماعية أقل من متوسطة، حيث يتحول الضغط إلى تهديد مباشر بالحبس أو بالانتقام.

في حالة منة عبدالعزيز، هناك عامل آخر يُضيف لعدم لجوئها للشرطة بُعدًا منطقيًا. فالقبضات الأمنية وملاحقة الشابات المؤثرات على تطبيق «تيك توك» مؤخرًا، ومنهنّ «حنين حسام» و«مودة الأدهم»، واتهامهنّ بتهم فضفاضة مثل التحريض على الفسق ونشر الفجور ومخالفة قيم الأسرة المصرية، كفيلة بتسبيب هلع يدفع منّة بعيدًا عن أي قسم شرطة حتى لو كانت مُعتدى عليها جنسيًا. منّة مثلهما، تنشر فيديوهات وصورًا يراها القانون مخالفة للآداب العامة- التي لا نعرف ماهيتها بالضبط. 

نوع المحتوى الذي تقدمه منة عبد العزيز على الإنترنت، قد يتم استخدامه ضدها، وقد يكون مُبررًا للاعتداء عليها كما عبّر العشرات من رواد مواقع التواصل الاجتماعي منذ بثها للفيديو الأول. فالمجتمع والدولة يعتبران سلوك النساء وأخلاقياتهن مقياس لدرجة العنف التي تستحقهن. يزعم هؤلاء أن ضربها والاعتداء عليها نهاية مُستحقّة لما تفعله على الإنترنت من رقص ونشر صور بملابس كاشفة بالنسبة إليهم. ظهر ذلك واضحًا في بيان النيابة العامة الأخير والذي أكدت فيه تعرّض منّة للاعتداء الجنسي الذي تمت الإشارة إليه «بالمواقعة كرهًا» دون استخدام لفظ «اغتصاب» أو «اعتداء جنسي». 

أقرّت النيابة العامة بأن منّة «ارتكبت جرائم تستأهل عقابها». وفي ذات الوقت بررته بحداثة سنّها وظروفها الاجتماعية قبل الاسترسال في الحديث عن الإنترنت كفضاء يتم استغلاله بشكل خاطئ تحت زعم ممارسة «حرية التفكير والإبداع» وهو فضاء يتم استدراج الشباب داخله إلى «الفاحشة، الإباحية الجنسية، الإدمان، والسعي لكسب المال واختلاسه»، مُلقية بمسؤولية حماية الشباب من الإنترنت على عاتق الأسرة، والمجتمع، ومؤسسات الدولة. تُطبّع النيابة بذلك للعنف الجنسي كنهاية حتمية لسوء التربية، وللدور «الفاسد» الذي يلعبه الإنترنت في الحياة، جاعلة كل المسؤولية عن العنف الذي تعرضت له منّة عبدالعزيز مسؤوليتها ومسؤولية المجتمع، ومُرتكزة على العنف كنتيجة لا يمكن تفاديها، بلا إشارة لمسؤولية الجناة. اكتفت النيابة العامة بإدانة ظروف منّة عبدالعزيز الاجتماعية، وإدانتها هي شخصيًا بما أسمته «جرائم» كالتحريض على الفسق، واضعة منّة كمثال على سوء الأخلاق والتربية والطمع في كسب المال، بدلًا من وضع الجناة في بؤرة البيان وإدانتهم بشكل صريح وقاطع.

الجزء الثاني من البيان هو إدانة للإنترنت ومستخدميه/مستخدماته، وفرض نوع من الوصاية الأخلاقية عليهم/ن، وإقرار «بوجوب» تدخل المجتمع وأجهزة الدولة للحفاظ على النظام الاجتماعي من براثن الإنترنت. 

الإنترنت كَساحة ممتدة للعنف الجنسي

يُعد الإنترنت امتدادًا لحيواتنا «الواقعية»، رغم الإشارة إليه دومًا كعالم «افتراضي». فكما هو ساحة لممارسة الهوايات والتعبير عن الآراء، هو ساحة لممارسة العنف والرقابة الأخلاقية سواء من الأفراد أو من الحكومات. ربما أفضل مثال على ذلك هو ما حدث مع منّة عبدالعزيز، وكيف كشفت الواقعة عن نفسها على الإنترنت بشكل كلّي منذ ظهور منّة بالكدمات وتعليقات الأشخاص وتبريرهم للعنف الواقع عليها، مرورًا بالفيديوهات التي نشرها المُعتدون، وتلك التي تراجعت فيها عن الاتهام، وحتى لحظة «القبض» على منّة، والإشارة إليها «كمتهمة» ثم حبسها على ذمة التحقيق. ربما هناك نساء أخريات تعرّضن لما تعرضت له منّة عبدالعزيز، ولم ينَلنّ نفس القدر من الانتباه والتفاعل الرقمي. لم تحظَ واقعة اختطاف الطفلة يارا، والتي تم الاعتداء عليها جنسيًا ثم قتلها منذ أسابيع، على نفس التفاعل رغم بشاعة القصة. قد يكون السبب في ذلك أن الأولى لديها جمهور على تطبيق «تيك توك»، هؤلاء الذين يتابعون منّة وغيرها حتى لو بهدف التنمر والسخرية. 

عندما ظهرت منّة بكدمات على وجهها، تروي الواقعة وتقول «اغتصبوني»، شاهدها عدد كبير من مستخدمي الإنترنت الذين حتى لو كانت تعليقاتهم/ن جاءت مُبررة للعنف وراضية عنه كعقاب على المحتوى الذي تنشره منّة أونلاين، فإنه أدى إلى انتشار الفيديو ليكون «تريند». جولة سريعة في حساب منّة عبد العزيز على تطبيق «تيك توك» لنعرف أن العنف الذي تعرضت له كان عنفًا يصعب تصنيفه: أهو عنفًا رقميًا تحوّل إلى عنفًا جسديًا وجنسيًا، أم أنه عنفًا جسديًا وجنسيًا امتد ليتم نشره على الفضاء الرقمي؟ أعتقد أنه جزء من هذا وجزء من ذاك. ما ورد في فيديوهات الشاب المتهم بالاعتداء والشابة المتهمة باستدراج منّة، يُعلن بوضوح أن ما تنشره منّة على الإنترنت يستحق العقاب، فضلًا عن التعليقات التي أيّدته. وما ورد في الفيديوهات التي ظهرت منّة فيها تتعرض للضرب والسُباب، تم نقله من مكان ووقت الاعتداء إلى الإنترنت كفضاء يتجاوز حدود الوقت والمكان.

قبل تأكيد النيابة العامة لصحة أحداث الاعتداء، كان هناك فريقان من المُعلقين/ات، الأول يفسر فيديوهات منّة والكدمات وحتى نبرة صوتها التي بدت مُهدَدة لإعلان التصالح، أنها دليلًا على تعرضها للعنف الجنسي. بينما قابل الفريق الثاني الفيديو الأول لمنّة بالتشفّي، وأنها تستحق ما يحدث لها بسبب المحتوى الذي تنشره على حساباتها الشخصية، وفيديوهات المصالحة بأنها كاذبة تسعى للشهرة. في توضيح الفرق بين استقبال المواد المرئية المنشورة على الإنترنت لوقائع الاعتداء الجنسي على النساء، تقول الباحثة «أليكسا دودج» في ورقة نشرتها «جامعة كارلتون» بكندا عام 2015 بعنوان: «رقمنة ثقافة الاغتصاب: العنف الجنسي على الإنترنت وقوة الصورة»، أن البعض يعتبرون تلك المواد، سواء صور أو فيديوهات، فرصة للتعبير عن قبولهم/ن الواسع للعنف الجنسي ضد النساء، بدلًا من اعتباره دليلًا على حدوث العنف في حد ذاته. وأرجعت ذلك إلى انتشار «ثقافة الاغتصاب» لدى الأغلبية، والتي تستحسن الصور والفيديوهات الخاصة بالاعتداء وتستخدمها كمادة للسخرية، مُعيدة بذلك إنتاج خطاب التبرير وتحميل مسؤولية العنف الجنسي للنساء دون الجناة. كما أن إعادة نشر الفيديوهات والصور تُعيد لحظة الاعتداء على الضحايا/الناجيات بصورة يصعب معها إيقاف الاعتداء وتبعاته النفسية بسبب صعوبة حذفها من على الإنترنت. يخلق ذلك مناخًا من قبول العنف الجنسي يُرسى فيه لقيم فرض العقاب المجتمعي إما بفعل الاعتداء أو بإعادة تداوله كمادة ساخرة.

لم يكن قبول واستحسان العنف الجنسي مقتصرًا على المُعلقين/ات. فالطريقة الواثقة التي تحدث بها مازن إبراهيم في تصويره لنفسه مُتفاخرًا بإخضاعه منّة عبدالعزيز لكشف عذرية، وكذلك تفاخر شيماء شاكر بضرب منّة والتهديد بإلقائها من بلكونة، أو تصويرها بعد وقوع الاغتصاب ترتدي ملابسها بينما يضربها شاب على وجهها، تعكس سياقًا لا يخشى فيه الجناة من كشف هوياتهم بالتصوير وبث الفيديوهات من حساباتهم الشخصية، أو حتى مشاركتهم في الانتهاك. 

عما تُسميه «رقمنة الشر»، تقول جوديث بتلر في كتابها «التعذيب وأخلاقيات التصوير- 2007» أن الظهور العلني للجناة وتوثيقهم المرئي للاعتداءات والإذلال الإنساني وإعادة تداول تلك المواد على الإنترنت دال على المدى الواسع لقبول ممارسة العنف، ضمان غياب المحاسبة، وتطبيع مع الإذلال بوصفه فعل مُستحق على الضحايا. في رأي «أليكسا دودج»، يصنع ذلك التطبيع من العنف فعلًا يوميًا بإعادة تداول الصور والفيديوهات، حيث تظهر في الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي باستمرار مُحققة الخوف الأكبر لدى الكثير من ضحايا الاعتداءات: وهو الكشف عن فعل إذلالي تعرضوا/ن له.

لماذا الضرب والاعتداء الجنسي؟

 الديناميكيات بين الرجال والنساء في كل الطبقات الاجتماعية هي علاقات قوة تُشكّلها الدولة أولًا كما ارتئينا في بيانات النيابة العامة خلال الأسابيع الماضية، وينفذّها المجتمع ثانيًا. فالدولة التي يسحق جهازها التنفيذي قبل سياساتها الاقتصادية رجال الطبقات المُفقرة، تُعطي الهيمنة للرجال في علاقاتهم بالنساء. فالنساء تعتبر ملكيّات خاصة بالأسرة كبنية اجتماعية، والأسرة كمفهوم اصطلاحي يقدسه القانون ويبني تهم ضد النساء على أساسه. تعوّض الدولة بذلك هيمنتها على المجال الاجتماعي من خلال رجال الأسرة، والرجال عمومًا. إخضاع النساء للرجال هو أداة تمكين الدولة من السيطرة على هؤلاء الرجال في المقام الأول، قبل سيطرتها على النساء وأجسامهنّ، طالما كان العنف المُمارس من الرجال غير مُتعديًا على سلطات الدولة واحتكارها هي للعنف كما حدث مع مازن إبراهيم مثلًا.

إن كانت سياسات الدولة هي الإفقار في مجتمعات تعتبر الرجل مُعيل الأسرة، حتى لو كانت الزوجة هي المُعيلة الفعلية، فلابد أن يكون هناك فارقًا تعويضيًا في علاقة الرجال بأنفسهم تُبنى من خلالها هوية رجولية مسيطرة رغم خضوعها للدولة. هذا الخضوع إن لم يكُن طواعيةً، تتدخل مؤسسات الدولة لتحقيقه. في واقعة القبض على «حنين حسام ومودة الأدهم» واتهامها بالاعتداء على قيم الأسرة المصرية والإخلال بالآداب العامة، نجد التدخل الواضح للدولة في تحقق نظام اجتماعي مُتخيّل تخضع فيه النساء للأعراف والتقاليد تحت سيطرة الأسرة. وعندما تتقاعس الأسرة، تتدخل الدولة بالملاحقات الأمنية لهؤلاء النساء بدافع الحفاظ على المجتمع.

نلاحظ من بيان النيابة العامة وتشديده على تكاتف المجتمع والدولة في «حماية الشباب» من الإنترنت، أن الدولة تسمح بأنواع من العقاب المجتمعي لمَن يُعتقد خروجهم/ن عن السائد، محاولة بذلك ردعهم/ن دون تدخل، إلا إذا استدعى الأمر تدخلًا مباشرًا كما كان الحال مع حنين ومودة اللتين استخدمتهما لإيصال هذه الرسالة المنطوية على خطاب حمائي سلطوي وأبوي. بعد الملاحقات الأمنية للشابتين، ارتفعت أصوات بعض مُستخدمي/ات الإنترنت وتبريراتهم للقبض عليهما بزعم أنهما يستعرضان جسديهما على الإنترنت. إن رجعنا إلى المقاطع المصورة التي نشرها المعتدون على منّة عبدالعزيز، نجدهم يستخدمون نفس الخطاب الذي يُبرر العنف ضد النساء بسبب ملابسهنّ أو تصرفاتهنّ، ويُمارسه بدوره. أعطت الدولة كارت أخضر للاعتداء على النساء اللاتي يُعتقد خروجهنّ عن المعايير المفروضة عليهنّ، وتوجيه اتهامات مثل مخالفة الآداب العامة وهدم قيم الأسرة. أعطت بذلك إشارة سماح بالعنف ضد أي امرأة يُعتقد أنها تتصرف عكس المتوقع منها مثلما حدث مع منّة عبدالعزيز.

بدا مازن واثقًا أن منّة لن تلجأ للشرطة إن قام بضربها. فأضفى طابع إذلالي على الاعتداء الجسدي بالاغتصاب ومن قبله «كشف العذرية» وبرره أنها تستحق ذلك، وشاركه في التبرير مئات من المعلقين/ات. الاعتداءات الجنسية بوجه عام وبالأخص الاغتصاب هي أفعال إذلالية تعتمد على انتهاك الجسد وحرمته من جهة، وانتهاك ما يرمز إليه الجسد من جهة أخرى. سواء كان الشخص رجلًا أو امرأة أو ذو/ذات هوية اجتماعية غير نمطية، فإن الاعتداء الجنسي يعتبر أقصى درجات الإذلال الإنساني. 

يتم استخدام الاغتصاب في سياقات الإذلال مثل الحروب والنزاعات، وحتى في سياقات الإذلال السياسي. تم استخدام العنف الجنسي كأداة إذلال من السلطات المصرية مرات عديدة، منها الواقعة الأشهر لسائق الميكروباص «عماد الكبير» عام 2007، وواقعة كشوف العذرية عام 2011، وقبلهما أحداث «الأربعاء الأسود» عام 2005 بالضرب والتحرش الجنسي بالصحفيات المتظاهرات ضد تعديلات مبارك الدستورية، والذي يصادف هذا العام ذكراه الخامسة عشر. تم اعتبار ممارسة الاعتداء الجنسي على مدار قرون وصمة اجتماعية في حق المُعتدى عليهم/ن، حتى قامت المجموعات النسوية حول العالم بمحاولة تسليط الوصم على الجناة بدلًا من المجني عليهم/ن. تم اعتبار الاعتداء الجنسي جريمة حرب بعد عدة معاهدات دولية. لذلك، في أغلب وقائع الاعتداء الجنسي في مصر لا يتم الإبلاغ، ويتم التكتّم على الواقعة بهدف تجنب الوصم الاجتماعي.

في مجتمعاتنا، تُعلق مفاهيم مثل الشرف والعفة على أجسام النساء، ومنها يتم ترقيتهنّ اجتماعيًا أو استباحتهنّ. ورغم وقوع الجزء الأكبر من مفهوم الشرف في إطار وجود غشاء بكارة من عدمه، إلا أن سلوكيات النساء وملابسهنّ تعتبر دليلًا على الشرف. ما قاله مازن إبراهيم وشيماء شاكر ومستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي عن كون منّة غير عذراء وأن محتوى حسابها على «تيك توك» غير لائق اجتماعيًا، اعتبروه مُبررًا لانتهاكها وردعها.

الطبقة الاجتماعية كمُحدد لسلوكيات النساء

يتشابه نوع المحتوى الرقمي الذي تقدمه منّة عبدالعزيز وحنين حسام ومودة الأدهم، مع مؤثرات مصريات غيرهن مع فارق الطبقة الاجتماعية اللاتي تنتمين إليها. ثلاثتهنّ ترقصن على الأغاني وترتدين ملابس يُعتقد أنها حكر على نساء الطبقات العليا. لكن الفارق بين صورة منّة عبدالعزيز، ابنة الطبقة الاجتماعية تحت المتوسطة، بملابس السباحة، وهادية غالب، ابنة الطبقة الاجتماعية العليا بنفس الملابس، هو درجة القبول الاجتماعي والطبقي لكلٍ منهما، ودرجة العنف المُحدد بالطبقة. معظم الشابات المشهورات على تطبيق «تيك توك» من طبقات اجتماعية أقل من متوسطة. تقدمن محتوى وترتدين ملابس يراها البعض غير مناسبة لطبقاتهن الاجتماعية. هنا تكون الطبقة مُحددًا للسلوك وللظهور العام (Public Visibility) بالنسبة للنساء، ويتم على أساسها إما قبول أو رفض المحتوى الذي يقدمونه. منّة وحنين ومودة وغيرهن، يظهرن للعامة، محاوِلات دفع حدود طبقاتهن الاجتماعية أبعد مما هي عليه، تطلعًا طبقيًا مشروعًا. لكنه كذلك مُساهم رئيسي في ظهورهنّ العام كنساء مُهمّشات لا يتمتعن بامتيازات المؤثرات المصريات من طبقات أعلى. 

شئنا أم أبينا، هذا الظهور هو تمكين ذاتي لم يستخدمنّ فيه المال أو العلاقات الاجتماعية مع أشخاص من طبقات عُليا. يستفز هذا المحتوى، ليس فقط أصحاب الامتيازات من الطبقات العليا الذين يرون في تطلعهنّ الطبقي «بجاحة» و«بيئة»، ويطلقون عليهنّ لفظ «سرسجية» أو «أشكال غريبة»، بل يستفز أيضًا أفرادًا من نفس طبقتهن الاجتماعية. فريق الطبقات فوق المتوسطة يحتكر الظهور العام بامتيازات الطبقة، وقد ساهم في ذلك الخطاب الدولتي عن الطبقات المُفقرة بأنهم بلطجية ومعتدين وآليات تنفيذه من جعل المساحات العامة حِكرًا على أفراد الطبقات الأعلى. نتيجة لذلك، انحسر وجود أفراد الطبقات المُفقرة في مساحات وفضاءات عامة مثل المولات الكبرى ومنطقة وسط القاهرة في الأعياد، وأحاطت بهم التنميطات في الإعلام والسينما. أما التواجد على الإنترنت وخلق مساحات بديلة للمساحات العامة المُحتَكرَة من الدولة والطبقات الأعلى، لم يكن مُحددًا بطبقة في إجراءات تسجيل الدخول، وإن كان ما زال قبوله محدودًا. 

استخدمت الشابات الإنترنت في خلق فرص بديلة غير متاحة لديهنّ في العادي بسبب الطبقة. ارتدين ملابس غالبًا لا يرتدونها بشكل يومي. رقصنّ واتسعت بهنّ بؤرة الظهور للطبقات أقل من متوسطة على الفضاء السيبري. الرفض الذي يواجهنه رفض طبقي، ورفض مبني على السلوكيات المتوقعة من نساء الطبقات المفقرة. رفض يحمل في داخله الكثير من المُركبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى جانب الطبقة.

أما الفريق الآخر، فريق الأفراد الذين ينتمون إلى نفس طبقتهنّ الاجتماعية، فالاستفزاز ناتج عن كونهنّ نساء مفترض فيهنّ الخضوع للمعايير الاجتماعية السائدة والمتوقعة من نساء الطبقات المُهمّشة. أغلب هؤلاء رجال يشعرون بتهديد مباشر لهويتهم الرجولية إن تصرفت النساء على غير المتوقع منهنّ، فيبادرون بالعنف. أود التنويه إلى أن السلوك المرتبط بالهوية الرجولية غير مرتبط بالطبقة، ولا يُمكن تطبيعه كمكّونٍ لها. فالنساء في الطبقات الأعلى يتعرضن للعنف، لكنهنّ أكثر قدرة على الوصول لشبكات دعم سواء من الأصدقاء أو الجمعيات النسائية، أو حتى من مجموعات مغلقة على «فيسبوك» تم تأسيسها لهذا الغرض. العنف الواقع على نساء الطبقات المهمّشة بمختلف مواقعهن الاجتماعية، عنف مُضاعف بسبب الطبقة.

عندما تصرفت منّة عبدالعزيز على غير المتوقع منها، قُوبل ذلك بالتنمر والعنف الإلكتروني الممتد إلى العنف الجسدي ثم الاغتصاب كوسيلة لردعها وعقابها، يليه القبض عليها. وأيًا كان الخلاف بينها وبين آخرين/ات مثل مازن إبراهيم وشيماء شاكر، قام هؤلاء بممارسة عنف ضدها بهدف العقاب في غياب لأي آليات بديلة لتسوية الخلاف كاللجوء للقانون. فعندما يكون منفذو القانون بهذا التحيز ضد النساء، يدفعون النساء بعيدًا عن الإبلاغ عن وقائع العنف الجنسي خوفًا من القبض عليهنّ، كما ورد في بيان «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» والذي تمت الإشارة فيه إلى عدم قانونية الاستجواب واستدراج منّة عبدالعزيز «للاعتراف» بجرائم من شأنها وضعها خلف القضبان رغم كونها مجني عليها.

اعلان
 
 
غدير أحمد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن