«كورونا» يعمق جراح أطراف «حق الرؤية»
 
 

مع غلق الأندية مراكز الشباب والحدائق العامة، في ظل الإجراءات الاحترازية من فيروس كورونا المستجد«كوفيد-19»، منع الكثير من الآباء والأمهات غير الحاضنين من حق رؤية أطفالهم، والذي كان يتيحه القانون للطرف غير الحاضن حال الطلاق، وكان حق الرؤية محل خلاف بين الطرفين دومًا، وفي السنوات الأخيرة قرأنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض الصحف عن مطالب الأطراف غير الحاضنة بتعديل المواد المتعلقة برؤية الطفل بعد انفصال الزوجين، من حيث ساعات الرؤية لأنها غير كافية، كما أنها تمس حق الطفل في التعايش مع أحد أبويه، وكذلك من حيث مكان الرؤية ذاته.

 تصف موظفة بأحد مراكز الشباب التي تتخذ مكانًا للرؤية في محافظة الجيزة المكان الذي تعمل فيه وما تراه كل يوم جمعة الموعد الرسمي لـ«الرؤية»: «حديقة أشجارها مهملة، تمر بها لتصل إلي حجرات متجاورة، تجد بها أطفال في أحضان أمهاتهم أو جداتهم، وتجد أباء وأمهات أخريات من غير الحاضنين يتواصلون بصعوبة مع هؤلاء الأطفال، وقد يتحول الأمر في كثير من الأحيان إلى الشجار بين الطرفين. كل هذا أمام الأطفال، فتعلوا وجوههم علامات الاستغراب والملل. يبدأ تنفيذ حكم الرؤية من خلال استلام الطفل من الأم وتسليمه إلى الأب لمدة ثلاث ساعات بعد أن يوقع كل منهما في دفتر الحضور مع فرد الأمن، وبعد الثلاث ساعات يعلو صوت مسؤول من الإدارة أو الأمن بأن موعد الزيارة قد انتهى».

 والآن في ظل أزمة «كورونا»، وبعد أن أغلقت الأماكن العامة المحددة لـ«الرؤية» أبوابها إثر الجائحة، أصبحت تلك الساعات القليلة غير الكافية في الماضي للآباء والأمهات غير الحاضنين أملًا صعب المنال، وهو ما عبرت عنه مطالبهم وشكاوهم في صفحات دشنوها على موقع فيسبوك، ومنهم من أقام دعوات قضائية بمحكمة القضاء الإدارى يختصم فيها وزير العدل بسبب قرار إغلاق الأندية ومراكز الشباب دون وضع بدائل لتطبيق رؤية أطفال الشقاق.

مطالب بتوفير بديل

الاطمئنان على الأبناء في ظل تفشي  الفيروس هو المحرك الذي جمع الأطراف غير الحاضنة، حتى إن كان يحمل في طياته خطر إحتمالية إصابة أطفالهم بل وإصابتهم  هم أيضًا بفيروس كورونا، يُعلق على ذلك محمد، موظف في إحدى شركات الأدوية ومنفصل منذ ثلاث سنوات ولديه طفل لم يتجاوز عمره الأربع سنوات: «في بداية أزمة كورونا بادرت بتأجيل اليوم المخصص لرؤية ابني على أساس أن الأزمة ستنتهي في أقرب وقت ممكن، لأنني كنت خائفًا عليه من مخالطة الغرباء في النادي وكان ذلك قبل تطبيق حظر التجوال، واكتفيت بالفيديو كول الذي أرى فيه ابني مساءً ولكن المشاكل مع طليقتي لم تنته بعد وللأسف نتيجة لهذه المشاكل أصبحت ترفض تواصل ابني معي، وهو أمر كان يحدث من قبل ولكن حينها كانت مضطرة لتنفيذ حكم الرؤية لأنه صادر من المحكمة والآن بسبب تفاقم أزمة كورونا لا يتم تنفيذ الحكم بعد غلق النادي، وفي نفس الوقت توقفت المحكمة عن العمل في قضايا الرؤية بالإضافة إلى عدم متابعة تنفيذ أحكامها».

تتمحور مطالب غير الحاضنين حول إيجاد بديل ملائم في ظل الظرف الراهن حتى إذا كان حلًا مؤقتًا يسقط بمجرد انتهاء الأزمة، وأبرز البدائل المطروحة هو السماح لغير الحاضن باستضافة الأبناء في منزله لمدة يوم واحد وبذلك يضمن الأبوين عدم مخالطة الأطفال للغرباء الموجودين في مكان الرؤية، وتقليل احتمالية إصابتهم بالفيروس.

تُعبر منال لـ«مدى مصر» عن اتفاقها مع مطلب استضافة الأبناء في منزل غير الحاضن حيث إنها من الأمهات المتضررات في تلك الفترة من عدم رؤية طفليها المقيمان مع والدة طليقها ولم تراهما منذ شهر مارس لأن الجدة من كبار السن وهم الشريحة الأكثر تهديدًا عند الإصابة بـ«كوفيد-19»، فتقول: «المشاكل بيني وبين طليقي وأسرته لم تؤثر على رؤيتي للأطفال، لأنني تزوجت عقب الطلاق، وطليقي الآن مقيم بالخارج، والأطفال مع جدتهم، وكنت أذهب كل أسبوع لرؤيتهم في منزل الجدة، ولكن عقب أزمة كورونا اتصلت بي وأخبرتني بأنها لا يمكنها استقبالي في البيت خلال تلك الفترة خوفًا على نفسها وعلى الأطفال من العدوى»، وتضيف منال: «الصدمة حينها جعلتني أصمت وأوافق على عدم رؤية أطفالي الصغار أسبوع، وفي الأسبوع التالي شعرت بالحرمان وأصيبت بالانهيار ولكن كل ذلك لم يجعل الجدة ترجع عن قرارها حتى مع تعهدي لها بأنني سألتزم بكل الاجراءات الوقائية وأنني لن أدخل البيت دون التعقيم بالكحول».

كل ما تريده منال الآن هو عدم حرمانها من أطفالها، وفي نفس الوقت عدم المساس بالسلامة الشخصية للجدة، ولذلك تؤيد مطلب الاستضافة في منزلها يوم واحد فقط، مؤكدة أنها ستبذل قصارى جهدها للحفاظ على سلامة الأطفال من فيروس كورونا لأنها في النهاية أمهم.

طالب بعض أعضاء البرلمان الحكومة ووزارة العدل بضرورة حل أزمة رؤية أطفال الشقاق بعد إغلاق مراكز الشباب، فقدم النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب مقترحًا بفتح مراكز الشباب للرؤية فقط، على أن تكون على ثلاثة أيام بدلًا ما كانت يوم واحد، وكذلك على أن تصبح الزيارات في مواعيد على ثلاثة مواعيد لمنع الازدحام والتكدس. ولكن مطالب النواب لم تلق استجابة حتى الآن.

ممتنعات عن تنفيذ «الرؤية» بسبب «كورونا»

في مصر نجد أن الطرف الحاضن غالبًا ما يكون امرأة وفقًا للقانون المصري، سواء كانت الأم، أو أم الأم، أو أم الأب، أو الخالة، أو العمة وقليلًا ما يكون الأب، وفي ظل وباء كورونا ظهرت أسباب ومخاوف لدى الحاضنات على الأطفال من الإصابة بالفيروس وشملت تلك المخاوف رؤية الأطفال للطرف غير الحاضن سواء كان الأب أو الأم، حيث إن رحلة خروج الطفل من المنزل بالنسبة لهن مرعبة، بدءًا من ركوب المواصلات، وحتى الوصول لمكان الرؤية وهو ما وصفته العديد من الأمهات بأنه عادةً ما يكون غير نظيف، مرورًا بمخالطة الطرف غير الحاضن خاصة إذا كان هذا الشخص ما زال يعمل خارج منزله، وصولًا إلى عودة الطفل إلى البيت وكل ذلك يزيد من احتمالية إصابته بالفيروس، فيما المطلوب من الأطفال في هذه الفترة تحديدًا هو المكوث في المنزل والتعقيم والتطهير الدائم.

«على مدار عامين كنت أنفذ حكم رؤية بنتي لأبيها ولم أتخاذل في أي مرة طوال العامين، لكن بعد كورونا الأمر اختلف، أنا يوميًا بتابع أعداد الإصابات والوفيات على مستوى العالم، وفي مصر تحديدًا أنتظر البيان اليومي لوزارة الصحة عن مستجدات الفيروس، وهو ما يصيبني بالرعب على نفسي وعلى والدتي وابنتي، ومن بداية شهر مارس وأنا ملتزمة المنزل ولا أخرج منه إلا للضرورة وبالطبع لا اصطحب ابنتي خوفًا عليها، فكيف أهمش كل ذلك وأذهب بها لمركز الشباب في ميعاد محدد وهو ما يترتب عليه وجود تجمع هناك بغرض الرؤية!» هكذا تحدثت سماح -معلمة رياضيات بالجيزة- لـ «مدى مصر» عن مخاوفها التي دفعتها لعدم تنفيذ حكم الرؤية، مضيفة: «أنا لا أخاف التبعات القانونية لعدم تنفيذ الحكم لأن مخاوفي على ابنتي أكبر منها، وأعتقد أن الأب لا بد أن يتفهم ذلك ويجب أن يُعلي مصلحة ابنته على رغبته في الرؤية ومن حيث الاطمئنان عليها فالبنت بتكلمه بشكل يومي والجميع متضرر في هذه الفترة وعلينا التحمُل».

إذا كانت مخاوف سماح وغيرها من الحاضنات من تفشي الفيروس واجهنها بإبقاء أطفالهن في المنزل فقط، فإن مخاوف زينب المقيمة في أسيوط على ابنها كادت أن تتحقق، وهو ما توضحه لـ«مدى مصر»: «ابني عنده عشر سنين وبيشتغل في ورشة ميكانيكي، وأبوه سابنا من خمس سنين وطلقني غيابي واتجوز واحدة تانية، ومن يومها وهو بيشوفه بحكم محكمة لأنه مبيصرفش عليه، ولكن من فترة قريبة علاقته بالولد اتحسنت والولد بقى بيروح له بيته وقت ما يحب يشوفه، وبالرغم من خوفي من خطر كورونا ومن التحذيرات اللي بسمعها ليل ونهار في التلفزيون إلا أني ممنعتش ابني من الذهاب لوالده، لحد ما عرفت أن زوجة طليقي جالها الفيروس وراحت هي وهو في الحجر الصحي يومها قلت خلاص ابني متصاب أكيد وبدأت المعاناة عشان نعمل التحليل».

وتصف زينب معاناتها: «كنت بتوسل لناس كتير في القرية علشان يساعدوني في عمل التحليل، لأن في مديرية الصحة كانوا رافضين مع إني كنت بأكد لهم أن الولد من المخالطين. المهم أنه عمل التحليل بواسطة والحمدلله كانت سلبية لكن ده ميمنعش أني كنت بموت لحد ما اطمنت، ومن يومها وهو قاعد في البيت ومبخرجهوش».

تبعات الامتناع في ظل «كورونا» 

 غضب الآباء غير الحاضنين من عجزهم عن رؤية أبنائهم يمكن رصده بسهولة من خلال مناشدتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي بالتأكيد سيقود الكثير منهم إلى رفع دعوى قضائية ضد الأم الحاضنة لامتناعها عن تنفيذ حكم الرؤية،  خاصة في ظل خلط كبير لديهم بين امتناع الأم عن التنفيذ، وصعوبة التنفيذ في الوقت الحالي.

هذا الموقف الملتبس يفسره لـ«مدى مصر» المحامي المتخصص في الشأن الأسرى محمد ميزار : «للطرف غير الحاضن الصادر لصالحه الحكم في حال عدم تنفيذ حكم الرؤية ثلاث خيارات: الأول في رفع دعوى بإسقاط حضانة الممتنعة عن تنفيذ حكم الرؤية، ولكي يحكم القاضي بإسقاط الحضانة فأنه لا بد أولًا أن يتأكد أن الحاضنة قد امتنعت عن تنفيذ حكم الرؤية بغير عذر فإذا كان الامتناع بعذر فإنه لا يحكم بإسقاط الحضانة. والثاني في رفع دعوى جنحة امتناع عن تنفيذ حكم قضائي، والثالث في رفع دعوى تعويض عن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي»،

ويوضح ميزار أنه لأن الأمر متعلق بالمساس بالصحة والحق في الحياة لأطفال صغار، وحيث إن الخطر يهدد بلدان العالم كله والحكومات تبذل قصارى جهدها لمواجهة مرض هو بطبيعته مرض مُعدي، ولم يتم اكتشاف علاج له حتى الآن، كما أن موانع المسؤولية قد توافرت بكامل شروطها في ظل هذه الظروف العصيبة، لذلك فإن عدم تنفيذ الأم لحكم الرؤية لا يحقق مخالفة، وإنما له سنده من القانون والفرق شاسع بين الامتناع عن التنفيذ واستحالة التنفيذ لظروف قهرية لها ما يبررها، حسب قوله.

ويضيف أن الأم لا تمتنع في المقام الأول، وإنما هناك ظروف قهرية تحول دون تنفيذ حكم الرؤية وأن الأجراء الاحترازي حفاظًا على حياة الصغير هو حق دستوري حفاظًا على حقه في الحياة وعدم تعريضه للخطر.

أثر عدم رؤية الأب أو الأم على الطفل

«احتياج الأطفال لرؤية الأم والأب ضرورة إنسانية مهمة لطمأنتهم ومساندتهم في الظروف الحالية» حسب الدكتور ألفت علام استشارى العلاج النفسي، التي تؤكد على مدى احتياج الطفل لرؤية أبويهِ في ظل أزمة وباء «كورونا» وعدم إحساس الأطفال بالأمان، وانتشار أخبار خاصة بالموت ومرض آخرين،  وحرمانهم أيضًا  من ممارسة حياتهم بشكل طبيعى، أو كما اعتادوا. وتضيف لـ «مدى مصر» أن رؤية الطفل لأبوه أو أمه حاجة أساسية لا يمكن تأجيلها أو إلغائها، ولابد تجنيب الأطفال أى نزاع بين الأم والأب، أو استعمالهم لإبتزاز أى طرف للآخر أو الإنتقام منه».

وعن البُعد النفسي لحرمان الطفل من رؤية الطرف غير الحاضن (الأم أو الأب) قالت: «الأثار النفسية من حرمان الأطفال لممارسة طقوسهم المعتادين عليها مع أبوهم أو أمهم بحجة الخوف عليهم من العدوى بالفيروس، أو عدم الثقة في توفير الطرف الآخر وسائل الحماية وتنفيذ التعليمات المطلوبة ،قد يكون لها تأثير قد تظهر في الوقت الحالى وبشكل مباشر فى سلوك الطفل وتفاعلاته مثل العصبية الزائدة، أو تدهور فى الدراسة، أو عدوان على أخواته وأصحابه، أو انعزاله، وتبوله لا إرادى، وغيره من السلوكيات التى قد تظهر عليه».

وتوضح علام أن الأطفال أحيانًا لايستطعوا التعبير عن رفضهم أو اعتراضهم لوضع معين، أو يطلبوا شيء من الأم أو الأب، ونجدهم يعبروا من خلال سلوكياتهم المضطربة لإعلان الاستغاثة بطريقة غير مباشرة، محذرة من أن هناك نوعًا آخر من التأثير على بعض الأطفال لا يظهر عليهم سريعًا، فيكبت الطفل مشاعره ويخزنها لوقت لاحق، قد يكبر فيه ويستطيع الاعتراض والرفض، أما بالعدوان على الأم أو الأب مباشرة، أو على نفسه ولكن بانحرافات سلوكية أكثر خطرًا.

وتوجه علام نصيحة لكل طرف حاضن الأم كانت أو الأب أن يحرص على الانتظام في زيارة الأطفال مهما كانت الظروف، إلا لو تعذر الأمر وأصبح يمثل خطرًا على الطفل، وفى هذه الحالة لا بد من إحترام عقليته وشرح الظرف الطارىء له بما يناسب سنه، ويستوعبه.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن