سابع مدى| هايكو عامل معاصر
 
 
المصدر: عمر مصطفى
 

مع انفتاح العين في الصبح، تتكدس بسرعة أوجاع الأمس التي ظنّ أنه تركها وابتعد عنها أثناء النوم، لكنها تحشدُ نفسها مع أول ضوء يدخل العين، كي تذكّر الواحد بضرورة سرعة انقضاء اليوم

في العمل، يرى نفسه كماكينة عملاقة ينمو عليها الصدأ ببطء، يغزو أطرافها، يكمن في مفاصلها. كان يتهاوى واقفًا في نفس المكان، بلا حركة تسقط أجزاءه في هدوء، بلا صخب، فقط صوت ارتطام الأجزاء الساقطة يحدث ضجة مكتومة، بعدها يسود الصمت.

***

يتأملُ العاملُ جسده، ما بقى منه قيد العمل وما بدأ في التقاعس والخمول في أداء وظيفته، وما ظل في مكانه كزينة كان يومًا ذات وظيفة. الأصابع تتوتر، تحتاج لتمرينات يومية، الساعد والذراع بحاجة لحركة مختلفة كي لا يشعروا بالألم، أعلى الظهر يتجه يومًا بعد يوم للتحدب.

يتذكرُ العاملُ الأخوين العجوزين فارعي القامة اللذين شيدا المدينة حيث ولد وخاف من الحركة في الشوارع. كان كلًا منهما يملك حدبة فوق ظهره وقبيلة من الأبناء والأحفاد وعشرات البيوت الذين شيدوها، لما كانا بناءين.

كان العامل طفلًا يرى الحدبة فوق ظهر البناءين العجوزين ولم يكن يعلم أنه سيمتلك واحدة مثلها في وقت أقصر دون بيوت ولا أبناء ولا أحفاد.

سأقدمُ طلبًا إلى الإدارة أقترح فيه أن يتم تحويل حدبتي الناشئة إلى منتزه عام، تُغرس فيها أشجار وحشائش وبركة مياه، وتُخصص للأطفال الخائفين من التجول في شوارع المدينة، يصعدون إليها من ذراعي، ويستريحون عند الكتف خلال لعبهم فوق الحدبة.

هكذا ربما تستثمر الإدارة في تحويل عاهاتنا إلى مرافق عامة، ونستمتع نحن بضجيج أطفال وقبلات عشاق قبل أن يصيروا عمالًا جدد.

***

على الجسر الحديدي قبل الوصول إلى مقر العمل، هناك برك بول صُنعت ليلة أمس. أحيانا يتم إزالتها في الصباح، لتترك بقعًا يختلف اتساعها على أرضية الجسر المبلطة، ومرات أخرى تبقى ممتلئة، لتُعبأ ظهر الجسر برائحة مركزة، ويجب على العامل أن يتفادها بخفة، كي لا تلتصق الرائحة الزنخة بحذائه ويصنع بقعًا جديدة عبر خطواته مثل آخرين سبقوه في العبور، ولا ينظر له زملائه في العمل نظرات قرف.

برك البول يصنعها سكارى آخر الليل، المنتظرين حتى تتوقف القطارات، كي ينعموا بساعات هدوء قليلة، يتحولون فيها إلى ذئاب، يثيرون خوف العابرين بضحكات تُسمع من بعيد كالعواء، ويفرغون ما شربوه في دفقات بول طويلة على الجسر، قبل أن يلقوا بزجاجاتهم الفارغة على قضبان القطار، ويستمعون لصوت تحطم الزجاج على السكة الحديد، ثم يتجولون مخمورين في الشوارع بحثًا عن بيوتهم.

بعضهم.. في الصباح، يحاول القفز فوق برك البول. كي لا تلتصق الرائحة الزنخة بحذائه، فينظر له الزملاء نظرات قرف.

***

تجلسُ العاملةُ بجوار العامل، كلًا منهما يمتلك وجهًا ثابتًا، يجزّ أحدهما على أسنانه من حين لآخر، لكن بدون كلمات. أحيانًا تطرح العاملةُ على العامل سؤالًا، أغلب الوقت يكونُ العامل مشغولًا ساعتها، فلا يرد، أو يرد بكلمات قليلة، فتستدير العاملة ويتجمد وجهها. ثم يستدير العامل بعدها ليحاول أن يستعيد الكلمات التي طرحتها العاملة عسى أن ينسج منها كلمات أخرى، لكن لا تلتفت العاملة لأنها تكون مشغولة

ورغم طول المجاورة لم يُفلحا مرة في ضبط إيقاع الكلمات، ظل كلا منهما كأنما ينادي على فراغ، والفراغ لا يجيب.

في مرات سابقة، تبدو لها قديمة الآن، كانا يفلحان في إقامة حوار، يلقى أحدهما سؤالًا مثلًا، فيجيبُ الآخر، ويتبادلا بضع جمل كان يمكن أن تخلق شيئًا ما، لكن نظرة من رئيس الوردية لأحدهما، أو لكليهما، أضاعت الإيقاع بالتدريج، حتى راح تمامًا. وامتلك الاثنان نفس الوجه الجامد، واعتادا على مجاورة الفراغ.

***

بعد أن ينتصف يوم العمل، يشعر العامل بالتهافت، من قلة الأكل، من الإرهاق، من التفكير في نصف اليوم الأول، من التفكير في نصف اليوم الثاني، من كل ما مر عليه خلال اليوم.. خلال العمل.

فيغمض العامل عينيه ويخطط لأحلام كثيرة، ليست أحلامًا يريد تنفيذها في الواقع لكنها أحلامًا يريد رؤيتها نائمًا.. نسوةٌ رآهن في الشارع أو في القطار، في بعض المطارات، يلهون معه، شاطئ بحر بلا منغصات، عالمُ أكثر ألوانًا. أو يحلم بعامل آخر يعمل على تنظيف قلبه من أشياء كثيرة سوداء ورمادية فيستقبل العالم بنظرة لا تشبه نظرته قبل النوم أو عند الاستيقاظ

يدرك العامل جيدًا أن الأمر لا يتعلق بتغيير ما يحدث في الواقع، فات آوان ذلك، وإنما بإيجاد مساحة لعيش حياة لا يمكن لها أن تحدث، ويجب أن تُعاش.

لذا يحاول العامل أن ينام مبكرًا عسى أن يذهب إلى الشاطئ.. أو أن يعثر على النسوة اللاهيات معه، وأيضًا كي يلحق بحافلة العمل في الصباح دون تأخير.

***

بين المقعد والسرير، يقضي العامل معظم حياته. ساعات طويلة على المقعد، يفكر في السرير، وساعات في السرير يحاول أن يمدّ جسده كي يهرب من أثر المقعد.

على المقعد بأكتاف مضمومة ومحنية إلى الأمام، سيتغيّر شكل عظام الجسد، تنضغط الفقرات، تلتهب الأعصاب، تنسد، تتكون بؤر ألم لن تفارقه فيما بعد. سيصاب في البداية بأوجاع في الرقبة، ثم في الكتف، ثم الظهر، حتى يصل الوجع لأصابع القدم.

سيبحث في السرير عن الراحة، عن وضع يمكنه من ترتيب أجزاء الجسد التي كانت محبوسة طوال اليوم على المقعد، لكن ألم الرقبة سيمنعه من الاسترخاء، لن ترتاح الرأس جيدًا على الوسادة، سيجرب العامل وسادات كثيرة، ودهانات لبسط العضلات، وسيأمره الطبيب بإجراء فحوصات عديدة، حتى يخبره في النهاية، أن جسده يتغيّر، وأن عليه أن يعتاد الوضع.

مرة أخبرني الطبيب أن مشكلة الإنسان مع عظامه بدأت حين كف عن تسلق الأشجار، أفكر كيف يمكنني الآن أن أتسلق شجرة؟

الأشجارُ كبيرة، طويلة، متعالية، تُشاهدني وأنا ذاهب إلى العمل، وعائد منه، ولا تبالي، أشاهدها تمتليء أوراقًا، ثم تُسقط تلك الأوراق بعد حين. أرى الشجرة بعيدة، لم أفكر في أن أتسلقها من قبل، وحتى لو تسلقتها، سأسقط، وأُكنس مع الورق الساقط كل يوم.

أنا بالأساس أعملُ في شجرة، في فرع من فروع الشجرة، لنا إدارة هي جذر الشجرة الضخم، المخفي هناك بعيدًا، لا نراه نحن العاملون على الفروع، وهناك جذع قوي يراقبنا، ويمدنا بالتوجيهات والأوامر، ويقرر من منّا سيكون الساقط الجديد، شاهدنا الكثير من الزملاء يسقطون، بعد أن انتهت الحاجة إليهم، وأعرف أن الدور سيُصيبني بعد حين.

فكرتُ في كلام الطبيب، لا أريدُ أن أتسلق شجرة، لا أريدُ من الشجرة إلا أن تقرر أن تلقي بي على الأرض، أظن هناك سيكون الوضع أفضل بكثير.

*مقاطع من عمل بالعنوان نفسه قيد النشر.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن