حول الدوال الأُسِّية والعودة للوضع الطبيعي

 تُرجم المقال ضمن أعمال الدورة السادسة من مختبر الترجمة بمعهد القاهرة للعلوم واﻵداب الحرة باﻹسكندرية (سيلاس اﻹسكندرية) – ربيع 2020.

بكتابة هذا المقال، أخلف وعدًا قطعته على نفسي منذ شهر. كنت أتجنب إبداء رأيي بصفتي أنثروبولوجي حول أزمة كورونا، إذ أني أعتقد أن الأنثروبولوجيا علم ميداني، وإن كان لدينا أي شيء يستحق أن يقال عن العالم، فلا بد أن يكون قائمًا على البحث الميداني، وليس مجرد اجتهاد تنظيري ذكي. 

كان من المفترض أن أكون في رحلة بحث ميداني الآن حول السعي إلى الاستقرار والحياة الطبيعية بين العمال المصريين المغتربين، إلا أنني اضطررت لإلغاء بحثي الميداني مع العمال المغتربين في الخليج بسبب الجائحة. كان يفترض أن أكون هناك الآن، لكني بدلًا عن ذلك أمضي وقتي بين البستنة وكتابة عملًا قائمًا على أبحاث قديمة ليس لها علاقة بالوباء. لكن الرسائل لا تنفك تتوالى عليَّ من أصدقاء هنا وهناك، وقد أضافت شيئًا أحب التحدث عنه. 

قال لي صديق يعمل بخدمة العملاء لشركة كبيرة في دبي إنه تم إبلاغهم بإلغاء جميع عقود العمال والموظفين، ولم يحصلوا على عقود جديدة بعد، ولا يستطيع أحد أن يغادر. ينتظر جميع العاملين تحديد مصائرهم إذا ما كانت ستُرحلهم السلطات بعد انتهاء حظر السفر أم سيعودوا إلى وظائفهم. صديق آخر يعمل بائعًا في متجر للسلع الفاخرة بمجمع تجاري، حيث أُغلق المتجر وقد صار عاطلًا عن العمل، وعليه أن يدفع الإيجار المرتفع لسكنه بالخليج وطعامه دون أن يمتلك دخلًا. وهو يفضل العودة إلى مصر لكنه غير قادر على ذلك في ظل حظر الطيران.  

ويبحث صديق آخر عن عمل في الكويت، ﻷن الشركة التي سبق وعرضت عليه عملًا قبل سفره تعرضت لمشكلة، وقد كان بالفعل مديونًا نتيجة بقائه عدة أشهر بلا راتب، وسوف يُرَّحل إلى مصر، حيث عليه دفع مصاريف الحجر الصحي الإجباري من ماله الخاص. آخرون أعرفهم في إيطاليا لا يتمكنون من تأمين المناسبات الرياضية وذلك عمل أحدهم، لأن جميع المباريات أُلغيت، ولا بيع أزهار -وذلك عمل شخص آخر منهم- لأن المتاجر مغلقة. وتوقُّف العمل يعني توقف الدخل. لا يتمتع العمال المغتربون عادة بمنح البطالة. وهم بالفعل شديدو الاقتصاد في مصاريفهم، لدرجة أنهم غير قادرين على تقليل مصاريفهم أكثر من ذلك، وعائلاتهم بأكملها معتمدة على دخولهم. يرغب كثير منهم في العودة إلى أوطانهم في ظل تلك الظروف، لكنهم لا يستطيعون ذلك. 

يحظى آخرون، من بينهم العديد من الأكاديميين، ضمنهم أنا، بتجربة ذات رفاهية خلال الإغلاق والحظر. بإمكاننا أن نعمل من المنزل، ونتلقى الراتب كل شهر، وهو وضع مريح نستطيع من خلاله أن ننتقد الاستهلاك والرأسمالية، وأن نتخيل أوضاعًا اجتماعية وبيئية بديلة في ما بعد الكورونا، حيث يستهلك الجميع بنسبة أقل، ويركزون على الاحتياجات الأساسية. الآن حتى الحكومات المتشددة في سياساتها النيوليبرالية تفرض سياسات «كينزية» مضادة للتقلبات الدورية على نطاقات واسعة، قائمة على الدين للإنفاق العام. يبدو أن جميع أنواع التغييرات الراديكالية صارت ممكنة في المستقبل.

ها قد بلغنا الأخبار السيئة. بالنسبة لأصدقائي في الخليج وإيطاليا وجميع العمال المغتربين الذين صاروا عاطلين ويواجهون مصير الترحيل حاليًا، من المُلح أن يصرف الأثرياء على سلع ليسوا في حاجة ماسة إليها. عليهم أن يبتاعوا عطورًا باهظة الثمن وزهورًا فاخرة، وأن يُحلِّقوا حول العالم ويقطعوا تذاكر باهظة للأنشطة الرياضية، حتى يتمكن الفقراء العاملين بقاع الماكينة الشرائية من استعادة وظائفهم مرة أخرى (وخلال تلك العملية تتضخم ثروات من هم بالفعل أغنياء بسبب الرأسمالية). علينا جميعًا أن نساهم في النمو الاقتصادي مرة أخرى حتى يتوفر دخل كافٍ من الضرائب ليسدد الديون التي تؤخذ الآن لتساهم في محاربة الجمود الاقتصادي الناتج عن الكورونا، مما سيتسبب في ضغط هائل على الميزانية العامة لأعوام قادمة.

الشيء الذي يميل نقاد الاستهلاك إلى التغاضي عنه هو أن البديل المحتمل والمتوفر بسهولة للمغتربين وغيرهم من العمال ذوي الدخل المنخفض تحت ضغط الوضع الاستغلالي، هو فقدان وظائفهم. أما البديل الأفضل (أي الدخل الجيد وظروف العمل الإنسانية) فيتطلب وقتًا ونضالًا وحركة عمالية مؤثرة، وسياسات ديمقراطية إلى حد ما من أجل تحقيق ذلك، والأهم أنها أيضًا تتطلب نموًا اقتصاديًا.

لذا لا عودة للوضع الطبيعي من دون النمو، ولا ارتفاع في مستوى العدالة من دون النمو. وتلك بحق هي الأخبار السيئة. لأنه لو كانت أزمة كورونا قامت بشيء مفيد، فلعله يكون درسًا للبعض عن ماهية الدوال الأُسِّية، هنا في ألمانيا على الأقل، ينشغل الإعلام الجاد بشرح معدلات التضاعف والفرق بين النمو الأُسي (أي أن يكون التزايد مثلًا 1، 2، 4، 8، 16، إلخ؛ حيث أن كل رقم يليه مضاعفته) والتزايد الخطِّي (أي أن يكون التزايد مثلًا 1، 4، 7، 10، 13، إلخ؛ حيث أن كل رقم يزيد عن ما قبله بمقدار ثابت)، وشرح المنحنيات الناتجة عن أنواع التزايد المختلفة.

حين كنت طفلًا علمني أبي لعب الشطرنج. لم أحسن اللعبة أبدًا، لكن أبي علمني أيضًا عن قواعد الدوال الأسية من خلال اﻷسطورة التي تحكي عن الرجل الذي عرف سلطانًا في الهند على لعبة الشطرنج. كان الحاكم منبهرًا من كونها بسيطة وأيضًا معقدة، عرض أن يدفع للمخترع كل ما يطلبه، فطلب المخترع أن يتلقى حبة من الأرز على المربع الأول من لوح الشطرنج، حبتان من الأرز على التالي، أربعة على ما يليه، وهكذا، مضاعفة المقدار عند كل مربع. ظن السلطان أنه سيخرج من الصفقة بكيس من الأرز فوافق على طلبه، لكنه أدرك فيما بعد أنه لو باع كل مملكته لن يتمكن من السداد، ﻷن كمية حبات الأرز عند المربع الرابع والستون صارت أكثر من كل أرز العالم.

المستفاد من اﻷسطورة أنه إن كان لديك منحنى أسي، فإن الوضع خارج السيطرة.

وهكذا يعمل نظامنا الاقتصادي، إنه يوفر الفائض المتزايد باستمرار الذي يُبقي على تواضع الأجور للعمال المهاجرين، ويسمح لقليل من الناس أن يصيروا أغنى بشراسة، وتسمح للأكاديميين أمثالي من العيش على الفائض لأجل أن ينظِّروا ويدرِّسوا لطلابهم الأفكار النقدية. لا يوجد استقرار. عندما تبطئ الأمور كما يحدث الآن، فإنها أزمة، حيث يصبح رزق الفقراء -بل بقاؤهم على قيد الحياة- مهددًا. حين تعود الأمور للتسارع، نقول إن الاقتصاد تعافى، وحتى -بشكل أكثر تناقضًا- أنه قد استقر وعاد لوضعه الطبيعي. 

كلٌ من طريقة عيشنا الرأسمالية الاستهلاكية، إلى جانب نمط العيش الاشتراكي والبدائل الأخرى التي يتخيلها البعض ويقترحها -والتي أتعاطف معها- تحتاج إلى النمو. بإمكاننا أن نتخيل تقليص النمو -دون أثر مُهدد- للقطاعات الغنية من مجتمعنا الذين هم (وأنا منهم) بالفعل لديهم أكثر مما يحتاجون. بإمكاننا أن نتشارك، بل علينا أن نتشارك. إنه لمن المُلح أن نتشارك، لكن حتى وإن تشاركنا فما من نموذج معروف لتقليص النمو لا يجعل العاملين بمتاجر العطور وبخدمة العملاء في دبي، وعمال الأمن وبائعي الزهور في روما يفقدون وظائفهم ويصيرون جوعى ويصبح أطفالهم مرضى وجهال.

لو توقف ميسوري الحال عن الاستهلاك والاستثمار الذي يدفع رواتب العمال، فلسوف يرجعون إلى قراهم في محاولة للعيش على الكفاف الناتج من الزراعة، وبسبب أن النمو السكاني صار أعلى بكثير منه حين كان الفلاحون يتمكنون من العيش اعتمادًا على الكفاف الناتج من الزراعة، فإنهم سيتضورون جوعًا، وسيموت منهم الملايين. (أينعم، يتطلب الدخل المعمم الأساسي أيضًا نموًا لتمويله، المزيد منه في الحقيقة.)

ما يؤرقني الآن أن الفيروس بشكل ما شتت الانتباه عن غيره من مصائب أعظم تقع في الوقت نفسه، بصورة أبطأ لكن أخطر.

سجلت مناطق من أوروبا الشمالية أعلى معدلات الحرارة في الشتاء الماضي، والربيع في ألمانيا الشرقية في القرية التي أمضي فيها عزل ذاتي مريح كان شديد الجفاف بعد صيفين كانا أشد جفافًا. يسري إنذار بحريق الغابة بقوة في ولاية براندنبورغ، وهو أمر معتاد خلال شهر يوليو، لكن وقوعه في أبريل شيء غريب. لقد تغير المناخ بشكل ملحوظ خلال حياتي، التي تُعد فترة قصيرة للغاية بالنسبة للنظام المناخي والبيئي، ويتسارع التغيير. سيقضي التغير المناخي على الكثير من الكائنات الحية (البشر وباقي الأنواع على السواء) أكثر مما يقدر على فعله أي فيروس. وحتى يتعافى اقتصادنا من أزمة كورونا، من أجل أن يتوفر للفقراء طعام على موائدهم مرة أخرى، علينا أن نعود للعمل ونعجّل بالكارثة البيئية. 

يطلق بعض العلماء على الوضع الراهن «الأنثروبوسين»، أي حقبة تأثير البشر المدمر للأرض والنظم البيئية عليها، إلا أنه قد يكون أقصر من أن تكون حقبة جيولوجية. إن قمنا بتحليل ما نعتبره وضعًا طبيعيًا واستقرارًا اقتصاديًا في منحنى، يشبه الجائحة الخارجة عن السيطرة. كجماعة نحن لا نتصرف بشكل مختلف عن الفيروس، ولا أعرف ما العمل. إنه من الشائع أن يود الناس تصديق السيناريوهات الأكثر تفاؤلًا، لأنها تشعرهم بالأمان والاستقرار النفسي؛ أن الاشتراكية وتخفيض النمو سيحلان الأمر، أو أن الرأسمالية سوف تصلح نفسها، أو أن التكنولوجيا ستصلح الأمور، أو أنه لا توجد مشكلة. لعل خليطًا من أول ثلاثة حلول قد ينجح بشكل ما. من المهم أن نعترف بالجهود الكبيرة المبذولة من أناس متنوعين حول العالم في اللحظة الحالية، لكني أفضِّل الإيمان بفرضية أكثر تشاؤمًا إلى أن يثبت العكس، أننا لا نعرف كيف نصلح الأمور، لأن الآلية التي تمكننا من جعل حياتنا وحياة الآخرين أفضل على المدى القصير، هي نفسها التي تدمرنا على المدى الطويل، ونحن بصدق نجهل كيفية الخروج من ذلك المأزق.

اعلان
 
 
صامولي شيلكه 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن