يومًا ما| نوت
 
 
المصدر: سهير شرارة
 

يوم 23 مايو 2244، أي قبل خمسة وعشرين عامًا بالتمام والكمال، وُلِدَت ابنتي نوتيلا.

هذا هو اسمها الرسمي في شريحة الميلاد. لكنّنا كُنّا نناديها ويتعامل معها الجميع باسم تدليلها المختصَر المحبّب لها ولنا : «نُوت»، وهو الذي أُفضل استخدامه في إفادتي هذه أمام لجنتكم الموقّرة..

آه نعَم. الصوت والصورة واضحان والبثّ جيّد.

وصلتني قائمة الأسئلة إلكترونيًّا، قرأتها ودرستُها جيّدًا. ولتسمح لي لجنتكم الموقّرة أن أجيب عليها مجتمعة. سأحاول التركيز والاختصار قدر الإمكان، لكن أرجو أن يتسع صدركم الكريم إذا حدث واسترسلتُ وتبعثر كلامي وشرَدَ خارج الموضوع، فالسنّ له أحكام والقُدرة الذهنية والعصبية لها حدود (أنا أقتربُ من المائة كما هو مُثبَت في بياناتي لديكُم). كذلك لا حاجة لِلَفت انتباه شخصكم الكريم أنّ اختفاء إنسان عزيز على القلب محنة قاسية، بل تكاد تكون أقسى المحن، فماذا لو كانت الابنة الأثيرة، الوحيدة؟

سأبدأ من نقطة مستحيلة! تسألني عن علاقتي بابنتي؟!

كيف يُنتظَر مني أو من غيرى إجابة هذا السؤال؟

كل ما أستطيعُ قوله، أن حياتي الطويلة، إنْ بحثتُ فيها عن نقطتي انقلاب، عن تاريخَين يمكن أن يكونا حوّلا مجراها للأبد، لن أجد إلا تاريخين: يوم ميلاد ابنتي، ويوم اختفائها.

أعرف ما يتبادر إلى ذهنكم من تساؤل واستنكار، وربما اتهام لي بالنرجسية أوالحماقة أو الذُهان. إذ كيف لحياة حافلة بالتقلبات الضخمة والتحولات الكبرى والأحداث الاستثنائية مثل تلك التي عشناها ومرّ بها الوطن، لا يكون بها ما هو جدير بالتأثير والذِكر؟

حركة التاريخ مهمة سيّدي المحقق، وكذلك بالطبع أحداث الوطن – هذه قناعة راسخة لديّ.  لكن لديّ قناعة أخرى أشدّ رسوخًا، أصارح بها نفسى منذ زمن بعيد وأصارحكم أنتم بها الآن.

إذا فقدتُ خيط الوصول إلى ابنتي، التي هي ضمانة وجودي الفعليّ، بماذا يُفيدني تتبع التاريخ أو وجود الوطن؟ فليذهب كلاهما – بالتتابع – وأقولها لكم واضحة دون مواربة أو خشية من عواقب – إلى مزبلة التاريخ وجحيم الأوطان!

إن سنة مولدي معلومة لديكم، لكن بما أن زمنًا طويلا مضى عليها، وأن حضراتكم جميعًا من أجيال تالية لي، أجِدُ مهمًّا أن أسلّط الضوء على تلك الفترة.

حين وُلِدتُ أنا، كان عهدُ الحياة الواقعية يلفظ آخر أنفاسه ويسلم راية قيادة الكوكب – طوعًا أو قسرًا- للعهد الافتراضي. تعلمون التفاصيل التاريخية، لذا لا داعي لتكرارها، لكن ما أريد قوله هو ما يخصّني.

صحيح أن العهد الجديد شكّل قطيعة نهائية بين البشر وبين كلّ ما تجرّعوه من معاناة مع واقعهم الحقيقيّ منذ خُلقوا، صحيح أنه نجح في اقتلاع شجرة المعاناة العتيقة تلك من جذورها، ثم اقتلع الجذور نفسها، ثم ردم الفجوة الناتجة، وقطع أخشاب تلك الشجرة وأعاد استخدامها. صحيح أنه نقل البشر نقلة حاسمة نحو الراحة والرفاهية والخِفّة. صحيح أنه أراح جهات العمل من تكدس الموظفين أو وجودهم، وأراح الموظف من عبء الاستعداد للخروج كل صباح وزحام الطُرق وتكلفة الانتقال، وأراح زوجة ذلك الموظف من الضرورة العملية أو الغريزية لاحتمال ثِقَلِه وحركة جسده فوقها، إلا أنه – من وجهة نظري التي أخذت أعيها كلما كبرت -واعذروا وقاحتي وخروجي عن المألوف الذي تربّينا عليه جميعًا – كان ومازال: عهدًا رخوًا، فاقد الانتصاب، مفقود النّسَب.

لا أستطيعُ إنكار نشوء وارتقاء التطورات الثورية الكُبرى التي حدثت لنا وحولنا، وإلا كنت منكرًا لحتمية التاريخ ومنطق الواقع، وقبل ذلك كنت مناقضًا لنفسي. لكني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أُخفي هواجسي الشخصية تجاه بعض إنجازات ذلك الواقع. إن أشياء مثل «أبليكيشن الضمير»، و«جوجل إيموشنز»، و«قائمة اختيارات الهويّة الجنسية»، و«جنس الشريك الافتراضي» و«تحديثات الطفل الإلكتروني» – حتى وإن قبلتها وتعاملت مع معظمها، يظلّ بعضها بعيدًا عن قناعاتي، غير مناسبٍ لي.

أثَرُ البدائية الأولى غير القابل للانتزاع، ربما.

أستخدم أبلكيشن الضمير دائمًا، وأستعينُ بجوجل إيموشنز أحيانًا، وبالطبع اخترتُ هويّتي الجنسية مع استخراجي لبطاقة الرقم القومي، وتزوّجتُ افتراضيًّا كما هو مُثبت لديكم. لكن في مسألة الإنجاب، أصدقُكم القول أنني لم آخذ باقتراح الأبلكيشن أو بنتيجة جوجل. خالفت العرف السائد في المجتمع، وانصعت إلى صوت أصولي القديمة. نعم: ضغطت على «مانيوال». اخترت أن يكون الطفل واقعيًّا لا افتراضيًّا.

إن الإنجاب لم يكن فقط قرارًا شخصيًّا مهمًا ـأو شعورًاعاطفيًّا قويًّا- إذ إن ذلك لا يعدو أن يكون المنطلق الطبيعي للآباء كافة. لكنْ بالنسبة لي، الأمر كان مختلفًا. القرار والعاطفة في حد ذاتهما كانا استجابة لصوت داخلي مُلح، لنزوع قاهر لا يُقاوم لإعادة الاتصال بشيء عضوي ملموس. كان استيقاظًا لهوس عميق ومُفتقَد لطزاجة الوحل، لحسيّة تلامس الجلد والأعصاب، لمتعة استنشاق رائحة العرق.

ويعيدني هذا للنقطة الأولى من حديثي.. ميلاد ابنتي.

كل ما يتعلق بابنتي تقريبًا -ولحظة ميلادها ليست استثناء- كان مفعمًا بنفحاتٍ عجيبة من المصادفات السحرية. باستثناء اسمها الأصليّ.

فقد اخترتُه لها قبل أن تولَد، فور أن استقررنا أنا وأمّها الافتراضية على جِنس الجنين. هو اسم جدّتي الكبيرة الذي أتفاءل به، والذي انتشر في منتصف القرن الماضي كما تعلمون إبّان انفراج أزمة الحصار الثانية، حين أنقذت سيول برطمانات النوتيلا المنهمرة من الجسر الجوي الغذائي الذي أرسله جيراننا التشاديون شعبَنا الطيّب من المجاعة الرهيبة والموت الجماعي المحقّق. هو تاريخ قديم على أيّة حال.

لكن كل ما تلا ذلك، تضفيرة من السِّحر. أوله ذلك التجلي العُلوي الذي داهمني حين وقعَت عيناي عليها للمرة الأولى، في شاشة التلقيح الفوري. أضاء روحي ولعي العميق بالألوهية المصرية القديمة، التي يحاول بعض النشطاء إحياء طقوسها الآن بعد أفول نجم الديانات السماوية. وأنا أتأملها ملتفة حول نفسها كدودة القز، غمرني الحنين والحنان.

قطعة اللحم الطرية الضئيلة التي لا يتعدى وزنها الفيمتوجرامات الأربعين، رأيتُها بعين الخيال جسدًا بهيًّا بالرونق الأنثوي مثل الأصل القديم، ممشوقًا وممتدًا عبر الكون، مرتكزًا بساقَيه على مشرق الأرض وبذراعَيه على مغربها، مبرقشًا على تخومه وتموجاته بآلاف النجمات الفضيّة والزرقاء.

والحقّ أنني لم أدع الصورة الذهنية تفلتُ منّي أو تتبدّد في العدم، إنما أخذتُ على عاتقي مهمةً اعتبرتُها من أخطر ما مرّ بي في حياتي، هي التقاط سديم التاريخ الضائع وتكثيفه على مرآة الواقع الحي، ممثلًا في ابنتي وجسدها.

 لو كنّا ما زلنا في زمن الملابس الإجبارية، لكان أوّل ما اشتريتُه لها فستانًا أبيض القماش منقوشًا بالنجوم، أما وقد تجاوزنا ذلك العصر، فقد اخترتُ لها من قائمة تزيين الجلود البشرية، وفور استلامي الرقم الكوديّ لجسدها، تصميم النجوم المتداخلة. لا تتخيّل سيّدى كم أعجبها وميزها عن باقي أصدقائها، أولادًا وبناتًا ومُحايدين،منذ طفولتها المبكرة وحتى زمن اختفائها المشؤوم.

الضفيرة التالية من السحر، كانت «طلسَم النوتيلا».

أعلمُ أن هذا تركيب لغوي مفرط في الغموض والغرابة، لكن صدقوني حين تسمعون ما سيأتي ستعذرونني تمامًا وتقتنعُون مثلي أن اللغة  -مثلما كانت وستظل- بريئةً دائمًا ومظلومة ومُحمّلة بأوزار الفاعل الحقيقي الذي هو الواقع.

كل ما ميز ابنتي -في كافة نواحي حقيقتها الملموسة والمحسوسة- كان بُنيًّا صرفًا.

كأنّ كيانها الجوهري الأصلي قبل أن يهبط من العالم العلوي أو يصعد من العالم السُفلي، قد أصابه مس من النوتيلا الإلهية التي لا راد لقدرها أو مؤثر على إرادتها.

عيونها مثلًا، لم تكن فقط في لون النوتيلا، لكنّ تكوين العيون نفسها، أقصد مادتها الحيويّة، كان طبق الأصل من طبيعة تُراث الأسلاف العظيم: بحر من البُنيّ الكثيف المتماوج. طبعًا استنتجتَ كيف كانت دموعها سيّدي المحقّق. نعم، كانت حين تبكي، يجرى على خدودها ثم على رقبتها ثم يتقاطر وراءها على الأرض، نهران من الشوكولاتة السائلة.

شعرها أيضًا كان بنفس الدرجة اللونية، وكان كثيفًا وغنيًّا لدرجة أنها حين حلقته كاملا تماشيًا مع إحياء موضات التراث، إذا به يبزغ كاملًا فوق رأسها في اليوم التالي، لكن بضعفي حجمه وطول ضفائره، كأنه يعاقبها على فعلتها.

إلا أن سُلطة البُنيّ لم تستحوذ على حقيقتها الجسدية فقط، إنما امتدت لمناطق الإثارة والفضول والانجذاب للأشياء -وأوّلها بديهيًا- كان ما تأكلُه وتفرزه على السواء. وإذا أخبرتكم أنها بطبيعتها تميلُ إلى التأمل الفلسفي منذ الصغر، لن تستغربوا إذا أخبرتكم أن أوائل الكلمات التي نطقتها لم تكن تلك المعتادة لدى أقرانها، مثل «جوجل»، «بروكسي»، إلخ..إنما أخرى أشد غرابة بكثير، وسأحكي لكم عن المرة الأولى التي لاحظت فيها ذلك.

كانت تقريبًا في الثالثة من عمرها، وكنت أمضي أشهر الصيف أنا وصحبة من عائلتنا الكوكبية الممتدة، في مصيفي المفضل المتوارث عائليًّا، الذي كنتُ آتيه وأنا في سن ابنتي، وظللت لا أغيّره عبر سنوات عمرها وعمري، وأتحدث لحضراتكم منه الآن. الشاطئ البديع المزدوج للنيل والبحر، حيث تلتقي العذوبة بالملوحة، هنا على رمال مطروح.

المهم. أذكرجيدًا، أننا يومها كنا نتناول غداءً شاطئيًّا خفيفًا، من ضمن مكوناته كانت حَلّة من اللوبياء. وكانت المرة الأولى التي تراها «نوت» وتتذوّقها. لم تُفرق بينها وبين بقية الأصناف في الاهتمام والالتهام، إذ إن شهيتها كبيرة منذ تلك الفترة المبكرة، لكن الفرق أتى بعد أن انتهت من الطعام. فقد أبقَت -متعمّدة كما فهمت بعد ذلك- حبة لوبياء واحدة في طبقها. صوبت تجاهها نظراتها البُنيّة، ثم التقطتها بأصابعها الصغيرة ببُطء وتأنٍّ شديدين. رفعتها في عين الشمس، وقلبتها في كفها في صمتٍ مُطوّل، وأنا أراقبها بصمتٍ مماثل لكن بنفاد صبر لا يُحتمل. وأخيرًا رفعَت عيونها نحوي، وأفصح لسانها الطفل عن كلمةٍ واحدة. تنطقها للمرة الأولى. كلمة واحدة إلا أنها تختزل الحقيقة كاملة  -أو نصف الحقيقة إن شئنا الدقّة:

لــوبيـــا

نصف الحقيقة الآخر لم يتأخر في الظهور، بحكم طبيعة الأشياء وبيولوجيا الأجسام هذه المرة، إذ تكررنفس سيناريو الأداء السابق باختلاف وحيد، هو الكلمة المنطوقة ومصدرها بالطبع:

كــاكّــا

لا حاجة أن أخبركم عن مقدار سعادتي الهائلة بما نطقته ابنتي وما فعلته. لقد شعرتُ أنني أولد من جديد، أن حنيني العضوي ينتقل من جيل إلى جيل، أن الآلهة الافتراضية ليست ساهية عن عذاباتي، أنها متابعة لي وراضية عني، بل وشاءت أن تكافئني بأقصى ما يمكن لأي أب أن يتمناه: أن يرى ذاته المرجوّة مجسدة أمامه لا ضائعة داخله!

حملتُ ابنتي العارية الجميلة الملوثة، واحتضنتها هي وخراءها معًا، بكل ما في العالم الافتراضي والواقعي -معًا- من رضا وابتهاج. لقد كانت لحظة مُكافئة في أثرها للحظة الميلاد.

عبر سنوات نموها، لم تخيب ابنتي توقعي أبدًا في الوفاء لبذرتها العضوية -بل إنها -أي ابنتي- جاوزت ذلك التوقع بكثير، وصارت -أي البذرة- شجرة برية مهولة لا رادع لامتداد فروعها ولا خصوبة أزهارها.

أتذكر أنها حين صارت شابة في زمن المراهقة، وفي جلسة صفاء هنا على شاطئ الغرام، وحين اكتفت من السباحة والتمرغ في الرمل وعادت لتلقي بجسدها العاري المبرقش بالطين والنجوم بجانبي وتستعد لوجبتها التالية، عنّ لي أن أعرف رأيها في مسألة كانت حديث «التوكشو» ومنصات التواصل في ذلك الوقت، ألا وهي «الوقوع في الحب».

حين سألتها، لم تردّ عليّ مباشرة، إنما ارتسمت على وجهها ابتسامة اللوبياء القديمة، واتجهت للرمال ترسم عليها شيئًا بأصابعها الطويلة الرشيقة.

نظرت جيدًا. لم تكُن إلا تموّجات بدائية للشكل التقليدي البسيط المتعارف عليه للقلب البشري.

شايف إيه؟ سألتني وأجبتُ، محتارًا.

فقالت بسرعة: صَح، هو قلب. بس بشكل نِسبي مش مُطلَق.

– يعني إيه؟

– يعني حسب إنت باصص من أنهي اتجاه. تعالى من الناحية التانية كده وقول لي شايف إيه.

طبعًا فهمتُ فورًا ما تقصده قبل أن أفعل ما طلبته مني، ودون حاجة إلى الكلام، هي التي تكلمت وأجابت، بذات البساطة والثقة:

-بالظبط. طيــز. وهو دا مفهومي عن الحب: القلب والطيز وجهين لعملة واحدة، أو محشورين في لباس واحد.

كانت هذه لحظة النُطق الثاني لابنتي! لحظة تطابقت مع الأولى في بهائها وقدسيتها، في روعة بذاءتها الوحشية وفي لذة صدمة تلقيها! باختلاف هامشيّ واحد: نوع الخراء واتجاه خروجه.

في سنوات نضوجها التالية، أي التي سبقَت اختفائها مباشرة، انغمست كما تعلمون في العمل السياسيّ، منتهزة فرصة الانفتاح النسبيّ في مجال الحريات. وكذلك كانت تقرأ بنهم في مراجع التاريخ والتراث، وتركز على إنجاز أطروحتها للدكتوراه، عن «استعادة النسوية الضائعة».

أذكر نقاشات طويلة معها كانت تتحدث فيها عن الماضي الزائل باستحضار دقيق للتفاصيل كأنه مازال قائمًا: الزمن الأنثويّ الخاص والإنسانيّ العام على حدٍّ سواء. كم حدّثتني بتأثر عن صفحات ناصعة من نضال المرأة في الزمن الماضي، حتى نجحت في انتزاع حقوقها المهدرة:  الكفاح من أجل شرعية الإجهاض، من أجل حرية تغيير الجنس، من أجل تحرير الحلمات والأرداف.

وكم حدثتني بحماسٍ صادقٍ عن زمن الثورات السلمية والدموية التي اندلعت عام 1919 واستمرّت أكثر من قرن -وما تلاها من إبادات ضرورية وإعادة إعمار شاملة. عن إنجاز تطبيق الفيدرالية العربية الموحدة. عن مرحلة حل الجيوش النظامية، عن ملابسات إغلاق الأزهر وعلمنة الكنيسة. عن المشروعات المهمة، مثل هدم السدِّ القديم وإعادة هيكلة نهر النيل، إلى آخر تلك المواضيع.

كما أنها كانت شعلة نشاط لا تهدأ في متابعة وحضور الفعاليات العامة بأنواعها، مثل جلسات الحوار المجتمعي التي عقدت سلسلة منها الشهور الماضية، للتباحث في مسألة «إلغاء غشاء البكارة»، التي ينوي البرلمان الافتراضي إصدار تشريع بخصوصها قريبًا.

ولا حاجة لإخباركم عن انتمائها القومي الأصيل، ومتابعتها لتطورّات الصراع العربي الإسرائيلي، ومشاركتها في المظاهرات الأخيرة التي خرجت لاستنكار الغارات الوحشية على الدمام وعمان وبني سويف.

وفي غمرة كل ذلك الحضور والوهج..اختفت..

اختفت دون أثر، ودون سبب، ودون رحمة منها أو ممَن خطفها، أو من الآلهة بوالدها المسن الذي لا حياة ولا وجود له دونها..

كل ما قالته إنها محتاجة لمراجع مهمة تخص بحثها الأكاديمي، غير مُتاحة هنا، لذا ستسافر لتشاد وتعود خلال أيام.

لكنها لم تعد. مرّ أسبوعان ولم تَعُد. وانقطع الاتصال بها وبزميلتها. وكذلك بسيرفر سفارتنا في أنجامينا، وبالمشرف الإلكتروني عليها، وبإدارة الجامعة الفضائية.

دبروني أرجوكم ماذا أفعل. أو إذا لم يكُن بيدي شيء فماذا أنتم فاعلون. لقد أفصحت لكم عن كل شيء ولم يتبق لي ما يمكن أن أقوله.

ساعدوني أن أرى «نُــوت» مرة أخرى، ألا أموت قبل أن يسمع قلبي نطقها المحبب.

أقول لكم بصدق يشهد عليه الإله الأصلي الأوحد، إنني لا أريد شيئًا آخر، ولا أطمع من الحياة المتبقيّة لي -افتراضية وواقعية- في أكثر من ذلك. 

شكرًا يا سيدي.. شكرًا لكم جميعًا.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن