مقتل «سيرجيو» أم نهاية أحلامنا؟

في صباح يوم مقتل سيرجيو كنت أنا وزميلي آدم* نترك سيارتنا في موقف مكتب الأمم المتحدة في بغداد، عندما لاحظت طفلًا صغيرًا تمكن من إدخال نصف جسده بين ضلفتي البوابة الحديدية الخلفية بعد أن باعدت أمه ما بينهما. 

يا لسخافة الإجراءات الأمنية التي توقف سيارتنا عدة دقائق عند المدخل الرئيسي الأمامي للمكتب بين حاجزين، ليتم تفتيشها والنظر أسفلها للكشف عن أي مفرقعات محتملة، بينما هذه البوابة الخلفية القديمة المؤلفة من قضبان صدئة والمتصلة بمفاصل مترنحة والأقرب بكثير لمباني فندق «القناة»، حيث تقع المكاتب يمكن أن يمر بين جانبيها شخص نحيف لأن السلسلة الحديدية التي تغلقها وفي نهايتها قفل قديم كانت مرتخية وطويلة بحيث يمكن إبعاد الضلفتين عن بعضهما البعض والمرور. قررت أن أحدث المسؤول الأمني عن الأمر وأنا أنزل من السيارة. ولم أحتاج ساعتها للذهاب إلى مكتبه، إذ كان بوب*، مستشار الأمن، مقبلًا علينا.

كان بوب ضابطًا متقاعدًا من القوات الخاصة الأمريكية وجد سبيله مثل كل العاملين في قسم الأمن في الأمم المتحدة لوظيفة براتب ومميزات رائعة. وأردت أن أشرح للرجل مخاوفي، وأن أشير إلى كيف صار الطفل الذي تقف خلفه سيدة شحاذة قد صار تقريبًا داخل ساحة السيارات وعلى بعد أمتار من مكاتب رئيس البعثة الواقعة في الطابق الثاني. ولكن الرجل الخشن المغرور بدأ يوبخ زميلي آدم لأنه ترك سيارته في موضع مخصص لسيارات المبعوث الخاص للأمين العام ويجب تحريكها فورًا. قاطعته قائلًا: «سنقوم بهذا ولكن من فضلك انظر إلى هذا الطفل الذي أوشك على الدخول للمبنى من الباب الخلفي. أنتم تطبقون إجراءات أمن صارمة على المدخل الرئيسي ولكن هذه ثغرة كبيرة». غضب بوب واحمّر وجهه، وقال محتدًا: «لا تتدخل في عملي. الأمن ليست مسؤوليتك. حركوا سيارتكم من هنا».

فكرت في الرجل وغروره، بينما كان صديقي يحرك السيارة بعيدًا إلى الطرف الآخر من المكان المعد لإيقاف السيارات. اختفت الشحاذة والطفل المرافق لها. بعد ثماني ساعات تقريبًا اقتحمت شاحنة ممتلئة بالمتفجرات أرسلتها القاعدة وزعيمها أبو مصعب الزرقاوي هذه البوابة فخلعتها ثم ارتطمت بالمبني ففجرته، وقتلت المبعوث الخاص نفسه سيرجيو فيرا دي ميلو و21 شخصًا آخرين من زملائي.

تذكرت هذا الموقف الذي سردته للمحققين بعدها وأنا اشاهد فيلم «سيرجيو» الذي أنتجته وعرضته شبكة «نيتفليكس» في أواخر أبريل الماضي.

لا بد لفيلم عن أحداث عايشها الواحد منا ألا يعجبه تمامًَا، أو أن يلتقط فيه مشهدًا أو أكثر يراه غير واقعي أو أنه يُقوْلب ما حدث برومانسية مفرطة، أو ببرود فائق، أو أنه يركز على زاوية ويغفل أخرى، أو مزيج من هذا وذاك. ما أشد صعوبة استعراض تاريخ قريب في دراما واقعية. يشعر الواحد منّا، وخاصة إذا كان جزءًا من هذا التاريخ، بخيبة أمل لا مفر منها.

كانت خيبة الأمل هذه مضاعفة عندما شاهدت الفيلم الذي يتخذ من ساعات الاحتضار المأساوي تحت الركام منصة انطلاق لاستعراض حياة الدبلوماسي البرازيلي الوسيم الطامح لأن يتولى في الوقت المناسب منصب الأمين العام للأمم المتحدة. 

عرفت أن جهود إنقاذ سيرجيو المحتجز تحت كتل خرسانية تتعثر، وأنه في حالة سيئة بعد ظهر 19 أغسطس 2003. كنت واقفًا في ساحة انتظار السيارات يتخلل أنوفنا وأفواهنا وملابسنا دخان وأتربة، بينما تسيطر على المكان روائح الدم والموت واحتراق أسلاك الكهرباء والحديد المنصهر واحتراق اللحم البشري. كان الدخان ما زال يصعد من أحد زوايا المبنى بينما اختفت الجثث والمحفات والجرحى الذين أخذهم جنود أمريكيون في مدرعاتهم. وحده سيرجيو ظل تحت الأنقاض حيًا بعض الوقت مع أحد زواره. نجا الزائر وخرج على محفة مبتور الساقين، بينما احتضنني زميل كيني وهو يبكي قائلًا: «لقد مات سيرجيو. لقد مات». 

لم يُصب آدم. وبينما دُمرت سيارات المبعوث الخاص أو تلك السيارات التي كانت تتوقف في الأماكن المخصصة له، كانت سيارتنا بحالة طيبة لأن آدم أوقفها في مكان بعيد بعد إصرار بوب. لعل هذه كانت الفائدة الوحيدة لهذا الرجل في ذلك اليوم، إذ تطوعنا في هذا المساء، وقد تعلقت أرواحنا في مكان لا نعرفه وتخدرت مشاعرنا، بزيارة كل المستشفيات الممكنة في بغداد ونقل الزملاء من الجرحى القادرين على المغادرة إلى مقار إقامتهم في فنادق متعددة. تمكنّا أيضًا ليلتها وفي الصباح التالي من طمأنة بعض أهالي الجرحى الذين تعين بقائهم تحت العلاج مستخدمين هاتف ثُريا (هاتف الاتصال عبر القمر الصناعي). كان هناك عدة زملاء لم تكن أماكنهم معروفة، ولذا بحثنا عنهم أيضًا في بعض المشارح. لحسن حظنا لم نجد جثثًا بل عثرنا على شخص أو اثنين منهم مصابين في مستشفى أو آخر. لم يبد لنا الأمر ساعتها مخيفًا أو خارقًا أو تعبيرًا عن شجاعة فائقة. لم نكن نتأمل. لم نكن نشعر. سيكون هناك من الوقت وقتًا كثيرًا بعد ذلك لمشاعر الندم والخوف والذنب والحيرة والاكتئاب والغضب والحزن والحداد.

نشكو كثيرًا من أن المسلسلات والأفلام المأخوذة عن روايات لا تعكس جميع الزوايا والتفاصيل الصغيرة والأحاسيس الغائمة، ومتوقع أن يشكو الواحد أكثر لو كان أحد هذه الأفلام يتناول تجربة مر بها واستقرت في وعيه من زاويته الخاصة الضيقة. لا أحد بمفرده يمكنه أن يقبض على الواقع كما جرى من وجهات نظر الجميع، ولكن ما فعله فيلم «سيرجيو» الذي أنتجه وقام بدور البطولة فيه الممثل البرازيلي واجنر مورا (لعب دور بابلو اسكوبار في مسلسل ناركوس) كان الاستيلاء على قصة غنية للغاية وإفقارها وحشرها في عدة قوالب رومانسية وميلودرامية معادة التدوير من مئات الأفلام التجارية.

سيظل للفيلم حسنات متعددة وأهمها أنه قد يجذب الانتباه مرة أخرى لحدث مهم وفاصل في تاريخ المنطقة، ونقطة تحول كبيرة في الأمم المتحدة، وخطوة مفصلية في تطور العمليات الإرهابية في ذروة قوة القاعدة، وقبل أن تفرخ عددًا من المنظمات الأشد تطرفًا تحت اسم «الدولة الإسلامية». ولكن الفيلم ذاته، للأسف، ظلم حياة سيرجيو الغنية المركبة، ولن يكون معينًا مهمًا لفهم عصره ودوره المهم فيه كما قامت بذلك أفلام عن حياة أشخاص مثل «لورانس العرب» أو «رجل لكل العصور» أو «غاندي» أو «مالكولم اكس».

وصلتُ إلى بغداد للمرة الأولى بعد الغزو الأمريكي بشهر واحد تقريبًا، وتحديدًا في 11 مايو 2003 متحدثًا صحفيًا باسم برنامج الغذاء العالمي. وبعدها بأسبوعين وافق سيرجيو أن يترك مؤقتًا منصبه الجديد رئيسًا للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في جنيف وأن يذهب لبغداد من أجل إدارة عملية انتقالية وإقامة نظام حكم فعال في العراق بعد الإطاحة الأمريكية الخرقاء وغير الشرعية بنظام الدكتاتور الدموي صدام حسين. سقط صدام سريعًا وتهاوت قلاع جيشه الخشبية المتآكلة بفعل 12 عامًا من العقوبات الاقتصادية الشرسة التي نفذتها منظمات أممية وفي مقدمتها برنامج الغذاء العالمي تحت وصاية مجلس الأمن وبهيمنة أمريكية. لم يكن لدى الرجل أسلحة الدمار الشامل التي أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش وكبار مساعديه أنها ستنشر سحابات من الغبار الذري والغاز الكيميائي والجراثيم البيولوجية في المنطقة وتهدد أمن العالم. كان صدام يهوّش وكان بوش يكذب. وربما كان كلاهما يعلم حقيقة موقفه وموقف الآخر، ولكن بالتأكيد كانت الأمم المتحدة وكبار مسؤوليها يعرفون حقيقة الأمر، لأنهم كانوا ينفذون في السنوات السبع السابقة برنامج النفط مقابل الغذاء في أنحاء العراق ويديرون فرق تفتيش عن أسلحة الدمار الشامل لم تجد شيئًا يذكر. 

وقال الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كوفي آنان، في مؤتمر صحفي في 28 مايو أنه وافق على إرسال سيرجيو بعد ضغوط شرط ألا تطول المهمة عن أربعة أشهر، وقال سيرجيو: «سأبذل كل ما في وسعي لأضمن أن تأتي مصالح الشعب العراقي في قمة الأولويات»، في المرحلة الانتقالية بعد صدام. 

وكما يقول أصدقاء سيرجيو فقد تعلم في تاريخه المهني الطويل قبل الوصول للعراق كيف يدوّر الزوايا ويتحكم في اختيار الكلمات بدقة ويصنع بمهارة وصبر حلولًا وسطًا يبرع في تسويقها. واشتهر عنه قوله: «كان عليّ أن أصافح مجرمي حرب كثيرين لأن عليك التعامل مع الشيطان إذا أردت تحقيق نتائج»، ولكن مصافحاته هذه وشخصيته القيادية والجاذبة للإعلام أزعجت المندوب السامي الأمريكي بول بريمر، الذي كان يدير المرحلة الانتقالية في العراق. ولم يتورع سيرجيو عن انتقاد الأمريكان علنًا مفضلًا الإسراع في تسليم السلطة إلى عراقيين، ولكن أي عراقيين؟! فَكك بريمر، الأرعن عديم الخبرة، بعدة قرارات خرقاء، حزب البعث وحرم أعضائه من ممارسة السياسة، ولم تكن هناك من قوى اجتماعية أو سياسية منظمة سوى القوى الدينية الشيعية والتركيبات العشائرية في معظم العراق، إضافة إلى القوى الحزبية الكردية المنظمة جيدًا سياسيًا وعسكريًا. وسريعًا ما ملأت تنظيمات مسلحة مدفوعة بأيديولوجيا القاعدة والسلفية الجهادية فراغ تمثيل السنة الذين كانوا يسيطرون بشكل ما على السلطة في بلاد صدام.

 لا بد أن سيرجيو كان يعلم استحالة إتمام انتقال سياسي في العراق في عدة سنوات ناهيك عن الأشهر الأربعة لمهمته. كان لا بد أنه يعلم أن مهمته نفسها انتقالية، الغرض منها وضع البلاد والأمريكان على طريق عملية ذات إطار واضح وتفادي الانزلاق إلى مستنقع عنف شديد في بلد كان يعيش في حالة حرب أو تحت حكم أجهزة أمنية لنحو أربعين عامًا. لم يكن سيرجيو مغرمًا بالحلول المثالية، بل ساعيًا دؤوبًا عن الحلول الممكنة. لم يكن ناشطًا حقوقيًا، بل حيوانًا سياسيًا.

ولكن، الفيلم لا يتعرض لهذه المعضلات إطلاقًا، فلا نرى سوى الرجل مفرط الوسامة، الشجاع والقادر على الحديث بأربعة لغات بطلاقة في نفس الوقت مع موظفيه الدوليين، أو الجلوس على الأرض والحديث مع سيدة عجوز في مشغل أو الوقوف ندًا لند مع رئيس بلد متهم بالتطهير العرقي أو التفاوض بصبر مع رجل ميليشيات متهم بجرائم ضد الإنسانية. يشبه الفيلم في أغلبه ألبوم صور عائلة بورجوازية يراه الضيوف ويعتمد على قوالب وأنماط متوقعة وأساليب وتقنيات بالية مثل جعل الفيلم فلاش باك متقطع لحياة سيرجيو وهو راقد تحت الركام في ساعات احتضاره الأخيرة، يتذكر أهم مشاهد حياته بينما يحاول جنديان أمريكيان استنقاذ جسده من تحت أعمدة خرسانة مسلحة. 

ويقدم الفيلم الذي أخرجه جريج باركر وكتب المعالجة السينمائية له كريج بارتون عن كتاب سامانتا باور «مطاردة الشعلات: نضال رجل لإنقاذ العالم»، رجلًا مختلفًا عن نموذج موظفي الأمم المتحدة المحنطين البيروقراطيين (ربما هو أول مسؤول دولي كبير يخرج عنه فيلم تجاري بهذا الشكل). لدينا مسؤول شعبوي مفوه لديه إحساس قوي بالعدالة وتعاطف واضح مع الفقراء والأقل حظًا. ولكن سيرجيو الذي عرفت عددًا من المحيطين به عن قرب وسمعته عدة مرات في اجتماعات لكل الموظفين وشاهدته عدة مرات يسير مسرعًا في طرقات فندق القناة أو على سلالمه محاطًا بحرسه الخاص ومساعديه، لم يكن قديسًا، بل حيوانًا سياسيًا، وما ميزه عن غيره هو أن نزاهته كانت استثنائية في ظروف كان فيها معظم كبار مسؤولي الأمم المتحدة إما يخدمون أنفسهم أو يعملون من أجل مصالح دولة ما بعينها. تمكن سيرجيو بفعل ذكاؤه الفائق وقدرته على مقاومة الضغوط ومهاراته الدبلوماسية ولا مبالاته بالقواعد البيروقراطية، من أن يكون شخصًا فريدًا في محيطه.

ويقول الدبلوماسي الأمريكي الراحل ريتشارد هولبروك إنه أقنع سيرجيو بتولي منصب رئيس الإدارة الانتقالية الأممية في تيمور الشرقية (1999- 2002) رغم أن سيرجيو كان يسعى ليصبح المفوض السامي لشؤون اللاجئين في جنيف كمنصب مستحق له بعد نجاحاته في موزمبيق وكمبوديا. ويعرف آنان أيضًا هذا الطموح لدى سيرجيو وأقر به في مقابلة تليفزيونية بعد وفاته قائلًا: «كان سيرجيو رجلًا اعتقدت أنه سيحل محلي وقتًا ما». لم يكن سيرجيو يضيع وقتًا دون نسج علاقات على كل المستويات. وكما قال لمترجمه في تيمور الشرقية: «إذا أردت أن تحقق أهدافك فيجب أن تقوي علاقاتك بالناس، ولتقوية هذه العلاقات يجب أن تتحدث لغتهم».

يغرق فيلم نتفليكس في علاقة سيرجيو برفيقته كارولينا لارييرا بما يشمل مشاهد قبلات تحت المطر في الطريق العام في أحد أسواق تيمور الشرقية ومشهدًا جنسيًا رومانسيًا في منزله. لم تعترف الأمم المتحدة حتى اليوم بالعلاقة بين سيرجيو وكارولينا التي تشكو بمرارة أن المنظمة الدولية رفعت اسمها من قائمة الناجين من هجوم بغداد رغم أنها كانت موظفة في البعثة الأممية وكانت هناك يوم الانفجار، كما أنها كسبت قضية في محاكم البرازيل تعترف بأنها كانت في علاقة زواج مدني مع سيرجيو قبل مقتله. ولكن كارولينا قالت لي إن الفيلم نفسه لا يهم، ولكن المهم أن يفتح الحوار حول ما حدث بعد الانفجار وكيفية التعامل مع الناجين ومع المشاكل السياسية والاجتماعية المختلفة الناجمة عنه. وأضافت في حوارنا: «الفيلم عن أهم فترة في تاريخنا في آخر خمسين عامًا، وهي محاولات بناء أمة وكارثة العراق، وأعتقد أن الباقي غير مهم والكتابة عنه ستكون تشتيتًا للانتباه».

ولكن الفيلم لا يتناول هذه المسائل «المهمة» سوى بصورة سطحية للغاية لدرجة أغضبت بعضًا من الزملاء الذين عملت معهم في بغداد في تلك الفترة. وقال لي أحد من لا زالوا يعملون مع الأمم المتحدة «هذا فيلم رخيص لا يتناول سوى شخصيتين أو ثلاثة … ماذا عنّا نحن؟ ماذا عن العراق؟ ما هي رسالة الفيلم؟».

 للفيلم لا شك عدة رسائل، ولكنه لا يبالي مثل أفلام السِيّر متوسطة المستوى بحياة الآخرين ويهمشها ولا يُعنى كثيرًا بالسياق التي تجري فيه الأحداث، مفضلًا التركيز على البطل وشخص أو اثنين بجواره. ولعل أهم رسائل الفيلم أن سيرجيو لم يكن قديسًا بل شخصًا مثل عديد منّا، يتميز ببراعته الدبلوماسية. لم يكن مناضلًا سياسيًا ولا ناشطًا حقوقيًا، بل كان آخر عهده بمثل هكذا مقاربات وأنشطة هو مشاركته كطالب في احتجاجات 1968 في السوربون في باريس. كان يقترب من عامه الأخير في الجامعة ويستعد للالتحاق بالسلك الدبلوماسي البرازيلي بعدها بعام. ولكن أبيه الدبلوماسي البرازيلي الناجح طُرد من الخدمة لخلافات سياسية مع النظام العسكري الحاكم في ريو دي جانيرو، واضطر سيرجيو لتعديل مساره ليلتحق بوظيفة في الأمم المتحدة في جنيف. 

وخلال 34 عامًا تنقل سيرجيو من بنجلاديش إلى السودان، ثم موزامبيق وبيرو، وبعدها لبنان وكمبوديا والبحيرات العظمى ويوغسلافيا ثم تيمور الشرقية. وبين هذه المحطات التي تتقاطع مع كل التطورات المهمة لنهايات الحرب الباردة وبدايات العالم الواعد، قضى سيرجيو عدة أعوام في المقار الرئيسية للأمم المتحدة في نيويورك وجنيف. عمل سيرجيو عشرين عامًا في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مع عدة مهام سياسية وإدارية رفيعة. كان مديرًا بارعًا وبيروقراطيًا ذكيًا، يعرف كيف يستغل القواعد من أجل حل مشكلة وكيف يلوي عنقها من أجل الوصول لحل، يعرف كيف يُنمي علاقاته مع السياسيين والحكومات، ولكنه يعرف أيضًا كيف يتعامل مع زعماء الميليشيات ورجال الدين والمثقفين والقتلة.

لم يكن سيرجيو مهتمًا للغاية بطفليه، وانفصل فعليًا عن زوجته في أواخر الثمانينيات. وفي واحد من أصدق وأقوى مشاهد الفيلم يغادر ابناه الطاولة غاضبين، لأنه يعرض على ابنه الصغير جمبري ناسيًا أن الطفل لديه حساسية مفرطة تجاه هذا الطعام. 

يسأل سيرجيو: «ومنذ متى لديك هذه الحساسية يا بني؟»، فيكون الرد «طوال عمري يا أبي؟» ويقول لوران، الابن الأكبر، في فيلم «في الطريق إلى بغداد» التسجيلي الجيد الذي أخرجه سيمون دوارتي، إنه يتمنى لو كانوا قد عرفوا سيرجيو أكثر، لأنه منذ وفاته «نلتقي كثيرًا من أصدقائه ومن عملوا معه وصرت أرى أنهم يعرفونه أكثر من أطفاله».

لم يكن مقتل سيرجيو نهاية شخص استثنائي (وقد كان)، بل أيضًا نهاية عقد التسعينيات الطويل؛ عقد الأحلام الكبيرة الضخمة الفاشلة بعد ختام الحرب الباردة، عقد أحلام التدخل الإنساني المسلح من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وإيقاف المذابح الكبرى والتطهير العرقي في بلدان مثل يوغسلافيا المفككة. كان مقتل سيرجيو فاتحة الدخول لعصر جديد من الحرب الدائمة وغير المتكافئة مع إرهابيين لا يلتزمون بقواعد القانون الدولي وقانون الحرب الذي كانت الدول تنتهكه على أي حال، ولكن بحساب وتحت قواعد للردع المتبادل، وصارت المنظمات الدولية أهدافًا مشروعة، وتوقفت محاولات محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب بعد أن صار الأمريكيون وحلفاؤهم مشتبه بهم في ارتكاب هذه الجرائم هم أنفسهم. 

في خطبته لمجلس الأمن في 22 يوليو 2003، قال سيرجيو إن الأمم المتحدة ضعيفة ومعرضة لهجمات لا يحميها منها سوى سمعتها واستقلاليتها. ولكن سيرجيو مثله مثل معظم كبار المسؤولين في الأمم المتحدة كانوا يتغنون باستقلالية المنظمة الدولية وهم يعرفون أن لا قوة مستقلة لها، لأن المنظمة في النهاية تعبير عن توافق آراء كبرى الدول الأعضاء ذوي الثقل السياسي والمالي، وأن طريق الاستقلال الوحيد يحتاج إلى مناورات واسعة ومطولة من موظفي المنظمات الدولية الذين تعينهم وتفصلهم وتتحكم في قراراتهم الدول الأعضاء في نهاية المطاف. 

 وحاولت الأمم المتحدة، وتحديدًا الأمانة العامة بقيادة آنان، استنقاذ سمعتها في المنطقة في تلك الفترة، وخاصة في العراق، حيث كان ينظر إليها منذ أوائل التسعينيات بصفتها شريكًا فاعلًا في الحصار الدولي ضد العراق ووكر للجواسيس. وحضرت عدة اجتماعات مع زملاء آخرين يعملون على أنشطة الإعلام الأممية في الدول العربية، وحضر آنان أحد هذه الاجتماعات وتحدث عن سبل إعادة التأكيد على حياد المنظمة وحمايتها عن طريق إظهار استقلاليتها. ولكن الوقت كان قد فات، وسريعًا ما سيطرت المقاربات الأمنية على عمل الأمم المتحدة في المنطقة وفي بقية أنحاء العالم، وباتت إجراءات الأمن الصارمة المُكلِفة والتي تباعد أكثر وأكثر بين موظفي الأمم المتحدة وبين المجتمعات التي يدّعون مساعدتها أو حمايتها، أمرًا طبيعيًا.

لم تعترف الأمم المتحدة سوى ببعض القصور في إجراءات الأمن من قبيل تغطية زجاج النوافذ بعازل يمنع التشظي عقب الانفجارات، واستقالة مسؤول أمني كبير، بينما تم تنزيل رتبة موظف آخر وتحويل اثنين للتحقيق، ولكن جزءًا كبيرًا من الإخفاق الحقيقي كان في السياسات وفي الوقوف كتفًا بكتف مع واشنطن أثناء فرض العقوبات على العراق أو مع الجيش الأمريكي بعد غزوها. وبعد التفجير بثلاثة أعوام التقيت المستشار الأمني بوب، وقد انتقل للعمل مع الأمم المتحدة في عاصمة عربية كبيرة، وظل يشغل مراكز مهمة حتى تقاعد وصارت ذكرى تفجير القناة في 19 أغسطس اليوم العالمي للعمل الإنساني. وتأكد مع مقتل سيرجيو الدرامي وفاة أحلام وآمال عديدة ساذجة في نظام كوني عادل تلعب فيه الأمم المتحدة دورًا مهمًا في فض النزاعات وإحلال السلام والتنمية.     

* أسماء مستعارة

اعلان
 
 
خالد منصور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن