اللاجئون في مصر.. «جوع في البيت وكورونا في الشارع»
 
 
إحدى اللاجئات تنتظر منذ المساء أمام مقر مفوضية اللاجئين حتى تفتح أبوابها صباحًا - المصدر: جهاد أباظة
 

«من أبريل واحنا مش شغالين، ومش لينا مصروف، كان عندي مرتب من المفوضية، لكنه موقوف من ديسمبر اللي فات، قالولنا نعيد الإنترفيو، ومفيش مرتبات من وقتها. ظروفنا وحشة قوي وشغلنا واقف بسبب كورونا. حتى رسالة الغذاء اللي بتيجي كل شهر ما بين 15-21 عشان اروح استلم الأكل ماجاتش الشهر ده»، تقول حنان آدم، 39 سنة، وتحمل بطاقة طالبي اللجوء الصفراء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لـ«مدى مصر». 

أتت حنان من السودان إلى مصر منذ خمس سنوات، تقيم مع أبنائها السبعة في مدينة السادس من أكتوبر، وعملت في مهن عدة باليومية، في مصانع ثلاجات ومصانع لمبات إضاءة. إلا أنهم «كانوا بيمشوا العمال السودانيين»، على حد قولها. وانتهى بها الأمر للعمل في تنظيف المنازل، ولكن عملها توقف بسبب كورونا.

لدى حنان ابن مصاب بمرض يؤثر على كهرباء المخ، وكان يعتمد على علاج شهري توفره له مؤسسة «كاريتاس»، لكن مستشفى المؤسسة مغلق الآن بسبب كورونا، وهي لا تستطيع توفير 280 جنيهًا شهريًا لعلاجه على نفقتها، رغم أن العلاج هو مسكن مؤقت، لأن الابن يحتاج إلى جراحة كانت ستحاول تدبير تكلفتها، بسبب عدم إجرائها على نفقة كاريتاس، على حد قولها، لكن كورونا أوقف الأمر. 

حنان عليها أيضًا أن تبحث عن منزل جديد بنهاية شهر رمضان، ففي الشهر الماضي ساعدتها منظمة PSTIC في دفع إيجار شهر، لكنهم أخبروها أنهم لا يملكون ميزانية لدفع إيجار شهر آخر، وصاحب المنزل الذي تقيم به في «السادس من أكتوبر»، يريد استعادة المنزل. حنان، حاولت الاتصال بالمفوضية أكثر من مرة، ولم يرد عليها أحد، فذهبت في أول أيام «رمضان» إلى مقرها، فقال لها أحد موظفي الاستقبال «مفيش شغل في المفوضية، تعالي 21 رمضان عشان تقدمي شكوى».

بينما يعاني كل الأشخاص حول العالم بسبب تفشي فيروس كورونا، تسعى حكومات الدول المختلفة، بدرجات متفاوتة، ومن بينها مصر إلى تقديم الدعم للمواطنين الذين تأثرت حياتهم ودخولهم بسبب الجائحة العالمية، وحتى إن كان الدعم هزيلًا أو غير كافٍ، يبقى على هامش هذه المساعدات اللاجئون، ممن يعتمدون بشكل أساسي على دعم منظمات دولية، أبرزها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وفي مصر يعاني اللاجئون بالأساس من ظروف معيشية وصحية واقتصادية صعبة، تضاعفت مع انتشار كورونا والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لاحتواء الوباء. 

بنهاية عام 2018 بلغ عدد اللاجئين في مصر 246 ألفًا و749 لاجئًا، وبلغ عدد طالبي اللجوء 68 ألفًا و184 شخصًا. وهؤلاء هم فقط المسجلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وهم بالأساس ينتمون لبلدان إريتريا وإثيوبيا والعراق وجنوب السودان والسودان وسوريا واليمن. وبموجب مذكرة تفاهم بين الحكومة المصرية والمفوضية وقعت في العام 1954، المفوضية هي المسؤولة عن تسجيل وتوثيق وتحديد وضع اللاجئين في مصر. والمفوضية بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة باللاجئين، والموقعة عليها مصر، هي الوصي على الاتفاقية، والمسؤولة بالاشتراك مع الدول الموقعة لضمان احترام وحماية حقوق اللاجئين.

بحسب موقعها في 2014، يعمل مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر شركاء متنوعون ما بين جهات حكومية وغير حكومية، محلية أو دولية. من بين الشركاء «المجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة»، منظمة «كير» الدولية، مؤسسة «كاريتاس»، «خدمات الإغاثة الكاثوليكية»، «الرابطة المركزية للمشرفين على رياض الأطفال»، «الهلال الأحمر المصري»، «هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية»، مؤسسة «مصر ملجأ»، جمعية «رسالة»، منظمة «إنقاذ الطفولة»، منظمة «أرض الإنسان»، بالإضافة إلي منظمات أخرى مثل «المنظمة الدولية للهجرة»، كنيسة «القلب المقدس»، «سانت أندرو لخدمات اللاجئين»، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صندوق الأمم المتحدة للسكان، مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، متطوعو الأمم المتحدة، برنامج الأغذية العالمي، منظمة الصحة العالمية، إلى جانب الوزارات المصرية المختلفة، كالداخلية والصحة والتعليم والخارجية والتضامن الاجتماعي.

توفيت زوجة عمر عبدالواحد، 32 سنة، طالب لجوء إريتري، في مارس الماضي بعد الولادة بشهور قليلة. «مراتي ولدت في 28 نوفمبر 2019، في مستشفى الموظفين في امبابة، ولما رجعنا البيت تاني يوم حصل لها مضاعفات، اتصلت بالمفوضية لما مراتي تعبت، وقالولي هنتصل بيك وماتصلوش، قعدنا تلات شهور نروح الطوارئ في مستشفيات كل ما تتعب، يا يدوها مسكن، يا يقولوا مفيهاش حاجة ويمشونا، ورحنا «كاريتاس» ادونا سبعين جنيه، وقالولنا نروح القصر العيني، رحنا القصر العيني أول مرة، قعدت يوم ومشوها آخر اليوم، ورحنا تاني لما تعبت في نهاية فبراير، عملولها عملية تنظيف لإن جرح الولادة اتخيط من دون تنضيف، لكن في اليوم التالت في المستشفى تعبت وحطولها اكسجين، مكانش شغال الجهاز، وكلمت المفوضية، قالولي مانقدرش نعمل لك حاجة، واتوفت مراتي في نفس اليوم». قبل الوفاة، كل ما حصل عليه عمر، بالإضافة إلي السبعين جنيه، كان 1500 جنيه، تكاليف الولادة، التي حصل عليها من «كاريتاس» في منتصف فبراير، أما المفوضية فاتصلت به بعد أسبوع من وفاة زوجته، وطلبت منه أوراق الدفن لخصم شخص من أفراد الأسرة الخمسة المسجلين لديهم.

بالإضافة إلى الطفل الرضيع، لدى عمر طفلان آخران، ويد مكسورة تحتاج إلى جراحة لا يستطيع تحمل تكلفتها، تجعله لا يعمل منذ ديسمبر الماضي، في المقهى الذي كان يعمل فيه باليومية. اضطر عمر لبيع ذهب زوجته الراحلة لدفع نصيبه من الإيجار مع زملائه في السكن، حيث يقيم في منطقة بولاق الدكرور. وحين اتصل بالمفوضية في 8 أبريل الجاري، بسبب ظروفه، قالوا له «روح اشتغل». المصدر الوحيد للمساعدة حاليًا لعمر هم اللاجئون السودانيون والإريتريون من جيرانه.

وفي 21 فبراير الماضي، أغلق مصنع الفايبر الذي كانت تعمل فيه آمال*، مهاجرة إريترية، 40 سنة، مقيمة في مصر منذ فبراير 2019. بعد أيام قليلة، طُردت آمال وابنها من منزلهم في منطقة فيصل، بسبب تأخرها في دفع الإيجار. «فيه ست مصرية تبع جمعية خيرية ادتني مخزن تحت السلم في الجيزة عشان نقعد فيه، لكن المخزن صغير جدًا، مبنعرفش نقعد فيه، وبنضفه كل شوية لأنه بينزل فيه كل صرف العمارة، ولما حاولت أعقمه كنا هنتخنق انا وابني، وهو تعب جدًا بسبب إن المكان صغير ومفيهوش تهوية، وهو عنده سرطان في البلعوم الأنفي، فنقلته المستشفى لما تعب»، تقول آمال لـ«مدى مصر».

تحمل آمال ما أسمته بالبطاقة البيضاء من المفوضية، ما يعني أنها لم تسجل بعد كطالبة لجوء، والمشكلة أن بطاقتها تلك انتهت صلاحيتها في الرابع من أبريل الماضي، والمفوضية مغلقة، على حد قولها، وبالتالي لم تتمكن من تجديدها. لدى آمال تسعة أبناء، ثمانية منهم في السودان، حيث كانت تقيم كلاجئة في معسكر للاجئين هناك، قبل قدومها إلى مصر. كان الاتفاق مع سماسرة التهريب، مثلما وصفتهم، أن تأتي في البداية مع ابن واحد، ثم تُهرب باقي أولادها إلى مصر. لكن بعد شهر واحد في مصر اكتشفت إصابة ابنها بالسرطان، فقامت بصرف كل ما تملكه للعلاج، ولم تستطع لم شمل أسرتها. قدمت آمال تقارير ابنها الطبية لـ«كاريتاس»، وأجروا لها مقابلة، لكنها لم تحصل منهم على دعم. حاولت التسجيل في راتب المفوضية، فقالوا لها «هنشوف لو تستحقي». وحين طُردت من منزلها، اتصلت بهم مجددًا، فقالوا لها إنهم «صعدوا شكواها لقسم المساعدات». أما كوبون الغذاء، فهي لا تملكه لأن «اسمها مش مسجل» كما أخبروها في «كاريتاس». هي الآن تعتمد على مساعدات خيرية لعلاج ابنها، ولتوفير بعض الحاجات الأساسية إن أمكن.

هناك أزمة حقيقية، فاللاجئون في الأصل لا يتلقون خدمات، لأن هناك شروطًا لمساعدة اللاجئين، والآن الوضع أصعب. المفوضية غير متجاوبة مع الأزمة، وتفسر ذلك بأنه لا يوجد دعم كافٍ، بحسب علي عبدالرحمن، رئيس لجنة اللاجئين الإريتريين في مصر. حاول علي إعطاء بيانات بعض الأسر المحتاجة لمنظمات مثل الهلال الأحمر، ويتواصل دائمًا مع المفوضية، لكن لا استجابة بعد. «الناس جعانين في بيوتها، ومهددين بالطرد، وفيه ناس بتاخد علاج شهري، والمنظمات قافلة حتى أرقام الطوارئ مش بيردوا عليها». يتفق ماركو دينج، القس بالكنيسة الإنجيلية بعين شمس، وهو بدوره لاجئ من جنوب السودان، مع عبدالرحمن في أن اللاجئين منذ إعلان الحظر بلا عمل، وبلا تعقيم، ولا يجدون الطعام والشراب. كثير من اللاجئين جنوب السودانيين والسودانيين يعملون في تنظيف المنازل أو في المحال التجارية، وكلٌ من أصحاب البيوت والمحال أوقفوا العمل، ومثلهم المفوضية أوقفت العمل أيضًا. «موظفين وقعدوا في بيوتهم». يقول دينج لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن كثير من اللاجئين مهددين بالطرد، وليس فقط الجوع.

بحسب رشا معاطي، المدير التنفيذي لمؤسسة «فرد»، مؤسسة مصرية أهلية تعمل في مجالات التمكين الاقتصادي والتعليم والخدمات الاجتماعية تأسست في 2013 وتستهدف المصريين واللاجئين، فإن اللاجئين، خاصة السوريين والسودانيين الذين تعمل معهم مؤسستها، يعملون باليومية، في الأغلب في مطاعم أو مصانع. المطاعم أغلقت، والمصانع خفضت وردياتها، وبالتالي سرحت العديد من العمال، أولهم اللاجئين. أيضًا، اللاجئون يعملون كمدرسين في مدارس مجتمعية خاصة بهم، تلك المدارس أغلقت، وإداراتها لا تدفع أي دخول للمدرسين، لأنهم بدورهم لم يتلقوا مصاريف من الأهالي من اللاجئين أيضًا. النتيجة، بحسب معاطي، أن الأسر خسرت دخولها، ولأن من كان لديهم دخول، حتى لو متقطعة، لم يكونوا مدرجين في برامج المساعدات الخاصة بالمفوضية، والآن مع إجراءات الوقاية من كورونا، المفوضية لا تستقبل زيارات، كما أنها خفضت ساعات العمل، وبالتالي لا يمكن لهم التقديم على مساعدات الآن، والتهديد الأكبر الذي يواجهونه هو الطرد من بيوتهم.

إبراهيم عوض، أستاذ السياسات العامة ومدير مركز دراسات الهجرة واللاجئين بالجامعة الأمريكية، يقول لـ«مدى مصر» إن مشكلة اللاجئين في مصر موجودة في بلدان أخرى. يميز عوض بين من لهم صفة لاجئ أو طالب لجوء، والمهاجر، الذي رفضت أوراقه من المفوضية كلاجئ. المهاجرون هؤلاء وضعهم أسوأ بكثير لأن ملفاتهم أُغلقت في المفوضية، فلا يتلقون أي مساعدات، يضطرون للعمل بشكل غير منتظم في القطاع غير الرسمي، في ظروف عمل سيئة، ويضطرون للعيش في مناطق فقيرة مزدحمة بالسكان في ظروف معيشية صعبة. ولأنه ليس لديهم وضع «قانوني»، لا يستطيعون الحصول على الحدود الدنيا من الخدمات الصحية، لأنهم يخشون الذهاب إلى المستشفيات. ورغم أن الظروف المعيشية الصعبة تلك يتشارك فيها المصريون مع الأجانب، إلا أنه من الأسهل أن يفقد الأجنبي عمله، كما أنه لن يُدرج في المساعدات الحكومية لمواطنيها، فرغم هزال المنحة التي أقرتها الحكومة للعمالة المصرية غير المنتظمة، إلا أن غير المصريين لن يحصلوا عليها، بحسب عوض.

في ظل وباء عالمي، يصبح الوضع خطيرًا للغاية، بحسب عوض، فحتى اللاجئين وطالبي اللجوء، يضطرون للعمل في القطاعات غير الرسمية. فرغم أن اللاجئ من حقه قانونًا أن يعمل، لكنه يحتاج إلى تصريح عمل. في الظرف الراهن، الجميع خسروا عملهم، كيف إذًا يحصلوا على الأدوية، والكمامات، وأدوات الحماية، يتساءل عوض، موضحًا أنه لا يجب أن يكون هناك أي تمييز بين مصري ولاجئ ومهاجر في الصحة العامة، فلو أصيب لاجئ بكورونا سيكون مصدرًا للعدوى للجميع، مشيرًا إلى أن قرار فتح المستشفيات أمام اللاجئين للعلاج في حال الإصابة بكورونا كان قرارًا إيجابيًا.

«في البيت فيه جوع، وفي الشارع فيه كورونا»، هكذا وصف جبريال رينج، 50 سنة، طالب لجوء، من جنوب السودان، وضعه حاليًا في ظل كورونا لـ«مدى مصر». كان جبريال يعمل بدوام جزئي كمدرس للغة الإنجليزية في إحدى مدارس اللاجئين السودانيين في منطقة عين شمس، حيث يقيم، وكمترجم في أحد المعاهد الخاصة، وتوقف عمله في فبراير الماضي بسبب تفشي كورونا. الآن رينج وزوجته وأبناؤه السبعة بلا دخل على الإطلاق. «بنكون محظوظين لو لقينا وجبة واحدة في اليوم، ودلوقتي أنا عندي مشكلة في الإيجار، أنا مدفعتش إيجار شهر أبريل، ولو مكانش صاحب البيت متعاون، كان زماني في الشارع، لكن مش عارف هدفع ازاي فواتير المياه والكهرباء اللي تراكمت عليا؟».

يقيم جبريال وأسرته في مصر منذ أكتوبر 2016. لا تحصل الأسرة على مساعدات مالية أو طبية من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو شركائها، رغم أنه قام بالتسجيل في برنامج الغذاء العالمي، للحصول على كوبون المعونة الغذائية، وفي «كاريتاس» للحصول على دعم طبي لطفلته المصابة بنقص في الكالسيوم، وله في إجراء جراحة في ركبته، ولزوجته لإجراء جراحة بواسير.

المساعدة الوحيدة التي يتلقاها جبريال، على حد قوله، هي من منظمة CRS والتي تدفع نصف مصروفات أبنائه سنويًا في المدارس، بينما تلقى لمرة واحدة مساعدة في دفع إيجار منزله لشهر واحد العام الماضي من منظمة «PSTIC». «من أسبوعين اتصلت بالمفوضية عشان يدوني مساعدات، عون غذائي حتى للأطفال، قالولي هنرجع نرد عليك، بعدين محامي من عندهم كلمني، سألني على ظروفي، وبعدين مرجعليش. اللي ساعدني دكتور مصري بعتلي شنطة تموينية لما عرف عن ظروفي، عن طريق الكنيسة الإنجيلية في عين شمس». 

أما سعاد*، مدرسة وطالبة لجوء سورية، 30 سنة، تقيم في مصر، في منطقة الشيخ زايد منذ ثلاث سنوات، مع زوجها وطفليها. خسرت هي وزوجها الدخل الذي يحصلان عليه من عملهما الجزئي منذ منتصف مارس الماضي، حين أغلقت مدرسة اللاجئين السوريين التي تعمل بها في منتصف الفصل الدراسي، وهي في الأصل تتلقى راتبًا عن شهور العمل فقط؛ ستة أشهر موزعة على الفصلين الدراسيين. أما زوجها الذي يعمل كهربائيًا باليومية، توقف عمله منذ حوالي شهر. «انا وابني جوازاتنا خلصانة من شهر يوليو الماضي، وتجديد الجوازين محتاج 700 دولار، وزوجي إقامته خلصانة، وما معه 150 جنيه يجددها».

«كتير اتأثرنا، فاتورة الكهرباء الها 3 شهور ما دفعناها، واتراكم علينا ديون تلات آلاف جنيه، وما بناخد أي مساعدات من المفوضية، أصلًا شغل زوجي بالكاد بيكفي الإيجار والفواتير، لكن أكل وشرب وملابس شغله ما بيكفي. لو بتيجي تشوفي بيتنا ما فيه فرش، وعندنا ابن عنده احتياجات خاصة»، تقول سعاد لـ«مدى مصر»، مضيفة أنهم رفعوا تقارير للمفوضية أكثر من مرة ولهيئة إنقاذ الطفولة، خاصة وأن زوجها لديه إصابة حرب في عينه ولم يحصلوا على مساعدات. تضيف سعاد أنهم فقط حصلوا على منحة شتوية من المفوضية العام الماضي، وأنهم يحصلون على منحة التعليم، التي تغطي فقط ثلثي أجرة المواصلات لطفليها، ولا تغطي مصاريف المدارس الخاصة التي يتعلمون بها، بعد خروجهم من المدارس الحكومية بسبب صعوبة اللهجة عليهم.

«قد ايه المفوضية مانها عادلة والوضع سيئ كتير.. اللاجئين الجداد وضعهم سيئ، القدام وضعهم أحسن، اللي طلعوا زمان من سوريا قبل الحرب طلعوا بمصاريهم، نحنا طلعنا عالحديدة.. على أي مبدأ أو تقييم بتشتغل المفوضية أنا ما بعرف، الواسطات كمان شغالة، نحنا عشان ما بنعرف حدا بتروح علينا المساعدات»، تقول سعاد، موضحة أنه كان من المفترض أن يحصلوا على كوبون الغذاء في 2019، ولم يحصلوا عليها حتى الآن، رغم أن آخرين، ليسوا في حاجة لمعونة الغذاء على حد قولها، حصلوا عليها.

في فبراير 2019، قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «فيليبو غراندي» في تقرير نشرته المفوضية على موقعها إنهم عاجزون عن تزويد اللاجئين وطالبي اللجوء بالاحتياجات الضرورية أو المحافظة على برامج الحماية الأساسية في مصر. وأضاف التقرير أنهم يعملون بجزء بسيط من ميزانية المفوضية السنوية والتي تبلغ 104.2 مليون دولار أمريكي، وهي الميزانية المخصصة لحماية اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر. 

تفسر معاطي وضع المفوضية، بأنه خلال العامين الماضيين حدث انخفاض في الموارد المالية لكل مؤسسات الأمم المتحدة دوليًا، بما فيها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، كما أنه نتيجة لخفض ورديات العمل، وانخفاض عدد الموظفين بالمفوضية، مع الأزمة والاحتياج الأكبر الذي يواجهه اللاجئين، ربما يكون هناك بطء في التجاوب من قبل المفوضية، لكنها تشير إلى عدد من اللاجئين الذين تعمل معهم، حصلوا على مساعداتهم الشهرية المالية من المفوضية عبر مكاتب البريد، تسهيلًا للأمر، كما أن منظمة الغذاء العالمي قامت بصرف منحة الغذاء نقدًا بدلًا من الكوبون، ولشهرين معًا، حتى يتسنى للمستفيدين من المنحة شراء الغذاء من أي مكان، وليس من محل تجاري معين كالسابق، توضح معاطي.

يتفق عوض مع معاطي في قلة الموارد، يقول إن المفوضية السامية تعمل بتمويل ضعيف، لا يغطي كل العاملين بها، وما يصلها من تمويل أقل كثيرًا من الاحتياجات، وبالتالي لديهم أزمة في تلبية احتياجات اللاجئين من صحة وسكن وعلاج. لذلك، ففي تصوره، هناك حاليًا ضغوط هائلة وموارد غير كافية. موارد المفوضية طوعية، بحسب عوض، على الرغم من أن اتفاقية العام 1951 الخاصة باللاجئين هي اتفاقية ملزمة للمنضمين لها، صحيح أنه استنادًا إلى حقوق الإنسان والعهدين الدوليين للحق في السكن والصحة والعمل، يجب أن تقدم دعمًا، لكن يجب أن تتوفر موارد أيضًا. «المسألة مش إن المفوضية عندهم فلوس ومخبينها.. المشكلة هيكلية وربما يكون هناك مشاكل تنفيذية. الأمر معقد والحل معقد والأزمة الحالية تعكس ربما الحاجة لإعادة تشكيل المجتمع الدولي»، يوضح عوض.

أما عبدالرحمن فيستمر في التواصل مع المفوضية دون نتيجة، رغم أن المفوضية أعطت منحًا استثنائية للاجئين في بلدان أخرى، على حد قوله. يقول عبدالرحمن إن المفوضية لديها كل بيانات اللاجئين، ومع ذلك طلب برنامج الغذاء العالمي من اللاجئين أن يسجلوا في رابط خاص بالمنظمة للحصول على الطعام، ولم يحصل أحد من مجتمع اللاجئين الإريتريين بعد على شنط الغذاء تلك. أما القس دينج، فهو أكثر يأسًا من عبدالرحمن. يقول إن «المفوضية هنا في مصر اسم فقط، المفروض أن اللاجئين مسؤولية المفوضية. وقت حادث مقتل جبريال توت، وحوادث مشابهة، المفوضية لم تتدخل، ولا تعرف حاجة عن الناس اللي عندهم مشكلة في الإقامة، ولا الناس اللي اتطردوا من مصر.. أصلًا الأمم المتحدة بتدعم الحرب في جنوب السودان، احنا مش عايزين أمم متحدة لا في جنوب السودان ولا هنا، احنا قاعدين في مصر عشان مصر بلدنا، مش عشان الأمم المتحدة، اللي معملتش حاجة لينا ولا للاجئين السوريين ولا الفلسطينيين ولا السوريين أو الليبيين».

أمام هذا الوضع، يسعى قادة مجتمعات اللاجئين للمساعدة. يدير عبدالرحمن جمعية خيرية «رواد الرحمن»، يحاول تقديم الدعم بصفة عامة لمجتمعه، أحيانًا بالتنسيق مع جمعيات خيرية مصرية. المشكلة، على حد قوله، أن بعض هذه الجمعيات متوقف حاليًا عن مساعدة اللاجئين، وشنط الطعام التي يحاول توزيعها لا تكفي. تقوم مؤسسة «فرد» أيضًا التي تديرها معاطي بمساعدة من هم في حاجة الآن، من المصريين واللاجئين، ويسعى القس دينج عبر أموال العشور (أي عُشر دخل أعضاء الكنيسة الذين لديهم عمل، يتبرعون بها للكنيسة شهريًا) والعطاءات والتبرعات لكنيسته، ومن خلال مندوبين، توزيع شنط طعام وأدوية ومستلزمات تعقيم بين مجتمعات اللاجئين من السودان وجنوب السودان، كما يحاول نشر التوعية بالفيروس والوقاية منه بين اللاجئين، خاصة من لا يتحدثون العربية. 

هناك أيضًا محاولات مجتمعية لتشكيل لجان طوارئ داخل مجتمعات اللاجئين. بحسب دينج، هناك عشرة مجتمعات للاجئين من جنوب السودان، مقسمين بحسب الولاية الذين أتوا منها. وفي كل مجتمع، يحاول قادته المساعدة قدر الإمكان. 

ريبيكا ألويل، 45 سنة، لاجئة جنوب سودانية، هي رئيسة لجنة الطوارئ لمجتمع «أويل» جنوب السوداني، تقول لـ«مدى مصر» إنه «مع أزمة كورونا، المجتمع فكر في المعاناة الشديدة للاجئين بسبب الظروف الحالية. احنا بنقسم الحاجات اللي عندنا، اللي عنده حاجة زيادة يديها للي معندهوش، وبنسق مع القس ماركو عشان نشتري الحاجات الناقصة ونوزعها على المحتاجين، المشكلة إن شنط الأكل مبتقعدش يوم». تحاول ألويل عبر لجنتها مساعدة اللاجئين المهددين بالطرد، إما من خلال التفاوض مع أصحاب البيوت، أو جمع تبرعات لدفع الإيجار للأسر المهددة بالطرد.

المشكلة أن «ألويل» شخصيًا تعاني هي وأبناؤها السبعة، فلقد توقف عملها في تنظيف المنازل مع أزمة كورونا، ورغم أنها مسجلة في برنامج الغذاء لم تحصل على معونة الغذاء لشهر أبريل حتى الثاني من مايو الجاري، كما أن الدعم الطبي والمادي الذي كانت تحصل عليه من «كاريتاس»، متوقف منذ ثلاث سنوات. كان المفروض أن يقوم أحد مندوبيهم بزيارتها خلال هذه الفترة، ولكن هذا لم يحدث.

لأننا في دول وطنية، بحسب عوض، الحكومات تراعي مواطنيها، ومن ليسوا مواطنيها يفقدوا هذه الميزة. كحل مثالي ولاعتبارات إنسانية، قد يكون قرار من الحكومة المصرية بدفع منحة للاجئين بمبلغ 500 جنيه مثل المواطنين أمرًا إيجابيًا، يقول عوض، فالدول بصفة عامة هي المسؤولة أولًا عن اللاجئين على أراضيها. وفي حالة مصر، فوضت الدولة المفوضية للتعامل مع اللاجئين. بشكل عام، يرى عوض أن الدول عليها توفير فرص تعليم وتدريب وعمل للمهاجرين واللاجئين للاستفادة منهم، وفي الصحة العامة الاهتمام بصحة الجميع أمر مهم لأن المرض لا يميز بين إنسان وآخر.

يشير عوض إلى أن بعض الدول الأوروبية على سبيل المثال، وأمام الضغط على القطاعات الطبية، سمحت مؤخرًا للاجئين ممن لديهم كفاءات طبية أو تمريضية للعمل بمستشفياتها. واقترح عوض حلًا للأزمة الحالية أيضًا أن يكون هناك توجه مشترك بين الحكومة والمجتمع الأهلي المصري والمنظمات المعنية المصرية والدولية للتعاون لتلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين دون تمييز، وذلك عبر طلب مساعدات من الدول المانحة، مشيرًا إلى أن توجه مثل هذا يجعل صورة مصر جيدة في سياستها الخارجية.

حاول «مدى مصر» الحصول على تعقيب من مكتب المفوضية الإعلامي في مصر، إلا أن الرد الوحيد الذي وصلنا حتى لحظة نشر التقرير كان من مساعدة مسؤول العلاقات الخارجية: «لقد تلقينا استفسارك بخصوص وضع اللاجئين في ظل أزمة كورونا، وسنقوم بالرد عليكم في أقرب وقت ممكن نظرًا للظروف الحالية». 

* أسماء مستعارة حسبما فضل أصحابها.

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن