سابع مدى| حفلة التباعد
 
 
الرسمة للفنانة: جوهرة مدكور
 

عندما سمعت الخبط العنيف على الباب، قلت أنهم جاءوا إليّ أخيرًا.

في طريقي إلى الباب، فكرت لو أن هناك منفذًا في سقف شقتي إلى سطح البناية يمكنني أن أهرب منه، لم يكن صوت الخبط يأتي من الباب بل من منفذ في السقف أراه لأول مرة. وقفت أنظر إلى أعلى، إلى الغطاء الخشبي المربع للمنفذ. يمكنني أن أهرب إذن من باب الشقة. وقفت تحت المنفذ وصحت في اتجاه السقف: مين؟

انفتح الغطاء الخشبي ورأيت وجه أبو سحر يعتذر لي عن الإزعاج ثم يختفي، وقبل أن أساله ماذا هناك كان قد عاد وطلب مني أن أمسك معه السلم، وقبل أن أسأل أي سلم، كان السلم الخشبي قد بدأ في التدلي داخل الشقة ببطء، أمسكته حتى استقر على الأرض، قال أبو سحر على مهلِك يا حاجّة. وقبل أن أسأله أي حاجّة، كان باطن شبشبها يقترب. قال أبو سحر إن الست أم منير لا تجد مكانًا تبيت فيه، فقال لها إنني وحدي في شقة واسعة وإنني رجل شهم، أصلًا من امبابة، مثلها، ولن أتأخر عن استضافتها فترة حتى يفرجها ربنا. قبل أن أفكر في أي شيء لأقوله كان عليّ أن أتنحى جانبًا لكي لا تصطدم مؤخرة الست أم منير برأسي.

نزلت الست أم منير وعدلت من وضع غطاء رأسها الأسود ونفضت التراب عن عباءتها السوداء وقالت لي كتر خيرك يا بيه وهي تنظر إلى الأرض وتضع كفا فوق كف على بطنها. وخلفها كان أبو سحر ينزل وهو يقول إن الناس لبعضها وخاصة في مثل هذه الأوقات، وحمل السلم وطلب أن أفتح له باب الشقة.

تركتُ الست أم منير ترتاح ونزلتُ لأجري قليلًا وأفكر فيما سأفعله. الشوارع خالية تمامًا، تعبت بعد عشرين دقيقة وتمشيت ألهث. توقفتْ قربي سيارة جيب Jeep بنوافذ غامقة، انفتح زجاج النافذة وظهر بسّام ضاحكًا وأشار لي أن أركب، لم أتمكن من النطق من فرط اللهاث فأشرت إليه بيدي مستفسرًا، فأشار أن أركب وهو يهز رأسه ليقنعني، اقتنعت، ركبت وأنا لا أزال ألهث وهو لا يزال يضحك.

سرنا لدقائق وأنا أنظر إليه أضيّق عينيّ وأشير بكفي متسائلًا، فيضحك ويهز رأسه يعدني أن أفهم، فانتظرت، توقف وأشار إليّ أن ننزل، أشرت بباطن كفي مستفسرًا فأشار مرة أخرى مع هزات رأس ليقنعني، اقتنعت ونزلت. سبقني إلى بناية وقفز على سلمها وأنا خلفه أحاول اللحاق به ولا زلت ألهث وأكح. وصلنا إلى الدور الثالث وتناهى لي صوت ضجة، وكأن سوقًا هناك في نهاية الممر، رن بسّام جرس أول شقة قرب السلم، وعندما وصلت كان الباب قد انفتح وظهر رجل أخذ ينظر هو وبسّام إلى داخل الممر حيث تأتي الضجة ويهز رأسه أسفًا. عندما وصلت تأملني متشككًا ثم أشار لنا أن ندخل. لم نتصافح، كان يحرك شفتيه ولا أسمع شيئًا.

دخلنا خلفه، جلس على إحدى الكراسي المذهبة في الصالون فجلسنا في مواجهته، على المنضدة المنخفضة بيننا كمامات ومطهرات وبخاخات وزجاجات مياه وبكرات مناديل، كان يحرك شفتيه وتتحرك كل عضلات وجهه ويلوح بيديه، ولكن لا أسمع شيئًا. نظرت إلى بسّام فوجدته يحدق فيه أيضًا بتعبير ثابت بلا كلام، ربما هو أيضًا لا يسمعه. بعد لحظات بدأ بسّام يهز رأسه مؤمِّنًا على كلام الرجل أو ربما يحاول إقناعه أننا نسمع، يبدو أن الرجل كان مقتنعًا، يواصل الحديث بلا صوت، ونحن صامتان تمامًا لا نحاول أن نتحدث.

مددت يدي وأخذت زجاجة مياه من أمامه فوقعت زجاجة أخرى بجانبها، وسمعت صوت ارتطامها بالمنضدة، فتوقف الرجل عن حركات الحديث للحظة وهو ينظر إلى الزجاجة وإليّ، ثم عاود النظر إلى بسّام كأنه يسأله من أكون. أغمض بسّام عينيه وهز رأسه ليقنعه بشيء، لكنه لم يَبدُ مقتنعًا وهو ينظر إليّ مرة أخرى. بدأت تعبيراته توحي بالغضب وكأن صوته يعلو، بدأ بسّام يهز رأسه أفقيًا كأنه يحاول أن يقنعه أن شيئًا ما يقوله غير صحيح، فاقتنع أخيرًا وتوقف عن الحديث الغاضب الذي بلا صوت للحظات، ثم استكمل حديثه العادي الذي بلا صوت أيضًا. بعد دقائق من التكرار أشار بسّام بيده إشارة إلى أننا سننصرف، هز الرجل رأسه موافقًا. 

خرجنا وبسّام ينظر إليّ ويهز رأسه ويرفع كفه مقلوبة في أسف، كانت الضجة لا تزال تأتي من داخل ممرات الأدوار، تبعت بسّام حتى خرجنا من البناية، كانت دعاء جالسة على مقعد القيادة في السيارة، هرول بسّام إلى السيارة وركب بجانبها، مشيت إلى السيارة على مهل وركبت في الخلف، التفتت دعاء إليّ وأشارت بكفها معاتبة، ربما على تأخري، ثم نظرتْ إلى بسّام طويلًا وعلى وجهها علامات استنكار وهزت رأسها ببطء في استياء. وضعت يديها على مقود السيارة وأخذت تنقر بأصابعها عليها وكأنها تنتظر شيئًا، نظر بسّام إليّ وضغط شفتيه إلى الداخل محرجًا وأغمض عينيه إغماضة بطيئة ففهمت. فتحت الباب ونزلت، انطلقا بالسيارة. 

فكرت أن أجري إلى البيت، استعدت بعض نشاطي، تلفتُ حولي أحاول أن أعرف أين أنا تحديدًا لأحدد اتجاهي، انتبهت إلى الرجل واقفًا في البلكونة، كلتا يديه على السور ينظر إليّ بلا كلام، رفع يمناه وأشار إلى جهة ما وهو يقول شيئًا بلا صوت، لم أفهم إن كان يساعدني أو يطردني من الشارع. رفعت ذراعي ملوحًا له شاكرًا ومودعًا، وانطلقت أجري في ذلك الاتجاه.

لم أتعب بعد من الجري، السماء بدأت تظلم ولا يبدو أن أنوار الشوارع ستضاء، المحلات القليلة المفتوحة بدأت تغلق أبوابها، لا زالت هناك ربع ساعة تقريبًا قبل موعد بداية حظر التجول وكيلو مترين آخرين في خطتي. غيرت اتجاهي إلى البيت.

تمنيت ألا يكون الأسانسير معطلًا، كان معطلًا. ضغطت على زر إضاءة السلم بميدالية المفاتيح.

كدت أجتاز الدور الأول صاعدًا إلى الثاني ولكن انتبهت إلى ضجة في الممر المؤدي إلى الشقق، دخلت إلى الممر. كان ممتدًا بلا نهاية، على جانبيه محلات مفتوحة ومطاعم ومقاه فاضت بكراسيها وزبائنها إلى الممر، وعائلات تتمشى بملابس بحر خفيفة من تحتها تظهر المايوهات. هكذا كان الدور الثاني، والثالث، والرابع أيضًا حيث أسكن. جهّزت أصابعي تلقائيًا مفتاح الشقة من بين مفاتيح الميدالية، ولكن أين الباب؟

تمشيت قليلًا في الممر أبحث عن باب، جربت المفتاح في أول باب وجدته فانفتح على حوض مياه غير عميق، مساحته كغرفة متوسطة، خال تمامًا من أي مساحة للوقوف على أطراف المياه، بلا نوافذ، إضاءات خافتة في الأركان. كانت أم منير تقطعه بالسباحة على ظهرها بكامل عباءتها السوداء وغطاء شعرها، شعرت بالانتعاش من الفكرة بعد ساعة من الجري، ولكني خجلت من مشاركة أم منير حوض السباحة، وقلت لنفسي أنني في حاجة إلى شاي وسيجارة وإلى التفكير فيما سأفعله وأين سأقضي ليلتى. 

أغلقت باب الشقة وعدت إلى الممر، هناك مقهى لا يبدو مزدحما جدًا، جلست وأتى القهوجي فطلبت كوبين من الشاي، خفيف سكر زيادة، سألني إن كان هناك آخر سيأتي وأجبته بلا.

شاهدت صديقًا يجلس بالداخل بملابس البحر وعلى كتفيه منشفة لا زالت مبللة، ينفخ أنفاس الشيشة في ضجر. ذهبت إليه وإزيك وأهلا وإيه الأخبار وتمام والحظر والفيروس وما هذا الذي يحدث ومتى سينتهي ذلك كله وتلعب طاولة؟ فقال طبعًا. طلبت من القهوجي أن يحضر الطاولة وأن يضع كوبي الشاي عند الأستاذ وسألته عن مكان المبولة فأشار إلى المقهى المجاور. 

في طريقي إلى المبولة كان اللواء رئيس اتحاد الملاك يخرج من المصعد، ووراءه أبو سحر، ينظر اللواء مستاءً إلى المقاهي والمحلات ويلتفت إلى أبو سحر، ثم يعاود النظر إلى الممر ويشير بإصبعه ويلوح بيده يأمر بأشياء وينهي عن أشياء لم أسمعها.

في طريق العودة من المبولة لم أجدهما، في مكاني في المقهى وجدت أبو سحر جالسًا يلعب الطاولة مع صديقي ويشرب أحد كوبي الشاي اللذين طلبتهما، فجلست بجانبه وإزيك يا أبو سحر وإزيك يا بيه وماله اللوا عايز إيه ما انت عارف راجل ابن وسخة معلش ولا يهمك هو الأسانسير اتصلح؟ ما إنت عارف أسانسير ابن وسخة طيب معاك سيجارة؟ فأعطاني واحدة أشعلتها وأخذت رشفة من الكوب الآخر من الشاي، قلت لهما إنني سألاعب الغالب.

أمسكت تليفوني وتفقدت أخبار أصدقائي في الحبس، ثم تذكرتُ فأرسلت لجارتي أنني في حاجة إلى مكان لأبيت فيه الليلة وانتظرت ردها وأنا أتفرج على صورتها الجديدة:  صورة لساقيها، رفعتهما لينحسر عنهما فستان قصير، وأسندتهما إلى حافة النافذة قرب الكعبين لترتفع قدماها متقاطعتين في الهواء، ونهاية ما تصل إليه الشمس قرب ركبتها يصنع فاصلًا بين السمرة اللامعة للساقين في الضوء والسمرة المنطفئة للفخذين في الظل.

انتبهت إلى أبو سحر يشاركني النظر إلى تليفوني وإلى الصورة، غمز لي بعينه اليسرى، ثم التفتتْ عيناه إلى الخارج بقلق، كان اللواء يمر متجهمًا وفي يده يد طفلة صغيرة ترتدي مايوه أحمر وتحمل على كتفها عوامة بلاستيكية صفراء بها رأس بطة بعينين واسعتين تنظران من فوق رأس الطفلة إلى وجه اللواء.

عندما وصلت إلى باب جارتي خبطت على بابها بشدة وسرعة قبل أن يمسك بي الضابط الذي أراد أن يوقفني لخرقي حظر التجول فجريت وجرى يطاردني، دخلت بنايتها فدخل ورائي، صعدت السلم فصعد في أثري، وصلت إلى الدور الثالث حيث تسكن وجريت فجرى خلفي بين المقاهي والمحلات ومداخل حمامات السباحة والعابرين بملابس البحر حتى وصلت إلى الباب.

فتحت لي أم منير الباب وعلى وجهها غضب تبدد أول ما تعرفت عليّ، دفعتُ الباب ودخلت، وقلت لها أن الشرطة تطاردني، فأغلقت الباب سريعًا في وجه الضابط الذي كان قد وصل لتوه وبدأ يخبط على الباب بعنف وبلا توقف، تجاهلته أم منير وأوصلتني إلى غرفة وقالت لي أن جارتي خصصتها لي ولكنها لن تستطيع مقابلتي لأنها لا تخرج من غرفتها. 

تركتني وأغلقتْ الباب خلفها بالمفتاح، أرسلتُ لجارتي أشكرها فقالت أنها تعرف ما حدث لشقتي من أم منير وأن البيت بيتي وهناك أشياء في المطبخ وهناك حمام للضيوف، فشكرتها ثانية، حاولت أن أتذكر آخر مرة رأيتها، بعيدًا عن صورها، فكانت قبل سنوات، مصادفة في بيروت.

اتصلت بي أمل، صديقتي الفلسطينية التي لم أرها إلا مرة واحدة في بيروت، فوضعت سماعتي الأذن وفتحت الخط. بلا مقدمات بدأت تغني بمرح أغنية عن نهاية العالم:  العالم سينتهي، وكل ما أريده بعيد، العالم سينتهي، ليس في الأفق ساعٍ للبريد.

انتظرتُ حتى انتهتْ وقلت لها إنني لا أعرف إن كانت نهاية العالم ولا أعرف أيضًا ما أريده، ولكنها لن تصدق ماذا حدث لي ولا أين أنا الآن. طلبت مني أن أنتظر لأن صديقتنا المشتركة، التي لم أرها أبدًا، وتعيش في دبي، معها الآن وتريد أن تسلم عليّ. انتظرت وأنا أتفقد صور صديقتي لعلي أجد صورة لصديقتنا المشتركة.

انفتح باب الغرفة ودخلت أمل وهي تمسك تليفونها وتضع سماعتي أذنها أيضًا، اعتذرتْ عن التأخير وجاء صوتها الذي أسمعه من فمها متأخرًا بثانيتين عن صوتها الذي يأتيني من التليفون، دخلتْ وراءها صديقتنا المشتركة، كانتا ترتديان بيجامتين متشابهتين عليهما رسوم لبط أصفر ينظر بعيون متسعة إلى كل الاتجاهات، سلمتْ صديقتنا المشتركة عليّ بحرارة وقالت إنها لا تريد إزعاجي، أرادت فقط أن تلقي التحية، فسألتها عن الأحوال في دبي فقالت هي هي نفس الأحوال كما هي عندي في القاهرة وعند صديقتي في بيروت، لا فرق. تبادلنا الأمنيات بالسلامة وأن نلتقي يومًا ما بدلًا من أن نتبادل السلامات هكذا من ثلاث مدن مختلفة.

بعد أن رحلتا، وأغلقتْ إحداهما باب الغرفة بالمفتاح من الخارج، أمسكت تليفوني أتفقد أخبار أصدقائي في الحبس وأخبار عن حبس أصدقاء آخرين، قررت أن أنام. وصلتني رسالة من أمل تسألني عن سبب الخبط العنيف المستمر على باب الشقة طوال محادثتنا. انتبهت إلى أن صوت الخبط لا يزال مستمرًا، لكني كنت واثقًا في أم منير.

استيقظت على صوت الخبطات تقترب، كانت هذه المرة على باب غرفتي في بيت جارتي وليس على باب شقتها.

سمعت صوت رجل يقول إن هذا لا يصح وأن الضابط أتاه على المقهى وأخبره أن ابنته تأوي مجرمًا خرق حظر التجول، وصوت جارتي تقول يا بابا لو سمحت، وأنني صديقها وأقيم في غرفة الضيوف وأنها في غرفتها، وصوت أم منير، يقول إنني منذ ثلاثة أيام لم أخرج من الغرفة فكيف أخرق حظر التجول.

في النهاية، قال أبوها إنه سيأخذني معه إلى الإسكندرية لأعمل معه في معرض السيارات هناك ولو أبليت حسنا يمكن لنا، أنا وابنته، أن نتزوج وربما من الأفضل أن نقيم في الإسكندرية بعيدًا عن الشوشرة والقيل والقال.

نظرت عبر النافذة أدرس خطة الهرب، كانت النافذة تطل على ممر جانبي بين البناية وبين كنيسة قديمة، ومن نافذة الغرفة المجاورة رأيت قدميها لا تزالان هناك تحت ضوء الشمس. 

وأنا أدخل إلى ساحة الكنيسة من الباب الداخلي المفضي إلى الحديقة وجدت حشدًا صغيرًا ينظر إليّ وإلى ملابسي فتذكرت أني أرتدي ملابس الجري.

رجل يشبه يوسف شاهين، أو أنه هو، جالس قرب المذبح، حوله كراسٍ متباعدة تغطي نصف مساحة ساحة الكنيسة التي تعلوها قبة مهيبة مزخرفة. في مواجهة يوسف كانوا ستة أو سبعة أو شيء من هذا القليل، لم أرد أن أتلفت لأعد بدقة، جلست على أبعد الكراسي عن الرجل الذي يشبه يوسف شاهين أو أنه هو. نظر إليّ وقال تنبيهًا، يبدو أنه يكرره من أجلي، ألا نلتقط أي صور لاجتماعنا أو للكنيسة وننشرها لأن اجتماعنا هنا غير قانوني بسبب الظروف التي نعرفها، ثم استدرك في عصبية وهو يشعل سيجارة أنهم لا يحق لهم منع الاجتماعات هنا لأن هذه الكنيسة مستقلة، ولكن هذا الاجتماع هو من أجل العمل معًا من أجل التأكيد على هذا الاستقلال ووقف إجراءات ضمها إلى الكنيسة الأرثوذكسية. 

قالت شابة، كانت ترتدي أيضًا ملابس رياضية، إننا يجب أن نستمر في الدعوة للاجتماعات السرية حتى نجمع أكبر عدد من الأفراد لنواجه الدولة والكنيسة بحجة أننا طائفة، فلتكن طائفة الأحرار، وهذه هي كنيسة الأحرار، ونحن أحرار في ما نفعله فيها.

تدحرجت شخرة إسكندرانية من أنف يوسف شاهين، إنه هو بلا شك، وقال لها أحرار إيه! الكنيسة دي بتاعتي أنا وأختي وهانعمل بيها اللي احنا عاوزينه وأنتم هنا علشان تساعدونا بس مش أكتر. أحرار إيه وبتاع إيه!

دوت في فراغ ساحة الكنيسة شخرة أقوى من شخرة يوسف، انتبهت إنها صدرت من الرجل الذي زرته ولم يتكلم، نظرنا إليه ولكنه لم يتكلم هذه المرة أيضًا. تشجعت البنت التي ترتدي ملابس رياضية وقالت باستنكار، فيما يبدو أنه امتداد للشخرة أو كأنها تتكلم بلسان الرجل الذي لا يتكلم كنيستك أنت وأختك!

رد يوسف مشرشحا أيوه أنا وأختي! 

شخرت الفتاة شخرة رقيقة، يبدو أنها أول شخرة في حياتها، تبعتها شخرات من السيدة الوقورة الجالسة خلفها ثم الرجل في البدلة الرسمية على اليمين، ثم محاولة غير ناجحة من الصبي الجالس بجانب السيدة الوقورة، ثم شخر أبو سحر شخرة صعيدية فاخرة، أنا شخرت من الضحك شخرة خافتة لم يسمعها غيري وأنا أنظر إلى جدار الكنيسة خلف يوسف والصورة الكبيرة للمسيح وهو يرفع سبابته أمام فمه.

شتمنا يوسف وصرخ فينا يطردنا.

بدأ انفضاض الاجتماع بقيام السيدة الوقورة والصبي، تبعهما الرجل في البدلة الرسمية ثم الرجل الذي لا يتكلم، ويوسف يصرخ فينا أن نخرج جميعًا وأنه سيدافع وحده عن الكنيسة. توجه إليه أبو سحر وسمعنا يوسف يصرخ مجددًا أنه لن يدفع إكرامية من أجل أن يدخل كنيسته وكنيسة أخته.

انتظرت الشابة التي ترتدي الملابس الرياضية، وسألتها إلى أين ستجري، فقالت إلى الفيوم.

حملت مرتبتي من داخل غرفتي ووضعتها في ممر الفندق الذي تملكه الفتاة التي ترتدي الملابس الرياضية في الفيوم، استلقيت على المرتبة في الممر.

خرجت الفتاة التي لا تزال ترتدي الملابس الرياضية من غرفتها واندهشت، ولكنها لوت شفتيها وقالت لا بأس فأنا النزيل الوحيد في الفندق الآن، وأخبرتني أن العشاء جاهز لو أردت أن نتعشى سويًا، وأنعشت «سويًا» هذه، إلى جانب أني النزيل الوحيد، خاطرًا أتاني في اجتماع الكنيسة.

في مطعم الفندق جلسنا سويًا إلى طبلية كبيرة، أنا وهي وأربعة من العمال والعاملات الأربعة، بينهم أم منير، وتبدد الخاطر الذي أتاني في اجتماع الكنيسة. أنهيت عشائي سريعًا وعدت إلى مرتبتي فوجدت صديق طفولة مستلق عليها.

صرخت فيه بفرحة فقام يصرخ هو الآخر، أردت أن أتقدم وأحتضنه، ولكنه ذكرني بما نحن فيه، فوقفنا على مسافة متر ونصف وأذرعنا ممدودة في وضع الاستعداد للاحتضان ونحن نهتف بسعادة  إيه الصدفة دي عامل إيه وإيه اللي جابك هنا وقاعد قد إيه وأنا كنت فاكر إني لوحدي هنا وأنا كمان كنت فاكر كدا ولكن صدفة جميلة حقيقي.

سألني أين غرفتي فقلت له إنني أنام على هذه المرتبة، فقال إنها مرتبته هو وإنه أخرجها بنفسه من غرفته لينام عليها في الممر. تذكرت سخافته وكذبه وتشبثه بالأشياء أثناء طفولتنا، وتذكرت تساهلي معه فقلت له إن ما كان يحدث لن يتكرر يا صديقي، تشبث أكثر كعادته ولم أتساهل معه كعادتي، بدأ هو في إهانتي فأهنته، مدّ يده فبادلته التناوش ثم اشتبكنا ووقعنا أرضًا وتدحرجنا نتعارك حتى وجدنا رأسينا بجانب الحذاء الرياضي الذي لا تزال ترتديه الفتاة مع ملابسها الرياضية. كانت تحدق بنا وهي تمد ذراعيها اندهاشًا، ولكنها بدت أيضًا في وضع الاستعداد للأحضان، وشخرت لنا. 

حملنا المرتبة، كلٌ منا من طرف، أنا وصديق الطفولة، وتذكرت أن بيننا ذكريات جميلة، المشترك بينها هو تعرضنا لعقاب جماعي ننسى فيه من الظالم ومن المظلوم. طردتنا الفتاة التي ترتدي الملابس الرياضية وطلبت منا أن نحرك المرتبة من مكانها في الممر، لم تقل لنا أين نضعها، في غرفتي أو غرفته، فتواطأنا على سرقتها.

اقترح صديق الطفولة أن نتوجه إلى مدينة الطلبة لنبيت هناك، هي قريبة. سرنا حاملين المرتبة، نتبادل دور من يسير بظهره، تقبل ذلك بدون المزيد من السخافات، يبدو دائمًا ألطف بعد أن أبادله السخافة.

وصلنا وعبرنا سورًا إلى ساحة واسعة ثم إلى مبنى رخامي ضخم، أمام شباك مكتب الاستعلامات قالت لنا موظفة ترتدي كمامة إن الغرف كلها ممتلئة، ولكن المكتبة مفتوحة للجميع.

سرنا نبحث عن المكتبة، وجدنا قاعة للندوات، وضعنا المرتبة ودخلنا نتفرج. كانت ممتلئة عن آخرها. من يجلسون في الصفوف الأمامية كلهم نائمون، والصفوف الخلفية يتبادلون أحاديث جانبية صاخبة، المنصة خالية وخلفها شاشة كبيرة يظهر عليها الرجل الذي يتكلم بلا صوت منهمك في الحديث الصامت، وعندما رآني توقف عن الحديث للحظة يتأملني في تشكك ثم أشاح بوجهه وأكمل كلامه بلا صوت.

دخلنا المكتبة حاملين المرتبة، كانت الهياكل الخشبية لأرفف الكتب تقسم المكان إلى ما يشبه الغرف، وبينها كانت أعداد من الطلبة، يبدون من جنسيات مختلفة، يحتلونها بمراتب ووسائد وملاءات كاروهات مخصصة للتنزه، يقرأون أو منكفئين على تليفوناتهم أو يستلقون يحدقون في السقف وسماعاتهم في آذانهم.

وضعنا المرتبة في مساحة خالية، وجلسنا عليها نستريح، جاءت فتاة سمراء رشيقة تحدثت إلينا بالفرنسية، فقلت بالإنجليزية إننا لا نعرف الفرنسية، فقالت شيئًا أظنه بالدارجة الجزائرية الممتزجة بالفرنسية، فقلت بالإنجليزية إننا لا نفهم أيضًا، تنهدت في نفاد صبر، وأشارت إليّ وإلى صديقي بسبابتي يديها مضمومتين وهزت رأسها بالنفي، وأبعدت سبابتيها واحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار، ففهمنا.

نظرت أنا وصديق الطفولة إلى بعضنا البعض فابتسم في سخافة متحمسة وشعرت أني مللت من ذلك فقمت وتركت المرتبة له.

تمشيت في المكتبة أتفرج على الكتب فوق الرفوف، ومن المسافات بين الكتب أتلصص على الشباب والشابات في مساحاتهم المعزولة. انتبهت إلى أن الفتاة الجزائرية، أظن ذلك، تتبعني. نظرت إليها مبتسمًا فأشارت إليّ أن أتبعها.

فيما يبدو أنها مساحتها في ركن معزول في نهاية القاعة، جلستْ على مرتبتها وابتسمتْ، ظننتُ أني فهمت، أشرتُ إليها إن كانت تسمح أن أشاركها المرتبة، هزتْ كتفيها ومطتْ شفتيها وهي تبتسم لتخلي مسؤوليتها. جلستُ بجانبها ونظرتُ إليها وظللت ساكنًا. قلبتْ جفنيها مستنكرة فهززتُ كتفيّ وابتسمتُ لأخلي مسؤوليتي. نفختْ في نفاد صبر، وببطء سحبتْ كتفي لتجعلني أستلقي على ظهري، جلستُ فوق فخذي وبدأتْ تخلع عني التيشيرت، وضعتُ كفي على فخذها فوضعتْ يدها على يدي وهزتْ رأسها رافضة، تراجعتْ قليلًا إلى الوراء وبدأتْ تخلع عني الشورت، مددتُ يدي على شعرها، فهزت رأسها بعنف وقالت شيئًا بالفرنسية لم أفهمه، ولكن تبينت منه كلمة  لا وكلمة تشبه consent.

خلعتْ عني الشورت وتركتني باللباس الداخلي ثم عادتْ لتعتلي ساقيّ وتميل بوجهها على وجهي، لامستْ شفيتها شفتيّ، وعندما تجاوبتْ شفتاي توقفتُ هي ورفعتْ رأسها وصفعتني صفعة خفيفة في غضب، بدا لي مصطنعًا، وأشارتْ إلى نفسها وهزتْ رأسها بالإيجاب، ثم إليّ وهزتْ رأسها بالنفي ثم عادت لتقبيلي.

استسلمتُ لثوانٍ ثم شعرتُ بالكدر فدفعتها عني جانبًا في حدة، انقلبت على جنبها وبدأت تشتمني بالفرنسية وقامتْ وأخذتْ الشورت والتيشيرت وابتعدتْ في غضب، حقيقي هذه المرة.

قمتُ مرتبكًا واحتميتُ بأرفف الكتب وتطلعتُ أنظر من ورائها إلى أين ذهبتْ بملابسي، فوجدت أبو سحر واقفًا مبتسمًا ويحمل معه ملابس معلقة على شماعة مغطاة بكيس شفاف عليه شعار المغسلة التي يأخذ ملابسي إليها.

ارتديت ملابس جري أخرى وأنا أواجه ابتسامة أبو سحر بصرامة، أخبرته أن لديّ اجتماعًا يجب أن أتحرك إليه فورًا، قال مستنكرًا إن العالم كله يعمل من البيت، فأجبته أن مديرنا يعمل من البيت وسنذهب إليه لنعمل معه من بيته. 

في بيت المدير، استقبلتني سكرتيرة بفستان سهرة، وقادتني عبر ممر، كانت به مرتبة تشغل كامل عرضه، خطونا فوقها، وتوقفنا أمام غرفة وطرقتْ هي الباب طرقتين وفتحتْ وأشارتْ إلى أن أدخل.

كان المدير الذي يشبه ألبير قصيري، أو لعله هو، يستلقي ببدلة كاملة وحذاء جلدي لامع على سرير. وفي أنحاء الغرفة، التي كانت غرفة نوم واسعة، فتيات بفساتين سهرة، لا أعرف منهن إلا سارة.

صفق بيده وأشار لنا لنقترب، توجهت الفتيات إلى السرير وصعدن وجلسن حول ألبير وهم يعدلن من وضع فساتينهن في دلال. توجهت أنا أيضا خجلانًا من ملابس الجري التي أرتديها، وخجلانًا بشكل عام، ولكن سارة شجعتني بابتسامة مرحة. جلستُ على طرف السرير بالقرب من سارة، ورأيتهم يقدمن إليه ملفات يتطلع فيها بتمهل وصرامة وتجهم، ذهبتُ وأحضرتُ ملفًا وانتظرتُ دوري، كانت أوراق الملف بيضاء خالية فكتبت فيها ما حدث بيني وبين الفتاة الجزائرية، وعندما حان دوري قدمتُ له الملف، قرأه بصرامة وتجهم، ثم نظر لي في غضب وقال كلامًا بالفرنسية، ضحكتْ سارة ومالتْ عليّ وقالت إنه يقول إنني ذكر متصلب غبي. 

واصل ألبير حديثه الغاضب، فقالت لي وهي تضحك بشدة إنه يطردني ويقول ألا يكفي أنني عكرت صفو الأنوثة التي تملأ الغرفة. قالتْ له كلامًا بالفرنسية وأشارتْ إلى الخارج فهز رأسه وأشاح بكفه، ففهمت أنها كانت تستأذنه لتصحبني إلى الخارج.

خرجتْ معي إلى الغرفة وخطونا مرة أخرى فوق المرتبة في الممر، وعندما خرجنا من الشقة سألتني ضاحكة متى كانت آخر مرة ذهبت فيها إلى الحلاق.

أمام معسكر الحلاقة الذي يحتل مدرسة ابتدائية كان جنود الجيش يرتدون الكمامات وينظمون حشدًا كبيرًا من الرجال في طابور، يضبطون مسافات واسعة بينهم، معظمهم يرتدون جلاليب وعمائم، وقفت أنا وسارة في الطابور، كانت سارة لا تزال تبتسم وتضحك من حين لآخر، وعيون الرجال تتنقل بين فستانها وبين ملابس الجري.

جاء دورنا وصعدنا مع جندي يرتدي كمامة ووقفنا أمام لوحة ضخمة وطلب بطاقتي الشخصية ونظر فيها وبحث عن رقم ما في القائمة، وقال لنا  لجنة رقم سبعة وعشرين.

قادنا إلى لجنة سبعة وعشرين، طلب من سارة الانتظار بالخارج، فجلست على دكة في آخر الممر، أخذني الجندي إلى منضدة عليها صناديق اقتراع، وخلفها ضابط طلب مني التوقيع في كشف وأن أغمس إصبعي في الحبر الفوسفوري، ثم أشار إلى ستار توجهت خلفه، استقبلني جندي بكمامة وأجلسني على كرسي الحلاقة. فكرت في أن أقول له كيف أحب أن أقص شعري، ولكنه قبض بيده على عنقي بقسوة وحلق لي شعري كله على الزيرو بالماكينة وحلق لي شاربي ولحيتي أيضًا، شخرت له. حملني من ياقة التيشيرت بعنف وألقى بي إلى خارج الستار فاستقبلني الضابط الذي طاردني إلى بيت جارتي، وضع في يدي الكلابشات ثم جذبني من ياقتي وجرني إلى الخارج. 

شهقت سارة أول ما رأتني، ومالت برأسها إلى الخلف تضحك وتغطي فمها بيديها، وخمنت أن ذلك بسبب منظري فابتسمت محرجًا ورفعت كلتا يدي بالكلابشات مودعًا فأشارت لي بكفها باي باي وهي تضحك. 

رشّ وكيل النيابة على وجهي وملابسي بضع دفقات من بخاخة ما، ثم أمرني أن أجلس بجانبه فجلست. أمام مكتبه كان يجلس اللواء رئيس اتحاد الملاك ينظر لي شذرًا وبجواره ابنته ممسكة بيده وهي لا تزال ترتدي المايوه ومعها العوامة البطة التي تنظر بعينين واسعتين من فوق رأس البنت إلى وجه اللواء.

على كنبتين في آخر الغرفة كانت هناك الفتاة التي ترتدي الملابس الرياضية والفتاة الجزائرية وجارتي بفستانها القصير وأبوها وصديق الطفولة وصديقي الذي يدخن الشيشة بملابس البحر وأمل وصديقتنا المشتركة، وسارة بفستان السهرة والرجل الذي لا يتكلم، وبدا لي الآن أنه يشبه محمود ياسين أو أنه هو، وإلى جوارهم وقف أبو سحر يدخن وأم منير تبكي، وبسّام يهز رأسه رأسيًا ويغمض عينيه يحاول أن يقنعني بشيء، ودعاء تهز رأسها أفقيًا وتربت بكفها على أعلى صدرها تحاول أن تعتذر عن شيء.

وضع وكيل النيابة أمامي ورقة وقلمًا، وأملى عليّ فبدأت أكتب، أملى عليّ إقراري واعترافي بارتياد مقهى غير مرخص وخرق حظر التجول ومقاومة السلطات وتحريض أم منير على غلق الباب في وجه ضابط وتجاهل خبطه على الباب ومساعدة صديقة فلسطينية وصديقة مشتركة على الدخول إلى البلاد بدون تصريح، والإقامة بشقة جارتي بدون إذن أبيها والهروب من الزواج ومحاولة الانتحار بالقفز من نافذة شقة جارتي والاشتراك في اجتماع طائفة محظورة والتخطيط مع المخرج الراحل يوسف شاهين من أجل الاستيلاء على كنيسة أثرية ثم التخلي عن مساعدته والجري إلى الفيوم مع فتاة ترتدي ملابس رياضية والتشاجر مع صديق طفولة وسرقة مرتبة فندق والجلوس إلى جوار صديق الطفولة على المرتبة بالمخالفة لتعليمات وزارة الصحة والتحرش بفتاة جزائرية وإثارة غضب الكاتب الراحل ألبير قصيري بسبب رفض الاستسلام لرغبات الفتاة الجزائرية واصطحاب فتاة بفستان سهرة إلى معسكر الحلاقة وإهانة الحلاق العسكري والشخر بدون تصريح.

مال عليّ وكيل النيابة يتأكد أني كتبت كل شيء، ثم أملى عليّ قراره بإخلاء سبيلي بضمان سيادة اللواء رئيس اتحاد الملاك.

توقفت عن الكتابة ونظرت إلى وكيل النيابة ثم إلى اللواء مندهشًا، كان لا يزال ينظر إليّ شذرًا، فكتبت بدلًا من قرار إخلاء سبيلي قرارًا بحبسي أربعة أيام على ذمة التحقيق على أن يتم التجديد في الموعد.

مد أبو سحر يده اليسرى بعلبة السجائر فأخذت منها سيجارة بيمناي، بينما يمناه مقيدة إلى يسراي بالكلابشات، وسألني عن سر سعادتي المفاجئة فلم أجبه. تناولت منه العلبة فالتقط هو منها سيجارة، وأدرتها إلى الجندي المصاحب لنا، فالتقط سيجارتين وأعطى واحدة للعربجي الذي يمسك بزمام الحصان الذي يجر عربة الترحيلات الكارو، ثم أخرج ولاعته وأشعل لنا سجائرنا جميعا ثم سيجارته. 

سألت أبو سحر ماذا فعل، فقال لي، ورأسه تتمايل مع اهتزاز العربة ووقع أرجل الحصان، أن الجندي الحلاق حاول أن يحلق له شاربه فقام ونطحه وشج له رأسه.

في الزنزانة وجدت كل أثاث بيتي هناك، وزياد يجلس مستلقيًا على كنبتي الحمراء، رآني فلوّح لي مرحبًا من بعيد بلا اندهاش كأني كنت معهم منذ قليل أو كأنه يعرف أني قادم، وقام من مكانه يمشي تجاهي وهو يقول  إيه اللي جابك هنا يا عرص، بيقبضوا على اللي بيكتبوا أحلامهم ولا إيه؟

ضحكت وجرجرت أبو سحر معي وهممت باحتضان زياد بذراع واحدة ثم ترددت عندما تذكرت،  احتضنني هو بقوة بكلتا ذراعيه وقال لي إن الأحضان ليست ممنوعة هنا، واحتضن أبو سحر أيضًا وهو يقول إنهم نظموا إضرابًا كبيرًا شارك فيه كل السجن فاستجابوا لمطلبهم بالسماح بالأحضان بينهم وبين القادمين الجدد، بالإضافة إلى مطلب آخر لم يحلموا أن يُستجاب له.

قادني مع أبو سحر إلى ركن مظلم أمام شاشة كبيرة يسقط عليها ضوء بروجيكتور يعرض كل دقيقة ميم meme مختلفة، على الضوء الخافت للبروجيكتور تبينت وجوه العديد من الأصدقاء الذين كانوا منهمكين في متابعة الميمز والضحك المصحوب بالشخرات.

غلبتني دموع الفرح ودموع الضحك على الميمز، وأبو سحر بجانبي يحدق في الشاشة يحاول أن يفهم بارتباك ما هو المضحك ولكنه يشاركنا الضحك أو يضحك علينا.
رفعت ظهر كفي أمسح دموعي ونظرت خلف البروجيكتور فرأيت باتريك يديره ضاحكًا ويقوم بتغيير الميمز المعروضة من لابتوب ولوح لي بيده محييًا. 

نمت لأول مرة منذ خبط أبو سحر على الباب، نومًا طويلًا عميقًا، حلمت فيه بأني أعود منهكًا من الجري أنتظر الأسانسير مع زحام من الناس، يبدون من جنسيات مختلفة، نقف جميعًا على مسافة مترين من فراغ الأسانسير. وصل الأسانسير وانفتح الباب الأوتوماتيكي فتراجعوا جميعًا إلى الوراء أكثر فتراجعت معهم، إلا واحدًا تقدم ليدخل فصاحوا فيه وقالوا أشياءً بالإيطالية فالتفت إلينا مستفهمًا. انزاحت الأرضية تحت أقدامه وهوى وهو يصرخ وهم يصرخون. شعرت باضطراب لكن لم أصرخ، بدوت لهم هادئًا وغير مبالٍ ونظروا إليّ باستنكار.

انغلق الباب وصعد الأسانسير خاليًا، ثم عاد بعد دقائق وانفتح الباب وكان مليئًا بالناس، صرخوا فيهم يحذرونهم بكل اللغات، فلم يتحرك أحد ليخرج. هدأوا جميعًا. لمحت أمي داخل الأسانسير فصرخت أحذرها في هيستيريا وانفجرت دموعي، نظروا إليّ باستنكار. كانت أمي هادئة تبتسم باطمئنان، ولكنها انزعجت عندما رأتني أبكي فأخرجت تليفونها من حقيبتها ولوحت لي به، ثم اتصلت بي وأتاني صوتها يقول كل شيء سيكون على ما يرام يا حبيبي.

حاولت أن أوقف بكائي وأمسح دموعي فبدأت أكح بعنف، ذكرتني معاتبة بوعدي لها أن أخفف من التدخين. كتمتُ الكحة تدريجيًا، صمتنا للحظات، سمعتُ صوت كحتها الخفيفة ثم صوتها وهي تضحك وتقول إنها أيضا ستحاول التخفيف من التدخين.

استيقظت وأنا أضحك وأمسح دموعي بيمناي، بينما يسراي لا تزال مقيدة إلى يمين أبو سحر الذي يهدر شخيره وسط شخير أصدقائي المتناثرين في الزنزانة. تذكرت آخر مرة كنا ننام سويًا بهذا القرب، ملأت ضوضاء شخيرهم قلبي بالدفء والمسخرة، فاستسلمت لدموعي وأنا أضحك عليهم وأبكي من فرط السعادة. 

الرسوم المصاحبة للنص: جوهرة مدكور

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن