ما تحتاج معرفته عن تراجع الاحتياطي الأجنبي
 
 

أكثر من ثمانية مليارات دولار فقدها الاحتياطي النقدي الأجنبي في شهرين، مارس وأبريل، على خلفية «تداعيات انتشار فيروس كورونا على الأسواق العالمية»، تبعًا لبيان البنك المركزي حول تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي، وهو تراجع يمثل إجمالًا 18.6% من الاحتياطي النقدي في شهر فبراير. 

وكان البنك المركزي قد أعلن في 7 مايو الجاري في بيان عن تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي بثلاثة مليارات دولار ليصل إلى 37.037 مليار دولار في أبريل الماضي، مقابل 40.108 مليار دولار في مارس، وهو الشهر الذي كان قد شهد أيضًا انخفاضًا في الاحتياطي النقدي الأجنبي تجاوز خمسة مليارات دولار. 

ما هو مستوى خطورة تراجع احتياطي النقد؟ وما الذي نفهمه عن أسباب التراجع؟

يوضح إسماعيل حسن، محافظ البنك المركزي الأسبق، كيف يتكون الاحتياطي من النقد الأجنبي، قائلًا لـ«مدى مصر» إن «الاحتياطي من النقد الأجنبي يتكون في الأساس عبر شراء البنك المركزي للنقد الأجنبي من البنوك، بالإضافة للاقتراض الخارجي. وفضلًا عن ذلك يشمل الاحتياطي النقدي الأجنبي كميات من الذهب يحتفظ بها البنك المركزي كمخزن للقيمة، بالظبط كما قد يفعل أي شخص كسلوك ادخاري معتاد»، مضيفًا أن «الاحتياطي النقدي يشمل كذلك ما يعرف بحقوق السحب الخاصة (SDR) وهي عملة مختلقة يصدرها صندوق النقد الدولي، يمكن مبادلتها بأي عملة، ويشتريها البنك المركزي من صندوق النقد الدولي ويستخدمها كما يستخدم الذهب كمخزن للقيمة». 

وتمثل الواردات أبرز معايير تقييم الاحتياطات النقدية، وهو معيار قائم على تصور عدد الشهور التي يمكن للاحتياطي النقدي تغطية واردات البلاد، في حال -وهو افتراض نظري صعب تحققه- أن كل موارد البلاد من العملة الأجنبية قد توقفت في وقت واحد، وأن الاحتياطي النقدي سيستخدم كله في تغطية الاستيراد فقط. 

لم يذكر البيان عدد شهور الواردات التي يغطيها الاحتياطي النقدي بعد انخفاضه الأخير في أبريل. لكن في كل الأحوال، يمكن استنتاج عدد شهور الواردات التي يغطيها الاحتياطي النقدي بعد انخفاضه بشكل تقريبي، استنادًا لمتوسط قيمة الواردات في النصف الأول من العام المالي الحالي، من يوليو حتى نهاية ديسمبر، وهو المتوسط الذي استخدمه البنك المركزي في قياس عدد شهور الواردات السلعية التي يغطيها الاحتياطي النقدي في الشهور الثلاثة السابقة، مارس وفبراير ويناير، كما قال في نشرته الشهرية الأخيرة. 

واستنادًا لهذا المعيار، فاحتياجات مصر من الواردات السلعية شهريًا يصل في المتوسط إلى 5.5 مليار دولار تقريبًا، ويفترض بناء على ذلك أن يمثل عدد الشهور التي يغطيها الاحتياطي من النقد الأجنبي بحجمه الحالي 6.7 شهر. ويُظهر الشكل التالي تطور الاحتياطي النقدي وعدد الشهور التي يغطيها في الفترة ما بين يونيو 2015 إلى أبريل الماضي. 

المصدر: النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي عن شهر أبريل وحسابات «مدى مصر» 

ويتضح من الشكل السابق أن عدد شهور الواردات التي يغطيها الاحتياطي النقدي قد انخفض من 8.3 شهر في فبراير الماضي إلى 7.3 شهر في مارس، ثم إلى 6.7 شهر في أبريل الماضي. 

ويتخطى المتوسط العالمي لعدد شهور الواردات التي يغطيها الاحتياطي النقدي الأجنبي 10.8 شهور، وفقًا لأحدث بيانات متوفرة للبنك الدولي. لكن مع ذلك، فالمستوى الحالي من عدد شهور الواردات التي يغطيها الاحتياطي النقدي الأجنبي لا زال آمنا، فالحد الأدنى الذي يعد مقبولًا أو آمنا في هذا السياق، تبعًا لصندوق النقد الدولي، لا يتعدى ثلاثة شهور، تبعا لمؤشرات تقييم هشاشة الاحتياطي النقدي والديون الصادرة عن الصندوق. 

أرجع البنك المركزي في البيان هذا التراجع في الاحتياطي النقدي إلى ثلاثة أسباب: استخدامه «حوالي 3.1 مليار دولار أمريكي من الاحتياطي النقدي الدولي لتغطية احتياجات السوق المصري من النقد الأجنبي لضمان استيراد سلع استراتيجية، بالإضافة إلى سداد الالتزامات الدولية الخاصة بالمديونية الخارجية للدولة تقدر بنحو 1.6 مليار دولار، والتي تضمنت استحقاق سندات دولية بمبلغ مليار دولار، وكذلك خروج بعض المستثمرين من خلال آلية البنك المركزي لتحويل أموال المستثمرين الأجانب» بحسب نص البيان. 

النص الخاص بتغطية احتياجات السوق المصري من النقد الأجنبي لضمان استيراد سلع استراتيجية يمثل من وجهة نظر عالية المهدي، العميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وسامر عطا الله، أستاذ مساعد في قسم الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تعبيرًا عن تدخل البنك المركزي لدعم سعر الجنيه عبر توفير الاحتياجات من النقد الأجنبي التي يفترض أن توفرها البنوك، إذ يمثل المزيد من العرض من النقد الأجنبي من قبل البنك المركزي في مقابل الطلب عليه من قبل المستوردين كبحًا لسعر الدولار مقابل الجنيه. 

ويوضح محافظ البنك المركزي الأسبق، إن قائمة السلع الاستراتيجية هي في الأساس السلع الغذائية والدوائية وواردات الحكومة، و«بصورة عامة لا يوجد قانون ثابت يوضح طبيعة السلع الأساسية»، حسبما أَضاف. 

وترى المهدي أن «الوضع الطبيعي» هو توفير البنك المركزي للنقد الأجنبي الضروري لتغطية واردات الحكومة فقط، لكن النص السابق يعني أنه يسهم عبر الاحتياطي النقدي في توفير النقد الأجنبي الضروري لتغطية واردات القطاع الخاص أيضًا، وهو ما يعد تدخلًا لحماية سعر الجنيه من التراجع.

ويقول عطا الله «بشكل واضح، التدخل لتوفير الاحتياجات المتعلقة بالواردات يمثل تدخلًا في سعر الجنيه». 

وبصورة عامة، فقد شهد سعر الجنيه استقرارًا واضحًا بالرغم من تراجع موارد البلاد من النقد الأجنبي على نحو قياسي على خلفية أزمة تفشي أزمة كورونا على نحو عزز من التكهنات بشأن تدخل البنك المركزي لدعم الجنيه، كما يتضح مثلًا في مذكرة بحثية من شركة «ان كيه سي افريكان ايكونوميكس» للاستشارات المالية لعملائها قبل أيام. 

إذ قالت الشركة في المذكرة التي اطلع عليها «مدى مصر» إن «الاستقرار النسبي لسعر الجنيه منذ منتصف مارس [الماضي] وحتى نهاية أبريل [الماضي] وارتفاع سعره على نحو طفيف، يثير التساؤل حول ما إن كان البنك المركزي يتدخل للحفاظ على قوة الجنيه على نحو مصطنع». 

كان الجنيه قد واصل، بلا انقطاع تقريبًا، رحلة صعود طويلة في سعره منذ بداية العام الماضي وحتى الثلث الأخير من فبراير الماضي. فخلال فترة امتدت لسنة وشهرين تقريبًا، ارتفع سعر الجنيه المصري بقيمة جنيهين و37 قرشًا، تبعًا لبيانات بلومبرج.

أما السبب الثاني لتراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي وفقًا للبيان، فهو سداد التزامات خارجية تتعلق بالمديونيات الخارجية. ويرتبط هذا السبب بمؤشر يُستخدم في تقييم مدى قوة أو ضعف الاحتياطيات من النقد الأجنبي، وفقًا لصندوق النقد الدولي، وهو حجم الدين الخارجي قصير الأجل، الذي يُفترض سداد أقساطه في الأجل القصير، كنسبة من الاحتياطي من النقد الأجنبي. ووفقًا لهذا المفهوم، كلما انخفضت النسبة كان ذلك دليلًا على قوة الاحتياطي من النقد الأجنبي والعكس صحيح. ويُظهر الشكل التالي تطور الدين الخارجي قصير الأجل كنسبة من الاحتياطي من النقد الأجنبي خلال الفترة التي تمتد من 2014/2015 وهي الفترة التي شهدت استدانة مصر بصورة كبيرة، حتى الربع الأول من عام 2019/2020، أي نهاية سبتمبر الماضي. 

المصدر: النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي المصري عن شهر أبريل 

ويُظهر الشكل السابق تحسن وضع الاحتياطي النقدي وفقًا لهذا المعيار، إذ اتجهت الحكومة في سياسة معلنة لها لتقليل الاعتماد على الدين الخارجي قصير الأجل على نحو واضح، ما أدى لانخفاض نسبة الدين الخارجي للاحتياطي النقدي الأجنبي بشكل تدريجي من 40% في 2015/2016 إلى 25.5% بنهاية سبتمبر الماضي. 

وبالرغم من ارتفاع الدين الخارجي ليصل إلى 112.6 مليار دولار في نهاية 2019، إلا أن معيار قوة الاحتياطي النقدي الأجنبي هذا يستند إلى نسبة الدين قصير الأجل فقط إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي أي الديون الذي يتعين على البنك المركزي تغطيتها في الأجل القصير باستخدام الاحتياطي النقدي الأجنبي. والدين الخارجي قصير الأجل، هو الدين الخارجي الذي يستحق سداده خلال سنة واحدة، تبعًا لتعريف تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري. 

أما السبب الثالث لتراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي، فهو إنفاق البنك المركزي على سداد مستحقات المستثمرين الأجانب عبر آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب. ويقصد بهذا أن البنك المركزي سدد مستحقات مستثمرين أجانب تخارجوا من سوق الأذون والسندات الحكومية -أدوات دين حكومية- بالنقد الأجنبي. وكان البنك المركزي قد أطلق آلية لتشجيع المستثمرين الأجانب على إقراض الحكومة المصرية بعد قرار تحرير سعر الجنيه تستند إلى شراء المستثمرين الأجانب للجنيه من البنك المركزي وإيداع النقد الأجنبي في المقابل، ثم شراء أدوات الدين الحكومية مقابل ضمان البنك المركزي لحصول المستثمرين على مستحقاتهم بالدولار لاحقًا منه. وهي آلية جرى إلغائها في 2018، وبالتالي فقد أصبح على المستثمرين الدخول لشراء الجنيه من البنوك واسترداد أموالهم لاحقًا من البنوك أيضًا، لكن البنك المركزي استمر في تسديد مستحقات المستثمرين الذين دخلوا السوق بالنظام القديم فقط. 

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن