«غزل المحلة».. كسوة شعب وسلاحه في مواجهة «كورونا»
 
 

شهر ويوم واحد يفصلان بين إعلان وزارة الصحة المصرية عن اكتشاف أول مصري مُصاب بفيروس كورونا المُستجَد في مصر في الخامس من مارس الماضي، وإعلان شركة مصر للغزل و النسيج والمعروفة بـ«غزل المحلة»  في السادس من أبريل الماضي عن تحويل أحد خطوط الإنتاج بالشركة لتصنيع الكمامات بعد أن شهد سوق المستلزمات الطبية نقصًا حادًا فيها.

وكانت السوق المصرية قد شهدت أزمة نقص الكمامات بدأت في فبراير الماضي بسبب زيادة الطلب عليها، وهو ما رفع السعر بنحو 500%.

شركة مصر للغزل و النسيج واحدة من شركات القطاع العام التي بزغ نجمها مجددًا في أزمة «كورونا»، فقد سبقتها شركة «قسمة والشبراويشى» بمنتجاتها التي تحتوي على كحول إيثيلي بنسبة 70% لتحل جزء من أزمة نقص المطهرات في السوق المصري إبان انتشار فيروس كورونا المستجد. وها هي «غزل المحلة» تستعيد مجدها القديم بالولوج إلى سوق المستلزمات الطبية بخطوط إنتاج قديمة عكف عمالها على تطويرها وتحويلها لزيادة الإنتاج المحلي للكمامات بنحو 30%.

مساهمة الشركة في حل أزمة الكمامات رواها لـ «مدى مصر» حمدي السيسي، فني بالشركة، وتتلخص في أن الكيميائي أسامة عاطف٬ رئيس قسم القطن الطبي٬ كان صاحب الفكرة الخاصة بتحويل الماكينات الموجودة لإنتاج الكمامات. «وبالفعل بدأنا بتنفيذ الخطة بخمسة فنيين لتحويل الماكينات لصناعة الكمامات. ننتج حاليًا 60 كمامة في الدقيقة أي بمعدل 3600 كمامة في الساعة أي نحو 1.5 مليون كمامة شهريًا (بمعدل عدد ساعات عمل 16 ساعة مقسمة على ورديتين و26 يوم عمل في الشهر)».. وبهذا تستطيع الشركة إنتاج نحو 18 مليون كمامة سنويًا.

إنتاج «مصر لغزل المحلة» من الكمامات يرفع إنتاج مصر السنوي من هذه السلعة بنحو 30% بعد أن كان يبلغ إنتاج مصر السنوي من الكمامات قبل الزيادة نحو 60 مليون كمامة سنويًا، بحسب مجلس الوزراء والغرف التجارية.

أكد السيسي على أن إنتاج الشركة من الكمامات لا يتم توريده للتجار مُطلقًا، وإنما يُورد للجمعيات الأهلية وقطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة ومديريات الأمن وأقسام الشرطة والجهات الحكومية التي تطلب هذا المنتج، وكذلك الشركات المختلفة التي تشتريه لغير أغراض البيع والاتجار مثل «أوراسكوم» و«المقاولون العرب» وغيرها من الشركات التي تقوم بالشراء لحماية ووقاية موظفيها، لافتًا إلى أن الحكومة قامت بتسعير إنتاج الشركة من الكمامات بجنيهن للكمامة. 

وبحسب محمد إسماعيل عبده٬ رئيس الشعبة العامة للمستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية٬ فإن مصر بها عشرة خطوط لإنتاج الكمامات وهي خطوط إنتاج ملحقة بمصانع للمستلزمات الطبية نظرًا لأن مصر دولة غير منتجة لهذه السلعة، موضحًا أن خطوط الإنتاج العشرة أُضيفت إلى مصانع المستلزمات في الوقت الذي انتشرت فيه «إنفلونزا الطيور»٬ التي ظهرت في مصر عام 2006 وكذلك «إنفلونزا الخنازير». وأضاف أن مصر قبل أزمة «كورونا» كانت تستورد نحو 180 مليون كمامة من الصين سنويًا لتكفي الاستهلاك المحلي بمعدلات قبل الأزمة والتي تتراوح بين 230 – 240 مليون كمامة سنويًا. وأرجع عبده عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكمامات بالصناعة المحلية رغم توافر خطوط الإنتاج إلى رخص تكلفة الكمامة المستوردة عن المنتجة محليًا؛ فتبلغ تكلفة الكمامة المنتجة محليًا نحو 12 قرشًا، فيما تصل تكلفة المستوردة لتسعة قروش فقط، لذا يفضّل تجار المستلزمات الطبية الاتجار في المستورد لانخفاض سعره مقارنة بالمحلي وبالتالي لم يكن الطلب مُشجعًا لزيادة الإنتاج محليًا.

«الشركة تعيش ملحمة» هكذا وصف السيسي الوضع العام بـ«مصر لغزل المحلة» التي قُسّم العمل فيها بين الـ 14 ألف عامل لتقليل كثافة التواجد وتجنب العدوى. وفي نفس الوقت عدم الإضرار بالإنتاج وخاصة أن الشركة تقوم بتصدير مختلف المنسوجات لنحو 37 دولة أوروبية وعربية. 

وكانت الشركة قد وقعت عقودًا تصديرية بقيمة 2.5 مليون دولار، خلال شهر يناير الماضي، مستهدفة صادرات بقيمة 60 مليون دولار بنهاية العام. ويبدو أن الشركة لن تتخلى عن مستهدفاتها حتى مع اضطرار أغلب الدول لوقف حركات تجاراتها الخارجية بسبب انتشار «كورونا»، فأعلنت «غزل المحلة» -مؤخرًا- اتجاهها للأسواق الإفريقية لتحقيق المستهدف التصديري لها٬ وهو ما أكده هشام أبو شامية٬ مدير عام التصدير بالشركة٬ في تصريحات صحفية٬ موضحًا أن 80 % من صادرات الشركة للأسواق الأوروبية معطلة بسبب غلق الحدود حاليًا، ولذا تدرس الشركة التوجه للسوق الإفريقية لتعويض فقد نظيرتها الأوروبية بفعل «كورونا». 

ملحمة اليوم في ظل الوباء ورائها قصة طويلة تمتد لقرابة قرن من صعود الشركة وتراجعها. نرويها هُنا باقتضاب:

«وفي الأيام الأولى لعام 1928 ذهبتُ إلى الكتاب كعادتي وإذ بمشايخ البلد يأتون ويطلبون منّا الذهاب إلي دوار العمدة وهناك وجدتُ أمي وأخواتي وكثير من نساء قريتنا والشبان والرجال والعيال وطلب منّا العمدة الجلوس ووقف واحد أفندي مع العمدة وتكلم بصوت عالي، قائلًا: يا أهالي كفر الحما، إحنا جينا عشان نتكلم معاكم. بنك مصر عمل مصنع يغزل القطن اللي انتم بتزرعوه ويعمل منه القماش اللي انتم بتلبسوه. كنّا زمان بنزرع القطن ليأخذه منّا الإنجليز. إحنا النهار ده بنزرع القطن وحنحوله إلى قماش، إحنا اللي حانزرع القطن وحنغزله وحننسجه عشان يبقى كل شيء من مصر. صناعة وطنية. ابعثوا بأبنائكم عشان يتعلموا صنعة، ولما حيتعلموا حياخدوا أجر كويس». 

هكذا روى القيادي العمالي فكري الخولي في روايته «الرحلة» الصادرة أحدث طباعتها عن دار «الكرمة» للنشر والتوزيع 2015 بدايات شركة مصر لغزل المحلة.

دعوة العمال للعمل بـ«غزل المحلة» كان الخطوة الثانية في تأسيس الشركة التي أنشأها طلعت حرب باشا في 1927 كإحدى شركات «بنك مصر»، برأس مال قدره 300 ألف جنيه، وارتفع  تدريجيًا ليصبح عام  1958 نحو 4 مليون جنيه، ويُقدر حاليًا بـ 1.5 مليار جنيه.

بدأت الشركة إنتاجها عام 1930 لتصبح بالتدريج -ومع مرور الوقت- أكبر شركة  نسجية في الشرق الأوسط، بل أن مدينة المحلة أصبحت بفضل وجود «مصر للغزل والنسيج» بها المدينة النسجية رقم 2 على مستوى العالم بعد مدينة مانشيستر، وكان يُطلق عليها «مانشيستر الشرق الأوسط»٬  بحسب حمدي السيسي.

تاريخ منتجات «مصر للغزل والنسيج» محفور في ذاكرة أبائنا وأجدادنا٬ فمنتجاتها من البدل والقمصان ارتداها الكثيرون منهم. كما كان إنتاج الشركة من قماش الكستور يُصرف على بطاقات الدعم، وهو القماش الأشهر في الستينيات والسبعينيات حتى أنه يكاد يكون الزي الرسمي للملابس المنزلية للأغنياء والفقراء على حد السواء في تلك الفترة. 

فيلم المليونير 1950

كانت الشركة قد بدأت عملها بـ2000 عامل، وصلوا فى 1952 إلى 16 ألف، حتى بلغوا 35 ألف عامل فى عام 1986. وفى عام 2007، انخفض عدد عمال شركة غزل المحلة إلى 27 ألف، ووصلوا إلى حوالى 16 ألف عام 2018. وزيادة عدد العمال بالشركة كان نتيجة طبيعية لزيادة معدلاتها الإنتاجية والتوسعات في خطوط الإنتاج والعنابر وتقلص عددهم أيضًا جاء نتيجة لتراجع أوضاع الشركة.

شهدت فترة التسعينيات تحولات جذرية في القطاع العام وصناعة الغزل والنسيج على وجه التحديد، وهو ما أدى إلى أفول نجم الشركة خاصة عقب صدور قانون 203 لعام 1991، الذي حوّل شركات القطاع العام إلى شركات قطاع أعمال، كما حوّل شركات الصناعة الوطنية إلى مجرد شركات تابعة لشركة قابضة، يشارك في مجلس إدارتها أعضاء من القطاع الخاص وهو ما يمثّل تضاربًا للمصالح  فعلى سبيل المثال يضمّ مجلس إدارة الشركة القابضة للغزل والنسيج في آخر تشكيل له ماري لوي بشارة وهي صاحبة عدد من خطوط إنتاج منها علامتي «بي تي إم» و«ماري لوي» التجاريتين. 

جمال عبد الناصر مرتديًا «كستور» المحلة

ثم في أعقاب ذلك، صدر قرار تحرير القطن المصرى في 1994، وهو ما أدى إلى ارتفاع سعر القطن نحو 5 أضعاف في ذلك الوقت ما رفع تكلفة الإنتاج لشركات الغزل المختلفة فنجد غزل المحلة خسرت 400 مليون جنيه في عام واحد بسبب قرار التحرير، وازدياد الاهتمام بالقطاع الخاص وارتفعت معدلات الاستيراد في كل القطاع مما خفض تنافسية المنتج المحلي. 

«في التسعينيات بدأ الاهتمام بالشركة يقل وبدأت عملية التخسير لصالح القطاع الخاص والمناطق الحرة،  لكنها ظلت متماسكة حتى منتصف عام 2005 – 2006 وتوالت عليها الإدارات التي تعمدت تخسيرها بالإهمال وعدم تحديث الماكينات وعدم اتخاذ أية إجراءات حمائية لدرجة أنه حتى وقت قريب كانت هناك بعض الخطوط تعمل بماكينات منذ 1955 دون تحديث» وفقًا للسيسي. 

وهو ما أكده فرج عواض٬ المفوض العام السابق للشركة٬ في تصريحات صحفية، مؤكدًا أن عمليات التحديث والتطوير توقفت في الشركة منذ بداية التسعينيات كما صُفى خط الموضة المسؤول عن إنتاج البدل والقمصان وحُوّل إلى خط إنتاج الوبريات والمفروشات.

وفي السياق نفسه٬ قال مصدر عمالي داخل الشركة طلب عدم ذكر اسمه٬ إن الاتجاه بعدم ضخ استثمارات حكومية داخل كل قطاع النسيج [وليس الشركة فقط] كان واضحًا في مظاهر عديدة. فعلى سبيل المثال كان يمكن للماكينات أن تقف أسابيع عن العمل بسبب قطع غيار تافهة، بحسب تعبيره. 

وأضاف أن أغلب شركات القطاع العام استُخدمت سياسيًا في مواسم الانتخابات البرلمانية، فكان يتمّ تعيين أعداد كبيرة بتدخل من المرشحين التابعين للحزب الحاكم [«الوطني» وقتها] وهو ما أرهق ميزانية الشركة بأجور إضافية كان يُمكن الاستغناء عنها. كما لفت العامل إلى أن تراجع الخدمات التسويقية ومراكز التسويق محليًا أدت إلى تراجع المبيعات٬ موضحًا أن منافذ مثل «بيع المصنوعات» و«بنزايون» و«عمر أفندي» وكل شركات التجارة المملوكة للدولة كانت تمثل خدمة تسويقية جيدة لمنتجات الشركة محليًا، وبعد تراجع دور هذه المنافذ بخصخصتها أو تأجيرها٬ فقدت «غزل المحلة» جزءًا من سوقها وهو ما أدى الى تدهور أوضاعها. 

ورصد الجهاز المركزي للمحاسبات الخسائر التي تكبدتها الشركة في السنوات من 2007 إلى 2011 والتي بلغت 600 مليون جنيه، وذلك على الرغم من إسقاط 952 مليون، هي ديون متراكمة على الشركة بـ 2007. 

التدهور الذي شهدته الشركة منتصف العقد الماضي أدى بالتبعية لتدهور أوضاع العمال، وهو ما كان سببًا رئيسيًا في عدة إضرابات قام بها عمال الشركة في عامي 2006 و2007، بينما كان الإضراب الأشهر لعمال الشركة في أبريل 2008 والذي فُضّ بقوة الأمن وانطلقت منه انتفاضة أبريل والتي كانت واحدة من أوجه الحراك السياسي التي مهدت لثورة 25 يناير 2011.

و بعد مرور نحو ثمان سنوات على الثورة التي كان الحراك العمالي للشركة نواة لها بدأت الدولة تفصح عن رؤيتها لقطاع الغزل والنسيج بالكامل متضمنًا شركات قطاع الأعمال العاملة في هذه الصناعة. تتلخص الرؤية في إعادة هيكلة الشركات العاملة في القطاع لوقف الخسائر وتطوير الانتاجية ويتمّ ذلك من وجهة نظر الحكومة من خلال دمج تدريجي لتسع شركات حلج وتجارة وكبس فى شركة واحدة، ودمج 22 شركة غزل ونسيج وصباغة في تسع شركات كبرى. وتتضمن خطة تطوير القطاع بحسب هشام توفيق وزير قطاع الأعمال إنشاء وحدة للتسويق المركزي والتصدير بالشركة القابضة لتسويق منتجات الشركات التابعة، وبحث فرص التوسع في أسواق ومنتجات جديدة محليًا وعالميًا، إلى جانب إجراءات ميكنة نُظم العمل بالشركات. وتستغرق الخطة نحو عامين ونصف العام للتنفيذ بحسب رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج.

وعن نصيب شركة مصر للغزل والنسيج من عملية التطوير٬ بحسب أشرف عزت رئيس الشركة٬ فإنه تمّ وضع خطة لتطوير الشركة عن طريق أحد المكاتب الاستشارية [وارنر]، وقد بدأ تنفيذ هذه الخطة وتشمل تطوير وتحديث 6 مصانع للغزل بالإضافة إلى إنشاء أكبر مصنع فى الشرق الأوسط  للغزل بطاقة غزل 200 طن قطن يوميًا، بالإضافة إلى تحديث 800 من ماكينات النسيج بطاقة إنتاجية 130 ألف متر / يومى، تُستخدم فى تصنيع أطقم الأَسرة والملاءات وغيره من المشغولات بقطن مصرى 100% للتصدير الخارجى، كما أنه من المقرر أن تُدمج الشركة مع «النصر»، لتصبح شركة واحدة باسم «مصر المحلة الجديدة»

وقال حمدي السيسي أن بعضًا من بنود خطة التطوير بدأ بالفعل حيث عقدت الشركة عددًا من ورش التدريب خلال شهري يناير وفبراير الماضيين لتدريب العاملين على كيفية استخدام الماكينات الجديدة التي ينتظرها العمال لاستعادة مجد «مصر للغزل والنسيج – غزل المحلة».

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن