وقائع موت بطيء.. أن تكون شادي حبش
«السجن ما بيموّتش.. بس الوحدة بتموّت»
 
 
 
شادي حبش - المصدر: صفحته على فيسبوك
 

«أول ما وصلت السجن كان أصحابي موجودين بقالهم شهرين هناك، شُفت شادي لأول مرة معاهم، كان شبهنا كده، شباب وما لناش في توجهات (سياسية) وبنحب الكورة والأفلام والمزيكا والمسلسلات، واحد صاحبي عرفني عليه وقالي إنه هو اللي أخرج أغنية رامي عصام، لما جيت أسلِّم عليه لقيته عينيه مدمعة، حاولت أهزر معاه شوية لكن صاحبي قالّي إنه من ساعة ما دخل السجن وهو مكتئب وبيتكلم بالعافية»، يقول عماد*، سجين سابق.

في منتصف 2018 تقريبًا، تعرّف عماد على المخرج شادي أشرف محمد، المعروف بـ شادي حبش، والمولود في أغسطس 1995، وزامله لعدة شهور داخل نفس العنبر في سجن طرة تحقيق، وبعد أول لقاء بينهما قرر أن حبش سيكون صديقه، فذهب إلى زنزانته خلال وقت التريض في اليوم التالي، أيقظه وقاما بالتمشية سويًا، شربا الشاي وحكيا كثيرًا، وحين تحدثا عن القضية قال حبش لصديقه الجديد: «ما كنتش أعرف إنهم هيقفشوا كده، دي أغنية يعني!».

بمرور الوقت، تكونت صداقة بين عماد وكلٍ من شادي حبش، والمدون والفنان الساخر شادى أبو زيد، المحبوس في عنبر آخر داخل السجن نفسه. كانت مواعيد زياراتهم واحدة، وكذلك مواعيد عرضهم على النيابة، وذلك قبل إحالة شادي حبش لغرفة مشورة جنايات في معهد أمناء الشرطة.

يقول عماد: «المرة الأولى اللي راح فيها جلسة مشورة كان عنده أمل كبير يخرج، ولما خد 45 يوم، رجع مصدوم وقعد يومين ما بيخرجش من زنزانته لغاية ما خرّجناه بالعافية. كان نفسه يخرج عشان يصلح سِنِتُه اللي كسرهالُه المخبر اللي قبض عليه، كان بيهزر ويقولي هاعمل هوليود سمايل ومساج أربع أيام لما أخرج». 

في أغسطس الماضي تجمع أصدقاء حبش في بيت والدته للاحتفال بعيد ميلاده، «لما عرف اتبسط قوي. هو كان متفائل وبيحاول ما يفقدش الأمل»، تتذكر صديقة طفولته، لمى أحمد، التي بقيت على تواصل مع صديقها في محبسه، عبر مراسيل من خلال زيارات اﻷهل.

«الدنيا مقلوبة علينا برة وأكيد هيكون في رد فعل للموضوع»

كان حبش شخصًا ودودًا واجتماعيًا، بحسب وصف عماد، لكن السجن تسبب له في اكتئاب ومشكلات نفسية كبيرة: «كان كتير بيقولّي أنا حاسس إني هاموت هنا، لكن في نفس الوقت ورغم اكتئابه، كان بيتعلق بأي حاجة تضحكه، أو تديه أمل. مرة في زيارة عرف إن فيه بوست اتكتب عنه هو وشادي أبوزيد، وإنهم فنانين موهوبين وحرام يضيع عمرهم، والبوست جاب حاجة وعشرين ألف لايك، كان فرحان قوي، وعمال يقول الدنيا مقلوبة علينا برة وأكيد هيكون فيه رد فعل للموضوع».

بخلاف الصور المنتشرة له على الإنترنت، مبتسمًا، أو يحمل الكاميرا، يتذكر عماد صديقه مرتديًا أفرول السجن، ومهمومًا أغلب الوقت. لم ينقطع الاتصال بينهما بعد خروج عماد من السجن، وفي آخر خطاب وصله منه، قال له حبش: «إيه يا عم، قلتلي هاخرج بعدك.. نسيتنا ولا إيه؟، أنا خلاص شكلي هاموت هنا».

تأرجح حبش بين الانهيار والتفاؤل كان ملحوظًا للمى أحمد أيضًا، والتي كان آخر ما وصلها منه إحدى رسوماته التي رسمها داخل السجن وأعطاها ﻷسرته في يناير الماضي، وفي تواصلهما اﻷخير سألها عن ابنتها الصغيرة، وأخبرها أنه يفتقد شكل السماء، فهو لا يراها سوى عبر حاجز سلك سميك، حسبما نقلت عنه، تضيف: «كان مستني يطلع، كان بيبقى نفسه بس يقرا كتاب أو يسمع مزيكا، لكن ظروف الحبس كانت صعبة».

رسم شادي حبش - المصدر: لمى أحمد

في حوالي الثانية من صباح السبت الماضي، اتصلت إدارة السجن بوالدة شادي حبش، أبلغتها أن ابنها مريض وأن عليها الحضور للسجن في الصباح، بحسب المحامي أحمد الخواجة، الذي قال إنه علم بعد نصف ساعة أخرى، بطريق غير رسمي، أن حبش توفي بالفعل داخل محبسه.

ما جرى خلال الساعات السابقة للوفاة ظل مشوبًا بالغموض لثلاثة أيام، تم خلالها تداول روايات غير رسمية عن سبب وفاة شادي حبش، دون أن تصدر وزارة الداخلية أي بيانات رسمية تخص الواقعة، فيما أصدرت النيابة العامة، مساء أمس، الثلاثاء، بيانًا بنتيجة تحقيقاتها في الواقعة، ملخصه أن حبش شرب كمية من الكحول المخصص للتطهير منعًا لانتشار فيروس كورونا، ربما عن قصد أو عن طريق الخطأ، وظل يعاني من آلام متفاوتة طوال يومين، تم خلالهما نقله لعيادة السجن أكثر من مرة، وإعطائه مضادات للتقلصات والقيء، لم توقف آلامه، حتى توفي داخل السجن قبل نقله لمستشفى خارجي.

في اليوم التالي، واحتجاجًا على الإهمال الذي أدى لوفاته، أعلن عدد من زملاء شادي حبش في عنبر 4، إضرابهم عن الطعام، وهو ما واجهته إدارة السجن بمنع التريض وإجراءات أخرى، فقرر السجناء تعليق إضرابهم دون تسجيله رسميًا، وذلك حسبما قالت مصادر غير رسمية لـ«مدى مصر».

في ظهيرة السبت الماضي، وصلت لمى أحمد إلى مشرحة زينهم، حيث كانت أم شادي حبش وأخته تنتظران قرب الباب، وخالُه بالداخل يتابع إجراءات تكفين الجثمان، فيما انتظرت الصديقة وآخرين حتى خرج الجثمان في الخامسة مساء، وأخذ الجميع طريقهم لمقابر اﻷسرة على طريق القاهرة-العين السخنة.

«إحنا دفنّا قبل المغرب على طول، وابتدينا نمشي لما مامته وأخته تعبو. لما وصلت المدافن كان فيه ناس كتير، يمكن فوق الـ 150 شخص، أصحابه، خصوصًا من منطقته في المعادي، وناس زمايله في الشغل، وناس في الوسط الفني والإعلامي، ووشوش أعرفها كتير»، تقول صديقة الطفولة، وتضيف: «مش شادي اللي يروح مننا بالطريقة دي، وما نقدرش نشوفُه ولا نودعه حتى، هو ما يستاهلش يروح أصلًا».

اكتفى بيان النيابة بالإشارة لاستكمال التحقيقات لمعرفة سبب وفاة شادي حبش، ومدى صحة الإجراءات الطبية التي تمت معه قبل وفاته، فيما نقل عن مسجونين رافقوه في الزنزانة أن حالته النفسية كانت جيدة ومستقرة، ونفى أحدهم احتمالية إقدام حبش على الانتحار. 

لكن ما لم يتطرق له البيان هو السياق الأوسع؛ سوابق الإهمال الطبي في السجون، التي أدت لحالات وفاة في بعض الأحيان، والأوضاع داخل السجون بشكل عام، أو ظروف حبس حبش تحديدًا، وسبب استمرار حبسه من اﻷساس، وعزلته القاتلة -حسبما وصفها- داخل السجن.

«ما كنتش أعرف إنهم هيقفشوا كده، دي أغنية يعني!».

حتى فبراير 2018 كان شادي حبش طالبًا في كلية التجارة بجامعة القاهرة، وهو ما كان يحاول تغييره والاتجاه للدراسة في معهد السينما؛ اﻷقرب لمجال خبرته العملية الممتدة ﻷكثر من عشر سنوات.

عمل حبش في مجال التصوير منذ 2006، قبل عام من بداية ظهور إنتاجه من صور وفيديوهات تجاريًا، ليصبح مصورًا محترفًا وصانع أفلام وArt director، يستهدف تقديم إنتاجه المحترف لكل من الفرق الغنائية المستقلة والنجوم، فيما يبني علامة تجارية ناجحة محليًا، يسعى ﻷن تصبح عالمية، بحسب صفحته على فيسبوك، التي عرّفته بأنه صانع أفلام ومصمم جرافيكس.

بخلاف رغبته في الانتقال لمعهد السينما، بدأ حبش في 2018 الاهتمام أكثر بصحته، والتوقف عن التدخين، مع تفكيره في الاستقرار، وربما الزواج، حسبما تقول صديقة طفولته.

وتضيف: «من 2007، وكنا لسه في إعدادي، كان بيصور الفنانين بموبايله ‘النوكيا’ صور حلوة ويتشقلب عشان يوصلهم، وهو كان شكله ساعتها أكبر من سِنه، وماكانش بيقولهم على سِنُه، فكانوا بيشغلوه معاهم، أول حاجة اشتغلها كان تصوير حفلة لتامر حسني في 2008، واتعلم كل حاجة بعد كده بنفسه؛ ما كانش محتاج غير كمبيوتر وإنترنت، اشتغل Art Director، ومصمم جرافيكس، ومصور فوتوغرافيا، ومصور فيديو وسينما، واتعلم إخراج ومونتاج، واشتغل مع فرق كتير، زي: شارموفرز ووسط البلد ومسار إجباري وكايروكي، ومن برة مصر: المربع ومشروع ليلى وسعاد ماسي، واشتغل في أفلام وثائقية».

في 26 فبراير 2018، ومع اقتراب انتخابات الرئاسة المصرية، نشر المغني رامي عصام فيديو لأغنية بعنوان «بلحة»، ينتقد فيها رئيس الجمهورية. اﻷغنية، التي تم تصويرها خارج مصر، شارك حبش فيها بالمونتاج والإخراج، أو على حد تعبير مصدر قانوني، طلب عدم ذكر اسمه: «كل اللي عملُه إنه ركب الصوت ع الصورة».

أما صديقة طفولة حبش، فتقول إنه شارك في اﻷغنية «بشكل تلقائي، جدعنة مع حد يعرفه، وهو كان بيعمل حاجات كتير جدعنة لناس يعرفهم أو ما يعرفهمش، هو كان فاكر الموضوع هيعدي، وان وجود اسمه على الأغنية مش هيفرق كتير، عشان رامي كمان ما لهوش جمهور كبير. شادي ما كانش له أي سابقة سياسية، هو كل حياته كانت مزيكا وفن».

بعد ثلاثة أيام من نشر اﻷغنية، وفي مطلع مارس 2018 ألقت قوات اﻷمن القبض على شادي حبش من الشارع، وبعد أربعة أيام ظهر في مقر نيابة أمن الدولة العليا في التجمع الخامس، والتي أمرت بحبسه احتياطيًا على ذمة القضية 480 لسنة 2018، متهمًا بـ «الانضمام لجماعة أُنشئت على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة»، بحسب الخواجة.

خلال الفترة من مارس وحتى مايو 2018 كانت قوات اﻷمن قد ألقت القبض على سبعة أشخاص، وضمتهم لقضية أغنية «بلحة»؛ كاتب كلماتها الشاعر جلال البحيري، ومخرجها شادي حبش، ومعهما متخصصان في التسويق الإلكتروني؛ مصطفى جمال، وهو من وثّق صفحة رامي عصام على فيسبوك قبل ثلاث سنوات من صدور اﻷغنية، وشاب آخر كان يدير الصفحة، بخلاف هؤلاء ضمت القضية مغني آخر، وعازف جيتار سبق لهما العمل مع عصام قبل سنوات، فيما لم يكن للمتهم السابع أي علاقة بالغناء، وانحصرت علاقته بالأغنية في أنه قام بتشغيلها داخل سيارته في دولة الكويت، ليقوم مصري آخر بالإبلاغ عنه، فيتم القبض عليه وترحيله وضمه للقضية.

بحسب المصدر القانوني المطلع على القضية، فإنها استهدفت في اﻷساس كاتب الأغنية، التي كانت ضمن ديوان له لم يصدر لعدم موافقة الرقابة عليه، عنوانه «خير نسوان اﻷرض». وفي حين قررت نيابة أمن الدولة حبس البحيري احتياطيًا على ذمة القضية، حققت معه النيابة العسكرية بدورها، ليحاكم عسكريًا في قضية منفصلة، ويصدر ضده، في يوليو 2018، حكم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة «إهانة المؤسسة العسكرية ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة»، فيما تكفلت نيابة أمن الدولة باستمرار حبس المتهمين الستة الباقين احتياطيًا على ذمة القضية اﻷصلية. 

«ما كانش فيه دلائل كافية في القضية، ولا مبرر حقيقي لطول فترة الحبس الاحتياطي»، يقول المصدر القانوني، مضيفًا: «المتهم الرئيسي اتعاقب، وإن كان في دلائل ضد باقي المتهمين كانوا اتحالوا للمحاكمة».

على مدار الفترة من سبتمبر 2018 وحتى مارس 2020 صدرت قرارات إخلاء سبيل بحق أربعة من المتهمين في القضية، كما صدر قرار بإخلاء سبيل كاتب اﻷغنية، غير أنه لا يزال مسجونًا بموجب الحكم الصادر في القضية العسكرية، فيما ظل مصطفى جمال وشادي حبش داخل السجن، مع استمرار تجديد حبسهما احتياطيًا طوال أكثر من عامين.

شادي حبش - المصدر: لمى أحمد

«تجديد 45 يوم، من غير حتى ما يبُصلي أو يبُص لورق القضية»

تجديد حبس 45 يومًا، كان هذا القرار الصادر في جلسة التجديد لشادي حبش، في فبراير الماضي، رغم دفع محاميه بعدم قانونية التجديد لانتهاء فترة الحبس الاحتياطي قانونًا في مارس، فيما تم تجديد الحبس دون انعقاد الجلسة التالية، التي كان مقررًا لها منتصف أبريل الماضي، بحسب محاميه أحمد الخواجة.

منذ مارس الماضي توقفت وزارة الداخلية عن نقل معظم المحبوسين لجلسات تجديد الحبس، ضمن إجراءاتها لمنع تفشي فيروس كورونا، والتي جعلت شادي حبش، مثل باقي الموجودين داخل السجون، محرومًا من الزيارات، ما تسبب في سوء حالته النفسية والصحية، بحسب محاميه.

قبلها، في أكتوبر الماضي، كان حبش قد أرسل رسالة من محبسه قال فيها: «في السنتين اللي فاتوا أنا حاولت ‘أقاوم’ كل اللي بيحصلي لوحدي، عشان أخرجلكم نفس الشخص اللي تعرفوه، بس ما بقتش قادر خلاص. (مفهوم المقاومة في السجن: إنك بتقاوم نفسك وبتحافظ عليها وعلى إنسانيتك من الآثار السلبية من اللي بتشوفُه وبتعيشُه كل يوم، وأبسطها إنك تتجنن أو تموت بالبطيء، لكونك مرمي في أوضة بقالك سنتين ومنسي، ومش عارف هتخرج منها امتى؟ أو إزاي؟)… والنتيجة إني لسه في السجن وكل 45 يوم بانزل عند قاضي، وبتكون نفس النتيجة: ‘تجديد 45 يوم’، من غير حتى ما يبُصلي أو يبُص لورق القضية، اللي كل اللي فيها مشيوا من 6 شهور… عمومًا أنا جلستي اللي جاية يوم الثلاثاء 19 نوفمبر. محتاج لدعمكم، ومحتاجكم تفكّروهم إني لسه محبوس، وإنهم ناسيّني، وإني باموت ببطء كل يوم لمجرد إني عارف إني لوحدي قدام كل ده، وإني عارف إني ليّا صحاب كتير بيحبوني وخايفين يكتبوا عني، أو فاكرين إني هاخرج من غير دعمهم ليا… أنا محتاجلكم ومحتاج لدعمكم أكتر من أي وقت».

في بداية سطور رسالته اﻷخيرة، كتب حبش: «السجن ما بيموّتش بس الوحدة بتموت، أنا محتاج دعمكم عشان ما أموتش».

*اسم مستعار، لحماية المصدر، بناء على طلبه.

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن