حرب سيناء تصل «بئر العبد»
 
 

انفجرت عبوة ناسفة كبيرة الحجم أمس، الخميس، في إحدى المركبات المدرعة جنوب مدينة بئر العبد في شمال سيناء، ما أسفر عن مقتل وإصابة ضابط وضابط صف وثمانية جنود بحسب بيان أصدره المتحدث العسكري للقوات المسلحة في ساعة متأخرة مساء أمس.

يأتي الهجوم ضمن سلسلة من الهجمات التي زادت وتيرتها -مؤخرًا- في بئر العبد وبمحيطها، وذلك منذ منتصف العام الماضي، حين دخلت المدينة -الواقعة غرب العريش بنحو 80 كيلومترًا- في أتون الحرب بين القوات المسلحة وتنظيم «ولاية سيناء»، بعد أن كانت خلال السنوات الثمان الماضيات بعيدة عن مثلث العمليات الرئيسية المتركز في مُدن رفح والشيخ زويد والعريش. 

صارت بئر العبد والقرى المُحيطة بها هدفًا لعمليات «ولاية سيناء»، بعد أن نفذت القوات المسلحة إجراءات أمنية مشددة في العريش، خلال العملية الشاملة سيناء 2018 والتي تمثلت في إنشاء جدار «العريش الجنوبي»، وتنفيذ حرم المطار الآمن، وتدشين ارتكازات عسكرية حصينة بشكل عرضي جنوبي المدينة. كل ذلك قلّص من قدرة التنظيم على التحرك داخل عاصمة شمال سيناء وبمحيطها، وبالتالي توجه التنظيم بعملياته إلى بئر العبد التي شهدت زيادة عمليات الخطف والقتل لأبناء قبائلها. 

في يوم الخميس 9 أبريل الماضي، فوجئ سكان بئر العبد بتداول ورقة على حسابات مواقع التواصل، تحمل صيغة تهديد بالذبح أُرفق معها 38 من الأسماء جميعها من سكان المدينة، وهم من أبناء القبائل والوافدين المقيمين فيها منذ سنين وكذلك موظفين حكوميين، وصفهم المنشور بأنهم «جواسيس متعاونين مع الجيش والشرطة»، وتُوّج المنشور بعبارة «ولاية سيناء، الجهاز الأمني ببئر العبد»، وذُيّل بكُنية لشخص يُدعى «أبو مناع»، والذي يُفترض أنه مسؤول الجهاز الأمني في تنظيم «ولاية سيناء»٬ فرع تنظيم «الدولة الإسلامية» في مصر، المعروف إعلاميًا بـ«داعش»، والذي يتمركز في محافظة شمال سيناء. بحسب اثنين من سكان المدينة، فإن المنشور عُثر عليه في حي «الزوايدة» في بئر العبد في ساعة متأخّرة من مساء الخميس الماضي، وكان عبارة عن نسختين فقط أُلقيتا في أحد الشوارع.

لم يمكننا التأكد من مصدر المنشور، وبالتدقيق فيه وجدنا أنه يحمل العديد من الأخطاء الكتابية والإملائية، على عكس بيانات التنظيم التي نُشرت في السنوات الماضية، والتي دائمًا تكون مُصاغة بشكل دقيق ولا تحمل أخطاءً إملائية أو كتابية، فضلًا عن أن المنشور لا يحمل شعار التنظيم الذي يكون في أعلى البيانات التي يصدرها.

ولكن إلقاء منشورات تحمل أسماء و تهديدات بالذبح والقتل، حدث قبل ذلك أكثر من مرة في مدن العريش والشيخ زويد ورفح، خلال سنوات الحرب الأولى بين الجيش والتنظيم في عامي 2015 و2016، ومنها منشورات كانت مكتوبة بخط اليد، وعثر الأهالي عليها أمام مساجد وفي محيط أسواق شعبية، ولم يُعرف حتى الآن من المسؤول عنها. ولكن حظيت تلك المنشورات بصدى كبير، وتسببت في هجرة أشخاص وأُسر من الذين جاء ذكرهم في هذه المنشورات، ومعظم هؤلاء المهاجرين من وجهاء المدن وشيوخ بارزين في القبائل الكبيرة فيها. 

الخطف والذبح ليسا مجرد تهديد في منشورات التنظيم؛ فقد بدأ في مدينة بئرالعبد في يوليو من العام الماضي، كما زادت حدته منذ 4 مارس الماضي، حين أعلن «ولاية سيناء» مسؤوليته عن ذبح اثنين من أبناء قبيلة الدواغرة كان قد اختطفهم  قبلها بأيام.

ونشر التنظيم مقطعًا صغيرًا مصورًا، يظهر فيه شابان من قبيلة «الدواغرة» يدلون فيه بالاعترافات التي تسببت في خطف التنظيم لهما. وبحسب اعترافاتهما، فإن أحد الشيوخ الحكوميين [والذي تعينه لجنة الشياخات التابعة لوزارة الداخلية] في منطقة «الفاطر» التابعة لقرية «النجاح» طلب من أحدهما الإبلاغ عن أي مواقع يظهر فيها المسلحين، والذي أبلغ عن أحد المواقع، بحسب المقطع. وجاءت «الزنانة» [وهي طائرة بدون طيار]، وحددت المكان، وبعدها بيوم قصفت المقاتلات الحربية الموقع. أما الآخر فكلفه نفس الشيخ الحكومي برصد الموتوسيكلات التي يستقلها المسلحون، وبالفعل أبلغ عن أحد الموتوسيكلات. وفي نهاية المقطع، يظهر الشابان، وقد انبطحا على الرمال وسط مزرعة زيتون، وخلفهما اثنين ملثمين يحملان سكاكين وقاما بذبحهما بعد أن قام أحدهما بتوجيه تهديد لمَن أسماهم بـ«الجواسيس».

حادثة ذبح الشابين أبناء قبيلة الدواغرة هي الثالثة من نوعها التي يعلن التنظيم عنها خلال العام الجاري، في نطاق بئر العبد، ففي شهر يناير الماضي نشر التنظيم صورًا لعملية ذبح شاب، وقتل صَبي رميًا بالرصاص في منطقة صحراوية جنوب بئر العبد، ووصفهما التنظيم بأنهما «جواسيس» للجيش يعملان جنوب المدينة. وفي نفس الشهر أيضًا نشر صورًا لعملية قتل موظف حكومي سابق يدعى «عثمان موسى»، ووصف التنظيم القتيل بأنه «جاسوس للجيش المصري»، وعلل قتله أنه كان يعمل مديرًا لإدارة التموين في مدينة بئر العبد سابقًا، وكان ينفذ تعليمات الجهات الأمنية بعدم بيع كميات كبيرة من السلع الغذائية للأهالي حتى لا تصل إلى العناصر المسلحة، وهي المرة الأولى التي يقدم التنظيم على قتل مَدني لأنه موظف حكومي، مما يشير إلى تطور خطير وأكثر دموية في فكر التنظيم تجاه المدنيين في شمال سيناء، وتحديدًا الموظفين الحكوميين المسؤولين عن الأمور اللوجستية داخل المحافظة، خاصة المياه والكهرباء والسلع التموينية. 

أما أول عملية ذبح قام بها «ولاية سيناء» في نطاق بئرالعبد، كانت في شهر يوليو 2019 عندما قام بذبح 3 شباب على الطريق الدولي بين مدينتي العريش وبئر العبد، بالقرب من قرية عَمورية.

الخطف والذبح وصلا -مؤخرًا- إلى عمق سيناء في قرى الوسط الواقعة خلف الظهير الصحراوي الجنوبي للمدينة، وأهمها الجفجافة والحِمة وبغداد [مركز الحسنة بوسط سيناء]٬ وهي القرى التي يقيم فيها العشرات من أبناء قبيلة الترابين والتي شكلت في السنوات الماضيات مجموعات مسلحة تتعاون مع القوات المسلحة في الحرب ضد مسلحي «ولاية سيناء»، تحت مُسمى «اتحاد قبائل سيناء».

الاتحاد أعلن يوم الأربعاء 22 أبريل الماضي، عن قيام تنظيم «ولاية سيناء» باختطاف عائلات من قرى الحِمة وبغداد ونشر الاتحاد أسماء العائلات.

وبعد بيان الخطف بيومين، أعلن الاتحاد عن مقتل أحد مقاتليه ويدعى «عواد عيد سلمان أبو رقيع» من قبيلة الترابين، بعد تبادل لإطلاق النيران مع أفراد التنظيم في منطقة وادي الحِمة، بعد أن حاولوا سرقة سيارته.

وآخر تلك الهجمات وقع الإثنين الماضي، عندما قُتل مواطن ومجند من القوات المسلحة؛ فهاجم مسلحون سيارة ربع نقل مملوكة لمواطن من قبيلة الترابين ويقيم في منطقة المغارة في وسط سيناء ويدعى «حسن سليمان» أثناء توزيعها جراكن المياه على الكمائن العسكرية المنتشرة في المنطقة، بحسب مصدر محلي وآخر أمني.

الهجوم على القرى واختطاف العائلات وقتل أحد أفراد الترابين، جاء بعد حادثة خطف أخرى لشباب من القبيلة، وقعت يوم الأربعاء 8 أبريل الجاري، بعد أن هاجم مسلحون منطقة المغارة القريبة من قرية «الجفجافة» في وسط سيناء جنوب مدينة بئر العبد والواقعة ضمن مركز الحسنة، وقاموا باختطاف أربعة أشخاص من أبناء قبيلة الترابين، بحسب مصادر محلية، ولا يزال مصيرهم مجهول حتى الآن.

حالة الترصد بين تنظيم «ولاية سيناء» و«اتحاد قبائل سيناء» الذي أسسه أفراد من قبيلة الترابين، تعود إلى أواخر عام 2016 عندما أُعلن عن تشكيل الاتحاد لمواجهة التنظيم الموالي لـ«داعش»، ونفذ «ولاية سيناء» آنذاك عدة هجمات استهدفت عناصر بارزة في الاتحاد جميعها من قبيلة الترابين، وكانت ذروة المواجهة في 2017 والتي خفتت إلى حدٍ ما بعد الهجوم الكبير الذي نفذه التنظيم، يوليو من العام نفسه، على ارتكاز قوات الصاعقة 103 في مربع البرث بمعقل سيطرة قبيلة الترابين. في حين أعلن الاتحاد، أكثر من مرة، عن قتل وأسر مقاتلين من «ولاية سيناء» ونشر فيديوهات اعترافاتهم.

ومنذ مطلع الشهر قبل الماضي، بدأت القوات المسلحة والشرطة حملات تفتيش وتوقيف العشرات من أهالي أحياء وسط بئر العبد خاصة بعد وقوع أول هجوم مسلح داخل الكتلة السكانية للمدينة، يوم 14 مارس الماضي، بعد أن فتح مسلحون النار على سيارة مأمور قسم المدينة أثناء توقفها أمام إحدى الصيدليات، في ساعة متأخّرة من الليل، ما أسفر عن مقتل المجند سائق السيارة ونجاة المأمور الذي كان لم يمر على ترجله من السيارة سوى بضع دقائق فقط، بحسب مصادر محلية ومصدر طبي، تحدثوا لـ«مدى مصر».

لم يعلن «ولاية سيناء» مسؤوليته عن الهجوم، ولكن أغلب الترجيحات تميل إلى أن مقاتلي التنظيم هم مَن نفذوه، خاصة مع نشاطه مؤخرًا بشكل مكثف حول مدينة بئر العبد، فيما يُرجح أن نجاة المأمور من الهجوم هو سبب عدم ذكره في بيانات التنظيم شبه اليومية التي تتضمن هجمات متنوعة بين تفجير آليات عسكرية وعمليات قنص لجنود وضباط واستهداف كمائن بقذائف صاروخية.

وبعد هجوم وسط المدينة بيومين أعلنت وزارة الداخلية عن تصفية 6 عناصر إرهابية في منطقة «أبو شلة» بالقرب من الطريق الساحلي للمدينة، بعد تبادل لإطلاق النيران.

ومنذ دخول بئر العبد في الحرب الدائرة بين القوات المسلحة و«ولاية سيناء» في شمال سيناء، انحصرت العمليات المسلحة في الاتجاه الشرقي للمدينة بين قريتي التلول والسادات، وفي محيط قرية تفاحة جنوبي المدينة، ولكن في شهر مارس الماضي، تخطت العمليات مركز المدينة وطالت القرى والتجمعات القروية الواقعة غربي المدينة أهمها قرى النجاح ونجيلة وبالوظة، والأخيرة آخر مدن محافظة شمال سيناء في الاتجاه الغربي وبعدها تبدأ مدينة القنطرة شرق التابعة لمحافظة الإسماعيلية.

وردًا على النشاط المكثف لتنظيم «ولاية سيناء» حول قرية نجيلة وتجمعاتها القروية، نفذت القوات المسلحة حملة عسكرية على القرية أول شهر مارس الماضي، وقامت بتطويقها عدة أيام، ثم قامت بحملات تفتيش على المنازل واعتقال العشرات من الأهالي، وأفرج عن معظمهم بعد أيام، وأثناء وجود الحملة أصيب طفل في منطقة «قصرويت» بطلقات نارية مجهولة المصدر، ونقل إلى مستشفى بئر العبد ووُضع في العناية المركزة، بحسب مصدر طبي.

وبسبب تمحور الحرب الدائرة في شمال سيناء حاليًا حول بئر العبد، أعلن تنظيم «ولاية سيناء» في جريدة «النبأ» التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية»، الخميس 9 أبريل الماضي، عن مسؤوليته عن عدة هجمات استهدفت القوات المسلحة وتركزت في منطقة قصرويت وتفاحة ومناطق مختلفة من جنوب المدينة، وزعم التنظيم أنه فجّر عدة آليات عسكرية من بينها دبابة وسيارات «هَمر»، فضلًا عن مهاجمته لكمائن متحركة، ونشرت تلك العمليات تحت عنوان «بئر العبد تبتلع آليات الجيش»، فيما لم يصدر المتحدث العسكري للقوات المسلحة أي بيانات بخصوص تلك الهجمات سواء بالتأكيد أو النفي.

الوضع في المدينة والقرى المجاورة الآن أجبر العديد من الأسر إلى النزوح من المنطقة في اتجاه مناطق أخرى أكثر أمانًا، بحسب مصادر محلية.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن