ديتوكس| والعمل؟
 
 
رسم للفنانة إنجي أفلاطون
 

#جو عام

عزيزي المرء العامل في كل مكان، تدوم العافية.

نرجو أن يكون اليوم راحة، وغدًا أيضًا، وإن لم تأت الراحة، فمسيرها تروق وتحلى.

في هذا العدد، بمناسبة يوم العمل العالمي، نفكر في معنى العمل، وما الذي تغيّر في عملنا، هل تغيّر مفهومه في ظل «كورونا»؟

خُصص احتفال اليوم احتفاءً بالحراك الذي أدى لتخفيض ساعات العمل لتكون ثماني ساعات. وسر هذا الرقم يعود إلى تقسيم ساعات اليوم الأربعة والعشرين إلى أقسام متكافئة، وبينما يعمل العامل قسمًا، يُتاح قسمان للنوم والراحة. لكن ما يشغله العمل يزيد على تلك القسمة بالتأكيد؛ يبذل العامل عُمره كله بين أداء العمل أو التفكير فيه أو التعافي منه.

ومع وطأة «كورونا»، صرنا في حالة عمل دائم. كما ينتظر المرء العامل كارثة محتملة تخص تقليص سوق العمل عالميًا بنحو 200 مليون وظيفة، بحسب منظمة العمل الدولية.

لنترك المستقبل، ونبقى داخل هذا العدد، حين فكرنا

في «مدى»، كلنا أمل أن نظل نعمل، وجدنا أننا نعمل بشكل مختلف عما اعتدنا، عملنا على الكورونا، اشتبكنا على النمط الجديد الذي فرضته علينا، وحين فكرنا في العمل على هذا العدد عن «العمل» كان لدى كل منّا ما يعمل عليه، العمل يجعل النقاش حول العمل على الضيق:)

وبسبب العمل المتواصل أجلنا قسم #مشاهدة لأن فريقنا مشغول حاليًا بالمشاركة في قصتنا السنوية حول موسم رمضان لنخبر القراء «نكمّل ولا نبطّل» حول كل مسلسل ضمن الموسم الدرامي المصري الأوحد. وبالنسبة لسماع تجدون «تفنيطة» قائمة الموسيقى التي ينسقها أحمد الصباغ شهريًا في أوقات فراغه من العمل. وفي الأسطر التالية يمكن قراءة أفكار حول العمل.

#قراءة

ما العمل؟

هناك تصور كتبه علي الدوعاجي (1909-1949)، وهو شاعر تونسي، بأن «الشعب يعمل ونحن نغني له»، لكن العمل أكثر جذرية، ففي أغلب التصورات الميثولوجية، يحاسب الإنسان جراء عمله، فتوزن أعماله، ويكون الميزان هو القيّم على حياة الإنسان، وما يثمن عند القسط، هو وزن العمل في كفة ميزان، وإذا طبت الكفة، فإن الإنسان صالحٌ، وإن خفت فهو طالحٌ. يُجرد العمل من تعريف محدد، فيصير ما يُعمل.. فهو أي شيء. 

ربما تكون أفضل التصورات عن وزن العمل هي وضع القلب في كفة بينما تستقر في الأخرى ريشة ماعت، هذه فكرة تبدو مناسبة الآن، بعد أن صرنا أسرى لمفهوم العمل الضاغط وتقييمات مستخدمي فيسبوك وغيره. 

إن وُزن قلب العامل، فإن ما يُقيم ليس الأهداف التي كان يُفترض أن يحققها العامل، وإنما ما جاش في قلبه، شغفه، طموحه. أفكر، كعامل، أن قلبي سينقذني عند التقييم، مفترضًا كون قلبي طيبًا، (طالما قيل لي ذلك). لكن قلب العامل يحتوي على شر وكراهية تجاه كل مَن  أساء إليه أو تصرف بغلظة، بل يشوبه الحسد والعضب والغيرة كثيرًا، دون أن يتداوى من كل تلك الضغائن، ربما تعي الريشة أن قلب البَشر لا بد أن يكن معطوبًا معيوبًا مدنسًا بشرٍّ وغلٍ ومحدودية ونقص وعُقد. 

هل تعطف ريشة الحقيقة على العامل، وتتجاهل القلب وخذلانه؟ 

كيف تعمل؟ 

قوام ودينامو العمل الآن في ظل تفشي «كورونا» أن المرء يعمل مثل «فريلانسر»، تحوّل العمل الذي أُحيط دائمًا بمقولات تقدسه نحو أن «العمل عبادة»، إلى كونه احتمالًا ضمن أنشطتنا المنزلية قد يطبخ العامل بينما يجري مكالمة عمل، أو يشارك في اجتماع وهو يخبز، أو يسلق مكرونته، أو يتناقش / يتشاجر مع مديره بينما ينظر بعين سارحة للتأكد من نضج البصل المُشوح. 

لا يتذكر العامل آخر مرة توجه فيها إلى مقر عمله، أو تواجد في اجتماع غير افتراضي. 

يغرق في ساعات عمل إضافية، ولا ينتبه لأن العامل في بيته. يوضح لنا فرانكو [بيفو] بيراردي في كتابه «الروح في العمل» أن العامل يعتبر العمل أكثر الأجزاء إثارة للاهتمام في حياته «ومن ثم لا يعود يعارض إطالة يوم العمل، بل إنه مستعد لإطالته باختياره وإرادته الشخصية»، مشيرًا إلى أن استثمار الرغبة في عمل المرء المكان الوحيد الذي يقدم الدعم النرجسي للأفراد المعتادين على إدراك الآخر طبقًا لقواعد المنافسة.

هل تعمل ما تحب؟

خلال الدراسة عملتُ في مجلة طلابية. ذات مرة طلب مسؤول الأسرة التي كانت تصدر المجلة مني تدسيك الشِعر، هو كان يقصد تحريره. لكن التعبير لم يكن موفقًا أو ربما قصده فهو لم يكن يحب الأدب إجمالًا ويرى التعبير عن المشاعر أمر يتنافى مع الرجولة. رفضت أن نغيّر شيئًا من النصوص إما نقبله أو نرفضه. مسؤول الأسرة غضب وقرر أن يحرر هو الشعر، وعلى إثر ذلك انسحبت من شغل المجلة. ثم عملت لسنوات صحفي في جريدة معنية بالأدب، هاربًا من كتابة الأدب بالكتابة عنه. لكن بعد سنوات، صرت ألّم بقاموس محدود، يمكن تسميته بـ«دليل ديسك اللغة»، وهو ما يُشاع من معرفة بها، تلك المعرفة المكتسبة من العمل الصحفي. يظن العامل في الصحافة أنه خبير لغوي، لأنه عرف الأخطاء الشائعة، هكذا يمكن تسمية هذه العلاقة علاقة باللغة من خلال الديسك. 

وكلما طال بقاء العامل في إطار هذه العلاقة زادت إمكانية تعرفه على الأخطاء الشائعة، وكلما هرب العامل من الكتابة كلما نجا من ارتكاب أخطاء، لكنه سيبدع في ارتكاب أخطاء أخرى، وكلما ارتكن إلى ديسك اللغة يقيد حصيلته اللغوية، وتتحول لغته إلى لغة آمنة، بلا تجريب.  

لماذا تعمل؟

يهب المرء العامل عُمره للعمل وأمور أخرى مثل الحب والحلم بالتقاعد، أو للأمل كما لطَّف الشيخ إمام المعنى في «وهبت عُمري للأمل»، التي ألّفها فؤاد قاعود. ويمكن سماعها أيضًا في جلسة غناء تحييها مريم صالح:

 

*الكتابة بالخط المائل من نص يعمل أحمد وائل علي كتابته، بعنوان «سطح العمل» ويبدو أنه لن ينتهي.

#سماع

في موعدها تأتي «تفنيطة» قائمة جديد الموسيقى التي ينسقها أحمد الصباغ، في أوقات فراغه من العمل.

بعد أسابيع من التخبط في مشهد الموسيقى، يعود الموسيقيون للعمل، نُظمت عروض عزف حيّة و أخرى مسجلة، كما قدمت إنتاجات موسيقية غزيرة، وهو ما يمكن سماعه على سبوتيفاي على رابط  تفنيطة الذي نحدّثه شهريًا. نعم لا تقلق، عزيزي المرء العامل، يمكنك سماع «تفنيطة» طوال الشهر، فقط احفظ الرابط.

ولهواة مشاهدة الموسيقى، فإن «تفنيطة» موجودة على يوتيوب هنا، خاصة أن ما اختاره الصباغ في قائمة هذا الشهر صُور بمحتوى بصري مختلف، وذلك عبر فيديوهات مصورة من المنازل بكاميرات ومعدات بسيطة، ما يعبّر عن الحال في الحَجر.

بخلاف غزارة قائمة هذا الشهر موسيقيًا، فإنها بصريًا مختلفة فتظهر الشوارع وهي خالية من المارة، كما زادت الفيديوهات التي تستعين بالرسوم والتحريك، حتى كلمات بعض الأغاني التي عملها موسيقيون مؤخرًا تعكس حالة التباعد الاجتماعي التي أصبحت واقعًا نعيشه في الراحة والعمل كذلك.

#سلام

حلت في الشهر الذي غادرنا ذكرى فنان الكوميكس علي جلال، الذي غادرنا سريعًا تاركًا عالم بصري يشي بالكثير. ندعو لتصفح قصة كتبها ورسمها ونُشرت في مطبوعة «مانجهة» المُتاحة على موقع «باربطوز». كما نذكر بمقال أنديل «لا نعي علي جلال».

وفي الختام، وداعًا أيها المرء العامل، ونتمنى أن يسهم الوباء المأساوي الذي نعيشه في تغيّر مفهوم العمل، لعلنا نرفل في النعيم.

سلام.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن