مصر وكورونا وصندوق النقد الدولي.. دردشة مبكرة حول القرض الجديد
 
 
من اجتماع الحكومة المصرية بالـ «فيديو كونفرانس»
 

يثير الإعلان الحكومي قبل أيام عن التفاوض مع صندوق النقد الدولي حول قرض جديد على خلفية التداعيات الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا المُستجد، عددًا من الأسئلة الرئيسية التي تمتد لتتضمن ما هو أشمل من القرض نفسه، من قبيل حجم الموارد من النقد الأجنبي وطبيعة الدعم «الفني» الذي يمكن لصندوق النقد تقديمه.

كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد قال، الأحد الماضي في مؤتمر صحفي، إن حكومته تقدّمت بطلب حزمة مالية من صندوق النقد الدولي لمساعدتها في مواجهة أزمة فيروس «كورونا». وأوضح بيان لمجلس الوزراء أن مصر تسعى إلى تمويل على أساس أداة التمويل السريع واتفاق الاستعداد الائتماني للصندوق. و«الاستعداد الائتماني» هي الآلية التي حاولت مصر عبر مفاوضات طويلة مع الصندوق الحصول بموجبها على قرض، وهي مفاوضات انتهت في منتصف 2013 على خلفية الانتقال السياسي العنيف وقتها. 

البرنامجان -الاستعداد الائتماني وأداة التمويل السريع- صُمما للدول التي تواجه احتياجات عاجلة أو محتملة لموازين مدفوعاتها. لكن الحكومة لم تعلن عن حجم التمويل المطلوب حتى الآن. فيما قال أحمد موسى، الإعلامي المُقرب من السلطة، إن القرض سيتجاوز سبعة مليارات دولار، في الوقت الذي نقلت فيه صحيفة «الشروق» عن مصدر حكومي لم تسمّه توقعه بأن يتجاوز التمويل الجديد ثلاثة مليارات دولار.

تأتي هذه الخطوة، بعد شهور من نهاية الاتفاق السابق مع الصندوق، الذي اقترضت بموجبه مصر 12 مليار دولار وهو اتفاق جرى في نوفمبر 2016 بموجب آلية «تسهيل الصندوق الممدد» الموجه للدول التي تشهد اختلالات كبيرة في المدفوعات بسبب معوقات هيكلية أو تعاني من بطء النمو وضعف جوهري في مركز ميزان المدفوعات.

في هذا التقرير، نحاول الإجابة على الأسئلة الرئيسية حول الخطوة الجديدة التي أقدمت الحكومة عليها في محاولة لفهم أبعادها المختلفة.

لماذا القرض الآن؟

يرى نعمان خالد، المحلل الاقتصادي في شركة «سي أي كابيتال القابضة» للاستثمارات المالية، أن الحكومة المصرية تحتاج للقرض حاليًا -في الأساس- للتحوط في مواجهة أي احتياجات تمويلية قد تطرأ نتيجة أي تغيّرات يحتمل أن تحول دون قدرتها على النفاذ لتمويل خارجي لاحقًا، في ظل تداعيات تفشي «كورونا» على أسواق الدين. 

يقول خالد إن الحصول على تمويل كهذا يسمح بحيز مالي يحمي الاحتياطي النقدي الأجنبي في حال قرر البنك المركزي التدخل لدعم الجنيه.  

ترى «سي أي كابيتال» في تقرير وجهته لعملائها قبل أيام، واطلع عليه «مدى مصر»، أن العملة المصرية قد تتعرض لبعض الضغوط ويحتمل أن ينخفض سعرها بنسبة تتراوح بين 7% إلى 8% حتى نهاية العام. ويضمن أي تراجع بنسبة 1% حفاظًا على 580 مليون دولار من الاحتياطي النقدي الأجنبي، تبعًا لـ«سي أي كابيتال»، ليصل سعر الدولار إلى 17.20جنيهًا. 

ويقصد بذلك أن البنك المركزي كان سيضطر لضخ 580 مليون دولار من الاحتياطي النقدي الأجنبي للحفاظ على سعر الجنيه من التراجع بنسبة 1% وهو ما يعني أنه كان سيضطر -وفقًا لهذا التقدير- لإنفاق 4.640 مليار دولار لمنع تراجع سعر الجنيه بنسبة 8%، إذا قرر الحفاظ على سعره عبر التدخل في السوق.

وتبعًا لنعمان، سيسمح القرض الجديد كذلك للبنك المركزي بحماية البنوك من تدهور صافي رصيدها من الأصول الأجنبية، موضحًا أن «صافي رصيد البنوك من الأصول الأجنبية قد يكون موجبًا إذا كان رصيدها واستحقاقاتها تفوق التزاماتها والعكس صحيح، وفي حالة تحول صافي رصيد البنوك من الأصول الأجنبية ليكون سالبًا فسيضعف ذلك إمكانياتها في الاقتراض… وفي هذه الحالة قد يرغب البنك المركزي في التدخل لمساندتها عبر إقراضها خاصة وأن التمويل المتوقع الحصول عليه من صندوق النقد سيجري سداده عبر فترة طويلة قد تمتد لخمس سنوات».

ما الذي يعنيه القرض الجديد بالنسبة للدين الخارجي المصري؟ 

يرى نعمان خالد أن توقيع الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي يتيح للحكومة المصرية التوسع في الاقتراض الخارجي بشروط معقولة بالذات فيما يتعلق بالفوائد، مرجحًا أن يكون هذا الغرض ضمن الأسباب التي دفعت الحكومة المصرية أصلًا للسعي وراء توقيع الاتفاق الجديد.

ويوضح نعمان قائلًا: «يُنظر للاقتراض من صندوق النقد عمومًا كتعبير عن أن الاقتصاد جدير بثقة الدائنين من حيث القدرة على السداد، بناءً على الإجراءات التي يفترض أن يكون قد اتخذها للحصول على ثقة صندوق النقد…هذه الثقة من قبل الدائنين هي ما تسمح بالاقتراض بأسعار فائدة جيدة وبشروط معقولة عمومًا».

يوضح الشكل التالي معدل تطور الدين الخارجي المصري سنويًا في تسع سنوات. ويظهر من الشكل ارتفاع الدين الخارجي بنسبة كبيرة في عام 2016 -الذي شهد توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي- بسبب حزمة من القروض حصلت عليها مصر من مصادر متعددة في هذا العام كجزء من شروط الحصول على قرض صندوق النقد أصلًا. أما العام التالي -2017- فقد شهد ارتفاع قياسي في الدين الخارجي المصري تجاوز 41.7%، بعد حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي.

المصدر: البنك المركزي المصري وحسابات «مدى مصر».

يرى خالد أن العلاقة تبدو واضحة بين توقيع الاتفاق بين صندوق النقد الدولي والارتفاع القياسي في الدين الخارجي وقتئذ، موضحًا أن «الحكومة كثيرًا ما تسعى للاقتراض الخارجي لكونه أقل كلفة غالبًا -من حيث سعر الفائدة- من الاقتراض الداخلي، فما حدث هو أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي مهد الطريق للتوسع على نحو كبير في الاقتراض الخارجي».

ومن ناحية أخرى، استبعد تقرير «سي أي كابيتال» أن تطرح الحكومة المصرية سندات دولارية في السوق الدولي، بسبب الارتفاع المتوقع لسعر الفائدة. ويقول نعمان خالد إن طرح مصر سندات من هذا النوع سيعني على الأرجح أن الفائدة ستتراوح بين 6% و9% وهي فائدة مرتفعة.

هل تواجه مصر حاليًا، في ظل تراجع مواردها من العملة الأجنبية، احتمالات التخلف عن سداد التزامات دولية؟

ترى «سي أي كابيتال» في تقريرها -الذي يقدم صورة متوقعة للموارد من النقد الأجنبي في الفترة من نهاية مارس وحتى نهاية العام- أن مصر لا تواجه مخاطر من هذا النوع في عام 2020. تبعًا لـ«سي أي كابيتال»، تحتاج مصر حتى نهاية ديسمبر المقبل إلى 63.350 مليار دولار لسداد التزامات خارجية على رأسها تغطية تخارج الأجانب من استثماراتهم في الأذون والسندات المصرية -بقيمة عشرة مليارات دولار متوقعة، وهو ما يمثل أكثر من 83% من رصيد استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية في نهاية مارس والتي تبلغ 12 مليار دولار. 

لكن نعمان خالد يوضح أن «سي أي كابيتال» حدثت توقعاتها بعدما أصبح واضحًا أن المزيد من تخارج الأجانب من سوق أدوات الدين المصري أصبح مُستبعدًا وهو ما يعني أن مصر ستواجه -من وجهة نظر «سي أي كابيتال»- إجمالي تدفقات من النقد الأجنبي للخارج بقيمة 53.350 مليار دولار. وفضلًا عن ذلك، تحتاج مصر لسداد 6.879 مليار دولار تمثل إجمالي استحقاقات الدين الخارجي في 2020 مع استبعاد استحقاقات تعود لدول خليجية قيمتها 11.9 مليار دولار. ويقول خالد إن «سي أي كابيتال» استبعدت المديونيات المستحقة للخليج لأنها تتوقع تأجيل سدادها بناءً على اتفاقات مع مصر تكررت من قبل.

ويظهر الشكل التالي الصورة الإجمالية لتدفقات النقد الأجنبي من وإلى مصر وفقًا لتقديرات «سي أي كابيتال» المُحدثة.

المصدر: «سي أي كابيتال» القابضة للاستثمارات المالية

ويتضح من الشكل السابق أن إجمالي تدفقات النقد الأجنبي للخارج -المتوقعة- بالإضافة لالتزامات مصر المتعلقة باستحقاقات الدين الخارجي في تسعة شهور من العام الحالي تتجاوز 60 مليار تقريبًا مقابل إجمالي تدفقات من النقد الأجنبي للداخل تتجاوز 40 مليار جنيه تقريبًا، ما يعني أن ثمة فجوة قيمتها 20 مليار دولار تقريبًا.

لكن في المقابل، يصل إجمالي الأصول الأجنبية المتوفرة تبعًا للتقرير إلى 60.116 مليار دولار تمثل الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي يقدر بـ40 مليار دولار، وصافي الأصول الأجنبية في البنوك الذي يتجاوز 7.9 مليار دولار، والودائع غير المُدرَجة في الاحتياطي النقدي الأجنبي التي تتجاوز 6.9 مليار دولار، وأوراق دين تتجاوز قيمتها 5.2 مليار دولار. ويعني ذلك أن إجمالي الأصول الأجنبية المتوفرة قادرة على سد الفجوة المُشار إليها.

ويظهر الشكل التالي صورة إجمالية للأصول الأجنبية المتوفرة.

المصدر: «سي أي كابيتال» القابضة للاستثمارات المالية

الودائع غير المدرجة في الاحتياطي تمثل استثمارات للأجانب في سوق الدين المصري توجد في حوزة البنك المركزي بناءً على النظام المؤقت الذي استحدثه بعد قرار تحرير سعر الجنيه لتشجيع الأجانب على الاستثمار في أدوات الدين المصرية. ويقوم هذا النظام على شراء الأجانب الجنيه المصري من البنك المركزي نفسه -بدلًا من البنوك كما هو الحال في الأوضاع الطبيعية- لاستثماره في إقراض الحكومة عبر الأذون والسندات على أن يضمن «المركزي» تخارجهم من سوق الدين بحصولهم على مستحقاتهم بالعملة الأجنبية. ثم ألغى الأخير هذا النظام، بحيث أصبح على المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المصري شراء الجنيه من البنوك، بحسب نعمان خالد. 

أما أوراق الدين المتوفرة لدى البنك المركزي، فتمثل استثمارات الحكومة المصرية في أدوات دين أمريكية وهي قابلة للتسييل بالبيع، حسبما يوضح خالد.

ويمكن للأصول الأجنبية كذلك، بعد سد تلك الفجوة، تغطية عدد شهور من الواردات يتجاوز 15 شهرًا، تبعًا لتقرير «سي أي كابيتال».

ما الذي يعنيه الاتفاق مع الصندوق على تقديم دعم فني للحكومة المصرية؟ 

كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد قال في مؤتمر صحفي قبل أيام إن حكومته طلبت من صندوق النقد دعمًا فنيًا -بالإضافة للقرض الجديد. وتحصل مصر بالفعل كغيرها من الدول الأعضاء في الصندوق الدولي على تقييم دوري ونصائح منه ضمن ما يُعرف بـ«مشاورات المادة الرابعة».

ووفقًا للمادة الرابعة من اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي، يجري الأخير مناقشات ثنائية مع البلدان الأعضاء -على أساس سنوي عادة. لكن «الدعم الفني يختلف عن مشاورات المادة الرابعة من حيث نطاقه، فمشاورات المادة الرابعة تصدر في صورة تقارير [تصدر بعد زيارات فريق الصندوق ومشاوراته مع الحكومات] وهي تقارير يغلب عليها الطابع العمومي، في حين يمثل الدعم الفني تشخيصًا ونصائح موجهة للدول فيما يتعلق بمشاكل بعينها، أو مواطن ضعف محددة»، بحسب نعمان خالد.

كما يرجح خالد في هذا السياق أن يشمل هذا الدعم الفني قائمة من «مواطن الضعف» لدى الحكومة المصرية من وجهة نظرها، أو من وجهة نظر صندوق النقد الدولي، «يمكن استنتاجها [القائمة] بسهولة عبر مراجعة قائمة الإجراءات التي تعهدت الحكومة بتنفيذها ضمن الاتفاق السابق مع صندوق النقد ولم تنفذها، وهي قائمة يوضحها آخر تقارير متابعة هذا الاتفاق، وتشمل تلك القائمة طرح [أنصبة من] شركات حكومية في البورصة على سبيل المثال».

ولم تطرح الحكومة -حتى الآن- إلا نسبة صغيرة من شركة «الشرقية للدخان»، في حين تضمن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على طرح أنصبة في أربع شركات على الأقل. 

وفضلًا عن ذلك، «فمن المرجح أيضًا أن يلقي هذا الدعم الفني الضوء على إصلاح آلية طرح الأراضي الصناعية للمستثمرين».

وكان الاتفاق السابق مع صندوق النقد الدولي قد نصّ على ضرورة الإعلان عن مبادئ توجيهية لتخصيص الأراضي الصناعية، وذلك على أن تتضمن طرح تلك الأراضي عبر عطاءات شفافة وخاضعة للمنافسة، وتوضيح معايير التأهّل للتقدم لتلك العطاءات في وثائق مُبسطة، وإطلاق منصة على الإنترنت تتمّ عبرها كل إجراءات الطرح وتقديم العطاءات والإعلان عن نتائج المزادات.

اعلان
 
 
بيسان كساب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن