ما أضافه الفيروس للقاموس

من أين تأتي الكلمات؟

في أحد ورش العمل، طُلِب من الحاضرين أن يجدوا معنى لكلمة «شالوفة». شرع المشاركون البالغ عددهم أكثر من 25 خبيرًا لغويًا في محاولة الكشف عن هوية ومعنى تلك الكلمة. لم تكن «شالوفة» موجودة في القاموس، فعادوا بخيبة أمل يلومون المدرب على إعطائهم مثل تلك المهمة المبهمة. فما كان منه سوى أن أعاد عليهم صياغة المهمة مرة أخرى بقوله «عليكم إيجاد معنى للكلمة فلا يوجد بالأصل لها معني». وهكذا انخرط المشاركون في إيجاد معنى للكلمة اللغز. انقسمت مجموعات العمل إلى أربع مجموعات، وبعد عمل أكثر من ساعتين كانت النتيجة كالتالي:

مجموعة 1: «الشالوفة» هي أداة يستخدمها المزارع لتجميع الحشائش الضارة.

سأل المدرب: وكيف توصلتم لذلك؟

– قمنا بسؤال بعض المزارعين في الجوار، فتردد استخدام كلمة «جاروف» فظننا أنه بالإمكان أن تصبح لدينا كلمتان تحملان نفس المعنى: «جاروف» و «شالوفة».

مجموعة 2: الشالوفة هي صفة يتم استخدامها لوصف السلوك المشين وبخاصة للسيدات.

– وكيف توصلتم لذلك؟

– لدينا كلمة عامية يتم استخدامها وتبدأ بحرف الـ«ش – شرمو**» فظننا أن «الشالوفة» هي أحد الكلمات الأخرى التي يستخدمها العامة لوصف ذلك السلوك.

مجموعة 3: «الشالوفة» هي المرحلة التي يصل فيها الإنسان إلى السلام النفسي الكامل.

– كيف توصلتم لذلك؟

كنا سمعنا من قبل أن هناك «النيرفانا»، فافترضنا أنها أحد تلك المراحل المتقدمة التي يخوضها الإنسان المنهك في الحياة ليصل إليها في رحلة تنوّره الروحي.

هل لديكم إثبات لذلك؟

لا، لقد افترضنا ذلك، طرحنا الافتراض ولاقى قبولًا في المجموعة.

مجموعة 4: «الشالوفة» هي نبات يتناوله المناهضون لتناول اللحوم، ويمكن طهوه بإضافة الماء أو المرق أو الحليب.

كيف توصلتم لذلك؟

قاربنا المفردة مع مفردة الـ«شوفان»، كما أننا طرحنا نقاشًا في المجموعة حول المسميات المختلفة الغريبة التي نسمعها يوميًا عن أنواع الحميات الغذائية النباتية.

هل لديكم إثبات لذلك؟

لا، لكننا كمجموعة اتفقنا تمامًا أن نستخدم كلمة «شالوفة» من الآن وصاعدًا بالمعنى الذي ذكرناه.

انتهى التدريب، ولم يتوصل المشاركون لإجماع حول معنى واحد للكلمة. لم يكن هدف المدرب منذ البداية التوصل إلى معنى محدد وقاطع لتلك الكلمة المبهمة بقدر ما كان يهدف إلى الإشارة لعملية تخليق المعنى المرتبط بمفردة بعينها. كما أراد أن يكوّن مدخلًا لطرح جدلية لم تحسم في ذلك التدريب «من يأتي أولًا: الكلمة أم المعنى؟ و كيف تُشكل الكلمات الوعي الإنساني؟». 

أتخذ من تلك الخبرة مدخلًا في محاولة تتبع مسار تخليق المعنى الذي يتشكل حول مفردة «فيروس كورونا»، ليس لغويًا فحسب بل ثقافيًا واجتماعيًا كذلك.

مفارقة الإدراج في القاموس

وفقًا لعلم دراسة أصل الكلمة، بدأ استخدام مفردة «فيروس كورونا» عام 1968. غير أنه فور إعلان منظمة الصحة العالمية «جائحة فيروس كورونا» في مؤتمر الصحة العالمي بجنيف 11 فبراير 2020، على الفور تمّ إدخالها إلى أكثر قواميس اللغة شيوعًا «ميريام ويبستر» لتظهر مفردة «فيروس كورونا» على قائمة تحديثات المفردات المضافة حديثًا للقاموس بتاريخ 16 مارس من العام نفسه. ولم يكن ذلك فحسب، بل أن اتخاذ قرار إدراج الكلمة في القاموس كان سابقة من نوعها لم يشهدها تاريخ أرشفة الكلمات من قبل.

وفقًا لمعايير إدراج مفردات جديدة بالقواميس، يجب أن تمر حقبة زمنية، كما أنه لا يتم التسرع في صك المفردة قبل مرور وقت كافٍ يصل إلى حقبة زمنية بأكملها. غير أن مفردة «فيروس كورونا» حطمت تلك المعيارية بالكلية، حيث تمت إضافتها للقاموس بعد 34 يومًا فقط لا غير من إعلان الوباء، ودون مجهود مضنٍ كالمعتاد.

أعاد ذلك إلى الذاكرة اللغوية، الرحلة الشاقة التي قطعتها كلمة «إيدز» ليتم إدراجها والاعتراف بها في قاموس «ميريام ويبستر». ففي حالة مفردة «إيدز» استغرق الأمر عامين كاملين، حيث بدأت الإشارة للمرض عام 1982، ثم خاض المحرر العلمي روجر بييز Roger Pease، جدالًا واسعًا لكي يتم صك المصطلح وإدراجه في القاموس. اعتمد روجر على الدفع بكل قوة إلى الاعتراف بهوية «المرض» بمنحه اسمًا واضحًا ثم إدراجه في القاموس الأكثر شعبية ليفسح مجالًا للاعتراف بكل ما يجلبه المرض من حوار مجتمعي لا فائدة من المراوغة حوله.

أما كلمة «كورونا» نفسها فاشتقاقها من «crown» وقد اصطلح العلماء المختصون بدراسة الفيروسات تسمية هذا النوع من الفيروسات بـ«فيروس كورونا» وتُماثل وجود «تاج» في الشكل التخيلي للفيروس يتقارب مع شكل التاج الشمسي في الخسوف الشمسي الذي تم رصده كما يظهر هنا.

هل تمكَّن «الفيروس» من خلق قاموس مستقل بذاته؟

بظهور فيروس كورونا، تراصت كتيبة من المفردات المرتبطة به واعتماده لغويًا وكارثة صحية عالمية، تنامت الحاجة لوجود مفردات تتمكن من ملء الفجوة المعرفية المقترنة بهذا الفيروس. دشنت مجلة «تايمز» دراسة تقودها مؤسسة «القاموس»، والمؤسسة البحثية لقاموس «ميريام ويبستر» لتحليل المحتوى الموجود على موقعهم الرسمي في تغطيتهم الإعلامية عن الفيروس بغية التعرف على أكثر الكلمات التي يبحث عنها مستخدمي الموقع واستخدام نتائج هذه الدراسة في بناء قاموس خاص يُمكِّن الجميع، على اختلاف خلفياتهم العلمية، من فهم الأزمة الحالية والعبور منها بوعي أعلى.

يمكن إفراد مقالة كاملة عن الكلمات الأكثر استخدمًا في المحتوى والمعنى المرتبط بها قديمًا وأصل الكلمات وتاريخها، غير أنني أود أن أنتقي الكلمات التالية التي أظهرتها الدراسة: Outbreak, epidemic and pandemic

أزمة، وباء أم جائحة؟

إن الأمر لا يعد تفلسفًا لغويًا، بقدر ما يعني أن خطورة الكلمات وما تحويه من دلالة ستتبعها إجراءات تتسم برفع درجة الخطر والاستعداد العالمي. يتضح ذلك جليًا في قرار تأخير منظمة الصحة العالمية في الإعلان عن فيروس كورونا باعتباره جائحة عالمية.

لقد تأخر استخدام منظمة الصحة العالمية لكلمة «وبائي»، ولم يظهر سوى في 16 مارس بالرغم من ظهور المرض منذ 11 فبراير. ويُرجع البعض هذا التأخير لما يمكن أن يسببه مثل هذا الإعلان باستخدام كلمة «pandemic» أن الأمر بات من الخطورة من منطلق إحصائيات الدول المختلفة وتصاعد أرقام الوفيات وانتشاره في مناطق مختلفة، وما قد يحدثه ذلك من خلخلة للأنظمة المالية وما يصاحبها من انهيار الأمل في الشفاء وتعاظم الهلع الكوني.

Quarantine

تلك المفردة التي تمّ إحياؤها من التاريخ الإنساني القديم.

يشير بيتر سوكولوسكي Peter Sokolowski، محرر قاموس «ميريام ويبستر»، إلى أن الكلمة التي تم إحياؤها من التاريخ الإنساني القديم تعني الفترة التي تمتد إلى 40 يومًا من العزلة. تعود جذور الكلمة إلى السياق الديني، وبخاصة التراث المسيحي الذي يقوم الفرد خلاله بصيام 40 يومًا اتباعًا لصيام المسيح في الصحراء للمدة ذاتها. كما أن المعنى الاجتماعي للعزلة أو الخلوة أو الانعزال، بجانب وجوده في كثير من التراث الديني، فهناك ممارسات اجتماعية يظهر فيها بشكل جلي، على سبيل المثال، هناك العزلة التي تُفرض على الأرملة عند وفاة زوجها بالامتناع عن تأجير منزلها لمدة أربعين يومًا، فهي فترة العزلة والحداد. 

وفي العصور الوسطى، كان البحارة الإيطاليون يُبقون السفن القادمة في الماء مدة 40 يومًا قبل أن يقوموا باستقبالها على الشاطئ خشية أن يكون هناك وباء بين البحارة على السفينة القادمة من بلد غريب.

أما عن الاستخدام المعاصر لكلمة «كورانتين»، فهي تراوحت ما بين الحظر، العزلة، العزل، ثم ظهرت كلمة «التباعد الاجتماعي».

Social Distancing.. التباعد الاجتماعي

كلمة التباعد الاجتماعي ليست وليدة الوقت الحاضر، فتاريخ الكلمة يرجع إلى العام 1960، إلا أن إحياء المصطلح واحتلاله مسرح أكثر الكلمات استخدامًا وبحثًا،  صاحبه محاولة لتطويعه بما يتناسب مع اللحظة الآنية. وفي تلك اللحظة هناك محاولة لإعادة تدوير المصطلح ليصبح «تباعدًا جسديًا» وليس «اجتماعيًا» كمحاولة لإدماج الوعي بدلالة الكلمات من منظور نفسي، إذ أنه وقت الأزمة الشديدة قد تخلق كلمة واحدة أو مصطلح ما يسمى في علم النفسي بإثارة triggers، الخوف أو الهلع.

Flattening the curve.. تبطيط المنحنى

أصبحت «شبه الجملة» تلك أكثر التراكيب اللغوية استخدامًا -وفق دراسة التايمز- في الحياة العامة. وبمقدور من تتبع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، العثور على مثل تلك التراكيب دون أن يرتبك، فقد أصبحتَ متورطًا بالكلية في المعرفة.. تلك المعرفة التي تتجاوز العمل الأكاديمي أو المختبر الطبي أو الأسوار العالية ذات اللغة الأكاديمية شديدة التعقيد.

Herd Immunity.. مناعة القطيع

لكلمة «قطيع» دلالة اجتماعية ربما نتناولها لاحقًا في القاموس الشعبي الذي أتى مصاحبًا لفيروس كورونا، غير أن هذا المصطلح من ناحية طبية يعني، كما رصدته الدراسة المعنية، أن بعض الناس قد يصبحون محميين من الإصابة بالفيروس لتواجدهم في مجتمع ذي مناعة عالية (الغالبية ذات مناعة عالية) وبالتالي تتضاءل فرص انتشاره داخل هذا المجتمع.

هل يفرض «كورونا» احتياجًا لـ «لغة» عالمية للعلم؟

تلك كانت إشكالية تكاد لا تتجاوز المختبرات العلمية المتخصصة، وتغادرها فقط لتمتد إلى المختبرات اللغوية. إن ما حدث في فيروس كورونا، تجاوز الحدود المعروفة بين العلم الأكاديمي الصارم والعلم الشعبوي. أصبح الجميع يتشاطرون الرغبة في المعرفة والفهم. من ناحية، ظهر احتياج قوي لأن تكون هناك لغة موحدة بين الأطباء والحكومات والدول عبر العالم لكي يتم تناقل المعرفة من خلالها، تساقطت الحدود الوهمية التي صنعت حاجزًا لفهم الكثير من الظواهر والتي وقفت اللغة حائلًا دون فهمها أو ترجمتها إلى لغة أخرى.

أصبح العالم بأكمله ينطق كورونا، كوفيد 19، بل أن القاموس المرتبط بالفيروس لم يعد حكرًا على المختصين فحسب، بل أصبح الجميع يمكنه أن يسرد توصيفًا دقيقًا للأعراض والمسببات باستخدام كل المفردات السابقة، وقد حدث ذلك في وقت يعد قياسيًا. ومن الناحية الأخرى، فبالرغم من عالمية المفردة في اللحظة الحالية، إلا أن «فيروس كورونا» اختبر تحديًا جديدًا من حيث تنوع استخدامه وفق التنوع اللغوي داخل البلد الواحد، مما يمنحنا رؤية لمسار مفردة واحدة وكيف يتم تطويرها في زمن قياسي داخل مجتمعات مهمشة.

عند بدء الجائحة في الصين، أثار صانعو السياسات الصينية في مجابهتها، الانتباه نحو الاحتياج إلى مزيد من البحث التجريبي حول وسائل وأدوات الاتصال بين قطاعي الصحة والإعلام، والاحتياج لتوصيل رسائل عن الفيروس بلغة محلية تتطور لتستوعب مستجدات التحدي الراهن، مؤكدين بذلك على رغبتهم في تقصي التواصل والفهم المشترك حول المعلومات الصحية/ الطبية باستخدام لغات الفئات الأقل تهميشًا على سبيل المثال. 

وقبل أن تشتد وطاة الجائحة في الصين، كان هناك اهتمامًا بتواجد منصات تواصل اجتماعي ثنائية اللغة، الغرض منها أن تصل إلى مستخدمين من خلفيات إثنية مختلفة ولهجات مختلفة كذلك. تم تصميم تلك المنصات ثنائية اللغة لتحرير المعرفة الطبية من الاحتكار من طبقة بعينها، وتسهل التعريف بالقرارات الحكومية، كما كان من المخطط لها أن تكون خطوة نحو تدشين كرنفالات ثقافية نابعة من المجتمعات المحلية. 

بعد اجتياح جائحة فيروس كورونا، رُصدت مبادرات محلية لتبادل المعلومات حول الجائحة باستخدام لهجات محلية، وبخاصة للمجتمعات المهمش والتي تعيش على الحدود مع ميانمار، تمثّل ذلك في تكوين مجموعات من هؤلاء السكان، وتبادل النصائح والمعلومات باللغة الدارجة. بل لقد تمّ استخدم اللغة الخاصة بمجتمع الأقليات من التيبت، وتمّ اعتبار أن كبار السن غير القادرين على التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي أحد شرائح المستهدفين من تطوير لغة محلية حول تطورات الجائحة.

وفي سابقة من نوعها، تمّ رصد عدد من قصص الفلكلور المنغولي والأغاني الشعبية وعزف بعض من المقطوعات الشعبية مثل التصفيق باستخدام خشب البامبو، كممارسات شعبية للتكاتف الاجتماعي ورفع الروح المعنوية للمناطق المنكوبة. وأصدرت الصين منشورات توعوية حول فيروس كورونا ظهرت في 39 لغة محلية، وبالتعاون مع دور النشر في جميع المقاطعات الصينية. بالإضافة إلى إعادة إحياء اللغات المنسية واللهجات المحلية، تم طرح إشكالية غاية في الأهمية وهي استخدام اللغة الإنجليزية كلغة للعلم والطب. 

يشير زانج جي Zhang Jie إلى أن اللغة أصبحت سلاحًا ذو حدين، ويشتد ذلك في وقت تصاعد النزعة الوطنية المحلية بضرورة إنقاذ الوطن. أشار زانج إلى أن عددًا من الباحثين الصينيين نتيجة لنشر أبحاثهم باللغة الإنجليزية حول كورونا في مجلة «بريطانيا العظمى للأبحاث الطبية»، تم وضعهم قيد المساءلة وفُتحت عليهم نيران الاتهام، وصلت إلى اتهامهم بالخيانة لعظمى. برصد تلك الحادثة، يعيد المشهد تذكيرنا بما يمكن أن نطلق عليه اللغة العالمية للعلم، ومساءلة الإنجليزية كلغة للعلم واختبار فرضية: هل يملك الجميع كفاءة لغوية كافية للبقاء في وقت تبدو فيه المعرفة وضرورة تداول المعلومات بكل وسيلة ممكنة أمرًا حتميًا لا امتيازًا يختص به البعض دون غيرهم؟

هل أعاد الفيروس تاريخ قديم للكراهية عبر اللغة؟

كما تمت الإشارة سابقًا إلى أن بعض المفردات التي أُعيد استخدامها لتتواكب مع توصيف مستجدات اللحظة الآنية، طُرح التساؤل: هل اللغة الخاصة بالجائحة أنتجت مفردات للكراهية والعنف اللغوي؟

يخبرنا التاريخ أن تلك ليست المرة الأولى التي يقود الخوف من الإصابة بالوباء وحالة الذعر العام إلى موجة من العنصرية تصب غضبها نحو العمالة الآسيوية، والتي تمتد جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر بوصول أول عامل آسيوي إلى أمريكا الشمالية. بعيدًا عما تمّ رصده من ممارسات عنف ضد الصينيين والآسيوين في الأشهر الماضية، تداول مستخدمو الإنترنت تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بوصفه الفيروس بـ«ذلك الفيروس الصيني»، مما اعتبره كثيرًا من المراقبين دعوة صريحة لإحياء كراهية تاريخية قديمة نحو دول شرق آسيا. 

في نفس الوقت تواردت أنباء عن تعرض أمريكيين من جذور آسيوية للبصق والاعتداء والصراخ والتهديد، ووصل الأمر إلى الطعن والضرب، كما حدث في مونتريال، ورصد لتصاعد العنف نحو محال العمالة الآسيوية تصل إلى ما يزيد عن 650 هجمة عنصرية في الأسبوع الماضي فقط.

على صعيد شعبي، رُصد العديد من الكوميكس الساخرة حول عادات الأكل في الصين، واستتبع ذلك توطئة لكراهية مبطنة يمكن توصيفها بأن بعض الشعوب قد تبدو أكثر «قذارة» من غيرها.

القاموس الشعبي لـ«كورونا»

في 16 مارس الماضي، تمت إضافة كلمة covidiot إلى القاموس الشعبي، وهي تجمع بين الجذرين corona and idiot (أبله- الكورونا) تشير إلى النمط السلوكي الذي تزامن مع ظهور الجائحة، وهو نمط الأشخاص الذين يستخفون بتحذيرات البقاء في المنزل أو يخزنون البضائع الغذائية دون داعٍ.

استقبل المصريون لفظ «كورونا» بما يتشابه مع ما هو مُخزن في ذاكرتهم الجمعية وبنيتهم المعرفية بتقريب كورونا لنوع الشيكولاتة الذي لم يعد رائجًا قبل أن تحدث الجائحة، غير أنه منذ أن تسارعت وتيرة الأحداث توقف الجميع عن استخدم نفس الإيفيه.

ثم لم يلبث أن أصبحت كلمة «كورونا» جزء من الحوار اليومي المعتاد. ولم يجد المصريون أي صعوبة في تداول كلمات مثل الكورونا أو الكارونا (كما يتم نطقها في أحد مواقف الميكروباصات)، أو بعد بضعة أيام، أصبحت الغالبية تستعيض عن «الكورونا» وتشير إلى «كوفيد 19» دون الحاجة للشرح المطول حول الكلمة أو إلى ما ترمز.

ظهرت أغنيتان باللهجة المصرية تتسمان بخفة الظل، الأولى لعمر طاهر يعيد تدوير الفلكور الصعيدي «سلّم عليّ»: الكوكب اللي رافع حاجب.. ع الغلابة بيتعاجب.. عمل الكورونا معاه الواجب.. خلاه ماشي يندب ع الناي.. الحظر خلاني في حالة.. فكيت وديعتي المتشالة.. ومراتي في البيت شغالة.. رايحة وجاية تعمل شاى.

والثانية للدمية الأشهر «أبلة فاهيتا» بعنوان «الكورانتينا»: طول اليوم بوزنا في بوز بعضينا.. مش طايقين روحنا يا رب ألطف بينا.. شاكين في جيرانننا وحتى في أهالينا..  مع بعضنا لابسين في الكوارنتينا.

بل أن مفردة تحمل خلفية محتملة للتحقير، ألا وهي «القطيع»، بما تشير إليه من الاتباع الأعمى لقطعان الماشية، ربما كانت تتحرر شيئًا فشيئًا من تاريخها في الثقافة الشعبية المصرية حين ظهر عدد من المبادرات المجتمعية تحمل في جوهرها ضرورة التكاتف كمجموع.

ربما الجانب الأكثر خفة في تناول الكورونا اللغوي، أنها لم تتح الفرصة لأي من الجدالات التي يدور اللغويون في رحاها، على شاكلة «الحاسوب» عوضًا عن «الكمبيوتر» أو «الذكاء الاصطناعي» عوضًا عن «الأرتيفيشيال انتجيلينس».

بل أن الأمر امتد إلى أن يصطبغ بمسحة شعبوية تم رصدها من خلال الباعة الجائلين الذين منحوا بعدًا ابتكاريًا جديدًا حين أصبح النداء لتخزين الثوم هو: «يا مزين البلكونة.. يا قاتل الكورونا». في إشارة واضحة لتضفير الأسطورة الشعبية بقوة الثوم الشافية على طرد جميع الأرواح الشريرة، ومما لا شك فيه فإن الشر الذي يحمله «فيروس كورونا» لن يصمد أمام «حزم الثوم المعلقة في البلكونات».

اعلان
 
 
ريهام عزيز الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن