دون حماية.. الزبالون يجمعون القمامة و«كورونا» أيضًا
 
 
منطقة الزبالين بحي منشأة ناصر بالقاهرة - صورة: روجيه أنيس
 

في حي منشأة ناصر بالقاهرة، تبدو الحياة طبيعية، العمل كأي يوم عادي، رغم حالة الطوارئ للحد من انتشار فيروس كورونا، والتي أفرغت أحياءً من زحامها المعتاد. تزدحم المنطقة بالعاملين في جمع القمامة، حركة البيع والشراء من باعة الخضار على النواصي سارية، بينما يتجمع العشرات أمام المحال.

 عربات نقل تخرج محملة بما يقرب من عشرة رجال من جامعي القمامة في المرة الواحدة، بينما تعود عربات أخرى محملة بأطنان القمامة، توزعها على أماكن الفرز، حيث يقوم أطفال ونساء بفرزها يدويًا لفصل المخلفات الصلبة مثل الزجاج والبلاستيك والصفيح عن المخلفات العضوية.

سيارة قمامة بمنشأة ناصر تستعد لتفريغ حمولتها لبدء فرزها يدويًا - صورة: روجيه أنيس

في أقل من شهر، تغيرت ملامح الحياة اليومية لغالبية المصريين بسبب الإجراءات المتبعة لمواجهة الوباء، ولكن ما لم يتغير هو أكياس القمامة أمام المنازل، ومعها عمل جامعيها، رغم خطر العدوى الذي قد يصلهم في ظل منظومة جمع مخلفات لا تحميهم. 

«احنا بنعمل بطولة عشان نيجي نشيل الزبالة، وبسبب الحظر الشغل بقى أكتر عشان لازم نخلص قبل الساعة 7. لكن الناس دلوقتي بقت تشوفنا في الشارع تبعد بسرعة عننا بطريقة مش كويسة. خايفين مننا»، يقول جامع قمامة منزلي، طلب عدم ذكر اسمه، لـ «مدى مصر».

«يعني لو إحنا ماشيلناش الزبالة مين هيشيلها» تقول مها*، التي يعمل زوجها وشقيقاها في فرز المخلفات الصلبة ويعيشوا جميعًا في منزل واحد بمنشأة ناصر. 

تضيف مها «إخواتي قاعدين دلوقتي في البيت عشان هما بيشتغلوا في فرز البلاستيك والصفيح. واللي بس شغالين بتوع لم الزبالة من البيوت. احنا خايفين ومش بننزل خالص رغم أن الزبالة حوالينا بس ربنا الحافظ. بس مقسمين الأيام أنا يوم أنزل أجيب الطلبات ويوم جوزي هو اللي ينزل عشان أمي ست كبيرة وعايشه معانا».

«عندنا مليون زبال في مصر ومكملين شغالين عادي لأن أهمية شغلتنا في الوقت الحالي متفرقش عن أهمية شغل الأطباء بسبب أن الزبالة نفسها ممكن تنقل الفيروس. يعني لو سيبناها قدام البيوت وفي الشوارع بيتهيألي هتضاعف في انتشار المرض»، يقول نقيب الزبالين شحاته المقدس، لـ «مدى مصر».

ويوضح المقدس أن حجم القمامة المنزلية اليومية للقاهرة زاد ما يقرب من ألفين طن، في حين قل حجم القمامة ومخلفات الفنادق والمنشآت السياحية والمطاعم مما أثر بالسلب على دخل الزبالين. ويقول «بقى في كميات كبيرة جدًا من زبالة منزلية عبارة عن مناديل وكمامات وجوانتيات وأزايز كحل ومواد التطهير والتنظيف».

مع بداية تفشي فيروس كورونا في الصين أفادت إدارة السلامة والصحة المهنية الأمريكية في بيان إن الفئات الأكثر تعرضًا لخطر الإصابة بالفيروس هم العمال الذين يتفاعلون مع الأفراد المحتمل أن يكونوا مصابين، بما في ذلك أولئك الذين يشاركون في الرعاية الصحية، التعامل مع الموتى، العاملين بالمعامل، العاملين بالطيران وحماية الحدود والعاملين بإدارة النفايات الصلبة والمياه الملوثة. وشددت على أنه يتحتم فصل القمامة الصادرة من المنازل التي تحتوي على مخلفات مصابين محتملين والتعامل معها كنفايات طبية معدية.

صورة: روجيه أنيس

القمامة المنزلية التي تحوي الأقنعة المصابة والقفازات وغيرها من معدات الحماية، ويتم فرزها يدويًا في مقالب الزبالة، سبق وأن طالب برنامج الأمم المتحدة للبيئة الحكومات في بداية تفشي فيروس كورونا معالجتها بشكل خاص، موضحة أن الإدارة غير السليمة لهذه النفايات قد تتسبب في إحداث آثار «غير متوقعة» على صحة الإنسان والبيئة. وقالت نصًا: «من المحتمل أيضًا أن تكون الإدارة الآمنة للنفايات المنزلية حاسمة أثناء طوارئ COVID-19».

«يمثل الوضع الحالي ثلاثة أوجه للخطورة: أولًا، خطورة على العاملين بتجميع القمامة من المنازل. ثانيًا، خطورة على العاملين في فرز القمامة باليد. وثالثًا، خطورة على السكان حيث يمثل في هذه الحالة العاملون مصدرًا لتجميع العدوى ونشرها بشكل يومي في جميع أنحاء الجمهورية» يقول أيمن وفيق، باحث في الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

«الدول المختلفة اتخذت إجراءات واضحة فيما يخص تجميع القمامة من المنازل مع تطور المستجدات فيما يخص وباء فيروس كورونا. استمرار جمع وفرز القمامة باليد كما هو الحال في مصر ليس وسيلة آمنة. إجراءات مكافحة العدوى التي تنطبق على المعاملات العادية يجب أن تنطبق وبشدة مع القمامة»، يضيف وفيق. 

في الصين مثلًا، حيث بدأ تفشي فيروس كورونا في ولاية ووهان، قالت وزارة البيئة في مؤتمر صحفي بداية مارس إن «الحكومة قامت بتحديث المنشآت التي تعالج النفايات الخطرة والتي تتولى معالجة النفايات الطبية الآن، كما ضاعفت من طاقة معالجة النفايات في مدينة ووهان». جاء ذلك بعدما تناولت الصحافة الصينية موضوع المخلفات الطبية في القمامة المنزلية، ووصفتها في البداية بـ «أزمة في طور التكوين»، وبعد أيام قليلة تحولت لـ «الصين تكافح جبال النفايات». وأوضحت التقارير الصحفية أن النفايات الآن تشكل كارثة بيئية للصين، رغم الوسائل الآمنة التي تتبعها في التخلص منها بحرقها، إلا أنه غير كافٍ، موضحة خطورة أخرى من عودة انتشار الفيروس من خلال جامعي القمامة وغيرهم، إذا لم يتم التعامل مع النفايات التي قد تحمل العدوى بشكل صحيح.

ويلفت وفيق الانتباه إلى أهمية «الأخذ في الاعتبار انتشار استخدام الجوانتي الطبي وكمامة الوجه اللذين يمثلان تركيزًا محتملًا للفيروس يتم إلقائه مع قمامة المنزل، التي يجمعها عاملو القمامة ويتم فرزها يدويًا. يجب على الدولة اتخاذ خطوات جادة والتنبيه على المواطنين بضرورة فصل القمامة الطبية مثل الكمامات والجوانتي الطبي أو أي قمامة صادرة من أي شخص مريض. كما يجب إصدار وتفعيل إجراءات للتخلص الآمن منها. ويتحتم أيضًا ضمان تنفيذ إجراءات مكافحة العدوى بين كل المتعاملين مع القمامة وتوفير سبل الحماية لهم».

«طلبت من الدولة أنها توفر للزبالين جوانتيات وكمامات وجزم بلاستيك برقبة طويلة زي بتاعت الجزارين في المدبح. لكن للأسف محدش استجاب أو تواصل معايا، واللي بيجمعوا الزبالة دول ناس فقيرة جدًا. فيه كتير من المعلمين وفروا للعمال بتوعهم جوانتي وكمامة لكن فيه عمال تانين مش معاهم ده»، يقول المقدس. كما يطالب شحاته المقدس من الناس ترك القمامة على أبواب منازلهم، وألا ينتظروا من العامل طرق الأبواب لتقليل الاحتكاك المباشر. 

صورة: روجيه أنيس

مطالبة نقيب الزبالين بتوفير أدنى وسائل الحماية للزبالين في ظل أزمة كورونا، يُعد بالأساس مطلبًا لابد توافره بشكل حتمي دون الحاجة لتفشي فيروس كورونا، وسبق أن أشارت وزارة البيئة في تقريرها السنوي 2017 إلى أن أحد الآثار المترتبة على الوضع الحالي للتعامل مع المخلفات في مصر، يشمل ما هو متعلق بصحة الإنسان واحتمالات إصابته بالأمراض الوبائية والمتوطنة وأيضًا الأمراض المزمنة. 

وقد أفادت الوزارة أن أحد المشكلات المتعلقة بالمخلفات في مصر هو التعامل الخاطئ مع أنواع معينة من المخلفات مثل المخلفات الطبية، والتي كثيرًا ما يُلقى بها مع المخلفات المنزلية، وأوضحت الوزارة أن من الواجب فصلها والتخلص منها من خلال أكياس مناسبة لهذه النوعية من المخلفات. وأضافت الوزارة أن عمال جمع المخلفات (الزبالين) من أكثر الفئات تعرضًا وإصابةً بالعديد من الأمراض نتيجة تعرضهم المستمر للمخلفات أثناء جمعها.

جمع وفرز القمامة يدويًا هو واحد من القضايا التي تحتاج لحلول في مصر في ظل مساعٍ لإعادة تدويرها واستغلالها، ويوضح تقرير «حالة البيئة في مصر» إن مصر تنفق ما يقرب من ملياري و300 مليون جنيه للتخلص من المخلفات، ومع ذلك فهناك احتياج لما يقدر بمليار جنيه إضافية من أجل عمل نظام لإدارة المخلفات. واتخذت الدولة خطوة بفرض قيمة مالية تضاف إلى فاتورة استهلاك الكهرباء يتم دفعها كمساهمة في تغطية نفقات عملية إدارة المخلفات، وذلك منذ 2003. 

التعامل مع القمامة في مصر، وفقًا لتقرير بعنوان «مشكلة المخلفات في مصر… الواقع والحلول الممكنة» الصادر عن مركز المعلومات واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء في عام 2010، يعتمد على منظومتين متداخلتين بشكل كبير، الأولى تقليدية، ويمثلها مجتمع الزبالين، حيث يقومون بالفرز اليدوي. والمنظومة الثانية حديثة، وتمثلها الشركات الخاصة التي ظهرت في مصر عام 1987 بقوام 50 شركة حينها، وتوسعت هيئة تنظيف وتجميل المدينة في القاهرة في إصدار التصاريح لشركات أكثر، ولكن بحلول عام 2000 تم طرح منظومة جمع القمامة لصالح شركات أجنبية بدأت بمحافظة الإسكندرية، وتمتد العقود من 10 لـ 15 عامًا.

ووفقًا لوزارة البيئة فإن أساليب التخلص النهائي من المخلفات في مصر يعتمد على ثلاث طرق، 12% معالجة وتدوير، 7% مدافن صحية، 81% مقالب عمومية وعشوائية.

وتوضح تقديرات وزارة الدولة لشؤون البيئة في تقريرها «حالة البيئة في مصر» الصادر عام 2017، أن حجم القمامة المنزلية أو ما يعرف بالمخلفات البلدية الصلبة، بلغ عام 2016 نحو 59 ألف طن في اليوم، وهو ما يعادل نحو 22 مليون طن سنويًا. ويُقدر نصيب الفرد من المخلفات البلدية الصلبة في المناطق الحضرية نحو 1.07 كجم، وفي المناطق الريفية 0.5 كجم للفرد.

وتتشكل القمامة المنزلية من 56% مواد عضوية، و13% بلاستيك، و10% ورق كرتون، و4% زجاج، و2% خردة، و15% أخرى، بحسب التقرير. وتستحوذ محافظة القاهرة على النصيب الأكبر من إجمالي القمامة المنزلية بـ 5.48 مليون طن سنويًا، تليها محافظة الإسكندرية بـ 1.57 مليون طن.

* اسم مستعار

اعلان
 
 
كارولين كامل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن