بعد «كورونا».. هل يدفع أولياء الأمور وحدهم فاتورة التعليم الخاص؟
 
 
معمل الكمبيوتر بالمدرسة.
 

انتشرت دعوات بعض أولياء الأمور الشهر الماضي مطالبين المدارس الخاصة برد جزء من أقساط مصاريف ذويهم بعد قرار وزارة التعليم الشهر الماضي بعدم استكمال المناهج الدراسية في مراحل التعليم الأساسية، والاكتفاء بما تم دراسته حتى منتصف مارس، كإجراء احترازي للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19».

يعتبر عدد كبير من أولياء الأمور أن استرداد المصاريف التي دفعوها دون أن يحصل أبناؤهم على الخدمات التعليمية التي يفترض حصولهم عليها أمرًا منطقيًا.

في المقابل، لم تستجب أغلب المدارس الخاصة لتلك الدعوات، زاعمة استمرار التعليم عن بعد تارة، وأن المصاريف تشمل أجور المعلمين والموظفين تارة أخرى، رغم امتناع بعض تلك المدارس عن سداد أجور العاملين، بل وتسريحهم، وذلك في ظل غياب أي تدخل رسمي.

 وزارة التربية والتعليم من جانبها يبدو أنها قررت عدم التدخل بين طرفي الأزمة. واكتفى وزير التعليم طارق شوقي بتعليق في مداخلة تلفزيونية الأسبوع الماضي قائلًا، إن المدارس الخاصة غير مُلزمة قانونًا برد المصاريف لأولياء الأمور، مشيرًا إلى أن الوزارة أكدت أكثر من مرة عند الحديث في أزمة أقساط المدارس «أنه ده مش وقته نهائيًا». وأوضح شوقي أن الوزارة لن تنظر في هذا الأمر قبل نهاية شهر أغسطس، لأنه يحتاج لدراسة مستفيضة.

تنقسم المدارس في مصر لثلاثة أنواع أساسية: حكومية، وخاصة، ودولية. يضم التعليم الحكومي مدارس وزارة التربية والتعليم العادية والتجريبية، بالإضافة لأنواع أخرى من المدارس التي تقدم خدمات متقدمة بمقابل مادي، كالمدارس اليابانية والدولية والقومية والتعليم الفني. تتشابه تلك المدارس في المناهج وامتحانات الشهادات، وتختلف في بعض المواد الإضافية أو دراسة لغات إضافية. أما التعليم الخاص فيضم مدارس خاصة محلية، يدرس روادها نفس المناهج الحكومية، لكنها تضيف كتابًا خارجيًا لتعليم اللغة الإنجليزية معتمدًا من جامعات دولية. أما النوع الأخير هو المدارس الدولية التي تعتمد على تدريس مناهج التعليم الغربي، أكثرها انتشارًا في مصر الأمريكي والبريطاني والفرنسي.

يضم قطاع التعليم الحكومي نحو 19 مليون طالب في نحو 46 ألف مدرسة، فيما يضم قطاع التعليم الخاص أكثر من اثنين مليون طالب في أكثر من سبعة آلاف و500 مدرسة، وفقًا لإحصائيات المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2019.

تحصّل المدارس الخاصة المصاريف من أولياء الأمور كدفعة واحدة قبل بدء الدراسة أو بنظام التقسيط، وهو ما يفضله معظم أولياء الأمور مؤخرًا، بحسب مروى بكرى مدرسة في مدرسة دولية بالقاهرة.

يختلف عدد الأقساط وقيمتها باختلاف المدرسة. في المدارس الخاصة، تقسم مصاريف الدراسة في المعتاد على قسطين يدفع كل منهما قبل بداية كل فصل دراسي، وقد تسمح بعض المدارس بدفع القسط الأول على دفعتين بشرط أن يدفع كاملًا قبل إنتهاء الترم. أما المدارس الدولية فتمتد الدراسة في بعضها، وفقًا لنظام التعليم، لثلاثة فصول دراسية تسدد الأقساط قبل بدء كل فصل دراسي، بالإضافة لنحو 5% من مصاريف العام التالي. وتضمن المدارس تحصيل الأقساط في مواعيدها بتوقيع عقوبات على المتأخرين، كحجب نتيجة الطلاب، أو عدم استلام الكتب الدراسية، أو توقيع غرامة 5%، بحسب بعض أولياء الأمور الذين تحدثوا إلى «مدى مصر».

حصّلت معظم المدارس الأقساط من أولياء الأمور كاملة، بل وطالب بعضهم بمصاريف العام القادم، بحسب رانيا بدران، أم لطفلين، ومسؤولة عن جروب على فيسبوك يضم أكبر تجمع لأولياء أمور طلاب المدارس الخاصة الدولية. تقول بدران إنها تلقت عددًا كبيرًا من طلبات أولياء الأمور على الجروب، تطالب إدارة المدارس بتحمل ولو حتى جزء من المصاريف التي سددها الأهالي بالفعل.

«معظم أولياء أمور الطلاب في المدارس الخاصة موظفين، أغلبهم يوفر فلوس المدارس بالكاد من خلال الجمعيات أو القروض»، تقول ناني فكري، والدة لطفلتين بمدرسة خاصة محلية بالقاهرة، مضيفة أن مستوى التعليم في مصر «متردي»، والمدارس الخاصة المحلية هي الفرصة الوحيدة لأطفال الطبقة المتوسطة لتعليم شبه جيد. «أحنا مش بنحوش جنيه، ولادنا هما الحاجة الوحيدة اللي بنستثمر فيها».

هدى* سددت منذ يومين فقط قسط قرض سحبته لتغطية تكاليف المدارس الخاصة بأبنائها، مؤكدة أنها ليست الوحيدة التي تمر بضوائق مالية مستمرة بسبب أقساط المدارس، رغم عملها كطبيبة بدخل جيد. تحكي هدى لـ«مدى مصر» عن صديقتها الأم لثلاثة أولاد، تدفع لكل منهم 30 ألف جنيه في مدرسة خاصة محلية، بإجمالي نحو 100 ألف جنيه في العام شاملة مستلزمات الدراسة، سددتها سنويًا من خلال «جمعية» بقيمة عشرة آلاف جنيه كل شهر، تدفعهم من عملها في البيع أونلاين الذي توقف تمامًا مع انتشار فيروس كورونا. استلمت المدرسة كامل المصاريف بنهاية ديسمبر الماضي، واستمرت الأم في دفع أقساط الجمعية، رغم توقف الدراسة. ورغم هذا رفضت المدرسة إعادة جزء من الأقساط متحججة بمرتبات الموظفين، بحسب هدى.

حِرص بعض إدارات المدارس على تحصيل أقساط المصاريف وصل للتهديد بحذف الطلاب من قوائم التعليم. مدرسة «الفؤاد الدولية» بمحافظة الشرقية طلبت من أولياء الأمور سرعة سداد باقي مصاريف المدرسة والتي تبلغ 30 ألف جنيه، من أصل 135 ألف. إحدى أولياء الأمور والتي فضلت عدم ذكر اسمها، طلبت من الإدارة مهلة لمدة شهر لسداد المبلغ، لكونها محتجزة إجباريًا في المنزل أثناء حظر تجول يمتد طوال اليوم في بلد عربية وتوقف راتبها هي وزوجها، ولكن الإدارة رفضت رفضًا تامًا مد المهلة. فيما منحت الإدارة مدرسي الأنشطة والتربية الرياضية إجازة مفتوحة بدون مرتب بدعوى عدم الحاجة، بحسب عدد من أولياء الأمور بتلك المدرسة. وحاول «مدى مصر» التواصل مع المدرسة ولكن دون رد.

أصحاب رؤس الأموال في المدارس يبحثون فقط عن الربح، كما يرى عادل بخيت، مدرس بمدرسة الأورمان الحكومية. يقول بخيت إن بعض المدارس خفضت أجور بعض العاملين لكونهم لا يقدمون الخدمة بشكل كامل، رغم تحصيلهم المصاريف كاملة من أولياء الأمور، لأنهم يرون أن البحث الذي أقرته وزارة التربية والتعليم الشهر الماضي كبديل للامتحانات النهائية للطلاب من الصف الثالث الابتدائي حتى  الثالث الإعدادي، سيكون سبيل الطلاب للمرور للعام القادم، وهو ما توفره مدرسة المستثمر، ولذلك فهو يرى أن مدرسته أدت الدور المنوطة به بتأمين مرور الطلاب للعام القادم.

تضيف بدران، القائمة على جروب أولياء أمور المدارس الدولية على فيسبوك، أن أسر الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بالمدارس الخاصة، هم الأكثر تضررًا من قرار وقف التعليم ماديًا ونفسيًا. كما أن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لهم مصاريف أكثر من زملائهم، وأيضا هم لا يستطيعون استكمال دراستهم أو جلساتهم «أونلاين».

يتعلم الأطفال ذوي القدرات الخاصة مثل فرط الحركة والتوحد، وفقًا للقانون الصادر عام 2017 عن «مدارس الدمج»، وهو التعريف الساري على كل مدارس مصر، والذي يحتم وجود 10% في كل فصل من ذوي القدرات الخاصة. تخصص المدرسة وحدة لهؤلاء الأطفال لمتابعة جلسات تأهيلهم.

هبة*، أم لطفل عمره أربع سنوات مصاب بالتوحد، تقدمت بأوراق ابنها للمدرسة نهاية العام الماضي، للالتحاق بالعام الدراسي الجديد في سبتمبر 2020. وعرضت عليها إدارة المدرسة الانضمام للمدرسة في الترم الثاني من بداية فبراير وحتى أبريل، والترم الثالث من منتصف أبريل وحتى منتصف يونيو للتأهيل عن طريق جلسات خاصة فقط دون الدراسة، لينضم بعدها لصفوف المدرسة مع بداية العام الدراسي في سبتمبر.

وافقت الأم ليذهب ابنها للمدرسة لمدة شهر واحد، دفعت فيه الأسرة 16 ألف جنيه في البداية، وعشرة آلاف جنيه أخرى الأسبوع الماضي، بالرغم من قرار وقف الدراسة. أبلغتها إدارة المدرسة أن الجلسات ستتابع «أونلاين» على الرغم من ابنها ممنوع تمامًا من التعرض للشاشات بسبب مرضه، وهكذا لن يستفيد الطفل من أي خدمة مقابل المصاريف التي دفعتها. لكن الإدارة هددتها في حال عدم السداد بعدم توفير مكان للطفل العام القادم بالمدرسة، بحسب هبة.

تشرح هبة لـ«مدى مصر» أن المدارس الخاصة في الغالب ما ترفض من الأساس قبول الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بمدارسهم، وإن وافقوا يدفع ولي الامر أضعاف الطفل المعافى، وذلك بحجة أنهم يخصصون وحدة لهم. ورغم هذا، لا تلتزم الكثير من المدارس بوجود تلك الوحدات، وتكتفى بتوفير «مدرس ظل» يدفع راتبه ولي الأمر.

طلبت هبة من الإدارة حضور المدرس إلى منزلها لمتابعة جلسات ابنها، لكن الإدارة رفضت بدعوى تعرض طاقم عملها للخطر. «طيب ما أنا لسه بنزل شغلي وبعرض نفسي للخطر علشان أدفع فلوس خدمة أنا مخدتش منها أي حاجة»، تقول رانيا التي تعمل بالقطاع الخاص وخُفّض مرتبها 20% هذا الشهر.

عدد محدود من المدارس الخاصة فقط استجاب لبعض طلبات أولياء الأمور. مدرسة «وندروز أكاديمي Windrose academy» خفضت 20% من قسط الفصل الدراسي الثالث، أما مدرسة «جرين لاند Greenland» الدولية فقد طالبت أولياء الأمور بمصاريف العام الدراسي القادم، مع إمكانية دفع أولياء الأمور بالشيكات المؤجلة حتى يناير العام القادم، أو دفعها عن طريق قرض حسن تقدمه المدرسة دون احتساب أي فوائد، مع تقديم مساعدات مالية لمن يحتاجها من أولياء الأمور. فيما قررت بعض المدارس خصم جزء من مصاريف «أتوبيس المدرسة» للعام القادم.

المحامي أحمد راغب قال لـ«مدى مصر» إن المدارس غير ملزمة قانونيًا بإرجاع المصاريف للأهالي، خصوصًا في ظل استكمال العملية التعليمية عبر الإنترنت. يشرح راغب لـ«مدى مصر» أن المدرسة وأولياء الأمور هما طرفا تعاقد، وفي الحالات الاستثنائية والمفاجأة، مثل الظرف الحالي، وفي حال عدم قدرة أي طرف ماديًا على تنفيذ بنود العقد؛ يجب على الطرفين تغيير بنود الاتفاق للوصول لتسوية. وفي هذه الحالات، لا بد من وجود طرف يعيد التوازن للعلاقات التعاقدية. هذا الطرف يتمثل في السلطة التنفيذية أي الحكومة، التي تتدخل في هذا الوقت لجلب المنفعة العامة، بشكل يشبه على سبيل المثال قرار البنك المركزي بتأجيل سداد أقساط القروض لمدة ستة أشهر، أو قرار دعم العمالة غير المنتظمة.

الحجة الأساسية التي تستند إليها المدارس الخاصة في موقفها بخصوص استرداد المصاريف هو أن مصاريف هذه المدارس مستمرة حتى مع غياب الطلاب، وبشكل أساسي مصاريف رواتب المدرسين والعاملين. التزمت بعض المدارس مثل «أمريكان سيتي الدولية American city» و«متروبولتن سكول الدولية Metropolitan school» بسداد رواتب موظفيها كاملة.

لكن هذا لم ينعكس على عدد كبير من المدارس الأخرى. إحدى الموظفات بمدارس «نيو فيجين New vision» الخاصة بالقاهرة قالت لـ«مدى مصر» إن المدرسة استلمت أقساط المصاريف كاملة ورغم هذا، عرضت الإدارة على المدرسين استكمال العمل من المنزل «أون لاين»، مع تخفيض رواتبهم للنصف. أما الإداريين، فقد خيرتهم الإدارة بين العمل بنصف الراتب أو البقاء في المنزل واعتبارها في إجازة مفتوحة بدون مرتب، وهو ما فعلته محدثتنا التي فضلت عدم ذكر اسمها.

مدارس أخرى قررت الإبقاء على المدرسين بشروط معينة. مدرسة «فالي» الخاصة بالجيزة سلمت المدرسين مرتباتهم كاملة، واستثنت منهم المدرسين الذين لم يسددوا أقساط مصاريف أولادهم في نفس المدرسة الأسبوع الماضي، ليتبعه قرار هذا الأسبوع بإجبار المدرسين على الحضور للمدرسة يومين في الأسبوع. وبعد رفض بعضهم تعريض حياته للخطر، خصوصًا أن المراجعات مع الأطفال للبحث النهائي، الذي أقرته وزارة التعليم كبديلاً للامتحان، أوشكت على الإنتهاء، هددتهم الإدارة بقطع الراتب في حال رغبة المدرس في العمل من المنزل، بحسب واحدة من المدرسات العاملات بالمدرسة فضلت عدم ذكر اسمها.

أما مدرسة «ستانفورد» بالعبور، أنهت مراجعتها «الأونلاين» مع الطلاب نهاية مارس، وأعطت للمدرسين والمشرفين والسائقين إجازة مفتوحة بدون مرتب، حتى العام الدراسي الجديد، بحسب مدرسة بالمدرسة.

يرى راغب أن الموضوع معقد إنسانيًا. في حالة رغبة الأهالي باسترجاع كل أموالهم، سيعود هذا بالضرر على فئة أضعف مثل السائقين والعاملين بالمدرسة، ولذلك ينصح بأن الحل الأسلم هو اقتسام الخسائر بين كل الأطراف، بدلًا من أن يتحملها ولي الأمر وحده.

* أسماء مستعارة بناءً على رغبة أصحابها عدم كشف هوياتهن.

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن