أحد الشعانين: المسيحيون يستقبلون المسيح بلا سعف
 
 
رائف، حارس كنيسة سمعان الخزار، يجلس وحيدًا في أحد السعف 2020 - صورة: روجيه أنيس
 

«أوصنَّا لابن داود. مبارك الآتي باسم الرب. أوصنا في الأعالي». بهذه الكلمات استقبل اليهود المسيح لدى دخوله مدينة أورشليم يوم الأحد راكبًا جحش، بحسب وصف إنجيل متى (9:21)، جموع غفيرة من مختلف الأعمار، حاملين سعف النخيل والورود، بل خلع بعضهم القمصان وألقوا بها على الأرض ليسير عليها المسيح تكريمًا له. ظنوا فيه المخلِّص الذي تحققت فيه نبؤة سفر زكريا (9:9) من التوراة القائلة: «ابتهجي جدًا يا ابنة صهيون. هوذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور ووديع. وراكب على حمار».

«أحد الشعانين» أو «أحد السعف» هو البداية الفعلية لأحداث الأسبوع المقدس «أسبوع الآلام» الذي يسبق عيد القيامة (قيامة المسيح من الموت)، الأسبوع الأهم في حياة المسيحيين، ولتفرده بُعد آخر يكمن في المظاهر الاجتماعية التي ترافق الطقوس الدينية جنبًا إلى جنب. ويستمد أحد الخُوص ثقله الروحي لدى المسيحيين من كونه اليوم الذي تبدأ منه رحلة الفداء وخلاص البشرية من إرث خطيئة الجد (خطيئة آدم وحواء)، واليوم الذي صرخت فيه الجموع طلبًا للرحمة والخلاص. 

في أحد الشعانين، تعبق رائحة الخُوص الشوارع التي تتواجد فيها كنائس، بالإضافة إلى رائحة الخضرة والزهور وسنابل القمح، حيث ينتشر باعة سعف النخيل والورود التي تستخدم في تزيينه. 

ولكن ليس هذا هو المشهد اليوم.

طفلان يحتفلان بأحد السعف في منزلهما - صورة: كارولين كامل

«دي أوحش حاجة حصلت في حياتنا. قالوا هنقفل الكنايس أسبوعين. لكن وصلنا للعيد ولسه مقفولة. محدش جيه يبيع خوص قدام الكنيسة لأن هيبيعه لمين وليه. الناس بتعمله عشان تنزل بيه مش عشان تقعد بيه في البيت»، بأسى يقول حارس كنيسة مارجرجس شبرا بشارع جزيرة بدران.

صدر قرار إلغاء كل التجمعات في الكنائس سواء للقداسات أو الأنشطة الخدمية عن اللجنة الدائمة للمجمع المقدس يوم 21 مارس لمدة أسبوعين ولحين إشعار آخر، وذلك في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد. وفي الثاني من أبريل أصدرت لجنة سكرتارية المجمع المقدس بيانًا جديدًا أعلنت فيه استمرار تعليق الصلوات في الكنائس بما فيها أسبوع الآلام وعيد القيامة، وإلغاء الأكاليل «الزيجات».

رحلة البحث عن خوص أحد الشعانين هذا العام لم تأتِ بأي ثمار. لم تكن شبرا وحدها التي خلت من باعة الخوص وروائحه، بل هو الحال في المناطق ذات الكثافة المسيحية في القاهرة مثل منطقة الظاهر والزيتون ومنطقة الزبالين بمنشية ناصر. غياب السعف بهذا الشكل انعكس سلبًا على الباعة الموسميين ممن اعتادوا قطع سعف النخيل وبيعه وجَدْله في أحد الخوص، وهم ذاتهم من يبيعون القصب في شم النسيم أمام الكنائس.

ومع ذلك، صبيحة الأحد، رأيتُ بعض الأفراد يحملون الخوص قالوا إنهم اشتروها من باعة تحركوا بعربات يدفعونها يدويًا ولا يستقرون في مكان واحد مدة طويلة. والملفت هو كيف تعاملت الغالبية ممن سألتهم ليلة السبت عن مكان باعة للخوص بتوجس وخوف وكأن ما أسأل عنه من الممنوعات. 

كنيسة دير سمعان الخراز بحي منشأة ناصر بالقاهرة - صورة: روجيه أنيس

خسارة بائعي الخوص هي جزء من غياب المشهد الاحتفالي لأحد الشعانين وأحد أبرز سماته بهجة الأطفال بجَدْل الخوص مع ذويهم أو شرائها مجدولة والتباري في الكنيسة حول من تحصل سعفته على الإعجاب أكثر. وعلى الرغم من الأجواء المبهجة لأحد الخوص بألحانه المفرحة وطقس الصلوات وملابس القساوسة والشمامسة، وتزين النساء والفتيات أنفسهن بالحلي المصنوع من السعف، التيجان تكلل رؤوسهن والخواتم والأساور أياديهن، ويلعب الأطفال بالمصنوعات من السعف مثل الجحش وجراب القربان والصلبان ويتفنن البعض في جدل أشكال مثل القلوب، إلا أن اليوم المبهج ينتهي بتعليق الرايات السوداء على جدران وأعمدة الكنائس الداخلية، وتغيير ستر الهيكل القرمزي ليحل محله الأسود، وتنتهج الكنيسة الصلاة بالطقس الحزين، إشارة إلى بدء أسبوع الآلام.

وقبل أن يرحل المصلون من الكنيسة في أحد الشعانين تُقام صلاة تُعرف بـ «الجناز العام»، وهي صلاة الجنازة الجماعية التي تصليها الكنائس، تحسبًا لوفاة أي مسيحي طوال أسبوع الآلام حيث تُمنع صلوات الجنازات وفقًا للطقس الأرثوذوكسي لأن الكنيسة مشغولة برحلة آلام المسيح.

«ده يوم حزين. حد يقول الكنايس مقفولة كدة. واحنا قاعدين. هنقول ايه ربنا يزيح»، تقول سيدة في منتصف الأربعينيات تملك محل بقالة بجوار كنيسة سمعان الخراز في حي الزبالين بمنشية ناصر، لـ «مدى مصر»، ويجلس بجوارها ابنها البالغ من العمر ستة أعوام لمشاهدة التلفاز الذي يبث فيلم بالأبيض والأسود.

كنيسة دير سمعان الخراز الشهيرة، عادة ما يتكدس فيها المصلون خلال مواسم الأعياد، وخاصة أسبوع الآلام، وتشتهر بأن روادها يأتون من كل مكان خارج منشية ناصر، بل ودول أخرى خاصة من إثيوبيا وإريتريا، حيث تظهر النساء بأزيائهن البيضاء المميزة. اليوم خلت تمامًا من الزوار، وبدت مدرجاتها الخشبية ضخمة وفارغة، وحده رائف الشاب الثلاثيني حارس الكنيسة يراقبها في صمت، بينما يستمع لصوت البابا تواضروس الذي يصلي قداس الشعانين في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون ينبعث من سماعات هاتفه المحمول. 

أحد السعف في كنيسة سمعان الخراز 2020 (على اليسار) وفي سنة سابقة (على اليمين)

«الدِش بايظ ومش عارفة أجيب قناة الكنيسة. حزن من كل حتة»، تقول السيدة الأربعينية عن عدم حضورها القداس المذاع على القنوات المسيحية. بينما تبدو المنطقة وكأنها تعيش يوم أحد عادي، حيث تجمعات الشباب أمام منازلهم والمحال مغلقة، بينما حركة دخول وخروج القمامة على العربات في مسارها العادي.

اتصلتُ بأمي لأهنئها بأحد السعف، فقالت لي: «أنا صحيت حاسه بحزن لأني مش شايفه الخوص في البيت». وصفت لي أجواء المنزل وكأنها تصف مأتمًا، لأول مرة طوال حياتها في مثل هذه المناسبة لا تعرف كيف تقضي هذا اليوم، بعد أن اعتادت طوال سنوات عمرها الاثنتين والستين أن تقضيه في الكنيسة.

سألتها إن كان لديها اختيار لحضور قداس سري عوضًا ن الجلوس في الصالة أمام التلفاز أو متابعة القداس عبر الإنترنت فهل كانت تقبل، «أنا بنزل التأمين الصحي مضطرة عشان آخد الدوا بتاعي والدنيا هناك بتكون زحمة جدا وكلنا كبار في السن. عارفة إن ممكن يجي لي كورونا بس أنا لازم أجيب الدوا برضو هعمل ايه يعني. لكن الكنيسة أنا مش مضطرة أنزل وأجرب ربنا. أنا بس زعلانة عشان العيال الصغيرة اللي بتفرح في اليوم ده».

«أنا ست كبيرة خلاص. يعني الكنيسة بالنسبة لي ربنا مش لبس جديد وحاجات الشباب دي. وطبعا صلاة الجناز العام دي مهمة، افرضي حد مننا احنا الكبار مات اليومين الجايين»، قالت أمي. 

اعلان
 
 
كارولين كامل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن