في زمن «كورونا».. الخوف من المحبة

الفيروس متعجل. لا يريد الانتظار حتى انتهاء موجته ليكون ما بعده ليس كما قبله. لقد ألقى بظلاله سريعًا، وغيرنا من الداخل.

شيماء عبدالله تقيم مع ابنتها بمفردهما بعد انفصالها عن زوجها. كارت الكهرباء أوشك على الانتهاء، فنزلت ابنتها لشحنه. «عقمتها كويس أول ما رجعت وقلعت كل هدومها وسابت الجزمة على الباب ودخلت غسلت ايديها كويس وكان معاها كحول وهي نازلة»، تقول شيماء، لكن «بعد شوية لقيتها بتقولي ماما صدري بيوجعني، وكأنها مش عارفة تتنفس، وحاسة بوجع في زورها».

خافت شيماء وابتعدت عن ابنتها. سارعت لغسيل يدها بالماء والصابون جيدًا، خوفًا من أن تكون قد لمستها. وجدت نفسها تتصرف تلقائيًا دون تفكير، الرعب وحده يسيطر عليها: لا تستطيع احتضان ابنتها خوفًا من انتقال العدوى إذا كانت مصابة بالفيروس.

«خفت وفضلت مكاني متنحة مش عارفة أعمل إيه»، تقول شيماء، «لقتني بتحرك من نفسي وبجري ناحية الحمام أغسل إيدي بالصابونة كويس وفجأة حسيت بالعجز.. إيه ده أنا مش قادرة أخد بنتي في حضني.. طيب هو أنا ممكن أكون السبب في إنها تتعب علشان نزلتها؟»

حكت لي شيماء قصتها، فتذكرت ابنتي نور، التي تبلغ من العمر عامين ونصف العام. استيقظت نور من النوم قبل أيام، لا تعرف التعبير جيدًا عن ما تشعر به من ألم جسدي، لكن يبدو عليها التعب. بدأت في العطس والكحة. احتضنتها وبكيت بشدة. بكيت خوفًا عليها.. ومنها.

طمأنتني والدتي، قالت لي: «متخافيش، لا قدر الله لو حاجة تانية مش هتعطس». لا أعلم من أين أتت والدتي بتلك المعلومة ولا أعلم صحتها، ولكنها جعلتني اهدأ، أو هكذا أردت. استشرت طبيب الأطفال هاتفيًا، نصحني بأن تشرب سوائل دافئة، والابتعاد عن المضادات الحيوية أو المسكنات. تحسنت نور في اليوم التالي.

الخوف من الوصم بالإصابة بالمرض ليس مبررًا لكنه قد يكون مفهوم.. أما المرعب والمفاجئ هو الخوف من الأحباء وعدم القدرة على احتضانهم في أوقات التعب والضعف. الخوف لم يعد عليهم فقط، بل ومنهم كذلك.

مشاعر شيماء كانت مركبة. كانت خائفة من انتقال العدوى من ابنتها، كما راودها الشعور بالذنب عندما طلبت منها النزول للتبضع. لازمها هذا الشعور حتى صباح اليوم التالي. «كانت ليلة سودة، البنت خافت وأنا محبتش أبين لها بس هي خدت بالها وأقنعتها إنها خدت برد عادي ودخلت تنام وأنا كنت هتجنن لحد ما صحيت الصبح كويسة وأنا دخلت أسأل دكاترة وأشوف على النت أعراض كورونا ولقيت إنها مش عندها الحمد لله».

ليس سهلًا أن تشعر بالعجز عن احتضان أحبائك. وليس سهلًا أن تشعر أنك تحولت إلى مصدر هلع للمحيطين بك. صعوبة قد تدفعك لإخفاء حقيقة ما يجري معك حتى لا تكون وحيدًا. هذه أنانية؟ ربما.

مشاعري مع نور كانت كمشاعر شيماء. كيف يُطلب مني ألا أحتضن ابنتي؟ كيف ستشعر هي عندما ابتعد عنها عندما تعاني من بعض الأعراض؟ أدركت كم هو من المستحيل أن تنفذ التعليمات الطبية بحذافيرها.

قضيت ليلة كاملة من الخوف والقلق والمحاولات الفاشلة من الابتعاد عنها. تظاهرت بالنوم حتى يأتي الصباح وأمارس الانتظار كما نصحني الطبيب. طوال تلك الليلة لم أستطع ألا احتضنها وألتصق بها.

حماية الآخرين بالبعد عنهم، أمر صعب، خاصة مع المقربين من الأهل أو الأصدقاء. تحدثت مع والدتي منذ فترة حول انتشار الفيروس، وحول الاحتياطات الواجب اتخاذها عند الإصابة به. كانت تأخذ كلماتي وهي تردد دومًا «بعيد الشر متقوليش كده مش هيحصل إن شاء الله». لكنني كنت مصرة على استكمال التحذيرات المهة التي يجب اتباعها، وقواعد التطهير، خاصة أنها من كبار السن، ومن الفئة المعرضة للإصابة.

كان هذا حتى وصلنا لمرحلة الوفيات. حين عرفت أن المتوفي بفيروس «كورونا» لا يمكن الاقتراب منه أو توديعه وتقبيله، وانتشرت شائعة أن إجراءات ما قبل الدفن باتت ممنوعة، وجدتها تشعر بالخوف والهلع أكثر من خوفها من الموت بسبب الفيروس. قالت لي «لا لا أوعي تقولي كده.. أوعي يا هبة تعملوا فيا كده، أنا ولا باباكي لو حصلنا حاجة متخافوش مننا والنبي مش هنعديكوا والله بس لازم تصلوا علينا وتغسلونا».

كلمات والدتي كانت وما زالت عالقة في ذهني. عند تصوري للأمر في حال حدوثه سيكون مستحيلًا. حتى الآن أحافظ أنا ووالدتي على مسافة بيننا في التعامل يُطلق عليها «المسافة الآمنة»، كما تلتزم هي بتعليمات للوافدين عليها من أشقائي.. ينزعون أحذيتهم خارج المنزل، يغسلون أيديهم جيدًا بالماء والصابون. لكن هل تنجح تلك التعليمات في حماية المحبين، هل ننجح في حمايتهم بالبعد عنهم وترك المسافة الآمنة؟

الخوف من الأحباء والخوف عليهم، والخوف من ترك الحياة وحيدًا دون وداع محبيك، عوامل عدة تدفع العديد للإنكار. إنكار كحيلة نفسية لعدم القدرة على التصديق والتسليم، وإنكار آخر واع بدافع الخوف من الهجر.

محمد مصطفى، الشاب البالغ من العمر 38 عامًا، والذي علم أن أحد أصدقاءه المقربين وكان يخرج معه دومًا أصيب بالفيروس، وجاءت نتيجة التحليل الخاص به إيجابية. شعر محمد بالخوف، ربما قد يكون أصيب بالعدوى هو أيضًا. إلى جانب الخوف من المرض، كان هناك خوف من الوحدة، فقرر عدم إخبار أسرته أو باقي أصدقاءه بالأمر. «خفت أقول لأهلي فأشوف في عينيهم نظرة الخوف من القرب مني أو أشوف نفس النظرة في عين صحابي.. ممكن حد يشوفها أنانية بس أنا كنت بحاول محتكش بحد من أهلي في البيت واستخدم أدوات لوحدي بحجة إن كله لازم يعمل كده علشان العدوى والالتزام بقواعد النظافة العامة».

ظل محمد يقاوم هذا الشعور لمدة أسبوع، حتى قرر إجراء تحليل بأحد المعامل الخاصة، وظهرت نتيجته سلبية. «مكنتش عارف لو النتيجة طلعت إيجابية كان ممكن أعمل إيه، أكيد الأنانية مكانتش هتوصلني إني أضر أهلي أو أصحابي، بس اللي كان مسيطر عليّ هو الخوف.. الخوف إني أكون مصدر رعب اللي حواليا ويخافوا يقربوا مني ده شعور قاتل».

صديقة أخرى قالت لي في مكالمة هاتفية: «وحشني أوي أخدك في حضني ووحشني أسلم عليكي ونتمشى زي زمان»، الأمر قاسي جدا، ننفذ التباعد الاجتماعي مع الأصدقاء بقدر الإمكان، خوفًا منهم وعليهم، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة مع أفراد الأسرة.

اتباع التعليمات من النظافة وغسل الأيدي وتطهير الأسطح وغيرها أمر سهل التنفيذ، ولكن إجراءات الحماية بالبعد صعبة وثقيلة. حدث مع إحدى صديقاتي، شعر والدها بارتفاع في درجة الحرارة، فأصرت على مرافقته عند التحليل. ذهبت معه، وأمسكت بيده طوال الطريق كما روت لي. لم تخف من انتقال العدوى كما قالت «مكنتش خايفة على نفسي قد ما كنت خايفة عليه، كنت عارفة ومتأكدة إنه لو لقدر الله طلع عنده حاجة أنا كمان هتصاب لأن أنا اللي بعمل له كل حاجة، ولما تعب مقدرتش أسيبه يروح يحلل لوحده ولو النتيجة طلعت إيجابية برضه مكنتش هسيبه يتعزل لوحده، الأمر صعب ومستحيل»، هكذا ترى صديقتي التي علمت بعد مرور يومين سلبية نتيجة التحليل الخاص بوالدها.

رانيا خضر قضت 48 ساعة في الحجر الصحي في مستشفى صدر دكرنس التابع لمحافظة الدقهلية، بعد شعورها بارتفاع في درجة الحرارة. ذهبت للمستشفى لتجري تحليل «الفيروس اللعين» كما وصفته.

تقول رانيا إنها «قضت 48 ساعة في رعب خالص». كانت خائفة من الاقتراب من طفلها الرضيع. تراه يبكي ويمد يده لها، لكن لا يمكنها الرد على بكائه أو تلبية طلبه بحمله. «فضلت يوم كامل حابسة نفسي في أوضة ودرجة الحرارة كانت بتزيد وألم الجسم بقى لا يحتمل، روحت المستشفى تاني يوم وخدوا مني مسحة من الفم والأنف وبعتوها للمعامل المركزية تتحلل وفضلت 48 ساعة في انتظار النتيجة».

قرر الأطباء بالمستشفى وضع رانيا بالحجر الصحي في المستشفى حتى تصل نتائج التحاليل، خاصة أنها كانت تعاني من ضعف عام. تركت رضيعها مع والدتها، وبعد يومين جاءت نتيجة التحليل سلبية، فاستقبلتها بزغاريد في المستشفى. قررت الخروج منها إلى منزل والدتها واحتضان طفلها الرضيع. «كنت حاسة إني رايحه أعتذر له وأقوله سامحني يا ابني مكنش قصدي كنت بعمل كده علشان مصلحتك والله».

خلال يومين قضتهما رانيا في المستشفى، عاشت أسرتها نوعًا جديدًا من الخوف. فبعد معرفة الجيران بالأمر، كانوا يتجنبون المرور من أمام المنزل، خشية أن تكون الأسرة أصيبت بالفيروس، قالت بعدها «الفيروس مش عار ولا سبة بس هو مصدر رعب وخوف منك ومن اللي حواليك وعليهم برضه».

نشرت شبكة «بي بي سي»  تقريرًا بعنوان «فيروس كورونا يحرم عائلات الموتى من فرصة الوداع الأخير». يصف الفيروس بأنه يقتل الإنسان مرتين، المرة الأولى عند وفاته، والثانية عند حرمانه من وداع أهله ومحبيه.

التخفيف من أسى أسر المتوفين أيضًا أصبح أمرًا صعبًا في زمن الوباء. لا مكان لإقامة سرادقات العزاء، ولا مكان لتلقي الدعم من الأهل والأصدقاء. أسرة المتوفى توضع تحت عزل منزلي أيضًا، خوفًا من انتشار العدوى لأفراد جدد. وهنا لا يمكنهم تلقى العزاء أو المواساة من أحد.

دار الإفتاء المصرية، قالت إنه يجوز عدم تغسيل موتى كورونا، خوفًا من انتقال العدوى، وأعلنت وزارة الصحة المصرية، عدة قواعد عند التعامل مع جثامين المتوفين بفيروس كورونا، ومنها نقل الجثة داخل كيس غير منفذ للسوائل وتوضع عليه علامة خطر الإصابة بالعدوى، وضرورة ارتداء جميع المتواجدين بالسيارة بجانب الجثة، الواقيات الشخصية، وأثناء الصلاة على المتوفى، يجب عدم فتح الصندوق لأي سبب.

أكتب تلك المشاهد، وأنا أشعر بألم في الحلق، واحتقان بالأنف، شعرت به من الأمس، حاولت التغاضي عن الأعراض، وشرب سوائل دافئة. ذهبت لوالدتي التي أقيم معها بصحبة طفلتي وأخبرتها أنني أود الانتقال لشقتي خوفًا من إصابة أحد بالعدوى. ردت  عليّ «بلاش خيابة هو كل حد زوره يوجعه يبقى كورونا». أسمع ذلك واستمر في تقبيل ابنتي التي تأتيني من وقت لآخر وتطلب مني «بوسة»، ولا أستطيع ردها.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن