«التيك توك»: وأنا في الأوضة مع نفسي
 
 
تصميم: علي أشرف سليمان.
 

في ليلة 29 مارس 2020، ألقت قوات الأمن المصرية بالقاهرة القبض على مودة الأدهم وصديقتها بـ «مدينتي»، وفي اليوم التالي أمرت نيابة القاهرة الجديدة بإخلاء سبيلهما، بكفالة 20 ألف جنيه لكلا منهما، على ذمة القضية رقم رقم 64 لسنة 2020 جنح أمن دولة طوارئ، بتهمة «تصوير فيديوهات للسخرية من حظر التجوال وتحريض المواطنين على خرق حظر التجوال خلال فترة الحظر»، ونشرها على مواقع «تيك توك» وباقي مواقع التواصل الاجتماعي، كما أمرت النيابة بسرعة ضبط وإحضار مصور الفيديو الثالث الذي كان بصحبتهما بغرض التصوير ليلتها.

 كانت مودة الأدهم؛ وهي مُنتجة محتوى ترفيهي على «تيك توك» بـ3.1 مليون متابع، و«إنستجرام» بمليون ونصف متابع، و«يوتيوب» بـ262 ألف متابع، معتمد بالأساس على الرقص ومحاكاة أغاني المهرجانات، قد أُلقي القبض عليها بصحبة صديقتها لنشرها فيديوهات عبر «تيك توك» تصور عملية استيقافهما للسيارات وقت الحظر، وطلبهما إبراز رخص القيادة بسخرية، فيما يشبه «الكمين»، بزعم التوعية بضرورة الالتزام بالحظر، وتعلق متهكمة وبينما هي تقود سيارتها «مُتخيلين يا جماعة الساعة دلوقتي تسعة في «مدينتي» كاسرة حظر التجول فعليََا.

سلّط القبض على مودة الأضواء على تطبيق «تيك توك» في مصر، لافتًا النظر لذيوعه وانتشاره بصورة كبيرة مطلع 2020، وتنامي الإقبال عليه في مصر، بعد  قرار السلطات المصرية تطبيق حظر التجوال، لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد «Covid-19».

ما هو الـ «تيك توك»؟

«تيك توك TikTok» هو تطبيق ترفيهي، صيني المنشأ، صدر عام 2016، وتم إطلاقه لنظامي iOS وAndroid لخارج أسواق الصين عام 2017. يرتكز بصورة أساسية على كونه منصة اجتماعية ترفيهية، معنية بالأساس بصُنع مقاطع فيديو قصيرة كوميدية في الغالب. الأكثر انتشارًا على التطبيق هي المقاطع الراقصة، ومزامنة الشفاه لأغاني «lip-sync»، ومحاكاة المقاطع الكوميدية من الأفلام والعروض الفنية المختلفة، وإطلاق المواهب الأدائية والحركية، عبر مشاركتها مع الآخرين، في مقاطع لا تزيد مدتها عن 15 ثانية تقريبًا.

التطبيق مملوك لشركة «ByteDance» ومقرها بكين، وهي شركة يبلغ تقيمها المالي، حسب مجلة فوربس الأمريكية، وبفضل  تطبيقات مثل «التيك توك» حوالي 75 مليار دولار أمريكي. مؤسس الشركة هو تشانغ يى مينغ، مهندس البرمجيات الصيني (37 سنة)، والذي بلغ إجمالي ثروته بفضل تطويره للتطبيق حوالي 16.2 مليار دولار، مما جعله تاسع أغنى شخص في الصين لعام 2019 وفقا لتقييمات «فوربس» لنفس العام.

في أواخر عام 2017 اشترت «ByteDance» تطبيق «Musical.ly» المنافس، هذا الاندماج منح «تيك توك» فرصة للتسلل بنعومة داخل أحد أكبر الأسواق المنافسة عالم المراهقين/ات الأمريكي، وسوق تطبيقاتهم الترفيهية، وفتح الطريق لنجاح غزوته عالميًا.

يتوفر التطبيق في 155 دولة، بحوالي 40 لغة، وبـ800 مليون مستخدم نشط حول العالم. تحتل دولة الهند نصيب الأسد من كعكة «تيك توك» وتليها الصين، بإجمالي مجموع الدولتين يقارب 40٪؜ من إجمالي عدد تنزيلات التطبيق على الهواتف الذكية.

حلم الـ 15 ثانية 

في حين أن تصميمي «فيس بوك» و«تويتر» يعتمدان في انتشارهما على فكرة تكوين الصداقات وإضافة «المتابعين»، فإن «تيك توك» يعتمد نظريًَا على «المُعجبين» أو من يسمونهم بالـ«فانز» Fans. هو ليس مكان لتكوين علاقات اجتماعية بالضرورة، لكنه معتمد على لحظة تفاعل «الإعجاب» فقط، في معظم الأحوال.

بفضل تصميمه، يحمل الـ«تيك توك» إغراءً لمستخدميه من ملايين المراهقين/ات حول العالم، بأن لديهم فرصة لأن يصبحوا مشاهير أو «تريند»، بمجرد استخدامهم «السمارت الفون» الخاص بهم، كأداة لتصوير وإنتاج وتحرير ومونتاج وبث المحتوى الفني عبر منصته، متجاوزين الصعوبات الفنية التقليدية لإنتاج المحتوى، طالما أمكنهم الاتصال بالإنترنت بغض النظر عن مكان إقامتهم أو مستواهم الإجتماعي.

تتساوى فرص الجميع في ذلك، ويتسابقون سباقًا محمومًا لنيل الشُهرة؛ إن كانوا أبناء  المدن الكبيرة أو أبناء القرى الصغيرة، الكُل يسعى لكسب الـ«فانز» ليكونوا «هم» النجم/ة الكبير/ة التالي لـ «تيك توك».

TikTok global downloads by quarter

«تيك توك» وعلى مدار الـ 12 شهرًا الماضية، وبناءً على ما خلقه من تأثير في عالم المراهقين/ات؛ تم تنزيله قرابة الـ 1.5 مليار مرة، ليحتل المركز الثالث بعد تطبيقات «واتس أب» و«ماسنجر»، ويسبق «فيسبوك» الذي يحتل المركز الرابع و«إنستجرام» الذي يحتل المركز الخامس عالميًا، في عدد مرات التنزيل، وهو ما يجعل «تيك توك» الأكثر نموًا بين التطبيقات والمنصات الاجتماعية، بعد أن كسر حاجز المليار مرة في عدد التنزيلات، في فبراير 2019، وفقًا لشركة الأبحاث «Sensor Tower» في كاليفورنيا.

استهداف جيل Z 

يمكن القول أنّ مُصممي تطبيق «تيك توك» فهموا عقلية الجيل الأصغر بصورة أفضل بكثير من التطبيقات والمنصات الإجتماعية المنافسة، وأن نجاحه وتحوله لظاهرة اجتماعية وشعبية عالمية، يرجع بالأساس إلى قرار صُنَّاعه باستهدافهم المُبكر لمراهقي الألفية الثالثة، أو كما تُعّرفهم أدبيات الأبحاث التسويقية بـ«Generation Z» الجيل زِد؛ المراهقون/ات ممَّن تتراوح أعمارهم بين 15- 25 سنة، من مواليد منتصف التسعينات وحتى مواليد عام 2005، مع التركيز على استهداف شريحة المراهقين/ات ممَّن هم دون سن 18 سنة تحديدًا، لكونهم الشريحة الغالبة من تلاميذ المدارس وطلاب المرحلة الجامعية المُستقبليين.

بصورة ما فَهَّم «تيك توك»أهمية تلبية احتياجات مستخدميه/مستهلكيه، عبر اتباع مُسوّقيه استراتيجيات التسويق الاجتماعي المباشرة المُستهدفة لجيل Z، والتي تعرفهم وتتعامل معهم باعتبارهم:

1-  مُدمنون  للتواصل الاجتماعي عبر مِنصاته وتطبيقاتها المختلفة.

2- يُفضلون التواصل المباشر -حتى لو عبر السوشال ميديا- أي التفاعل صوت وصورة.

3- يُحبُّون ويُفضُّلون إشراكهم في الحملات الاجتماعية أو التسويقية المُستهدفة، المُنتشرة عبر التطبيقات والمنصات الاجتماعية؛ من خلال اعتماد تقنيات الأداء والمحاكاة الحركية لكل «تريند» يعتمد في انتشاره على التفاعل والتشاركية (أو ما بات يُعرف في الآونة الأخيرة بـ«التحديات» أو الـ Challenges.

tiktok demographics

نتج عن هذا الإستهداف، بلوغ نسبة المراهقين/ات ممَّن تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا، من إجمالي مستخدمي «تيك توك» عالميًا، 41 %، وفقا لتقرير جلوبال ويب ايندكس(Globalwebindex، 2019).

تصل نسبة مستخدمي «تيك توك» داخل مصر، 7.2 مليون مستخدم نشط شهريًا، 62% منهم ذكور، 38% إناث. بحسب متحدث باسم «تيك توك» لـ «المصري اليوم». كما تصل نسبة مستخدمي «تيك توك» في مصر بين الـ18 والـ24 عامًا 64% من إجمالي المستخدمين المصريين، كما أضاف المتحدث؛ أن أغلبية المستخدمين المصريين يقضون في المتوسط، 37 دقيقة شهريًا، يشاهدون خلالها 8.3 مليار فيديو، وفقًا لنفس المصدر.

في مصر يبلُغ جيل Z حوالي 25 مليون نسمة أي ربع سكان مصر تقريبًا، وفقًا لإحصاء تعداد السكان التي أجرته مصر في 2017، أي رُبع السكان تقريبًا.

التطبيق الـ«صيني»

شهدت الصين على مدار الـ 40 عاما الماضية، تنفيذ خطط إصلاح اقتصادي ضخمة، نجحت بموجبها في التحول من دولة ريفية فقيرة إلى ثاني اقتصاد قوي على مستوى العالم، وبحلول مطلع 2020 امتلكت الصين واحدًا من أكبر الاحتياطات المالية في العالم (يقارب الـ 3 تريليون دولار أمريكي ).

https://lh6.googleusercontent.com/vDmQ4OeRvUE74Se7Z1p50LaUvxgCDQadOIJ_9XbZlffCiayosrTT8DLawFXSvIaJ0hTuaUgiVT2St6C_HFRe8ZT6qcjOT5rnoU9jCLCDGcAqfTz1soA8vm3l_PlslYBaZTdsAb2X

المصدر: www.vpnmentor.com

كنظام شمولي/حمائي/ يهدف دومًا إلى فتح سوق خارجي لمُنتجات كتلته البشرية الهائلة، البالغة 1.4 مليار نسمة، لكن تحت نظام مراقبة مشدد؛ حظرت الصين ما يقُدر بـ 8000 موقع إلكتروني عالمي؛ ما بين مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث العالمية، ومواقع التدوين، وتطبيقات تعديل الصور والفيديو، وغيرها من التطبيقات.

هذا التوجه الشمولي/الحمائي أنتج  بيئة خصبة لأشكال من الترفيه والفنون، معتمدة أكثر على التواصل عبر الأداء الحركي من اللفظي، وشجع نمو محتويات ترفيهية، مقابل عدم تشجيعه لإنتاج أي محتوى نقدي يطرح  قضايًا إشكالية أو جدلية.

 البيئة الشمولية/الحمائية الصينية بالمواصفات السابقة، كانت حاضنة مثالية لتنطلق منها تطبيقات مثل «تيك توك»؛ تطبيق قادر على تلبية رغبات المواطن الصيني واحتياجاته وإنتاج نوع من «الترفيه المُهادن»، دون أن يُسبب أدنى إزعاج للدولة؛ بإثارة الجدل.

تفاوتت محتوى فيديوهات الـ 15 ثانية القصيرة؛ مابين دعاية لمنتجات تجارية أو محاكاة لاستعراضات حركية راقصة أو مُزامنة شفاهية لمقاطع كوميدية وغنائية، كما أنها وهو الأهم فيديوهات لا تستهلك قدر كبيرَ من سعة باقات الإنترنت المحدودة للفقراء ومتوسطي الدخل، كعادة أغلب المنتجات الصينية الاستهلاكية التي تستهدفهم تسويقيًا.

«تيك توك» الصين يعتمد أكثر على إنتاج محتواه من خلال التواجد داخل الأماكن المغلقة أو شبه مغلقة، تتمتع بخصوصية البقاء في المنزل، تحت ظل سقف ما Indoor بعيدًا عن أعين المراقبة والملاحقة، عكس «الإنستجرام» الأمريكي مثلًا، والذي يركز مستخدميه أكثر على توثيق نشاطهم الخارجي Outdoor.

سمات هذا الطابع الصيني المنغلق، في إنتاج المحتوى بشكل فردي، دون الحاجة لتصويرتجمعات بشريةعلى غرار باقي التطبيقات، هو ما منح «تيك توك» فرصة انتشاره عالميًا والوصول إلى أعلى معدلات التحميل والاستخدام في كلا من نظامي  الأندرويد والـios، في الأسابيع الأخيرة، مواكبًا لظروف الحظر الوقائي العالمي والبقاء في المنزل، والتي تفرضها معظم حكومات دول العالم على مواطنيها.

ذلك الحظر العالمي الذي -وإن كان جزئيًا- ليس مشابهًا لشمولية وحمائية الصين منذ عهد الزعيم الصيني ماو تسي تونج(1893- 1976)، إلا أنه وبرمزيته وبفرضه مكانًا واحدًا (المنزل) للمكوث لأغلب سكان العالم فيه، يحوّل «تيك توك»، لأكثر التطبيقات ملائمة وتلبية لاحتياجات الملايين من البشر عالميًا في التنفيس عن الذات وإطلاق الفيديوهات الضاحكة العابرة، ومشاركتها عبر منصتها مع آخرين معزولين بين جدران بيوتهم، في زمن الـ«كورونا».

انعكاسات على الحالة الإفتراضية المصرية.

مع انغلاق المجال العام بشكل كبير منذ عام 2014 تحولت طاقة معظم أفراده إلى منصات التواصل الاجتماعي المعنية أكثر بالتدوين، ولكن مع تصاعد الملاحقات الأمنية للمدونين على منصات «فيسبوك» و««تويتر»، انسحب أغلب مستخدمي الشبكات مرة أخرى إلى مجالات افتراضية يغلب عليها هذه المرة الطابع الترفيهي مثل «إنستجرام» و«تيك توك»، خاصة جيل Z من المراهقين/ات، الفئة الاستهلاكية الأكثر استهدافََا من قِبَل المسوّقين.

يمنح الاستعمال الفردي لأجهزة محمولة شخصية، أصحابها إيهامًا بالخصوصية، حيث إنه على الرغم من شيوع تلك التطبيقات وسهولة مشاهدة «الآخر» عبرها، وتفاعله المباشر مع المحيطين من خلالها بإظهار الإعجاب، إلا أن ذلك الإيهام يساهم في زيادة البراح النفسي، ويعطي فرصًا للتعبير المتخيل عن «الذات»، بنزعة أكثر فردية وتميزًا، خاصة وسط مجتمع تسوده النزعات المحافظة.

ورغم النزعات المحافظة الظاهرة على الأقل على السطح في مصر؛ أقبلت شرائح واسعة على تطبيق «تيك توك» وتسارعت وتيرة استخدامه، حتى قبل إقرار الحظر الوقائي، ثم تزايد المعدل بعد مكوث الكثيرين لفترات طويلة داخل منازلهم شأنهم شأن باقي سكان العالم، ما تبعه زيادة معدلات التصوير من المنزل.

إنتاج الغرف المغلقة أو ما يمكن أن تفعله المرآة بنا

 إن نظرنا إلى نتاج الغُرف المغلقة عبر«تيك توك»، سنجد أن أغلب المحتوى الذي لاقى انتشارًا، يمكن أن يدخل في خانة الاستعراضات الذاتية، مثل الرقص أو الأداء الحركي الذي يحاكي إيقاعات الأغاني المختلفة (أغاني المهرجانات مثلا)، أو هو محاكاة لمحتوى ثقافي بصري (برنامج تليفزيوني، مسرحية، فيلم سينمائي، فيديو ساخر.. إلخ).

 نستنتج من خلال الأنماط الإنتاجية السابق ذكرها، تحقق مبادئ (التماهي-المحاكاة -التقمص الوجداني) بشكل كبير؛ التي تحدث عنها عالم النفس الفرنسي جاك لاكان ( 1901-1981) في نظريته الشهيرة عن التماهي «Identification» عبر مرحلة المرآة «Mirror Phase»؛ القائلة إن الطفل يتعرف على ذاته لأول مرة في سنواته الثلاث الأولى بمجرد رؤية انعكاس صورته في المرآة. بطريقة ما، يشبه ميكانيزم «تيك توك» هذا التعرُف الطفولي على الذات، عبر تأمل المُستخدم انعكاسه في شاشة تطبيق «تيك توك» على الموبايل. تتعرف الذات على نفسها وتتماهى معها عبر وسيط (انعكاس صورتها على المرآة)، استلهامًا أسطورة نارسيس وهو يتأمل انعكاس صورته على صفحة الماء.

بسبب ميكانيزم التطبيق وتصميمه المحفز للتصوير الفردي، فإنه يحفز شهوة النرجسية لدى مستخدميه. من ناحية أخرى، فإنه يحفز لدى رواده والمتفرجين شهوة التلصص «Voyeurism» والفرجة «Spectacle» والتحديق «Gaze» بالتساوي، كون أغلب إنتاجه مصوَّر من أماكن مغلقة، وبجودة رديئة خاصة بالمنازل، ما يجعله يبدو أكثر طبيعية وجاذبية للجمهور. يسعى مُستخدمو «تيك توك» لتتبع وملاحقة ما وراء الجدران، ولكن المفارقة هنا أنه يُشارك في إنتاجه عبر ذاته وبثه عبر جهازه.

بفضل الخصوصية التي يُوهم بها «تيك توك» مُستخدميه، صار أرضًا خصبة ومنفذًا للبعض للتعبير بطريقة ما عن مكبوتات. قد تجد فيه الإناث مساحة أكثر براحًا للتعبير واكتشاف الذات بعيدًا عن رقابة المجتمع الذكوري المسيطر خارج غرفهن المغلقة، قد تعبرن بالرقص وغير ذلك من الأفعال المستهجنة في المجال العام، دون أن يكون رد الفعل هو الزجر المعتاد، أو الوصم الأخلاقي.

 بالإضافة إلى تقمص بعض الفتيات لشخصيات رجالية فنية ببراعة؛ المثال الأبرز على ذلك هو ريما رهونجي Rima rahwanji التي تحاكي بتعبيرات وجهها مزامنة الشفاه مقاطع من مسرحيات سمير غانم وفؤاد المهندس، متماهية مع أغلب السمات الرجولية للشخصيات الفنية المُتخيلة، من إيماءات وجه، إلى نبرة صوت وطريقة كلام، بتهكم وطرافة ومرح.

 للذكور نصيبهم أيضًا؛ في رغبات التحرر من القوالب المحافظة التي تُنمطهم وتقيد سلوكياتهم. كأن يتم تحقير نوع إنتاجهم الفني المعبر عنهم، واصمة إياهم بـالانحطاط و«السرسجة» في سياق محاكاة أغانيهم الشعبية ذاتية الإنتاج قليلة التكلفة: المهرجانات؛ لانتمائهم لطبقات شعبية مهمشة، أو وصمهم بـالتخُنث في سياق الرقص الشعبي على أنغامها وإطالة شعرهم.

على منصة «تيك توك» ليس من الغريب أن نجد فيديوهات راقصة تلقائية لرقص آباء وإخوة مع أخواتهن وبناتهن وهم يلفون ما يشبه الإيشارب حول  وسطهم متحزمين على الطريقة الشهيرة للراقصات الشرقيات، أو ممارسة أشكال أخرى من الرقص قد توصم بالـ «ميوعة» وأن بها غنج أنثوي، وما إلى ذلك من الأحكام الأخلاقية.

العنف

السلوك الثاني، والذي كان بارزًا قبل تفشي فيروس كورونا، هو تنامي أشكال عديدة من العنف عبر وسيط «تيك توك»؛ من عُنف بدني مباشر، لتنمر عنصري، إلى إيذاء ومضايقات. مثل حادثة مراهقين أسقطوا المارة في الشارع لتصويرهم والسخرية منهم، الغرض كان بحسب اعترافاتهم «كنا عايزين نهزر» ونجيب «فانز». والفيديو الآخر لثلاثة شباب يلاحقون طالبًا ذا بشرة سمراء ويسخرون منه، وهو المقطع  الذي أثار جدلًا واستياءً مجتمعيًا واسع النطاق.

من ناحية يمكن أن يكون لهذه الأفعال جانب نفسي يخص الكبت الممارس عليهم من قبل الدولة، فليست هناك أي سبل لتصريف طاقتهم فيها؛ (تمنع الدولة تجمعات جماهير كرة القدم وإلغاء حفلات لمطربي المهرجانات في الفترة الأخيرة على خلفية تعنت نقابة المهن الموسيقية في الاعتراف بهم كمطربين للغناء.. إلخ).

ومن ناحية ثانية فإن إغراء كسب المال ليس بالأمر الهين، فإغراء كسب معجبين، يجعل المستخدمين على استعداد للقيام بأي فعل يحولهم لمشاهير أو «تريند» جديد عبر وسائط التواصل على الإنترنت، لتتهافت بعد ذلك شركات الدعاية والإعلانات عليهم بعروضها المالية السخية، وحتى ولو نجمت تلك الشهرة عن تصوير وبث حوادث تنمر أو إيذاء بدني لكبار السن أو حتى كسر حظر في لحظة وباء.

ميم فيسبوك VS فيديو تيك توك 

كان لانتشار ظاهرة «الميم» أثرًا كبيرًا في إثراء محتوى بصري تشكيلي للفيسبوك. توالت الأفكار المُبدعة القائمة على تثبيت صور Still Frames بمساعدة برامج تحرير الصورة والفيديو مثل أدوبي «Adobe»، من لقطات بصرية لها مرجعية  وشفرات أيقونية معينة في ذهن الناس، يسهل عليهم كجمهور فك شفرتها على نحو جماعي، مثل أفلام كوميدية أو برامج حوارية وغيرها. كأن تجد في مصر مثلًا «ميمات» من أفلام كالناظر واللمبي وهكذا. والتي تحولت بمرور الأيام وتكرارها والألفة معها إلى أيقونات بصرية، تستدعي إحالات ضاحكة بمجرد رؤيتها، مركّب عليها تعليقات أو جمل حوارية مرفقة بها، والمتعلقة بالأحداث أو التريند المسيطر.

 https://lh6.googleusercontent.com/BGP8ANB_S3Bkwap63rp0asXjrIIkUauzm7SbynIMGItmPR9HxggZK3GYME28ORo5IuMw3H_hYJdfu1znifNH2jNTGDESn_6l-BbYYfkVCwtOj025xDIjhrK_i65yG67y0pPP3tNE

شيء من هذا القبيل حدث مع «تيك توك»، وكان لخواص تحرير ومونتاج الفيديو المُبسط فيه، وسهولة اقتباسها واستخراجها ولصقها من فيديو لآخر دورًا كبيرًا في إنتاج مقاطع كوميدية كما بينا في نموذج ريما رهونجي أعلاه.

 وجه التشابه هنا بين ميم الفيسبوك وفيديو تيك توك هو قصر زمن المشاهدة، الذي لا يستغرق أكثر من 15 ثانية، ولكن الفرق هو التحول من محاكاة بصرية تشكيلية بإرفاق تعليقات ملفوظة، إلى محاكاة حركية. اللافت هنا اقتصار «تيك توك» على سمت المحاكاة فقط، في مقابل مساحات أكبر للتخيل والابتكار في تطبيقي الـ«يوتيوب» والـ«فيسبوك».

قفزة المشاهير: الملاذ الأخير للتواجد وتسويق الذات؟

أواخر مارس 2020، وفي مواكبة منها لأجواء الحظر المصاحبة لمواجهة وباء «كورونا»، طرحت شركة «فودافون» إعلانًا جديدًًا مدته 40 ثانية، للترويج لإحدى أنظمتها لباقات الإنترنت، من بطولة تميم يونس، في نسخة مطورة، من فيديو له ذاع انتشاره على «تيك توك»، يقوم فيه بشكل ساخر بعرض «كيفية تقشير البيضة»، محاولًا الصمود هو وبيضته في ظل دوران المطبخ. وينتهي الإعلان بجملة «مع vodafone plus.. اتسحل على TikTok لحد ما تخلص. هتخلص والنت مش هيخلص».

لا يقتصر تواجد المستهلك على «تيك توك» على المواطنين المحظورين فقط من العامة؛ لكن يبدوا أيضًا أن شركات التسويق، المسؤولة عن صفحات السوشيال ميديا والعلاقات العامة للنجوم والمشاهير حثت عملائها على أهمية التواجد عليه. وما يدعم ذلك الافتراض هو ولوجهم شبه المنظم على التطبيق ليجنوا ملايين المتابعين في بضعة أسابيع. أبرز المشاركين هم هنا الزاهد، وأحمد حلمي، ورضوى الشربيني وغيرهم. محاولين إما المشاركة في أبرز تحديات التطبيق أو محاكاة مقاطع من الأفلام أو البرامج، والأغاني الـ«تريند»، أو إعادة إنتاجهم.

تنفيسة

التحرر من الجدية والصرامة التي تفرضها بشكل ما الحالة العامة للمواطن، نجمت عنه رغبة كبيرة في التماس ضحكات «تيك توك» القصيرة؛ هربَا من الواقع وكل المخاوف التي يسببها وباء كورونا؛ سواء إن كانت مخاوف الإصابة بالفيروس القاتل الذي لا له علاج حتى الآن، أو مخاوف اقتصادية من احتمالية فقدان الوظائف مع استمرار الحظر، وعدم تفعيل قوانين تؤمن حق العاملين بالقطاع الخاص.

في أوقات الحظر المنزلي هذه، قد يجد المجتمع المضغوط، في ذلك التطبيق -بسيط الاستخدام- متنفسًا للذات، مثلما قد يذهب بعض شباب الطبقة المتوسطة لدهب، أو الأعلى طبقيًا للجونة، للنعيم ببضعة أيام مختلسة بعيدًا عن أعين المجتمع المحافظ المتلصص. مستغلين اللحظة للإفلات من الإحباط العام، خاصة مع غلق أغلب أماكن التجمعات من نواد وجامعات ودور العبادة ومولات وملاهٍ ومقاهي، ليتلقوا الإعجاب والتشجيع وربما التعاطف والمواجدة من مُعجبين افتراضيين، بدلًا من الزجر المعتاد، عبر ترفيه يترك لهم مساحة لنوع آمن من التعبير، دون أن يتسبب في إزعاج سياسي للدولة.

اعلان
 
 
إسلام ميلّبا 
يوسف الحريري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن