العمالة غير المنتظمة.. حين يكون الخيار بين الجوع و«كورونا»
 
 
عمال يوميه يحتمون من الامطار بمدينة أسيوط / أحمد مصطفى محمد سالم - المصدر: أحمد مصطفى محمد سالم
 

تقترب الشمس من الرحيل ويخلو الشارع من الحركة -إلا فيما ندر- ويخيم السكون على الأجواء بأكملها. صوت وحيد يكسر صمت الشارع. دبيب خطوات يعيد للأجواء جزءًا من الحياة المفقودة بفعل الخوف من الإصابة بعدوى فيروس كورونا. «غزل البنات يا غزل»، ينادي إسلام مرعي، بائع الغزل (17 سنة)، متجولًا في أحد شوارع محافظة الجيزة، مستجديًا بندائه ومزماره طلة الأطفال من بلكونات وشبابيك  المنازل والعمارات.

«طلة الولاد الصغيرين من الشبابيك بتفرح قلبي»، يقول إسلام الذي امتهن بيع «غزل البنات» وعمره 13 عامًا ليتكفل بالإنفاق على والدته عقب وفاة والده. كان إسلام يعمل لدى «معلم كبير» يعطيه البضاعة ويمنحه 20 جنيهًا في اليوم كأجر. لكن إسلام بعد سنتين من العمل مع «المعلم» استطاع شراء ماكينة غزل وبدأ يعمل لحسابه الخاص، واستطاع أن يكفي علاج والدته ومعيشته. «الكورونا بتموت والجوع برده بيموت، وعشان كده مش خايف من الكورونا، أنا لو مشتغلش هموت من الجوع فلما أموت من الكورونا أحسن لما أموت من الجوع»، يقول إسلام مبتسمًا ابتسامة ساخرة، مشددًا على حرصه على النزول للشارع كل يوم رغم انخفاض مبيعاته لأكثر من النصف بسبب «كورونا». يشير إلى أن بضاعته كانت تباع خلال أربع أو خمس ساعات أمام حديقة الحيوان وأمام المدارس والحدائق الأخرى، لكنه الآن يبذل مجهودًا مضاعفًا في التجول في الشوارع، ولا يكسب ما كان يكسبه في السابق.

إسلام يعد نموذجًا لفئات مختلفة من العمالة غير المنتظمة في مصر، والتي يتجاوز عددها عشرة ملايين عامل/ة، بحسب تقدير وزير القوى العاملة أوائل الشهر الماضي.

في محاولة للمساعدة في مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها انتشار فيروس كورونا لقطاع العمالة غير المنتظمة، أعلنت وزارة القوى العاملة عن تخصيص منحة استثنائية بقيمة 500 جنيه لمدة ثلاثة أشهر للعمالة غير المنتظمة. لكن، وعلى الرغم من أهمية الخطوة الحكومية، إلا أن واقع العمالة المنتظمة ومأساته في ظل الأزمة الحالية أكبر بكثير من هذه الخطوات مع اضطرار قطاع كبير منهم لاستمرار الحركة والعمل.

أعلن وزير القوى العاملة، محمد سعفان، قبل أسابيع عن فتح باب التسجيل للعمالة غير المنتظمة عبر بوابة تسجيل تابعة للوزارة، والتي سجل فيها حوالي 1.5 مليون شخص حتى الآن، إلى جانب المسجلين من قبل.

لترتيب إجراءات المنحة وتنظيمها، تشكلت لجنة برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية كل من وزيرة التخطيط ووزير القوى العاملة ووزيرة التضامن ورئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء وعضو من هيئة الرقابة الإدارية لبحث أوضاع العمالة غير المنتظمة المتضررة من فيروس كورونا المستجد.

لا تزال اللجنة المشكلة برئاسة رئيس الحكومة تضع معايير صرف المنحة والمستحقين لها، بحسب ما قاله هيثم سعد المستشار الإعلامي لوزارة القوى العاملة لـ«مدى مصر»، موضحًا أن رئيس مجلس الوزراء أعطى تعليمات بعدم الإدلاء بأي تصريحات لحين انتهاء اللجنة من وضع معايير صرف المنحة وتحديد مستحقيها.

وقال سعد إنه إلى الآن لم تنته اللجنة من وضع معايير الصرف، ولذا فإنه من السابق لأوانه تحديد موعد صرف المنحة، مؤكدًا أنه بدأ صرف المنحة للعمالة المسجلة لدى الوزارة فقط -عددهم 120 ألف عامل- بتكلفة 60 مليون جنيه. وأوضح سعد أن باب التقديم والتسجيل للمنحة لا يزال مفتوحًا على موقع الوزارة، مشيرًا إلى أن التقديم عبارة عن مجرد استمارة إلكترونية يملأها العامل ببياناته الأساسية ورقمه القومي وقطاع العمل الذي ينتمي إليه.

يقول محمد عبدالقادر، الأمين العام للنقابة المستقلة للعمالة غير المنتظمة، إن المنحة الجاري صرفها في الوقت الحالي وجهت في الأساس لفئات العمالة غير المنتظمة التي سجلها أصحاب الأعمال التابع لها هؤلاء العمال لدى الوزارة، وهم عمال الزراعة والري والصيد والمقاولات والإنشاءات، بالإضافة إلى العمالة غير المنتظمة المستفيدة من شهادات «حماية» و«أمان»

يؤكد عبدالقادر أن هذه الفئات لا تعبر إطلاقًا عن عدد وواقع العمالة غير المنتظمة على أرض الواقع المكتظ بفئات كثيرة غير مسجلة لأسباب كثيرة. هناك فئات تعمل بشكل فردي -أي لا صاحب عمل لها ليقوم بتسجيلها- مثل الباعة الجائلين وماسحي الأحذية وغيرهم من الفئات التي تعمل بالشارع. بينما يوجد فئات أخرى يمتنع أصحاب أعمالها عن تسجيلها أو التأمين والتعاقد معها خوفًا من التكلفة التأمينية مثل العاملين في «المقاهي» والمنازل، وكذلك العاملين في المنشآت المقننة وغير المقننة غير المتعاقد معهم أو مؤمن عليهم.

يشير مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد العمال، إلى أن مبالغ الرعاية الخاصة والمعاشات العادية للعمالة غير المنتظمة المسجلة لدى الوزارة تصرف من صندوق خاص يتم تمويله من أصحاب الأعمال الذين يعملون مع الحكومة، حيث تستقطع نسبة 3% من مستخلصاتهم لصالح العمالة غير المنتظمة لديهم. ويضيف كذلك أن الوزارة انتبهت لحجم العمالة غير المنتظمة من غير المسجلين، ففتحت باب التسجيل لها، وأنها تعتزم توسيع صندوق الرعاية بضخ مزيد من الموارد إليه.

وبحسب البدوي، سوف يمول الصندوق الموسع لرعاية متضرري العمالة غير المنتظمة من «كورونا» عن طريق التبرعات النقابية المختلفة، ومن خزانة الدولة من مبلغ الـ100 مليار جنيه المرصودة لمكافحة الفيروس، وجزء آخر من صندوق «تحيا مصر»، لافتًا إلى أن المسجلين بدأ الصرف لهم بالفعل.

من جانبه، أوضح مصدر بقطاع العمالة غير المنتظمة بوزارة القوى العاملة اشترط عدم ذكر اسمه لـ«مدى مصر» أن «اللي صرفوا هما المسجلين، وغير المسجلين سيتم فرزهم تباعًا لتحديد المستحقين من عدم المستحقين للمنحة الاستثنائية»، مؤكدًا أن العمالة غير المنتظمة والتي تم تسجيلها حديثًا من قبل أصحاب الأعمال سيكون لها الأولوية والجهوزية في الفرز والصرف حال الاستحقاق»، رافضًا تحديد مدة زمنية للفحص والفرز وتحديد المستحقين من عدمه.

بحسب وصف البدوي، فإن وضع العمالة غير المنتظمة على أرض الواقع «معقد». وربما لهذا يقول إسلام: «معرفش حاجة عن معاش الحكومة وهي بردة متعرفش حاجة عني»، مبررًا إصراره على النزول للشارع يوميًا لبيع «غزل البنات».

في المقابل، تنتظر فاطمة جمال الاتصال الهاتفي الذي أعلن وزير القوى العاملة أن من خلاله سوف يتم إخبار فاطمة  بعد قيامها بالتسجيل في الموقع الإلكتروني حال قبولها ضمن قوائم العمالة غير المنتظمة التي ستحصل على المنحة المقررة. تقول فاطمة: «جوزي شغال على توك توك بيطلع من سبعة الصبح لخمسة المغرب عشان الحظر، وبالعافية بيقفل 70 جنيه». فاطمة أم لخمسة أبناء، تقيم في مسطرد  بمحافظة القليوبية، تضيف أن «كورونا قعدت العيلة كلها من الشغل، ابني كان بيشتغل في محل حلاق وبطل شغل لإن الناس خايفه منه وهو خايف يتعدي من الناس، وبنتي كانت شغالة في محل كوافير برضه قعدت، والثالث كان صبي في قهوة برضه المعلم قعده ومبقاش غير أبوهم والـ 70 جنيه اليومية مش مكفية لأن الجمعية [جمعية تساهيل، إحدى شركات تمويل المشروعات متناهية الصغر والمعتمدة من هيئة الرقابة المالية] ترفض تأجيل أقساط القرض اللي أخدناه عشان نشتري التوك توك، ولاد الحلال قالولنا سجلوا عشان تاخدوا الشهرية 500 جنيه وسجلنا ولسه مفيش حاجة ومش عارفين هناخدها بصحيح ولا لأ».

لكن حتى إجمالي عدد المتقدمين للحصول على المنحة ضئيل جدًا مقارنة بالتقديرات الإجمالية للعمالة غير المنتظمة (10-12 مليون مواطن). عبودة (37 سنة) عامل يدوي باليومية، لم يتقدم بالتسجيل. «مبعرفش اقرأ ولا أكتب ولا عنديش نت، تليفوني من أبو زراير مبيدخلوش نت». عبودة من إحدى قرى مركز الصف بمحافظة الجيزة، أب لثلاث بنات ويعول والده ووالدته أيضًا. يقول لـ«مدى مصر» إن «الفأس والمعول» هما رأسماله. اعتاد قبل نحو 17 عامًا أن ينزل من قريته مع مجموعة من أهل قريته وبعض القرى المجاورة إلى ميدان الجيزة يعرضون أدواتهم أمامهم للإعلان عن استعدادهم للعمل، أي عمل: هدم، بناء، حفر، شيالة، أي عمل يدوي، كما يقول.

«الشغل قل جدًا بعد كورونا، يوم بنشتغل ويومين لأ، الناس خايفة نكون عيانين، الخوف كله لو الدنيا كملت على كده»، يقول عبودة مبديًا قلقه من المستقبل الغامض الذي يراه مخيفًا له ولأسرته في ظل انتشار الفيروس. يشير عبودة إلى أنه لن ينصاع لدعوات المكوث في المنزل قائلًا: «ولما أقعد في البيت مين يسد جوع الستة أرواح [بناته الثلاث وزوجته ووالده ووالدته] اللي في رقبتي».

في السياق نفسه، يقول مجدي البدوي «للأسف كل شيء في مصر يتحول لسبوبة حتى وقت الأزمات. ظهر سماسرة للعمالة غير المنتظمة من الأميين وهم كثر»، موضحًا أن هناك بعض الأشخاص ورد إلى الاتحاد شكاوى بشأنهم استغلالهم عدم قدرة بعض العمال على القراءة واستخدام الإنترنت في التسجيل، فيقوموا بالحصول على مقابل من العامل يصل لـ100 جنيه لتسجيله على الموقع المخصص من قبل الوزارة لتسجيل العمالة غير المنتظمة، فيما يحتفظ بعضهم ببطاقة العامل حتى يقتسم  المنحة مع العامل حال حصوله عليها.

ومن جانبه، يقول محمد عبدالقادر، أمين النقابة المستقلة، إن وضع العمالة في ظل نسب التعطل بعد انتشار الفيروس في مصر تستوجب حلولًا حاسمة، مقترحًا تخصيص رقم حساب لمتضرري «كورونا»، على أن تلتزم النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الزراعية بالتبرع لهذا الحساب، إلى جانب فرض رسم قدره 200 جنيه على كل منشأة سواء كانت مقننة أو غير مقننة، وتلتزم شركات الكهرباء بتحصيل هذا الرسم.

وطالب الأمين العام للنقابة بضرورة الإسراع في عملية حصر العمالة غير المنتظمة من خلال تشكيل لجان على مستوى القرى والمراكز والمدن والمحافظات برئاسة العمد ورؤساء الأحياء ورؤساء المدن والمحافظين، وتضم ممثلين عن وزارة القوى العاملة والتأمينات والإدارة المحلية والنقابات العمالية والعمالة غير المنتظمة والشرطة المتخصصة ومرافق التموين وممثل عن المزارعين. وتلتزم هذه اللجان بحصر العمال والمزارعين الذين تضرروا من هذه الجائحة، كما تلتزم بإخطار وزارة القوى العاملة والتأمينات بهذا الحصر، وتلتزم هذه الجهات بتحرير عقود عمل وإخضاع هذه الفئات للتأمينات الاجتماعية.

يقول عبدالقادر إنه في حال صدور قرار بحظر التجوال بشكل كامل، يجب أن يلتزم أصحاب الأعمال بصرف جميع مرتبات العمال لديهم، ويقوم أصحاب العمل لاحقًا بتحصيلها بعد ذلك في شكل أقساط بما لا يزيد عن مائة جنيه تخصم من العامل شهريًا.

يرى عبدالقادر أن المجتمع بأكمله مطالب بالتحرك لصالح فئات العمالة غير المنتظمة لأنها لا تملك رفاهية المكوث في المنزل، وهو الأمر الذي يجهض محاولات كبح جماح انتشار العدوى .

ينطبق هذا على وضع أم محمد، (50 سنة) عاملة منزلية. «قعدت شوية ولما الفلوس اللي معايا خلصت اضطريت أنزل تاني الشغل»، تقول أم محمد لـ«مدى مصر»، موضحة أن قرارها جاء خوفًا من إصابتها بالعدوى من المواصلات أو من أصحاب المنزل الذين تعمل لديهم لإعالة أربعة أبناء وزوجها ووالدته. كانت أم محمد تتابع أخبار «كورونا» من التلفزيون ومن حديثها مع أصحاب العمل، وقررت في بداية الأزمة المكوث في المنزل لحماية أسرتها من العدوى. ولكن بعد أسبوعين بدون عمل كانا كفيلين بتدمير مدخراتها كافة. لهذا قررت النزول للعمل مرة أخرى، ألحت ورجت صاحبة العمل التي كانت ترفض عودتها خوفًا من العدوى  حتى وافقت على عودتها، تشير أم محمد إلى أنها مضطرة للنزول يوميًا لتكفي احتياجاتها أسرتها الأساسية، قائلة «هاعمل إيه اللي زينا سايبها على الله».

أم محمد وعبودة وإسلام وغيرهم نماذج حية لمن لا يملكون رفاهية المكوث في المنزل ولا رفاهية انتظار لجان القوى العاملة لفرز الفئات المستحقة للمنحة من عدمه. الفئات التي تفاضل بين «كورونا» والجوع.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن