سهرة مع جورج سيدهم.. بين سمير غانم وأجاثا كريستي
 
 

رحل عن دنيانا منذ أيام الفنان جورج سيدهم (1938-2020)، بعد رحلة طويلة مع المرض، ورحلة أخرى مع الفن أوقفها المرض. 

بدأ جورج حياته الفنية في الستينيات مع فرقة «ثلاثي أضواء المسرح»، التي أسسها المخرج محمد سالم، والتي دُشنت باسكتشات مثل «دكتور الحقني»، والذي وصل نجاحه الجماهيري لدرجة قيام الثلاثي بغنائه في فرح منى جمال عبدالناصر، واسكتش «كوتوموتو» الذي ظهرت فيه موهبة جورج الخاصة بأداء الشخصية النسائية، دون مبالغة أو فجاجة، حيث قام بدور والدة الضيف أحمد التي تصر على إلحاقه بوظيفة. هناك أيضًا اسكتش «أبناؤنا في الخارج»، الذي يقوم فيه جورج بدور الطالب الريفي المسافر للخارج من أجل الدراسة والمنبهر ببلاد الخواجات، واسكتش «الكورة»، الساخر من الأجواء الكروية  الحماسية: «العربي مكتسح الملعب بيشوط ويروح يطلب سحلب». واسكتش «عودة الندل» الساخر من مبالغات السينما المصرية. 

بعد ذلك، تحولت فرقة الثلاثي لفرقة مسرحية قدمت عددًا من المسرحيات الناجحة مثل «براغيت» (1967)، «طبيخ الملايكة» (1964). هذا حتى وفاة الضيف أحمد، الضلع الثالث للفرقة، عام 1970.

ثم قدم الثنائي سمير وجورج مسرحيات «جوليو ورومييت» (1973) و«موسيقى في الحي الشرقي» (1971) و«المتزوجون» (1976)، قبل أن يفترق الزميلان سيدهم وغانم، بعد مسرحية «أهلا يا دكتور» (1981). 

بعد ذلك أعاد سيدهم تسمية فرقة ثلاثي أضواء المسرح مع إلحاقها باسم (أمير سيدهم) شقيقه المنتج، مُقدمًا مسرحية «حب في التخشيبة» (1994)، والتي قام ببطولتها مع دلال عبدالعزيز التي اكتشفها وقدمها للمسرح.  ثم كانت آخر مسرحياته «نشنت يا ناصح» (1995) مع أحمد آدم ومن إخراج عبدالمنعم مدبولي.

سينمائيًا، كان حب سيدهم لعمله وفنه يجعله يقبل أدوارًا صغيرة في مساحتها ولكنها لا تُنسى، كالمعلق الكروي الثرثار في فيلم «أونكل زيزو حبيبي» (1977)، أو الصديق الشهم في «الشقة من حق الزوجة» (1985)، وأدواره في مسلسلات كبيرة مثل «رأفت الهجان» (1987)، و«بوابة الحلواني» (1992).

بخلاف كل أدواره الشهيرة السابقة، نحاول في سهرة الليلة أيضًا أن نلتقي مع وجوه أخرى لجورج سيدهم، من خلال حوار طويل معه ومع سمير غانم يكشف لنا جانبًا من شخصيته ورؤيته للحياة، وتمثيليتين إذاعيتين، ومسرحية نادرة، نرى فيهما وجوهًا مختلفة ومتنوعة لنجم متميز تنوع في أدواره بين الجدية والمرح. 

تقوم فكرة برنامج «اتنين ع الهوا» على استضافة ضيفين متقاربين، وسؤالهما نفس الأسئلة والمقارنة بين الإجابات المختلفة لكل منهما، فيستضيف البرنامج مثلًا عبدالمنعم مدبولي وفايز حلاوة، أو أمينة رزق وعقيلة راتب. 

في هذه الحلقة نعرف أكثر عن شخصية سيدهم، وعن نقاط الاختلاف بينه وبين غانم. فالنشأة القاسية لسيدهم في مدينة جرجا بمحافظة سوهاج أثرت عليه وجعلت مشواره أكثر صعوبة من أجل الوصول لأضواء القاهرة، ما جعل رؤيته للحياة أكثر خشونة، بينما يبدو غانم أكثر عبثية وأقل حملًا للهم. فمثلًا عندما يطلب المذيع من كل منهما سؤالًا يبدأ بكلمة أين. يجيب جورج بجدية بينما يتلاعب سمير غانم بالكلمات. 

جورج: أين الإخلاص في العمل الفني؟

سمير: أين من عيني هاتيك المجالي «شوفتي هاتيك دي».

كذلك تظهر من خلال الإجابات في البرنامج بوادر الخلافات بين سمير وجورج وهي الخلافات التي يبدو أن تطورها هو ما أدى للانفصال لاحقًا .

نقدّم أيضًا في سهرتنا، مسرحية غير شهيرة لجورج، تعتبر تجربة مختلفة بالنسبة له، وهي مسرحية «المصيدة» المأخوذة عن قصة بوليسية لأجاثا كريستي، ويضفي عليها جورج لمسات كوميدية وسط أجواء التوتر والتشويق في المسرحية، ورغم أن المنتج المنفذ هو شقيقه أمير سيدهم إلا أن جورج لم يختر نصًا يقوم فيه بالبطولة المطلقة، بل فضل نصًا يعتمد على البطولة الجماعية، فنجد بجانبه يوسف شعبان وإلهام شاهين ومحمد وفيق وإحسان القلعاوي. فجورج نشأ على البطولة الجماعية منذ بدايته مع فرقة الثلاثي، وربما كان يدرك قدراته كممثل كوميدي، فهو ليس بارعًا في الارتجال لمدة طويلة على المسرح مثل زميله سمير غانم، ولكنه صاحب حضور وخفة ظل يستطيع جذب الجمهور بلطف وهدوء، ويستطيع الإبداع وسط مجموعة من الممثلين، ومع وجود نص مكتوب جيدًا. 

بعد ذلك، نذهب في سهرتنا لمنطقة مختلفة في المشوار الإبداعي لجورج، ونرشح تمثيليتين إذاعيتين، وهما «الشاعر والعرضحالجي» و«أحلام كومبارس». ونجد أن دوره في التمثيليتين متشابه، فهو في إحداهما شاعر مغمور يعاني صعوبة العيش وسط مجتمع لا يقدر الشعر، وفي الأخرى هو كومبارس يحلم بدور بطولة ينقله من الفقر الذي يعيش فيه. 

ينسجم دور جورج في التمثيليتين، مع الانطباع العام الذي يعطيه في معظم أدواره، ومع صورته الذهنية عند الجمهور، فهو الشخص المكافح المهمش طيب القلب الذي يعاني ويسعى للوصول لحياة أفضل. 

ففي فيلم «معبودة الجماهير» (1967) يكون أيضًا صاحب دور الكومبارس الباحث عن فرصة، الذي يردد كلمات الحوار بشكل مبالغ فيه. وفي فيلم «أضواء المدينة» (1972)، هو عضو الفرقة الفقيرة الباحثة عن فرصة. وفي «البحث عن فضيحة» (1973)، هو الشخص الساذج الذي يعجب بفتاة فيطلب يدها من زوجها. 

في النهاية، يبدو جورج في أعماله الفنية قريب من شخصيته في الواقع، إلى حد ما، فهو الصعيدي الطيب المكافح في الحياة، صاحب الوجه المستدير الطفولي المريح، الذي يجعلك تتعاطف معه دائمًا، حتى عند قيامه بدور النصاب في فيلم «غريب في بيتي»، فهو النصاب الهادئ اللطيف الذي تثق به في سهولة والذي تخدعك طيبته وبساطته.

 ممثل أحبه الجمهور وعاندته الأقدار، ولكنه يظل علامة كوميدية لا ننساها.

اعلان
 
 
محمد يحيى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن