خط سير «كورونا» داخل معهد الأورام.. شهادات 4 ممرضين مصابين
 
 
المعهد القومي للأورام بعد تفجيره في أغسطس 2019 - صورة: رويترز
 

كيف انتقل فيروس كورونا إلى 17 من أعضاء الفريق الطبي بالمعهد القومي للأورام؟ على بساطة السؤال، لم يستطع عميد المعهد ومديرته تقديم إجابة واضحة عليه، بل على العكس أرجع العميد الأمر إلى إصابة ممرض يعمل في مستشفى خاص بالفيروس، ومنه انتقل إلى زملائه، فيما قدمت مديرة المعهد رواية أخرى مفادها حضور سيدة ثمانينية مصابة بالفيروس لطوارئ المعهد تسببت في نقل العدوى إلى الممرض الذي تعامل معها، والأخير نقل العدوى لزملائه.

جامعة القاهرة، التي يتبعها المعهد، أعلنت أمس في بيان رسمي، فتح تحقيق إداري مع المسؤولين عن المعهد، للوقوف على أسباب التقصير «إن وجدت»، ومعاقبة المتسببين والاطلاع على التفاصيل حول الأزمة، مع إشارة إلى أن المعهد تعامل مع الأزمة من بدايتها بإبلاغ المعامل المركزية لوزارة الصحة لإجراء التحاليل للحالات المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا، بالإضافة إلى عزل الحالات التي ثبت إصابتها والمخالطين لها فور التأكد من الإصابة. وكانت الجامعة قد أعلنت غلق المعهد لمدة 24 ساعة للتعقيم، انتهت مساء السبت، ومن المقرر أن يستأنف عمله بداية من اليوم الأحد.

وفي مواجهة الروايات الرسمية للأزمة، تواصل «مدى مصر» هاتفيًا مع مشرفة تمريض وثلاثة ممرضين مصابين بالفيروس، بينهم الممرض الذي اتهمه عميد المعهد بنقل العدوى لزملائه، المتواجدين حاليًا في أربعة مستشفيات عزل بالقاهرة والإسكندرية والقليوبية، ليكشفوا عن الرواية الحقيقية للواقعة: كيف انتقلت لهم العدوى؟ كيف قاموا بالتحليل بمبادرة شخصية منهم في ظل مقاومة المعهد للقيام بالتحليل لهم ولمن خالطوهم؟

محمد نبيل: «لولا إن زميلنا سيد جاله أعراض وسخن وقدرنا نعمله مسحة كنا هنفضل مصابين ومش حاسين بحاجة»

بحسب محمد نبيل، الممرض بالجزء التابع للمعهد القومي للأورام بمستشفى هرمل بمصر القديمة، والمتواجد حاليًا بصحبة زوجته وطفليه بمستشفى العزل بقها التابعة لمحافظة القليوبية، بدأت الحكاية في 21 مارس الماضي، بتحويل رئيس قسم الأطفال بالمعهد طفلة عمرها أربع سنوات مصابة بسرطان الدم، إلى قسم الأطفال التابع للمعهد بمستشفى هرمل. حضرت الطفلة إلى هرمل وهي تعاني من أعراض فيروس كورونا، ولكن الطبيب الذي أعد لها خطاب الحجز في المستشفى، لم يذكر تلك الأعراض، وتناوب على تمريضها ثلاثة ممرضين. في اليوم التالي، مر عليها طبيب أطفال، وبعد الكشف عليها قال إنها بنسبة 99% مصابة بكورونا، وطلب بعمل مسحة pcr لها، ولكن إدارة المعهد عادة ترفض إجراء تحاليل كورونا للمرضى بحجة أن أعراض كورونا متشابهة إلى حد كبير مع أعراض العلاج الكيماوي.

ويضيف نبيل «التمريض وقتها اعترض لأن فيه 3 شيفتات اشتغلوا على الحالة ومحدش فينا بيلبس غير ماسك الجراحة العادي اللي مابيمنعش العدوى». ويوضح أنه كان وقتها مسؤولًا عن سبع حالات في الدور من بينها الطفلة، وبعد أن علم باحتمالية إصابتها بكورونا طلب من مشرفة التمريض أن يعمل مع حالة الطفلة وحدها. «المرضى عندنا مناعتهم صفر ومكنتش عايز الدايرة توسع»، يوضح نبيل، ولكنها رفضت قبل أن يتدخل زميله، سيد محمود بإقناعها أن يعمل هو على الحالات الأخرى، على أن يتفرغ نبيل للطفلة المشتبه في إصابتها بكورونا.

أنهى نبيل عمله مساء الأحد 22 مارس، وغادر إلى منزله، وعندما عاد يوم الإثنين وجد زميله سيد محمود يعاني من إرتفاع في درجة الحرارة وضيق في التنفس وألم في العظام، وهو ما طالب على أثره نبيل إدارة المعهد بتوفير سيارة إسعاف لنقل زميله إلى مستشفى الحميات قبل أن ترفض إدارة المعهد، وتطلب بأن يخبر زميله بأن يذهب بنفسه إلى أي مستشفى.

مع عدم استجابة محمود لخوافض الحرارة والمسكنات، توسطت إدارة مستشفى هرمل له ليتم توقيع الاختبارات المبدئية لإصابته بكورونا من عدمه في مستشفى المنيرة. يقول نبيل «روحت أنا وسيد وعدد من الممرضين اللي كانوا موجودين وقتها المنيرة بالواقيات ولبس المستشفى وعملوا له تحليل دم وأشعة على الصدر وقالوا إنه بنسبة 8/10 مصاب بكورونا وطلبوا مننا اننا نوديه حميات العباسية».

عرف نبيل من زملائه الممرضين بحميات العباسية بأن المستشفى بها زحام شديد وإن زميله لن يستطع إجراء مسحة بها قبل عدة أيام، ما دفعه إلى إعادته مرة أخرى إلى مستشفى هرمل، وبعدها بساعات ذهب نبيل ومحمود ومعهم ممرضون آخرون إلى مستشفى حميات حلوان بعد التنسيق مع زملائهم الممرضين بها، وأسفر تحليل العينة عن ثبوت إصابة زميله.

يقول نبيل إن نتائج العينة ظهرت الأربعاء، 25 مارس، «وبعدها كلمت إدارة المعهد وطلبت منهم إنهم ياخدوا من الأطباء والتمريض الموجودين بهرمل عينات، لكنهم رفضوا وقالوا خدوا إجازة أسبوع ولو حد ظهر عليه أعراض نبقى نحللكم.

بحلول السبت 28 مارس المنقضي، ارتفعت حرارة نبيل وزوجته وشعرا بضيق في التنفس، ما دفعه للعودة إلى مستشفى حميات حلوان التي قامت بعمل مسحة له ولزوجته وطفليه، وقد ظهرت النتائج إيجابية، وتم نقلهم إلى مستشفى قها للعزل منذ الأحد الماضي.

يقول نبيل «عرفت بعد كده إن الطبيبة اللي كانت معايا في الشيفت واتعاملت مع الطفلة تحاليلها طلعت إيجابية برضو».

ويختتم نبيل كلامه: «لولا إن زميلنا سيد جاله أعراض وسخن وقدرنا نعمله مسحة كنا هنفضل مصابين ومش حاسين بحاجة ونموت ونموّت اللي حوالينا».

سيد محمود: «بشتغل في مستشفى خاص كبيرة، وهناك بنلبس كل أدوات الوقاية»

«أنا أول واحد ظهرت عليه أعراض الكورونا بين العاملين في المعهد، ولما تحاليلي طلعت الناس كلها قالت عايزين نحلل»، يفسر الممرض سيد محمود المتواجد حاليًا بمستشفى 15 مايو للعزل، لـ«مدى مصر»، أسباب تحميل عميد المعهد له لمسؤولية نقل عدوى كورونا للمعهد.

ويضيف محمود أنه يعمل بقسم الأطفال التابع للمعهد بمستشفى هرمل، ولم يزر المقر الرئيسي بفم الخليج منذ أكثر من سبعة أشهر، ورغم ذلك يتهمه عميد المعهد بالتسبب في الإصابات التي بلغت 17 حالة -بحسب آخر إحصاء حتى نشر التقرير- بين الأطباء ومشرفات التمريض في مقر المعهد وحده، رغم أنه لم يتعامل معهم على الإطلاق منذ أشهر.

كان حاتم أبوالقاسم، عميد المعهد، قد أعلن مساء الجمعة في مداخلة هاتفية لبرنامج «الحكاية» الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب، أن مصدر انتقال كورونا إلى المعهد هو عمل ممرض في مستشفى آخر ظهر به الفيروس إلى جانب عمله في المعهد دون أن يحدد اسم المستشفى.

يرد محمود على اتهام مدير المعهد قائلًا «بشتغل في مستشفى خاص كبيرة، وهناك بنلبس كل أدوات الوقاية، ولما ظهرت فيها حالة واحدة، وكانت في مكان بعيد جدًا عني في أول شهر مارس قفلوا المستشفى وعقموها وحللوا لكل الناس المخالطين وطلعت النتايج سلبية».

وحدد محمود السبب الحقيقي لعدوته بالفيروس في عدم توفير أدوات مكافحة العدوى اللازمة للوقاية من كورونا بالمعهد، بالرغم من أن مرضى السرطان في مقدمة الأشخاص الأكثر عرضة بالإصابة بالأمراض بسبب مضاعفات العلاج الكيماوي والإشعاعي على جهاز المناعة، ومن ثم إذا لم يكن مريض السرطان حاملًا للعدوى بالفعل فهو أول المعرضين لها، على حد قوله.

ودلل محمود بأنه بعد ثبوت إصابته بفيروس كورونا وبعده زميله وأحد الأطباء، رفض عميد ومديرة المعهد غلق الجزء التابع له بمستشفى هرمل ووجه باستمرار العمل فيه، وهو ما تكرر بعد ظهور إصابات بمقر المعهد.

محمد عبدالخالق: «قلتلهم عشان يعملوا تحاليل للكل، لكن إدارة المعهد رفضت»

«الحالة التي ذكرتها مديرة المعهد لسيدة ثمانينية ألقت بها سيارة أمام بوابة المعهد وتم حجزها في المعهد بعد أن رفضت مستشفى المنيرة استقبالها وتبين بعد ذلك أنها مصابة بكورونا، هي مجرد مثال على عشرات الحالات المصابة التي يستقبلها المعهد يوميًا»، يقول محمد عبدالخالق، ممرض الطوارئ بمقر المعهد القومي للأورام بفم الخليج، والمتواجد حاليًا في مستشفى العجمي للعزل.

وأضاف لـ«مدي مصر»: «مفيش أي حاجة تمنع عنا العدوى، غير اننا مكناش عملنا مسحة الكورونا».

عبدالخالق كان أحد الممرضين الذين رافقوا محمود خلال زيارته إلى مستشفى المنيرة وبعدها حميات حلوان. «احنا الاتنين مغتربين ومش من القاهرة وعايشين في شقة قريبة من المعهد مع ممرضين تانيين ولما عرفت انه عيان روحت معاه».

ويضيف عبدالخالق أن مستشفى حميات حلوان أجرى أشعة على الصدر وتحليل دم له ولزملائه الذين حضروا مع محمود فور ظهور إيجابية تحليل كورونا «score»، وطلبوا من كل منهم أن يعزل نفسه في البيت 14 يومًا، وفي حال ظهور أعراض «حرارة أو ضيق تنفس أو قيء أو إسهال» العودة لإجراء مسحة pcr.

سافر عبد الخالق ليقضي فترة العزل المنزلي في منزله بقرية مليج التابعة لشبين الكوم بالمنوفية، مع زوجته الحامل، ولم تظهر عليه أي أعراض.

«حكيت لممرض زميلي في حميات شبين الكوم وقالي تعالى اعمل مسحة». ذهب عبدالخالق صباح الجمعة إلى المستشفى وظل بها حتى ظهرت نتيجة المسحة السبت، التي حين جاءت إيجابية نقل إلى مستشفى عزل العجمي.

«بقالي 7 أيام في مستشفى العزل بالعجمي ومظهرتش عليا أعراض ولو كنت استنيت ظهور الأعراض كان زماني عديت 100 واحد»، يؤكد ممرض الطوارئ بالمعهد القومي للأورام بفم الخليج، الذي تسبب في نقل كورونا لزوجته الحامل واثنين من أشقائها. 

«أول ما قالولي [في حميات شبين] عندك كورونا وهتروح العزل كلمت التمريض والدكاترة اللي بشتغل معاهم في المعهد وكلمت الإدارة. قلتلهم عشان يعملوا تحاليل للكل، لكن إدارة المعهد رفضت وقالت اني اتعديت عشان مخالط لسيد، وقالت لهم كل واحد يقعد في بيته 14 يوم ومش هنعمل التحليل غير للي عنده أعراض».

ما فعلته إدارة المعهد القومي للأورام للمخالطين لعبدالخالق فعله الموظفين التابعين لإدارة التقصي والترصد في قريته؛ حيث طالب الموظفون عائلة عبدالخالق وعائلة زوجته بتطبيق العزل المنزلي لمدة 14يومًا، وعينوا أحد رجال الشرطة أمام المنزلين دون أخذ مسحة pcr من أي منهم. 

لكن الأمر تغير عندما نصحت ممرضة بحميات شبين الكوم عبدالخالق بأن يطلب من العائلتين أن يتوجهوا إلى المستشفى ويدعوا أنهم ظهرت عليهم أعراض بالفعل، ما نتج عنه إجراء مسحات لـ 20 فردًا، جاءت نتائجهم سلبية باستثناء زوجة عبدالخالق الحامل وشقيقها، طفل عمره تسع سنوات، وشقيقتها، طالبة ثانوية عامة 16 عامًا، ليتم نقل الثلاثة إلى مستشفى العزل بقها.

وفقًا لتسلسل الشهادات، قد يكون عبدالخالق هو حلقة الوصل بين مستشفى هرمل التي ظهرت به ثلاث حالات إيجابية لفيروس كورونا، وبين مقر المعهد، الذي ظهرت فيه بعد ذلك أكثر من 15 حالة غالبيتها من التمريض، بما يرجح معه صحة رواية العميد حاتم أبو القاسم. ولكن عبدالخالق يرى خلاف ذلك، موضحًا أن الطفلة التي أكد الطبيب إنها بنسبة 99% مصابة بكورونا لم يجر لها أي تحاليل حتى الآن، ومن الممكن أن يكون الممرض محمد نبيل، الذي تعامل معها هو من نقل العدوى لسيد محمود وليس العكس، خصوصًا أن الطبيبة التي تعاملت مع نفس الطفلة ثبتت إيجابية تحاليها هي الأخرى، مشيرًا إلى أن المعهد يستقبل مرضى سرطان يعانون من أعراض كورونا يوميًا ولا يجري لأي منهم أي مسحات، ومن ثم فرص نقل العدوى من المرضى للفريق الطبي والعكس واردة.

أما عن كونه هو مصدر انتقال كورونا لمقر المعهد، قال عبدالخالق إن المعهد استقبل حالات مشتبه في إصابتها بكورونا من بداية مارس، ولم يتخذ العميد أو مديرة المعهد أي احتياطات لمنع انتقال العدوى، مضيفًا أن اسانسيرات المستشفى يركب فيها آلاف المرضي وأسرهم كل يوم، والطوارئ يدخلها عشرات الأشخاص «اللي عندهم كل أعراض الكورونا».

رانيا ناصف: «كلمت وزارة الصحة وأنا اللي طلبت منهم يعملوا المسحات للتمريض والدكاترة»

«مشرفات التمريض اللي معايا في الأوضة كلهم كانوا بيشتكوا من سخونية وتكسير في الجسم  قبلي بأربع أيام وكل ما حد يقول عايزين نعمل مسحة كورونا، الإدارة يزعقوا ويقولوا هتجيلكم الكورونا منين مش كل واحدة يجيلها دور برد تعمل حبتين عشان متشتغلش»، توضح رانيا ناصف، مشرفة التمريض بالدورين الثالث والرابع بالمعهد، المتواجدة حاليًا بعزل مستشفى العجوزة، أسباب إصرارها على إجراء تحليل pcr على نفقتها الخاصة للتأكد من إصابتها بكورنا من عدمه.

أجرت رانيا التحليل في مستشفى عين شمس التخصصي بعد أن استلفت ثمنه (2500 جنيه) من زميلة لها، لتظهر النتيجة في اليوم التالي إيجابية.

تضيف رانيا «كلمت وزارة الصحة وأنا اللي طلبت منهم يعملوا المسحات للتمريض والدكاترة وفعلا طلع 9 مشرفات تمريض و3 أطباء إيجابي، وبعد كده أزواجهم وأبنائهم كمان طلعوا إيجابي، ورغم كده العميد فضل بعدها مصر انه مايمعلش مسحات لباقي التمريض والدكاترة اللي في الأدوار الثانية في المستشفى».

ورغم أن تصرف رانيا كان له الفضل في إنقاذ الفريق الطبي للمعهد ووقف تحول المعهد القومي للأورام لبؤرة لانتشار فيروس كورونا إلا أنها تؤكد «انا نفسيتي محطمة ونقلوني الرعاية المركزة امبارح لزيادة ضربات القلب»، موضحة أن عميد المعهد بدلًا من أن يعترف بأنه عرّض حياة الفريق الطبي في المعهد للخطر، قال في اجتماعه مع التمريض، الخميس الماضي، إنها على غرار الممرض سيد محمود نقلت العدوى من مستشفى خاص إلى المعهد، رغم أنها لا تعمل منذ أشهر سوى في المعهد فقط.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن