عن الأوبئة والرأسمالية الفائقة وصراعات المستقبل.. حوار مع مايك ديفيس
 
 

يتجاوز تفشي فيروس كورونا المُستجد «كوفيد-19» أي قدرة على الاستيعاب. الآن هناك مليون إصابة مؤكدة. عشرات الآلاف ماتوا بالفعل. أغلقت الدول حدودها بسبب استمرار انتشار المرض. كوكب الأرض في أزمة.

كيف حدث هذا؟

ما هي الهياكل السياسية والاقتصادية والبيئية الكامنة التي مهدت الطريق لتفشي الفيروس عالميًا؟ من أين تظهر الأوبئة؟ وهل طريقة حياتنا الرأسمالية مستدامة بيولوجيًا؟

لإلقاء الضوء على بعض هذه الأسئلة، لجأنا إلى الكاتب الأمريكي والمؤرخ والناشط السياسي، مايك ديفيس، والذي ألف أكثر من 20 كتابًا، من بينها «مدينة الكوارتز City of Quartz»، و«كوكب الأحياء السكنية الفقيرة Planet of Slums»، و«بيئة الخوف Ecology of Fear» و«الوحش على أبوابنا: الخطر العالمي لأنفلونزا الطيور The Monster at Our Door: The Global Threat of Avian Flu» . ديفيس أستاذ فخري في جامعة كاليفورنيا، ريفرسايد. حصل على منحة «مكارثر» وجائزة «لانان» الأدبية للكتابة غير الأدبية.

ديفيس أجاب عن أسئلة طرحها «مدى مصر» بشأن جائحة فيروس كورونا.

مدى مصر: كيف أدى الجمع بين الزراعة الرأسمالية والتوسع الحضري إلى ظهور الأوبئة؟ ولماذا تظهر سلالات الانفلونزا عامة في جنوب شرق آسيا؟

مايك ديفيس: بعض الفيروسات لها بيئات تكاثر طبيعية، مثل الكوليرا على سبيل المثال. تنشأ جميع حالات تفشي الكوليرا تقريبًا في المياه الدافئة التي يكثر فيها البراز في خليج البنغال. البعض الآخر لديه موطن دائم في بعض عائلات الحيوانات: الطاعون في القوارض، والانفلونزا في الطيور البرية، والحمى الصفراء في القرود وفيروس كورونا المستجد في الخفافيش. تظهر الانفلونزا عادة في جنوب الصين. هذه نتيجة غير مقصودة لواحدة من أعظم قصص الحضارة نجاحًا. لعدة آلاف من السنين، كان النظام الزراعي في جنوب الصين، الذي انتشر لاحقًا عبر جنوب شرق آسيا، هو الأكثر إنتاجية على وجه الأرض، حيث يُربى البط والدجاج جنبًا إلى جنب مع الخنازير في حقول الأرز التي تُحصد مرتين سنويًا. الكثير من البروتين مع حصة مزدوجة من الكربوهيدرات. لكن الحقول المغمورة تجذب الطيور المهاجرة التي تنقل في كثير من الأحيان سلالات جديدة من الانفلونزا إلى البط والدجاج، الذي يصيب بدوره الخنازير، وهي حيوانات يتشابه نظامها المناعي مع نظامنا. القفزة من الخنازير إلى الإنسان سهلة وأحيانًا كارثية. بما أن الخنازير يمكن أن تصاب بالانفلونزا من كل من الطيور والبشر، فإن العدوى المزدوجة يمكن أن تؤدي إلى «إعادة ترتيب» أجزاء جينات الفيروسات، وتؤدي إلى ظهور فيروس هجين فتاك للطيور البرية، ويمتلك كذلك مفتاحًا لدخول الخلايا التنفسية البشرية. وكانت النتيجة وباءً عالميًا، كما حدث عامي 1918-1919.

مدى مصر: هل يمكن أن توضح لماذا تؤدي فيروسات الحمض النووي الريبوزي RNA -مثل فيروس كورونا- غالبًا إلى تفشي وباء قاتل؟

مايك ديفيس: الفيروسات، بطبيعة الحال، جينات طفيلية في الأساس، تختطف الآلية الوراثية للخلايا التي تغزوها لعمل نسخ منها. تحتوي الفيروسات المستندة إلى الحمض النووي DNA على آلية تدقيق لضمان النسخ الدقيق. لكن فيروسات RNA تفتقر إلى هذه الآلية. والنتيجة هي طوفان من التشوهات التي تتسم باختلاف طفيف في بنية الحمض الأميني. تخيل آلة تصوير مستندات ترتكب أخطاء في كل نسخة تقريبًا. في الواقع، تحتوي الانفلونزا العادية على أربعة جينات فقط (كورونا لديها ثمانية)، وهو عرضة للخطأ أثناء التكاثر لدرجة تجعله على حافة الانقراض. بعبارة أخرى، فإنه يدفع معدل الطفرة إلى الحد الأقصى، حوالي مليون مرة أسرع من الفيروسات أو الخلايا المستندة إلى الحمض النووي DNA. إن صنع العديد من الإصدارات المختلفة وغير الدقيقة لمورثات الفيروس له ميزة كبيرة في مقاومة جهاز المناعة البشري لأنه سيكون هناك حتمًا فيروسات قادرة ولو جزئيًا على مقاومة الأجسام المضادة التي أنتجها الجسم البشري في حالات عدوى سابقة أو اكتسبها عن طريق التطعيم. هذا هو السبب في أن الانفلونزا العادية تتغير سنويًا وتستمر في إصابة البشر، رغم العديد من الإصابات السابقة. يُسمى هذا بالانسياق المستضدي «Antigenic drift». هناك كذلك الإزاحة المستضدية «Antigenic shift»، وهو ما يحدث عندما «يتزاوج» اثنان من سلالات الانفلونزا المختلفة في نفس الخلية لتنتج فيروسًا جديدًا. على الرغم من أن العملية تختلف اختلافًا طفيفًا في فيروس كورونا، إلا أن لديه نفس الموهبة الاستثنائية في إعادة التركيب والتحول.

مدى مصر: لماذا لم نشهد تطعيمًا عالميًا ضد الانفلونزا؟ وهل هذا ممكن حتى؟

مايك ديفيس: تحدث الطفرات عادة في «رؤوس» بروتينين أو ثلاثة على سطح الفيروس، ما يسمح لها بـ«الرسو» على خلية بشرية ثم الدخول إليها. تلك هي المواقع التي تستهدفها اللقاحات السنوية. لكن «سيقان» هذه البروتينات مستقرة ولا تتغير. يوافق جميع الباحثين تقريبًا على أن الأدوات موجودة لتصميم لقاح واسع النطاق يعطل السيقان الثابتة وبالتالي يمنح مناعة عامة ضد جميع السلالات التي قد تستمر لسنوات. الأبحاث موجودة بالفعل، لكن حيتان الدواء لن يطوروا أو يصنعوا مثل هذا اللقاح لأنه غير مربح. إذا توصلنا لتصميم سيارة تدوم مدى الحياة، فهل ستوافق شركة «جنرال موتورز» على تصنيعها؟ في أعقاب تفشي انفلونزا الطيور في عام 2005، اتخذت إدارة بوش خطوات صغيرة لدفع الإنتاج لكنها فقدت الاهتمام بعد انحسار التفشي. منذ ذلك الحين، طالبت مجموعة من الأصوات العلمية بالعمل على نحو منتظم، لكنها تعرضت للتجاهل خلال حقبة «باراك أوباما». لكن ثورة حدثت في مجال تصميم اللقاح، وتصاعدت الجهود البحثية لمواجهة فيروسات «كوفيد»، وقد يظهر لقاح عالمي للانفلونزا. الشيء الوحيد المؤكد هو أنها لن تأتي من حيتان الدواء.

مدى مصر: يبدو أن فيروس كورونا أقل خطورة بالنسبة للفئات العمرية الأصغر سنًا. هل بلدان جنوب الكرة الأرضية عمومًا، والتي لديها نسبة كبيرة من الشباب، أقل عرضة للخطر من الوباء الحالي؟

مايك ديفيس: لا، ليس بالضرورة. تذكر أنه حتى هذه اللحظة، انتشر الفيروس بين السكان في دول يحظى فيها من عمرهم أقل من 50 عامًا بتغذية جيدة وإمكانية الحصول على الرعاية الطبية على نحو جيد. وهذا يعني أن الحالات الشديدة والحرجة بين الشباب تحدث بشكل رئيسي -وليس حصريًا- بين أولئك الذين يعانون من ظروف صحية موجودة مسبقًا. ولكن ماذا يحدث عندما ينتشر الفيروس بين أشخاص يحصلون على الحد الأدنى من الرعاية الصحية ولديهم مستويات أعلى بشكل كبير من سوء التغذية، ومشاكل صحية سابقة وتلف أجهزة المناعة؟ ستكون ميزة العمر أقل قيمة بالنسبة لشباب الأحياء الفقيرة في إفريقيا وجنوب آسيا.

هناك أيضًا بعض الاحتمالات بأن العدوى الجماعية في الأحياء الفقيرة والمدن الفقيرة يمكن أن تغيّر نمط الإصابة بفيروس كورونا ليعيد تشكيل طبيعة المرض. قبل ظهور مرض سارس في عام 2003، كان تفشي الفيروسات شديدة الإمراض تقتصر على الحيوانات الأليفة، وخاصة الخنازير. سرعان ما تعرف الباحثون على طريقين مختلفين للعدوى: الإفرازات الفموية، التي تهاجم المعدة والأنسجة المعوية، وإفرازات الجهاز التنفسي، التي تهاجم الرئتين. في الحالة الأولى، كان هناك عادة معدل وفيات مرتفع جدًا، بينما تسببت الحالة الثانية بشكل عام في الحالات الطفيفة. هناك تقارير عن أن نسبة ضئيلة من الحالات الإيجابية، خاصة في حالات السفن السياحية، كانت تعاني من الإسهال والقيء، وعلى حد تعبير أحد التقارير، «لا يمكن الاستخفاف باحتمالات انتقال فيروس سارس (كوفيد-2) عبر مياه الصرف الصحي والنفايات والمياه الملوثة وأنظمة تكييف الهواء والغبار الجوي».

وصل الوباء الآن إلى الأحياء الفقيرة في إفريقيا وجنوب آسيا، حيث ينتشر التلوث البرازي في كل مكان: في الماء، وفي الخضروات المزروعة محليًا، وفي الغبار (نعم، العواصف التي تحمل البراز حقيقية). هل سيفضل هذا الفيروس الطريق المعوي؟ هل سيؤدي هذا، كما هو الحال بالنسبة للحيوانات، إلى المزيد من العدوى الفتاكة، ربما في جميع الفئات العمرية؟

مدى مصر: هل تفشي وباء فيروس كورونا بغتة، أم كان متوقعًا؟ وإذا كان متوقعًا، فلماذا يبدو العالم غير مستعد لمواجهته؟

مايك ديفيس: لم يكن انتشاره مثيرًا للدهشة. كانت فكرة انتشار وباء وشيك تهيمن على أذهان علماء الأوبئة منذ تفشي مرض سارس في عام 2003. بعد ظهور انفلونزا الطيور في عام 2005، نشرت الإدارة الأمريكية «استراتيجية وطنية طموحة لمواجهة جائحة الانفلونزا»، تستند إلى اكتشاف أن جميع المستويات من نظام الصحة العامة الأمريكي غير مستعدة تمامًا لأي تفشي فيروسي واسع النطاق. بعد الذعر من انفلونزا الخنازير في 2009، جرى تحديث الاستراتيجية. وفي 2017، قبل أسبوع من تنصيب ترامب، أجرى مسؤولو إدارة أوباما بالتعاون مع مسؤولي إدارة ترامب الجدد محاكاة واسعة النطاق لاختبار استجابة الوكالات الفيدرالية والمستشفيات في مواجهة جائحة قد تنشأ في ثلاثة سيناريوهات مختلفة، من انفلونزا الخنازير أو فيروس إيبولا أو فيروس زيكا. أخفق النظام، بالطبع، في منع تفشي المرض أو في تبطيط المنحنيات في الوقت المناسب. تمثل جزء من المشكلة في الكشف عن الفيروسات والتنسيق. وتمثل الجزء الآخر في عدم كفاية المخزون وعدم كفاءة سلاسل التوريد، التي تعاني من اختناقات واضحة، مثل الاعتماد على عدد قليل من المصانع الخارجية لإنتاج معدات الحماية الحيوية. علاوة على ذلك، هناك إخفاق في الاستفادة من التقدم الثوري في التصميم البيولوجي على مدى العقد الماضي من أجل تخزين ترسانة من الأدوية المضادة للفيروسات واللقاحات الجديدة.

مدى مصر: هل العولمة الرأسمالية مستدامة بيولوجيًا؟

مايك ديفيس: فقط بقبول الفرز الدائم للبشرية ودفع جزء من الجنس البشري إلى الانقراض في نهاية المطاف.

العولمة الاقتصادية -أي الحركة الحرة المُتسارعة للتمويل والاستثمار داخل سوق عالمية واحدة تعجز فيها القوى العاملة نسبيًا عن الحركة وتُحرم من القدرة التقليدية على المساومة- تختلف عن الترابط الاقتصادي الذي تنظمه الحماية العالمية لحقوق العمال وصغار المنتجين. بدلًا من ذلك، نرى نظامًا عالميًا تراكميًا، يكسر الحدود التقليدية بين الأمراض الحيوانية والبشر في كل مكان، ويزيد من قوة احتكار العقاقير الطبية، ويضاعف من حجم النفايات المسببة للسرطان، ويدعم سيطرة الأقلية الرأسمالية، ويقوض الحكومات التقدمية الملتزمة بالصحة العامة، ويدمر المجتمعات التقليدية (الصناعية وما قبل الصناعية على حد سواء)، ويجعل من المحيطات مكبًا للنفايات. «حلول السوق» حافظت على الظروف الحياتية الديكنزية البشعة، واستمر الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي محدودًا عالميًا على نحو مُخجل.

الأزمة الحالية تجبر رأس المال، كبيرًا وصغيرًا، على مواجهة الانهيار المحتمل لسلاسل الإنتاج العالمية وعدم القدرة على إعادة توفير إمدادات أرخص من العمالة الأجنبية باستمرار. في الوقت نفسه، تشير إلى أسواق جديدة مهمة أو قابلة للاتساع للقاحات وأنظمة التعقيم وتكنولوجيا المراقبة وتوصيل البقالة للمنازل، وما إلى ذلك. ستؤدي المخاطر والفرص مجتمعة إلى إصلاح جزئي: المنتجات والإجراءات الجديدة التي تقلل من المخاطر الصحية الناجمة عن استمرار ظهور الأمراض، بينما تحفز في نفس الوقت زيادة تطوير «رأسمالية المراقبة». لكن من شبه المؤكد أن هذه الحماية ستكون محدودة -إذا تُركت للأسواق والأنظمة القومية الاستبدادية- وسوف تقتصر على الدول والطبقات الثرية. سوف يعززون الجدران بدلًا من إزالتها، ويعمقون الانقسام بين إنسانيتين: إحداهما تمتلك الموارد اللازمة لتخفيف تبعات تغير المناخ والأوبئة الجديدة والأخرى لا تمتلكها.

مدى مصر: إلى أي مدى توفر هذه الجائحة فرصة لإصلاح الأنظمة والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية؟ نوع من «مذهب الصدمة» لكن بالعكس؟

مايك ديفيس: كما هو الحال في بعض الأحيان في حالة الحروب، تلجأ الحكومات والنخب الحاكمة إلى تدابير جماعية وتنفيذ سياسات كانت تعتبر في السابق متطرفة أو معادية للنظام. من أجل الحفاظ على الدعم الشعبي للمذبحتين العُظميين في القرن الماضي [الحربان العالميتان الأولى والثانية]، قدمت دول الحلفاء تنازلات كبيرة للطبقة العاملة، من بينها الاعتراف بالنقابات والمفاوضة الجماعية وتوسيع حق التصويت. أدت رأسمالية الدولة في زمن الحرب أيضًا إلى الإدارة الحكومية أو العسكرية للسكك الحديدية والمرافق العامة. ومع قمع المعارضة المناهضة للحرب، حصل العمال على قوة جديدة في مقابل المشاركة في تنظيم إنتاج الحرب. عندما انتهت الحروب، بالطبع، حاولت الشركات تفكيك هذه التنازلات وخصخصة الصناعات الحربية، بينما قاتلت النقابات واليسار للحفاظ على مكاسبهم المؤقتة. لهذا السبب، شهد عام 1919 أكبر موجة إضراب في التاريخ.

وفي مواجهة الأوبئة التي تهدد صحة جميع الطبقات، فإن ما يحدث اليوم يشبه ما حدث البارحة حقًا. إلى جانب السياسات القمعية التي لا داعي لها، تسمح الحكومات المذعورة أيضًا بإجراءات تدريجية، مثل تأميم المستشفيات في أيرلندا والتبني المؤقت لبرامج إعالة المحتاجين في الولايات المتحدة، والتي توفر منصات جديدة للصراع. وهكذا، نشهد سباق تسلح سياسي حيث يكافح رأس المال الكبير والأحزاب اليمينية من أجل تحديد أجندة رأسمالية في ظل الأزمة، بينما يستكشف اليسار فرص الفوز بإصلاحات دائمة مثل الرعاية الطبية للجميع. لكن الظاهرة الأكثر أهمية كانت عودة ظهور كتلة من الطبقة العاملة لديها تعويذة «الفعالية التاريخية». أشير إلى التحالف الواسع من العاملين في مجال الرعاية الصحية المنظمة (في الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة نقابة الممرضات) الذي أصبح راديكاليًا بسبب الوباء، ويمكن الاعتماد عليه للقيام بدور قيادي أكبر في نضالات المستقبل من أجل الحصول على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية. هؤلاء يُعتبرون في الوقت الراهن -وفي كل مكان- الضمير الاجتماعي للأزمة. لذا، يجب على التقدميين في كل دولة من دول العالم أن يجعلوا من التضامن مع مقدمي الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية أولويتهم الفورية.

مدى مصر: ما هي العلاقة المتبادلة بين الأمراض الناشئة والاقتصاد الرأسمالي العالمي، من حالات فيروس إيبولا إلى سلالات الانفلونزا القاتلة؟

مايك ديفيس: سأذكر بعض الحالات:

* تنافس المصانع والمزارع الصناعية بشروط غير متكافئة مع الصيادين المحليين وصغار المزارعين. أُجبر مئات الملايين من الناس من «تشيهواهوا» في المكسيك إلى «لوزون» في الفلبين على الرحيل عن الأرض (والبحر) في السنوات العشرين الماضية. عملية التمدين -الصين حالة بارزة- تلتهم من دون داع مساحات من الأراضي الزراعية. لكن النقطة الأساسية هي أن الزراعة ذات الحيازات الصغيرة، وهي أساس الأمن الغذائي المحلي، خضعت أو استُبدلت بزراعة الصادرات الرأسمالية التي تخضع لتقلبات أسواق العقود الآجلة للسلع وتعتمد على واردات الأسمدة والمبيدات الحشرية. والأخيرة، بالطبع، من مشتقات النفط الخام. وبسبب الاستخدام المفرط، تحولت إلى نفايات خطرة تسبب السرطان (أقصد مبيدات الآفات) وقضت على مناطق الصيد (بسبب زيادة النيتروجين في مياه الأنهار والبحيرات والبحار).

تقدر منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن الإنتاج العالمي من المواد الغذائية (الحبوب في الغالب) يجب أن يزيد بنسبة 50% على الأقل مع الجيل التالي لمواكبة النمو السكاني بالغذاء. أعتقد أن الزراعة الرأسمالية لا يمكن أن تحقق هذا الهدف، حتى مع التقدم الثوري في المحاصيل المُهندسة وراثيًا والري بالتنقيط، لأن السوق العالمية تسيء توزيع إنتاج المحاصيل (مثل استخدام الحبوب كعلف للماشية)، وتخفق في توفير الدخل الأساسي لصغار المنتجين وعمال المزارع. وفي الوقت نفسه، فإن الأساس الحاسم للثورة الخضراء في الستينيات -حفر ملايين الآبار الأنبوبية للري- ينهار في الوقت الراهن، لأن المياه الجوفية تنضب أو تتسمم في كل مكان. انظر إلى إقليم البنجاب أو وادي السند [في الهند]، أو إلى أزمة المياه الحادة في مدن العالم مثل «مكسيكو سيتي» أو «كيب تاون» مؤخرًا.

* ينتقل صغار المنتجين، بالطبع، إلى المدن، التي لا يزال الكثير منها يتشكل وفق تراث الفترة الاستعمارية، عندما كانت الأحياء الأوروبية فقط هي من تمتلك الصرف الصحي والمياه النظيفة والخدمات الطبية. على الرغم من بعض التحسينات المثيرة في الظروف الصحية التي أدخلتها الحكومات الوطنية التقدمية في عهد ناصر ونهرو وسوكارنو، فقد تدهورت الأوضاع الصحية في الأحياء الفقيرة، وخاصة على الأطراف الحضرية، تزامنًا مع الانفجار السكاني فيها.

* تعمل الغالبية العظمى من سكان الأحياء الفقيرة في اقتصاد الكفاف غير الرسمي. لقد أصبحوا، في أغلب الأحيان، زائدين عن حاجة متطلبات التكاثر الرأسمالي على نطاق عالمي. وليس لهذا «الفائض البشري» أي حق في المطالبة بالرعاية الطبية التي غالبًا ما ترتبط بالوظائف الرسمية، ولا يحصل على دخل يسمح له بدفع تكلفة الرعاية الصحية. لم تعد رأسمالية الشركات على مستوى العالم توفر الوظائف، لقد توقفت تمامًا.

* في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، أجبرت برامج التكيف الهيكلي -القواعد التي تفرضها الدول الغنية ومصارفها، والتي أجبرت الدول الفقيرة على التخلي عن الاستقلال الاقتصادي- في كل مكان على تقليص الخدمات العامة وخصخصتها في كثير من الأحيان. لم تعد ميزانيات الصحة العامة -على وجه الخصوص- إلى سابق عهدها، ولا توفر مرتبات كافية لموظفي الصحة. ونتيجة لذلك، قام الغرب بتجريف منطقة البحر الكاريبي وإفريقيا وجنوب شرق آسيا من الأطباء والممرضات المُدربين.

* تُموّل الرعاية الصحية، على الأرجح في غالبية الدول غير الأعضاء في مجموعة العشرين من ميزانيات البلديات والأقاليم. وتسمح أنظمة الضرائب شديدة الرجعية للشركات الكبيرة والطبقات المتوسطة المحلية بتقليل الالتزامات المالية أو التهرب منها. يفرض هذا قيودًا هيكلية قوية على توفير الرعاية الطبية، وأكثر من ذلك، على البنى التحتية للصرف الصحي. نقص المياه النظيفة والمراحيض، كما يعلم الجميع، هو قضية الصحة العامة الأولى عالميًا، وهي السبب الوحيد للوفيات التي يمكن تجنبها، خاصة بين الأطفال.

ما الذي يمكن أن يكون أكثر فداحة من حالة الهند، حيث يتعين على نساء الأحياء الفقيرة التغوط في الأماكن العامة، حتى في مدن التكنولوجيا الشهيرة مثل «تشيناي» و«بنجالور»؟ أو من وباء التسمم بالرصاص في أنابيب المياه المتداعية في مدينة «فلينت» وغيرها من المدن الأمريكية التي تقع داخل «حزام الصدأ»؟ أم حملة «نستلة» وغيرها من الشركات متعددة الجنسيات لحث الحكومات النيوليبرالية على خصخصة شبكات المياه لديها؟ (تعتبر المراحيض العامة بنظام الدفع مقابل الاستخدام في الأحياء الفقيرة من الاستثمارات الربحية سريعة النمو).

* يُجسد حيتان الدواء احتكار الاحتكارات، مدى التناقض بين الرأسمالية والصحة العالمية. أسعار الأدوية الباهظة والحصول على براءات اختراع الأدوية التي يطورها غالبًا باحثو الجامعات وباحثون آخرون ليست سوى مجرد جزءًا من المشكلة. لقد أحجم حيتان الدواء أيضًا عن تطوير المضادات الحيوية ومضادات الفيروسات التي قد نحتاجها بشدة. من المربح بالنسبة لهم أن تنتج أدوية الضعف الجنسي من أن تنتج جيلًا جديدًا من المضادات الحيوية لمحاربة موجة السلالات البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية، والتي تقتل مئات الآلاف من المرضى في المستشفيات في جميع أنحاء العالم. يطالبون بحمايتهم من قوانين مكافحة الاحتكار لأنها المحرك الرئيسي لأبحاث العقاقير، في حين أنها في الواقع تنفق على الإعلانات أكثر من إنفاقها على البحث والتطوير. عادةً ما يجري تطوير الأدوية واللقاحات المتطورة، التي تسوقها الشركة، في شركات التكنولوجيا الحيوية الصغيرة التي تتسم بالديناميكية، والتي تستفيد بدورها من الأبحاث من الجامعات العامة. حيتان الدواء، في جوهرهم، نموذج للرأسمالية الريعية، وقيد يُكبل الثورة الناشئة في مجال التصميم البيولوجي وإنتاج اللقاحات.

* أخيرًا، وبشكل أكثر وضوحًا، تقتلنا الرأسمالية مباشرة من خلال تصديرها للمواد المسرطنة والسموم المنتجة في المصانع إلى البيئات السكنية البشرية والأماكن العامة.

مدى مصر: عرضت لنا الكثير. هل يمكنك أن تلخص لنا حُجتك؟

مايك ديفيس: في اعتقادي أن الأزمة الحضارية في عصرنا مُحددة بعدم قدرة الرأسمالية على توفير الدخل لغالبية البشرية، أو توفير الوظائف أو الأدوار الاجتماعية الهادفة، كما أنها عاجزة عن وقف انبعاثات الوقود الأحفوري، وترجمة التقدم البيولوجي الثوري إلى ما يخدم الصحة العامة. هذه أزمات متداخلة، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، ويجب النظر إليها ككل متراكب، وليس كقضايا منفصلة. ولكن لصياغة الأمر بلغة أكثر كلاسيكية، يمكن القول إن الرأسمالية الفائقة أصبحت في الوقت الراهن قيدًا يُكبل محاولات تطوير قوى الإنتاج اللازمة لبقاء جنسنا البشري على قيد الحياة.

اعلان
 
 
شريف عبد القدوس 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن