ديتوكس| كرنتينا الربيع
 
 
تصميم: سهير شرارة
 

#جو عام

الربيع يأتي ونحن في عزلة، نعيش حالة ترقب، البعض يأمّل خيًر، والبعض يتوقع أهوالًا سنقبل عليها.

خلال الأيام الماضية، جرت حكاية لا تخلو من الدلالة؛ سُرقت لوحة فينسنت فان جوخ (1853- 1890) من متحف بمدينة لارِن الهولندية، المغلق حاليًا بسبب وباء «كورونا». جرت الحادثة في يوم 30 مارس الذي يوافق ذكرى ميلاد الفنان الهولندي الذي اشتهرت تحديدًا أعماله برسم الطبيعة بأسلوبه التأثيري المميز، ومن ضمنها الزهور.

اللوحة رُسمت في 1884، وعُنونت بـ «The Parsonage Garden at Nuenen in Spring»

هكذا سُرق رسم الربيع، وهذه الأيام وخلال عزلته المنزلية، يجلس فنان معاصر هو البريطاني ديفيد هوكني بحديقته يرسم على الآيباد، وقد نشرت «بي بي سي» بعضًا من رسومه الأحدث، يمكن الفرجة عليها هنا.

يحل الربيع بينما العالم تحت الحصار الصحي والعزل الاجتماعي، بهذه المناسبة يحدثكم بعض أفراد فريق «مدى مصر» عن الربيع، كما تقدّم نوارة بلال بعض النصائح لتحويل البيت إلى حديقة ربيعية، ويكتب أحمد وائل عن الفشل في الطبيخ بعد رحلة من الدايت، حتى الإذعان والاستسلام إلى تنظيف سطح البوتاجاز. وفي مشاهدة أعددنا برنامجًا يضم أفلامًا تتماشى مع الربيع الذي هلّ علينا ونحن قد حُبسنا في البيوت خوفًا من وباء. وكما اعتدنا في العدد الأول من كل شهر، يقدم أحمد الصباغ قائمته الموسيقية «تفنيطة»، التي تمتد لما يقارب من الثلاث ساعات.

يسعدنا أيضًا أن نقدم للأمهات والآباء وصفة زراعة الفول، ونهديها للأطفال الذين حُصرت حركتهم داخل البيوت.

تنقع حبات الفول لمدة يوم، بعدها توضع الحبات فوق قطنة مبللة بالماء، حذار أن تغمر حتى لا تتعفن الحبات. تراقب الحبات على مدار الأيام وحين ينبت الجذير (تصغير جذر)، يكون هذا أوان دفن الحبات في الطين حتى تصير شجيرة (تصغير شجرة)، هذه محاولة، ورجاء الحكي للأطفال، بشكلٍ مبسط وغير مخيف، عن سبب البقاء في البيوت، وصناعة سُبل للانبساط مع الصغار، لأن الحبسة ستطول.

عن الربيع حدثنا فريق «مدى مصر»،  فقال بعضه:

أميمة إسماعيل: طيب أنا الربيع بالنسبة لي كل حاجة والعكس، حاجة متعرفش فيها المفروض تحتفل ولا تتقفل.

الربيع معايا ميلاد وموت؛ ميلاد فروع جديدة لشجرة العيلة أولادي وأولاد أخواتي، وموت جذور الشجرة والدي ووالدتي.

الربيع هو ريحة الفل والياسمين، اللي يخليك تفتح الشبابيك كل يوم الصبح، وهو بردة رياح الخماسين اللي بتقفلنا كل منافذ الهوا.

الربيع هو شجر التوت لمّا يخضّر ويزهر، وهو بردة سنابل القمح اللي بتصفّر وتنشف.

محمد أشرف أبو عميرة: مش فرحان بقٌرب دخول الربيع زي كل سنة. الربيع بالنسبة لي دلوقتي إن انتشار فيروس كورونا يقف. بعد ما يُقف مفيش حظر تجوال، يعني هيبقى فيه فرصة نخرج ونسهر في جو مش بارد، يعني في أماكن كتير حلوة نروحها في نهار الربيع. يعني الدنيا ترجع لطبيعتها تاني، ولمّا الدنيا ترجع لطبيعتها ممكن نحتفل بقدوم الربيع اللي هيبقى مختلف لأن متوقع اختلاف في عودة الدنيا عن شكلها الحالي.

لمياء: أنا عمري ما تخيلت اني حكمل وأعيش لحد التلاتين، كنت دايمًا بحس إني حموت بدري، قبل عيد ميلادي التلاتين عملت حادثة وحسيتها كانت قريبة. بعد ما دخلت التلاتين، [حضر] شبح المرض الللي أمي توفيت بيه، مع أن أعراضه ظهرت عليها في أول الأربعين كل خططي المفروض أنجز منها كل اللي أقدر عليه في التسع سنين أو الثمانية دول، في أبريل ده سأتمّ 32.

وأقصى مخاوفي مداها الزمني أسبوع.

رضوان الطيب: الحياة لا يمكن تنبع من غير موت، هي دورة متكاملة.

نوارة بلال: ربيع داخلي

في غياهب ربيع الوباء كانت زيارتي الاولى لمعرض الزهور الربيعي. يوم 22 مارس بعد سماع جزء بسيط من خطاب السيد الرئيس شعرت بضيق نفس فتوجهت للمعرض مع صديقتي. مع قليل من الخجل أعترف أن وباء الكورونا ساعدني في تفعيل الرغبة في الذهاب للمعرض، فأنا أكره التجمعات البشرية خاصة جموع الذكور المصريين السعداء المُعرِبين عن فرحتهم -في أغلب الأوقات- بأشكال مختلفة من التعدي على أجساد النساء، ومثل الشعور المتناقض من خوف كسب منتخب الكرة في المباريات الدولية لما ينتج عنه من اعتداءات جماعية تشبه في وطئتها الاعتداءات الجسدية والجنسية في ميادين الوطن المختلفة أيام الاشتباكات الثورية / السياسية، ولاطمئناني أن المعرض سيكون في الأغلب فارغٌ من البشر المتزاحمين على المعارض، ونزوح المواطنين عن الأماكن العامة مع بداية فصل الربيع تحمست للذهاب. أصابني شعور بالتهور والشجاعة والتنفيس عن الإحساس بالخنقة وكبت العزلة. ومع أول خطوات اتخذناها داخل حديقة الأورمان، شعرتُ بحواسي تتفتح وتنتشي وتستحضر في مخيلتي زيارتي لشاطئ المحيط الهندي على ساحل مدينة مومباسا في إجازة ربيعية منذ عامين؛ استحضار يلتمس العذر لتخطي ذعر الخروج في مكان عام يملئه الأسطح النباتية- أصبح أي سطح مصدر محتل للعدوى، وأكثر من البني آدمين.

اختلطت مشاعري بعد بضعة خطوات اتخذناها في الحيز الأيمن من المعرض، بين بهجة صحبة الألوان الصاخبة وملامح الحياة التابعة لـ «الدنيا ربيع والجو بديع»، وتشكيلات ألوان سعاد حسني الربيعية السبعينياتية، بتوتر من لمس أسطح الزرع المُهددِة بالمرض، والتوتر المتزايد من صعوبة الاختيار واقتراب اللحظة الحاسمة التي تقرّ التزام غير مشروط باقتناء، والاعتناء بعدد من النباتات والأعشاب والزهور وشجرتين، اعتناء الغرض منه ليس فقط الحفاظ على حياتهن، ولكن -والأهم- ضمان أن حياتهن تلك تترعرع في مناخ صحي يساعدهن على الازدهار والنمو، ويفضّل لو استطاعن التعبير عن سعادتهن وإقرارهن هن أيضًا أن تلك الحياة هي «حياة جيدة» تفيد بنجاح الأسرة في توفير الرعاية والدعم.

الكرب شعور كان يصاحبني كثيرًا عند التفكير في الزراعة والعناية بالزرع.. محملة بالرهبة من فشل تقديم العناية خاصة بالكائنات التي لا تستطيع الإعراب عن احتياجاتها بشكل واضح. فتاريخي مُحمَل بالتجارب الفاشلة مع النباتات حتى توجهت فترة لتربية زلطة سميتها «زليخة»، حتى أصابتها المنية في حادث تفتتت على إثره فتاتًا. ولذا فإن قرار الذهاب للمعرض قرار يملئه الاحتياج لتحدي الفشل، وتهذيب الذات بدافع آخر للالتزام اتجاه كائنات لن تستطيع الصراخ، أو العواء وتدمير المنزل لإبلاغي باحتياجاتها، أو محاولة الوصول لطعامها.

مصحوبتين بشجرتَي مشمش وبرتقال، واثنتين من نبات الجهنمية، واثنتين من النبات المتسلق، وصبارة ملونة وثلاث من الصبار الإسرائيلي المعروف أيضًا بحي العلم، بعد الحرب وبعض من اعشاب اللافندر والبقدونس وعشبة اللويزة ذات الرائحة العطرية، عدنا إلى بيت صغير بتراس كبير نتشارك فيه السكن أنا وصديقتي مع كلبة وقط وحوضين من أعشاب الزعتر والريحان والنعناع والروزماري وصبارتين، وبعض النباتات التي تعيش في الظل داخل المنزل.

ما أدركته خلال الأيام الماضية في تساؤلي عن سهولة الاعتناء بالزرع في تلك الأيام المصحوبة بحالة عامة -على الأقل بين كثير من الأصدقاء- من التوجه للطبخ والخبيز، بدأ عندي من تخيّل استطاعتي على التعايش مع عزلة مهيبة ومحاولة الوصول للشعور بالاكتفاء والقدرة على البقاء إن حدث ما يحدث في أفلام نهاية العالم واضطررنا إلى توفير المأكل ومما نزرع نحصد. وبالرغم من لذة ظريفة في عبور الصالة للوصول لنبتة النعناع والريحان في البلكونة، وتغيّر ملحوظ في طريقة إعداد الطعام والاعتماد أكثر على الأعشاب والتوابل بدلًا من الصوص والكريمة في تحضير الأطباق، إلا أن أهمية الثبات على الاعتناء بالزرع وصموده أمام تهديدات الحياة من الفيروس المجتاح والتدخلات البشرية هو الاحتياج للمسه والتواصل الحسي معه؛ فأنا أقابل الأصدقاء أحيانًا قليلة وفي ظل احتياطات الوقاية من الوباء نلتزم بقدر كبير من التباعد الجسدي إن لم نسرق أحيانًا وعلى استحياء اللمسات أو الأحضان الخاطفة أو تقارب المقاعد، حتى أني تخيلتُ في لحظة أني أستطيع الشعور بالنَفس المجاور لي حتى استحضر القرب، إنما الزرعات اتحسسها وأترك فروعها تلامس جلدي، وأعيد تنظيم المتسلق مرارًا، حتى نغزات شوكها مرحب بها، مثلما أذهب مؤخرًا لأنام بجانب كلبتي واستمد الهدوء من لمس يدها وهي نائمة ومتابعة نَفسها المنتظم، فإن الجلوس وسط الحديقة المنزلية الصغيرة ومحادثة الشجر وتحسس النباتات المتمايلة بهدوء أحيانًا، وعنف -وسط التراب والهواء الشديد والمطرة- أحيانًا أخرى يهدئ ولو قليلًا من بؤس التباعد الحسي مع بقية البشر.

المصدر: نوارة بلال

أحمد وائل: سطح البوتاجاز

بعد يوم شاق، وبينما أستلقي مُنهارًا على السرير صارحني بأن الطعام كان «وحش جدًا». لم أُدهش، بل بدا كلامه مقنعًا، بل كأنني توقعته.

بدأ كل شيء في الصباح، حينما كان يلعب البيانو، بينما أطالع صفحتين بتركيز، شعرتُ أنني لا أزال أقرأ وأنشط ذهني، بل لاحظتُ أنني أفهم كذلك الأفكار، وأتوقع بعضها أيضًا.

عدتُ لممارسة النشاط الذهني، شعرتُ بسعادة كبيرة، ثم سرحتُ في إمكانية أن أكتب قليلًا اليوم. ها قد شردت عن القراءة، حاولتُ التركيز من جديد، لكن نظري ظل مشتتًا بين النظر للكلام والإنصات لعزف طفلي الجميل. خسرت فورة النشاط الذهني بعدما فقدتُ التركيز حينما بدأت أسئلته تأتيني من بعيد بصوت عالٍ، على أنغام الموسيقى. أجبتُ محافظًا على درجة صوتي المنخفضة، فعقب صارخًا: «جعان».

لوحة الفنان ديفيد هوكني من موقع بي بي سي

حسنًا، لقد وُضعتُ على المحك، عليّ التوجه للمطبخ، فزوجتي نائمة، رغم الأصوات المرتفعة، وعلينا أن نكون مسؤولين وألا نطلب طعامًا لأننا في «وباء».

أدرك أنها «راحت مني»، لم يعد طبيخي مثلما كان، أنا نفسي أكلي تغيّر، جرى ذلك قبل أن تتغيّر حياتنا وتنقلب رأس على عقب بسبب وباء، تابعنا تحركه عبر خمسة أشهر، حتى أحكم سيطرته على عالمنا ومستقبلنا. آخر محصلة لعلاقتي بالطعام هي تحوّلي إلى إنسان لا يأكل من الحيوان لحمه أو لبنه، مع استثناء الأسماك من الحظر.

لعنة الله على الأجساد، لا تحقق أحلامنا، وتظل سببًا لشعورنا السيء تجاه أنفسنا، بل كراهية الذات إجمالًا. ندعي الإلمام بالوعي الصحي، في حين أن المسألة كلها تربط بالسعادة والبحث عن الرضا الذاتي، لكن هل تتناسب أجواء نهاية العالم واضمحلال الحياة، مع الحديث عن الطبخ، والبحث عن سلام بعلاقة الواحد مع جسده!؟

لكن سيظل المرء يأكل، بل سيأكل أكثر في الكرنتينا.

محاولاتي مع الطعام لم تبدل المظهر، ظل جسدي أبيًا، فلا يتغيّر، كأنه طودٌ راسخٌ. حجمي لا تقل ضخامته، ولا يقل ثقله على حركتي. لكن التأثير الذي لم يتجسد في المظهر، حَلّ في نَفس الطبيخ الذي يتضعضع حين تصبح نباتيًا أو «بيسكيترين»، أو للدقة الواحد يفقد الصنعة حين يقرر التخلي عن التلذذ بكل الطعام. نظريًا، أنت لا تمنح نفسك بالكامل للطعام، فلا يمنحك بالمقابل أسراره، ولا أنفاسه.

لا أعرف طبيعة علاقتي بما لا آكل. صرتُ مثل الصائم في المطبخ، لا أذوق، فلا أعرف متى يكون سيئًا، ولا متى يكون قد طاب.

في المطبخ، بينما أطبخ الغذاء لابني، الذي سيبلغ غدًا عامه السابع، أشمئز عند  لمس الدجاجة، وبدأت كلمات تفلتُ مني نحو «خره» أو «قرف» أو «ما ذنب الدجاجات». أتردد مُفكرًا في إعداد وجبة مضمونة مثل المكرونة بشاميل، لكن مشاعري المرهفة المحتملة تجاه «المفروم» شجعتني ألا أفعل، لأنها «باظت خالص». ثم بعد الكثير من كتمّ تأففي، حسمت صراحة الصبي كل الشكوك: «الأكل وحش جدًا». هكذا أذعنت، مُتمًا الإدراك؛ لقد راحت.

في هذا البيت، الذي سيطول بقاؤنا فيه لا نبرحه إلا عند الضرورة، عليّ أن أطبخ ما آكل فقط، دوري يقتصر على تنظيف البوتجاز وغسل المواعين، وذلك بعد رحلة ليست بالقصيرة من طبخ الطواجن والبشمليات والمحاشي، (سابقًا تألقتُ مستخدمًا شَعر الكنافة بدلًا من البقسماط عند إعداد البانيه أو الكوردون بلو).

بخلاف ذلك، اقتصر دوري على تنظيف سطح البوتاجاز. تمنحك هذه العملية صفاء الذهن والراحة، يمكن أن تسرح بينما تقوم بهذه المهمة الطويلة، كما أن سطح البوتاجاز يمنحني ما أحتاجه؛ الشعور بأن مهمة أُنجزت.

حينما حُصرت أنشطتنا في حدود البيت؛ لا مكتب، لا مدرسة، لا نادٍ، لا ملاهٍ، لا خروج.. هكذا صرنا نعتمد أكثر على التخيّل، نحو أن أحمله وأسيره به داعيًا إياه لتخيّل أننا في البحر، وأن ساقيه مبتلتان.

ومع تفشي الوباء، وتناقص مخزوننا من الأسماك، وجبتنا المشتركة، طلبتُ عدة السوشي، وهي وجبة قوامها الأرز والسمك، وكلتاهما من مفضلاته.

خطوات إعداد السوشي

-الأرز المصري يُطبخ بلا زيت، وبعد تمام نضجه، يُضاف إليه خل مع سكر. يُخلط جيدًا.

-تُستخدم حصيرة صغيرة من البامبو، يُرص عليها ورقة نوري، (مكوّنة من الطحالب).

-يُوضع الأرز، ويُوزع جيدًا على «النوري».

-تُرص المكونات والتي تقطّع طوليًا حسب الرغبة (خيار بعد نزع قلبه/ لبه- جزر- جمبري- أفوكادو- أصابع الكابوريا المطبوخة-سلمون مطبوخ).

-يُمسك بطرف الحصيرة بيد، ثم تُلف مع الضغط على ورقة النوري باليد الأخرى حتى تُصنع اللفافة.

– خلال اللف، تُحرك اليدان في اتجاهين مختلفين، لإحكام الحركة وإتمام إعداد اللفافة.

– تُقطع اللفافة إلى حلقات، وتُقدم مع صوصات مثل الصويا أو الوسابي الحار.

بالهناء والشفاء، وفي ختام قسم #قراءة نرجو أن تكون فترة الكرنتينا المنزلية وسيلة للتمتع بمهارات جديدة، سواء في الطبخ أو تنظيف سطح البوتاجاز، أو زراعة النباتات، أو بقية محاولات صناعة «ربيع» في البيت.

برمجة مشاهدة جديدة من ديتوكس، تضم خمسة أفلام. في حين يبدو الربيع كرابط خفيف يجمعها، إلا أن رابطًا آخر شدّنا وهو رحلة الإنسان مع الحياة، والتحولات التي تصنع -مجازيًا- فصولًا، أحدها الربيع.

بعض شخصيات الأفلام جددت حياتها، والبعض الآخر بدلها تمامًا، ومنها من سعى لفهم دون الوصول لحكمة مستفادة، أو أحب أن يعيش فحسب، ومن الأفلام ما كانت خلاصة حياة شخوصه أحلام. نرجو أن تؤنس هذه الأفلام الخمسة الكرنتينا المنزلية الطويلة.

«Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring»

كيم كي دوك

2003

عالم هذا الفيلم، محصور في كوخ خشبي وسط بحيرة مُحاطة بالجبال، يسكنه ناسك وطفل. في الجزء المعنون بـ«ربيع»، نشاهد تغيّر البيئة وتفّجرها مع الربيع، ثم تتوالى فصول الفيلم الذي يقوم على سردية قوامها فصول السنة الأربعة، وقد أُضيف لها ربيع آخر.

لكن الدورة التي يقدمها المخرج الكوري (1960)، ليست متعاقبة كما التقويم، بل إن تقويمه يحكي تحوّلات في حياة بطل الفيلم الذي لم نُخبر باسمه، ناسبًا كل فترة لفصل. يتجلى البطل الذي جُرد من اسم، كممثل للإنسان بشكل فلسفي، خاصة أن فيلم قليل الحوار، إلا من عبارات نحو أن «التملك» كرغبة ستوقظ رغبة أخرى هي القتل.. هكذا نتأمّل مع كل فصل طورًا من حياة البطل، نعايشه صغيرًا، فمراهقًا، فكهلًا ناضجًا، فشيخًا.

كما أشرنا الفيلم رحلة تأملية، فمثلًا ما يفصل الكوخ وعالمه عن الدنيا باب بلا جدران، ويصلح للمشاهدة في ظل الكارنتينا الطويلة التي صنعناها في بيوتنا، وتزامن أوانها مع الربيع.

«The Great Beauty»

باولو سورنتينو

 2013

هذه رحلة رجل يولد من جديد في الخامسة والستين.

جيب جامبارديلا (توني سيرفيلو) كاتب، له رواية واحدة صدرت منذ أربعين عامًا، يعيش في روما حياة مليئة بالبذخ والسهر، وأشباه الأصدقاء. يبدأ الفيلم في حفل عيد ميلاده -حفل صاخب يتفجر بالحركة والألوان- ولكنه يدرك أن حياته لم تعد مُرضية، ولأول مرة يلمس وحدته، والفراغ الساكن في قلبها. يزداد الأمر حدة حين يعلم بخبر وفاة حبيبة شبابه، ويخبره زوجها أنها لم تتوقف قط عن حبه: كيف كانت لتبدو حياته لو كان بقى معها وكونا عائلة معًا؟

«الأمر الذي تعلمته بعد أيام من إتمام عامي الخامس والستين، هو أني لا يمكنني أن أستمر في قضاء الوقت في فعل أشياء لا أرغب [في] فعلها حقًا»، يقول جيب بعد أن يقضي ليلة في فراش امرأة لا تعني له الكثير. يتجول في شوارع مدينته ليلًا وكأنه يكتشفها للمرة الأولى. تبدو الشوارع وقد هجرها البشر أشبه بمشاهد المدن التي نراها في الصور الآن، بعد أن أجبر الفيروس الناس على المكوث بالمنازل.

رحلة جيب في البحث عن مكامن الجمال المختبئ في طيات العالم -بكل ما يملؤه من بؤس يعرفه جيدًا رغم حياته المرفهة- هي أيضًا رحلته للكتابة من جديد. الجمال موجود، يأتي في ومضات خاطفة وفي لحظات غير متوقعة، ولكنه موجود، ينتظر مَن يفتش عنه بإخلاص، ليكشف عن نفسه في كامل كرمه وبهائه.

«the tree of life»

تيرينس ماليك

2011

رحلة أخرى عن معنى حياة الإنسان، أو للدقة دلالة الحياة بالمطلق. لا يوجد ناسك هُنا، بل بحث تاريخي وشبه توثيقي عن سر الوجود.. هكذا نعايش رحلة جاك في الحياة الذي تربّى مع أسرته في مدينة بولاية تكساس الأمريكية منتصف خمسينيات القرن الفائت. مُنيت الأسرة بأزمة وفاة أحد أفرادها، وهو شقيق جاك، ليكتشف الأخير حينما يقارب منتصف عُمره أنه لديه مشاكل مع فكرة الأب (لعب دور الأب براد بيت)، بل ومنطقي التربية اللذين تربّى عليهما بين والده ووالدته (لعبت دور الأم في الخمسينيات جيسيكا تشاستين)، يخلص جاك، أو هكذا نفهم، أنه بلا روح ويبحث عن أصل ومعنى الحياة (لعب دور جاك ناضجًا شون بين).

الفيلم يقدم الحياة كاحتمالين أو منطقين؛ الطبيعة أو النعمة. ويستغرق عرضهما رحلة طويلة تستعيد نشأة الكون، سنرى ظواهر طبيعية عديدة لمناقشة منطق الطبيعة، الذي لا تكلله السعادة، بل ينشغل بالاستمرار، أما «النعمة» فقوامه القبول، سعادة الإنسان بما يُمنح. وبين دراما الجدل بين منطقي الحياة يستعيد المخرج الأمريكي تيرينس ماليك (1943) زمن بعيد مجسدًا الحياة وقت وجود ديناصورات مثلًا.

«جنة الشياطين»

أسامة فوزي

1999

 في الفيلم المأخوذ عن رواية الكاتب البرازيلي جورج أمادو «الرجل الذي مات مرتين»، يترك الموظف المحترم منير رسمي (محمود حميدة) بيته وعائلته ومركزه المرموق من أجل حياة حرة في الشارع، لا يحكمها شيء سوى المتعة والمزاج: هذا هو الموت الأول، موت رجل الأسرة البرجوازي وميلاد طبل، الصعلوك الذي يموت -الموت الثاني والفعلي- في إحدى الغُرَز بصحبة أصدقائه، بينما يضحك ويحتسي البيرة ويلعبون هم الطاولة بجواره.

يبدأ الفيلم عند هذه النقطة، نقطة الموت الثاني، حين تقرر رفيقة طبل، حُبّة (لبلبة) أن تبلغ زوجته وابنته بوفاته رغم تركه لهما منذ عشرة أعوام. حينها يبدأ صراع على الرجل الميت: عائلته تريد أن تقيم له جنازة تليق بالأستاذ منير رسمي، بينما يقرر أصدقاؤه سرقة الجثة لكي يودعوا طبل على طريقتهم؛ ليلة ماجنة أخيرة، تدور في أزقة عالم القاهرة السفلي، وتنتهي في مشهد أخّاذ تنطلق فيه سيارة بلا أبواب بأقصى سرعة عبر نفق لا تبدو له نهاية، وكأن حياة طبل هي الأخرى تأبى أن تنتهي.

لمَن حق تقرير مصيرنا حين نموت؟ بل لمَن حق تقرير مصيرنا ونحن أحياء؟ ربما تدور هذه الأسئلة في ذهن المشاهد بينما ينغمس في تلك الرحلة الغريبة، ولكن لا مكان للإجابات أو المعنى هنا. العبث وحده هو إله جنة الشياطين، وما الفيلم سوى دعوة للخضوع له، والتلذذ بما يجلبه من مفاجآت.

«Dreams»

أكيرا كوروساوا

1990

يتحرك شخص بالقرب من نهر تقف على أحد جانبيه سيدات يغسلن ملابس أسفل جسر، المشهد يبدو مفعمًا بالألوان، والجسر قوامه أحجار ملونة. تذكر الأشكال والألوان بلوحات فان جوخ، يقترب الشخص منهن ويسأل السيدات اللاتي تغسلن عن السيد فينسينت فان جوخ، فيخبرنه بمكانه، ثم يحذرنه من الفنان الهولندي (يُقال إن لوحة واحدة فقط بُيعت في حياته). يعبر الشخص الجسر ويسير في حقول ذهبية تجللها سنابل القمح، ووسطها يقابل الرسام الهولندي الذي يخبره بأنه قطع جزءًا من أذنه خلال صعوبات واجتهه بينما يرسم بورتريه ذاتي. يتحرك الرسام مُسرعًا ويسير الشخص في إثره، يبدو العالَم الذي نشاهد الشخص يمشي فيه مرسومًا بالكامل بألوان فان جوخ ونرى تجسيدًا بصريا يحاكي أعماله، حتى أن الرجل بينما يطارد فينسينت يختفي الأخير فجأة وتظهر الغربان كما لوحته الشهيرة. الحكاية السابقة واحدة من حكايات الفيلم المبني على أحلام رآها الياباني أكيرا كوروساوا (1910-1998) فيما يرى النائم، وجسد حكاياتها التي ترتبط بالربيع وقطع أشجار الخوخ في بستان، وغضب الأرواح الساكنة للأشجار، كما أن بعض هذه الحكايات يتناول خراب العالم إثر الحروب والقنابل النووية.

سماع#

يتابع أحمد الصباغ تقديم قائمته الشهرية «تفنيطة»، وهي توليفة من أحدث ما أُنتج موسيقيًا. تفنيطة أبريل قارب طولها من الثلاث ساعات، ومثل كل مرة يكرر الصباغ نصيحته لقراء #سماع: «فنطها براحتك».

على سبوتيفاي:

على يوتيوب:

#سلام

أطلق الصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» أفلامًا وموسيقى أونلاين، وهي الأعمال التي دعمها الصندوق.

يمكن سماع «بلاي لِست» آفاق الأولى على سبوتيفاي، ولهواة المشاهدة، فإن الأفلام مُتاحة منذ الأمس ولمدة أسبوع، وهي «وعلى صعيد آخر» 2015 لمحمد شوقي حسن، و«اختفاءات سعاد حسني الثلاثة» 2011 لرانيا اسطفان، «اللي بيحب ربنا يرفع إيده لفوق» 2013 لسلمى الطرزي، «صمت» 2016 لشادي عون، «موج» 2012 لأحمد نور.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن