رحلة أم رافقت ابنتها المُصابة بكورونا لمستشفى العزل
 
 
الرسم: سهير شرارة
 

في أوائل شهر مارس، رجعت إسراء الطالبة في الصف الثاني الإعدادي الى بيتها، وهي في حالة إعياء شديدة. أخبرت والدتها وفاء، التي تعمل ممرضة في مستشفى حميات إمبابة، بأنها تشعر بصداع وجسدها بالكامل يؤلمها.

تقول وفاء: «لم يأتِ في بالي أنها مُصابة بفيروس كورونا. انتظرتُ عدة أيام حتى ظهرت عليها أعراض أخرى. يبدو إنني في بادئ الأمر لم أرِد أن أصدق إنني قد جلبت المرض لابنتي». وقررت في اليوم التالي أن تأخذهما معها إلى مستشفى كالعادة، «لكن في هذه المرة سوف أجرى لهما التحاليل. وبالفعل أجريناها وانتظرنا النتيجة. كنتُ أتوقع إيجابية التحليل الخاصة بي، حتى سمعتُ النتيجة: ابنتي إيجابية، وأنا وابني سلبية». 

كان يجب نقل إسراء لإحدى مستشفيات العزل. فبحسب استراتيجية وزارة الصحة، حُددت قائمة من 27 مستشفى لإجراء الفحص وتشخيص الحالات المُشتبه بإصابتها، ثم تُنقل الحالات الإيجابية إلى مستشفيات العزل الستة. ولكنه لم يكن قرارًا سهلًا. 

وفاء ممرضة أربعينية مُطلقة، وترعى طفلين، هما إسراء وشقيقها الذي يبلغ من العُمر عشر سنوات. تأخذهما معها إلى المستشفى أثناء فترة عملها. «أنا مُطلقة بقالي ست سنين، ومن ساعتها وأنا أب وأم في نفس الوقت. معنديش حد أقدر أسيب معاه ولادي، وبضطر أخدهم معايا عشان مينفعش أسيبهم لوحدهم. كنت بخلي بالي من الإجراءات الوقائية، وبقعدهم في غرف الاستراحة بعيدًا عن أماكن تواجد المرضى، ومكنوش بيحتكوا بأي حد». 

بدأت بوادر التعب في الظهور على إسراء٬ الطالبة في مدرسة أحمد زويل بمحافظة الجيزة، في أوائل شهر مارس الماضي بحسب والدتها٬ وذلك قبل قرار رئاسة الوزراء بتعليق الدراسة.

ترجح وفاء أن ابنتها التقطت العدوى من المدرسة: «إسراء بدأت تتعب قبل الهوجة، وقبل ما الموضوع يتطور ويبقى فيه طوابير في المستشفيات بحالات كورونا». 

لحظة إعلان نتائج التحاليل الخاصة بوفاء وطفليها كانت صعبة كما وصفتها «وفاء»، وازدادت صعوبة بعد إيجابية تحاليل ابنتها البكرية: «لغاية دلوقتي لما بفتكر اللحظة دي بحس إني كنت بحلم. وقت ما الدكتورة بلغتني مكنتش مصدقة، لدرجة إني شكيت إني سمعت غلط. كنت متوقعة أكون أنا اللي إيجابية، مش بنتي٬ وحسيت بالذنب لأن فيه إحتمالية ولو واحد في المية تكون لقطت العدوى من هنا». عمل وفاء كممرضة دفعها للتفكير في رحلة ذهاب ابنتها إلى مستشفى العزل وحدها، وكما قال لها الأطباء: «إنتي عارفة اللي هيحصل، وهي لازم تتعزل دلوقتي وعربية الإسعاف هتاخدها لمستشفى العزل في الإسماعيلية». 

لم تتمالك وفاء نفسها من الصدمة ومن سرعة تلاحق الأحداث: «من الصدمة مكنتش مستوعبة، وفضلت أتوسل إليهم إني أروح مع بنتي. دي طفلة ومقدرش أسيبها لوحدها، وأنا مش عارفة إيه اللي هيحصلها، هتعيش ولا هتموت». وفي ظل توسلات وفاء وبكاء الابنة، وافقت وزارة الصحة على مرافقة الممرضة/ الأم للحالة/ ابنتها في رحلتها لمستشفى العزل. 

كل هذا حدث في ثوانٍ، توجهت لمنزل والدتها وتركت ابنها الصغير هناك، ثم توجهت للمنزل لكى تحضر حقيبتها ومن ثم أتت عربية شرطة وسيارة إسعاف إلى المنزل وأخذت الأم إلى الحميات لجلب إسراء، ومن هناك إلى مستشفى العزل.

رحلة مجهولة لا علم لنهايتها إلا عند الله، مثلما وصفتها وفاء، التي ظلّت مع ابنتها لمدة أسبوع داخل مستشفى العزل، تنظر إليها وهي تصارع وتقاوم أعراض عنيفة بعد أن هاجم رئتيها الصغيرتين فيروس «كورونا».

«ماما هو أنا هموت؟» كان هذا السؤال أصعب ما في الرحلة. كان يشغل ذهن وفاء ويأكل قلبها في صمت. لكن حين طرحته إسراء، لم يكن لدى وفاء إجابة واضحة: «كنت ببص لها وبضحك، ومن جوايا قلبي بيبكي وبقولها لا، هتعيشي وهتخفي وهنخرج من هنا قريب». 

داخل غرفة العزل المكونة من سريرين وحمام خاص وتليفزيون، عاشت الأم مع ابنتها منتظرتين زوال الفيروس عن جسد الأخيرة٬ وكان التمريض يمدّهما بالكمامات والصابون والمطهرات٬ بالإضافة الى محاليل خفض الحرارة. وكان يُصرف لكل منهما ثلاث وجبات يومية تحتوي على العناصر الغذائية الأساسية. عبّرت وفاء عن عرفانها لطاقم الأطباء والتمريض في مستشفى الإسماعيلية الذين تعاملوا مع ابنتها كأنها ابنتهم على حد وصفها. 

لأيام٬ انتظرت الأم اللحظة التي يخبرها فيها الأطباء بأن التحاليل سلبية وعليهم الآن مغادرة المستشفى. «داخل غرفة العزل لا شىء سوى الأدوية وعمل التحاليل بشكل يومي. ممنوع علينا أن نقف حتى في البلكونة الخاصة بالغرفة. ممنوع الخروج ولو لخطوة واحدة خارج باب الغرفة. لما كنت بحتاج حاجة، كنت بخبط على الباب وحد من التمريض أو الدكاترة بيرد عليّا من وراء الباب، يشوفني عاوزة إيه». 

أخذت وفاء نفس جرعة الأدوية التي أخذتها ابنتها كإجراء احترازي خوفًا من تحوّل تحاليلها من سلبية إلى إيجابية، فهي صممت أن ترافق ابنتها في نفس الغرفة. «استحالة كنت أسيب بنتي، نفسيتها كانت مدمرة وكانت حاسة إنها هتموت، وكان لازم أبقى جنبها حتى لو هتعدي منها وأموت». 

خرجت وفاء وابنتها من مستشفى العزل بعد أن أخبرها الأطباء أن تحاليلهما سلبية، ظنت وفاء إنها عبرت بر الأمان بابنتها بعد خروجهما من مستشفى العزل. لم تكن تعلم ما ينتظرها من وصمة عند عودتها إلى المنزل: «لما رجعنا البيت، كل الجيران طلعوا اتلموا علينا وشتمونا وقالوا إننا لازم نمشي من المنطقة، كأننا عار عليهم، أو وباء هيجيب لهم المرض مع أنه مش بإيدينا أننا نتصاب. إحنا مخترناش، وللأسف همّا مش فاهمين إن محدش كبير على المرض، وإنه ممكن يصيب أي حد منهم وهيجيوا ليّا المستشفى، وأنا اللي هكون واقفة بساعدهم وبعرض حياتي للخطر وممكن اتعدي منهم».

في أوائل 2020، اضطرت وفاء لأخذ قرض من البنك بضمان عملها داخل مستشفى الحميات، كي تستطيع أن تؤجر سكنًا لها ولطفليها لمدة طويلة. «أنا لسه مأجرة الشقة اللي أنا فيها من شهر فبراير الماضي. وأول ما وصلنا البيت لقيت صاحب الشقة بيخبط عليّا، افتكرته جاي يطمن علينا، لقيته بيطلب مني أسيب الشقة فورًا، وأنه هيفسخ العقد ولسه مش عارفة هعمل إيه؟».

وفاء تجسد نموذج المرأة المصرية المعيلة، فهي تعول طفلين وحدها بعد طلاقها من زوجها: «حتى بعد طلاقي معرفتش أخد حقوقي كاملة، المحكمة حكمت ليا بـ400 جنيه نفقة للطفلين».

تمضى وفاء في الحياة «بدراعها» كما تقول: «شايلة عيالي على كتفي وماشية بيهم، بشتغل وبعلمهم وبصرف عليهم ومقدرش أسيبهم، بضطر أخدهم معايا الشغل لأني مقدرش أسيب الشغل».

تشير وفاء إلى أن مستشفى إمبابة منحتها إجازة لمدة أسبوع تقضيها في المنزل مع ابنتها، ولكنها ستنتهي قريبًا: «إحنا في فترة طوارئ، فالإجازات عندنا ممنوعة، وكتر خيرهم إنهم أدوني إجازة أسبوع، ولو صممت على إجازة تانية هتكون من المرتب ومقدرش اتحمل ده».

بعد أيام ستنتهي إجازة وفاء، وتعود مرة أخرى إلى العمل في الصفوف الأمامية في أوضاع صعبة ومحفوفة بالمخاطر على طواقم التمريض والأطباء. الخيارات جميعها تصل إلى نفس المأزق، الجوع أو العدوى: «ولكن ربنا الحافظ كما قالت».

اعلان
 
 
بسمة مصطفى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن