هل يفرض ذلك الخصم الخفي تصورًا جديدًا للبشرية؟

لم تمر سوى بضعة أسابيع على انتشار فيروس كوفيد-19 (كورونا المُستجد) في الولايات المتحدة، حتى احتلت المركز الأول في عدد الحالات الإيجابية للفيروس. وفي غضون أيام، أدت تلك الجائحة الصحية العالمية إلى تصاعد نفس النوع من الضغط الذي أثارته من قبل أحداث كبرى كالمطالبة بالحرية والعدالة والثورات والحروب والعصيان المدني، وكافة الاضطرابات السياسية التي تمثّل تهديدًا على سلامة النظام، كما ظهرت مجموعة كبيرة من التحليلات تتوقع عدم عودة الأمور إلى نصابها الطبيعي.

أدت الأزمة المتفاقمة إلى تباعد الناس في الولايات المتحدة وفي أنحاء العالم كافة، لكنها في ذات الوقت تُقربنا من بعضنا البعض . حاولت دول عدة التركيز على تخفيف وطأة الأزمة -الرقص مع منحنى انتشار الفيروس- لمدة أسبوعين، بينما كانت الولايات المتحدة تفعل الشيء نفسه، ولكن بشكل رئيسي من خلال محاولة وقف انهيار السوق الوشيك، بجهود يائسة إلى حد كبير. 

في 13 مارس، أعلن الرئيس دونالد ترامب حالة الطوارئ على المستوى القومي. تجمع حوله -أثناء إلقاء خطابه- بعض المديرين التنفيذيين للشركات التجارية الكبرى وكبار المسؤولين الحكوميين. حصلت الشركات التي تعمل مع الحكومة الفيدرالية للتعامل مع الأزمة على فرصة للتحدث في المؤتمر الصحفي، كما أثنى عليها ترامب وبالغ في شكرها. لم يتخذ الرئيس الأمريكي أي تدابير جادة إلا بعد أن بدأ الاقتصاد يتضرر بشدة، وبعد يومين من إعلان منظمة الصحة العالمية –المتأخر بالفعل- أن فيروس كورونا تحول إلى جائحة عالمية، ثارت ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصفت خطاب ترامب بأنه غير إنساني.. كان المتحدث باسم «العالم الحر» يتحدث إلى السوق، وليس إلى الناس.

اليوم، هناك أكثر من 140 ألف حالة إيجابية مؤكدة مصابة بفيروس كورونا، وأكثر من 2400 حالة وفاة في أنحاء الولايات المتحدة. وسجلت الأسواق المالية أكبر انخفاض لها منذ الأزمة المالية في العام 2008. وفي حين يحاول مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحفاظ على الاقتصاد، فلا يوجد أمام الأمريكيين سوى البقاء في المنزل وممارسة التباعد الاجتماعي أو العزلة الذاتية أو الحجر الصحي لوضع نهاية ما لتلك الأزمة. 

يتباطأ النقل، ويتوقف السفر الجوي، ويتوقف الإنتاج مؤقتًا، بينما يجري تسريح العمال والموظفين وتتضاءل فرص العمل. هذا يعني أنه يمكننا أن نفترض بثقة أننا في خضم ركود اقتصادي عالمي. في هذا الأسبوع فقط، تقدم 3.3 مليون أمريكي بطلب للحصول على إعانات البطالة، مقارنة بـ 282 ألف شخص الأسبوع الماضي، وأكثر من أربعة أضعاف الرقم القياسي السابق البالغ 695 ألف شخص عام 1982 و665 ألف شخص خلال فترة الركود بين عامي 2007-2009.

كل شخص في العالم يتصارع مع الغيب: فيروس لا تراه العين، لكن تأثيره شديد الوضوح. يحافظ كل منا على حق غيره في التباعد (اجتماعيًا وبدنيًا)، ولكن التهديد الوشيك التالي هو الحصول على سُبل العيش والبقاء على قيد الحياة. في مجتمع رأسمالي استهلاكي، كيف نعيش دون تواصل أو تلامس؟ إذا عزف المستهلك عن الحصول على قهوة، فلن يتمكن المقهى من دفع أجور عماله أو فواتيره. بدون دخل يومي، لن يتمكن المقهى من دفع أجور مورديه وإيجاره وسد تكاليف خدماته وتأمينات عماله. بدون المعاملات، ستنهار البنوك. 

من المؤكد أن الاحتياطي الفيدرالي يضخ الأموال في شريان الشركات. ولكن بدون استخدام مفاهيم رياضية مُعقدة، فمن الواضح لكل شخص عادي يجلس بقلق في المنزل أن هذه الإجراءات لن تكون كافية.. في النهاية صدرت أوامر بإغلاق العديد من المتاجر في جميع أنحاء الولايات المتحدة عن طريق توجيهات المدينة أو الولاية أو مراسيم البقاء في المنزل في بعض الولايات، ومن بينها ولاية نيويورك. 

بعد مرور بضعة أسابيع فقط، يكافح الأشخاص والشركات على نحو واضح للتكيف مع الوضع الجديد. استمرار هذا الوضع يؤدي إلى مضاعفة الضغط على الخدمات القليلة، الخاصة والعامة، والتي لم تتوقف بعد. 

أصبح طلب المنتجات عبر الإنترنت هو الحل الأمثل للحصول على المواد الأساسية. ومع اكتشاف النقص الكبير في مواد التموين، إلا أنه يبدو أن العواقب القادمة أكثر خطورة، خصوصًا بعد تحذير الأمم المتحدة بشأن اقتراب أزمة غذاء عالمية. 

اليوم، تشعر الغالبية العظمى من الأمريكيين بالقلق بشأن كيفية دفع إيجار الشهر المقبل. في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وفي بلدان أخرى، من بينها المملكة المتحدة وأستراليا وكندا، فرضت أحاديث ودعوات إضرابات عن دفع الإيجار نفسها رغم المحاولات الحثيثة لوسائل الإعلام لتجاهلها. 

وعلى الرغم من أن الجميع لن يلبوا دعوات عدم دفع الإيجار بدءًا من الأول من أبريل، فقد بدأ الكثيرون في عدم سداد أقساط الرهن العقاري أو سداد الفواتير والمدفوعات الأخرى. يكتفي بعض الناس بمحاولة التعاطي مع واقع الكارثة دون أن يستجيبوا للدعوات المتزايدة من أجل «عصيان مدني». وبالإضافة إلى الإضرابات عن دفع الإيجار، تختمر في الوقت الراهن أشكال أخرى من العصيان بسبب الوباء، مثل الإضرابات غير المنظمة (الإضراب من جانب العمال النقابيين دون إذن أو موافقة من القيادات النقابية)، والتمارض (الغياب المتعمد من العمل بحجة المرض). وفي السجون ومراكز الاعتقال، بدأ السجناء والمعتقلون إضرابات عن الطعام، مطالبين بالإفراج عنهم بشكل جماعي.

في الأسابيع الماضية، كان هناك جدل متصاعد يستهدف محافظ ولاية نيويورك، أندرو كومو، الذي أعلن أن الولاية ستعزز إنتاج مطهر اليدين الذي كان المعروض منه (ولا يزال) لا يكفي الطلب، ويُباع مقابل مئات الدولارات على أمازون. لا يخلو حل كومو من إضافة الملح إلى جرح مُلتهب بالفعل: الولايات المتحدة لديها مشكلة في السجون، إذ أن لديها أعلى معدل للسجناء في العالم ويبلغ عددهم نحو 2.3 مليون شخصًا. 

لتزويد نيويورك بالمطهرات، جرى «توظيف» السجناء بمبلغ 0.65 دولار أمريكي للساعة من أجل إنتاج مزيد من المطهرات. لاحظ أن المطهرات تُدرج عادةً على أنها مواد مُهربة لأنها تحتوي على الكحول، الممنوع عادةً في السجون. هذا غير أن السجون تعد بيئة خصبة لانتشار أي وباء، حتى مع الاعتناء بالنظافة العامة. إذ أن المساحات الضيقة يبدو فيها التباعد الاجتماعي مستحيلًا. تفتيش السجناء، الذي يتطلب الاتصال بين الحراس والسجناء، أمر روتيني. ومع حظر دخول أي مطهر يحتوي على الكحول إلى المباني، يتفاقم حجم المشكلة. 

خارج سجونها، تعد نيويورك أكثر المدن اكتظاظًا بالسكان في الولايات المتحدة. وقد يعطينا هذا فكرة عن سبب تسارع عدّاد الحالات الإيجابية، تمامًا مثلما حدث في سان فرانسيسكو وجيرسي سيتي وبوسطن (تتخلف الأخيرة في عدد الاختبارات). هذه الأماكن والمناطق المجاورة لها هي من بين المناطق الأكثر تضررًا بسبب الفيروس.

نحاول صقل حدسنا الإحصائي ونتبع منحنى الانتشار الأُسي لفيروس كورونا المُستجد، على الرغم من عدم دقة البيانات حتى الآن. ليس لدينا خيار آخر. نحن نرقص مع الفيروس على الرغم من أن ما نحتاجه هو ضربه على رأسه. نحن نتغزل في آليات التباعد الاجتماعي والعزل الذاتي والحجر الذاتي، أثناء تطويرنا لمفردات جديدة تمامًا، لكي تتناسب مع هذا الحدث. أصبحت خاتمة البريد الإلكتروني هي كلمات من قبيل: «حافظ على سلامتك/احرص على تعقيم نفسك/ حافظ على سلامتك النفسية والذهنية». 

تدريجيًا، ومع تضاؤل البقالة، سنبدأ في الاقتصاد في الطهي. نحبس أنفاسنا ونحن نتابع اختمار الخبز، وننتظر لحظة تسطح منحنى انتشار الفيروس، من مدينة لأخرى، ومن دولة لأخرى، حتى ينتهي من العالم أجمع. نتخيل أننا ومن نحب وكل الناس سنكون على ما يُرام. ولا تزال خسائر وتداعيات هذه الأزمة العالمية غير واضحة علينا، وعلى الاقتصاد الذي نحاول الحفاظ عليه لكي نحافظ على أنفسنا.

التفكير في اللغة في وقت مثل هذا يبدو مدرسيًا، ولكنه ليس كذلك حقًا. إن تسمية الشيء باسمه، يمكن أن يساعد في إعادة صياغة المشكلة. مصطلح «الجائحة» بالإنجليزية عن اليونانية pandemic يعني كافة (pan)  الشعوب (demos). يعود تاريخ المصطلح إلى ستينيات القرن السادس عشر، إلا أن أول استخدام مُسجل له فيما يتعلق بمرض صحي يؤثر على جميع الأشخاص نحو عام 1853 أثناء وباء الكوليرا الثالث. ما هو فيروس كورونا المُستجد؟ إنه وباء يتفشى بين الشعوب كافة. 

منذ عدة أيام، اغتنمت نعومي كلاين اللحظة الراهنة لكي تتحدث مباشرة عبر الإنترنت إلى جمهور يبلغ 13000 شخص حول كيفية التغلب على رأسمالية فيروس كورونا. في حلقة النقاش نفسها، لفتت مؤلفة كتاب «قد لا تكون الديمقراطية موجودة، لكننا سنفتقدها عندما تختفي (2019)» أسترا تايلور، انتباهنا إلى أهمية اختيار الكلمات- اللغة المُستخدمة في الأزمة وضرورة تنقيحها. بصراحة، يبدو من غير الحكمة -إن لم يكن خطأً صريحًا- أن نتحدث عن «تحفيز الاقتصاد» في وقت تتعرض فيه حياة الناس للخطر، وعندما يكونون أكثر عرضة لفقدان الوظائف، والآباء والأجداد في وقت واحد، تزامنًا مع عجزهم عن الحصول على رعاية طبية، لأن نظام الرعاية الصحية ينهار بسبب طوفان من حالات فيروس كورونا.

في أزمة صحية تهدد البشر كافة، يصبح فهم فكرة ميشيل فوكو عن «السلطة الحيوية» سهلًا، ويجعلها تستقطب مزيدًا من محاولات الاستكشاف. هناك حدود لما تمليه السلطة عليك، فيما يتعلق بسلامة الفرد البدنية والعقلية. 

أنا أعيش في ماساتشوستس، حيث تكدست المستشفيات بالمرضى، وأثبتت اختبارات فيروس كورونا أن أكثر من 150 من مقدمي الخدمة الصحية في أربعة مستشفيات مصابون بالفعل. هناك نقص في عدد الكمامات المستخدمة في غرف العمليات. لم يعد لدى الصيدليات والمحال التجارية كمامات للمواطنين. وكان نقص الكمامات مشكلة قبل الإعلان عن تحول الوباء إلى جائحة. مع ذلك، حاولت وسائل الإعلام -في محاولة لبث الأمل- صبغ بعض الأخبار الكئيبة بصبغة إيجابية، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز عناوين مطمئنة، مثل: «مع ظهور فيروس كورونا في الأفق، نقص الكمامات يمنحنا فرصة للنهج الواعد». ويدور المقال حول كيفية قيام الأطباء في نبراسكا بتطهير وإعادة استخدام الكمامات الجراحية التي يُفترض استخدامها مرة واحدة فقط. لقد تزايد عدد المضطرين للذهاب إلى متاجر البقالة بدون كمامة بدرجة مخيفة. ويحاول الناس بذل بعض الجهود باللجوء إلى يوتيوب للتعرف على طرق مبتكرة لصناعة كمامات ذات مُرشح (فلتر) باستخدام بعض الأغراض المتوفرة في المنزل.

إن اندماج الحكومة والسوق يسيطر على حياتنا، ويخذلنا. نشر حساب «جميع القطط جميلة»  All Cats Are Beautiful على تويتر عدة تغريدات من بينها: «تهتم الرأسمالية بسؤال واحد: ما هو عدد الوفيات المقبول؟، وكانت إجابتها التقريبية الدائمة هي: عدد الوفيات الذي يسمح للناس بالنهوض مُجددًا، ناقص واحد». في تغطية إعلامية أخرى مُعاد تدويرها عن الوباء في إيطاليا، تأثر قراء الأخبار بشكل خاص بحقيقة أن الأطباء هناك (والآن في أماكن أخرى) يضطرون إلى «الفرز»، وهي عملية يضطر فيها الأطباء لترتيب أولوية الحالات، أو بوضوح أكثر، تحديد من يعيش ومن يموت. 

في عام 2003، صاغ أشيل ميمبي  مصطلح «السياسة النكرونية» (من لفظ  نيكرو necro، التي تعني جثة باللغة اليونانية) كتصحيح لمفهوم «السلطة الحيوية» لدى فوكو. الفرز ليس تطبيقًا للسياسة النكرونية، أو ليس تطبيقًا حفريًا على الأقل. السياسة النكرونية هي كيفية استخدام السلطة -اجتماعيًا وسياسيًا- لتقرير الكيفية التي تحدد من الذي يعيش ومن الذي يموت. في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، طرح ميمبي  بالفعل أسئلة صعبة يتردد صداها بشكل أكثر حدة تحت الضغط الذي نعيشه اليوم: «في أي ظروف عملية يُمارس الحق في القتل، أو السماح بالعيش، أو التعرض للموت؟ من الذي يخضع لهذا الحق؟». لقد نُشر كتاب «السياسة النكرونية» في مارس 2011، وصدرت أحدث طبعاته في 2019، ويتناول علم المورثات لعالمنا المعاصر. يميل الكتاب إلى تناول فكرة الإبادة الجماعية إبان الحروب وفي ظل الأزمات، والحكم  الشمولي، ولكنه يستكشف أيضًا مفاهيم الرعاية الصحية، وباعتبارها نقطة ضعف عامة لدى البشر كافة.

لم يحدث أن تباعد البشر بدنيًا على هذا النحو من قبل. ولكن، ولأول مرة على الإطلاق، تلوح فرصة للرعاية المتبادلة، والتلاقي الحقيقي بين جميع الناس. هذا التباعد الجسدي القسري -الذي يُعد شرطًا لمواجهة هذه الجائحة- يجمعنا معًا بطرق يمكن أن تصنع أشكالًا بديلة وعملية للتضامن. محليًا وعالميًا، يمكننا التفكير في منصات جماعية بديلة مكرسة لإعادة تصوّر طبيعة العمل البدني والذهني، وكذلك إعادة تصور مؤسسات ومنظمات الصحة والتعليم والثقافة، في ظل اقتصاد أكثر عدالة. 

وفي ظل هذه الجائحة، هناك فرصة لإعادة صياغة طرق تفاعلنا مع بعضنا البعض. للمرة الأولى، نمر جميعًا بنفس الأزمة، سواء كانت الجائحة العالمية أو الاقتراب من الركود الاقتصادي. يتعين علينا فعل الكثير لكي نمضي قدمًا. كسر دورات التسارع الاقتصادي وما ينجم عنه من أزمات. إبطاء. ثم ستبدأ الأمور بالتغيير. إنهاء الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي للشركات. التوقف عن نشر الأخبار المثيرة للفزع. مقاومة الإفراط في الإنتاجية. إبطاء. عمل. القراءة المُتأنية والمزيد من القراءة. قضاء المزيد من الوقت بمفردك. قضاء المزيد من الوقت مع العائلة. ترويض الإدراك. الاستمتاع بالسماء الساطعة وتغريد الطيور. من خلال تخيل هذه الممارسات، يمكننا تطوير مفاهيم جديدة تدريجيًا عن أنفسنا وطبيعة حياتنا، وما يعنيه أن نكون بشرًا في المقام الأول. بعيدًا عن الكتلة العقلانية والشرطية التي أصبحنا جزءًا منها، هذه هي اللحظة التي يمكن للناس كافة استغلالها لإعادة تصور معنى الوجود، على نحو جذري.

اعلان
 
 
سارة رفقي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن