بعد «كورونا».. قطع العيش يهدد آلاف الباعة في أسواق مصر
 
 

في السوق الشعبي بقرية «إبشان» بمحافظة كفر الشيخ، انتشر أفراد الشرطة والوحدة المحلية بكثافة في منتصف يوم الأربعاء 18 مارس الجاري، يزاحمون الباعة، يرتدون كمامات تميزهم عن الباعة ورواد الأسواق، فيما يحاولون فض السوق تنفيذًا لقرار الحكومة الصادر مطلع الشهر الجاري بغلق الأسواق الشعبية للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19».

صدح صوت أحدهم في أرجاء السوق: «نرجوكم بلاش تجمعات خوفًا على صحتكم». يتأفف الباعة ساخطون، ويحمّلون الأقفاص المليئة بالخضر والفاكهة على سيارات نقل صغيرة، فيما حمل آخرون بضاعتهم من أطباق الجبن، والبيض، والسمن، في «ملاية» للعودة لمنازلهم.

بعضهم رفض الاستسلام والعودة لمنازلهم ببضاعتهم، افترشوا «سوق السمك» المجاور بعد ساعات قليلة بما تبقى من بضاعتهم وآمالهم في البيع، في شريط ضيق لا يتجاوز 400 متر، بعيدًا عن أعين الحكومة، ولكنه كان بعيدًا عن زحام المشترين أيضًا.

توالت قرارات الحكومة بتقليل عدد العاملين في المصالح الحكومية، ومنع التجمعات، في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد، فيما قررت بعض الشركات الخاصة منح موظفيها الحق بالعمل من المنزل، ولجأت شركات أخرى لفتح إجازات للموظفين مدفوعة الأجر. في الوقت نفسه تعددت طلبات نواب البرلمان المعطل بفرض حظر التجول، ليتم فرضه بالفعل الأسبوع الماضي، خوفًا من تفشي الفيروس الذي وصل عدد الحالات المصابة به إلى 509، فيما بلغ عدد الوفيات 40، بحسب آخر إحصاء لوزارة الصحة.

للحد من تأثير القرارات الاحترازية على المواطنين، اتخذت الحكومة عددًا من القرارات لمساعدة القطاعات الأقل دخلًا، ومن أهم فئاتها العمالة غير المنتظمة، والتي يقدر عددهم بالملايين. كما فتحت الحكومة الباب لهؤلاء للتسجيل في قوائمها. لكن حجم المساعدة التي قد يحصل عليها هؤلاء، والتأثير الذي قد يلحق بهم إذا استمر تعليق النشاط وقتًا طويلًا، لا يزالان غامضين.

***

نشأت الأسواق كتطور طبيعي لنظام المقايضة الذي ساد العالم قبل اختراع النقود، ويرتبط تاريخها بتاريخ النشاط الإنساني، تؤسس وفقًا لاحتياج السكان ونشاطهم الاقتصادي. كل بيئة تفرز السوق الخاص بها وفقًا لطبيعتها. في الدلتا، مثلاً، تنتشر أسواق اليوم الواحد للمنتجات الزراعية والحيوانية، بحسب جمال صيام، خبير الاقتصاد الزراعي، الذي يشير إلى أن أهمية هذه الأسواق بدأت تتضاءل تدريجيًا في المراكز الرئيسية بالتزامن مع اقتراب المدينة وتوفير بدائل للأسواق، كمحال البقالة الشاملة.

ورغم هذا، تظل الأسواق الأسبوعية إحدى سمات الريف المصري، لأن معظم مزارعي مصر يُصنفون كصغار مزارعين بحيازات زراعية تقل عن ثلاث أفدنة، قدرتهم إحصائيات مراكز أبحاث متخصصة بنحو 90٪ من أصحاب الأراضي في مصر، وهؤلاء لا يمكنهم التعامل مع التجار بشكل مباشر لضحالة إنتاجهم، ولذلك يتجهون لبيع إنتاجهم بأنفسهم في الأسواق الأسبوعية في القرى أو المراكز حولهم.

بحسب وليد سكر، نائب رئيس مجلس مدينة «بيلا» بمحافظة كفر الشيخ، يعتبر بائعو أسواق اليوم الواحد باعة جائلين، ويتعامل معهم مجلس المدينة باعتبارهم شاغلي طريق تحصّل منهم المحافظة رسم إشغال قيمته 20 جنيهًا. ويُصنف الباعة في السوق لأربعة أنواع. أولهم تجار يتجولون ببضاعتهم من الخضر والفاكهة في أسواق المراكز المختلفة على مدار الأسبوع. الثاني، وهم الأغلبية، مجرد عاملين زراعيين يبيعون في السوق منتجات من حيازتهم الزراعية الصغيرة التي لا تتجاوز بضعة قراريط (الفدان به 24 قيراطًا). الثالث يشمل صغار البائعين ممن يشترون القليل من البضاعة من تجار الجملة لبيعها في السوق. الرابع والأخير سيدات منازل بسيطة، تذهب للسوق لبيع دجاج أو بعض البيض والسمن والجبن ينتجن بأنفسهن منزليًا، وكذلك خضروات جاهزة للسيدات العاملات. وهذه الحالة لا يتعامل معها مجلس المدينة باعتبارها إشغال كونها شديدة الفقر والاحتياج، ومنتجاتها لا تُذكر مقارنة بالتجار مثلًا، بحسب سكر

«سعيدة» واحدة ممن وصفهم «سكر» بالنوع الأكثر فقرًا من باعة السوق. لا تتوقف عن العمل في قرية «إبشان» بمحافظة كفر الشيخ طوال النهار وبعض أجزاء الليل لإعالة أبنائها الثلاثة وزوجها ذو القدرات الخاصة. تعمل «سعيدة» كذلك في تنظيف المنازل لمن يطلب المساعدة من أهالي القرية، أو كعاملة زراعية بيومية 50 جنيهًا. بالإضافة لذلك، تجمع قليلًا من اللبن، وتصنع بعض السمن والجبن وأحيانًا تسمن دجاجة في منزلها وتبيع ما تأت به من البيض، في سوق قريتها أو القرى المجاورة، وتشتري بثمن بضاعتها مخزون المنزل الأسبوعي من السوق نفسه. بعد غلق الأسواق، سعت «سعيدة» لبعض معارفها لتبيع لهم بضاعتها القليلة كبديل. «الحال كله وقف»، تقول بصوت باكٍ.

مثل «سعيدة»، تعمل «هبة»، أم لخمسة أولاد، في بيع الخضر والفاكهة في سوق قرية بمحافظة الغربية. اضطرت للابتعاد عن السوق الرسمي حيث اعتادت العمل، وشراء كميات أقل من تجار الجملة خوفًا من فقدها خلال حملات الحكومة.

واحدة من زبائن هبة اعتادت بيع دجاجة أو اثنان في السوق لتشتري بالثمن احتياجات منزلها الغذائية الأساسية، اضطرت لبيع طيورها لمحلات الدواجن بسعر أرخص لتستطيع العودة لمنزلها بجزء بسيط من احتياجاتهم خصوصًا بعد ارتفاع أسعار الخضروات، التي أوضحت هبة أن سببه زيادة الطلب عليها الأيام السابقة بعد مطالب الحكومة بتجنب التجمعات والخروج.

 لم يقتصر تأثير تعليق الأسواق على بائعي المنتجات المنزلية والزراعية، ولكنه امتد كذلك لربات المنازل في القرى والمدن، واللاتي يعتمدن على هذه الأسواق لشراء احتياجات أسرهن الأسبوعية. بضائع الأسواق المحلية لا تحتاج لوسيلة نقل مكلفة أو حتى التعامل مع تاجر وسيط، وبالتالي توفر في النهاية للمستهلك سلعًا بأسعار منخفضة، بحسب صيام، الذي يرى أن هذه الفئة من أكثر الفئات تضررًا في هذا الوقت.

بحسب عدد منهن من محافظات مختلفة تواصل معهن «مدى مصر»، اضطرت ربات المنازل لشراء احتياجاتهن من بائعين منتشرين في شوارع القرى، لكن بسعر أعلى من الأسعار العادية، بعد منع الأسواق في محافظاتهن.

لمواجهة هذه الأزمة، لجأ مجلس مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، لفتح منافذ بيع للخضر والفاكهة في أنحاء القرى والمركز كبديل بعد غلق الأسواق. المنافذ نفذها المجلس بالتعاون مع بعض كبار التجار بالمدينة لعرض بضاعتهم بالمنافذ بحسب «سكر». وبينما يظل صغار التجار، الأكثر حاجة بطبيعة الحال، بلا سبيل لبيع منتجاتهم، سعى صغار الباعة لعرض بضاعتهم خلسة بعيدًا عن السوق في بعض الشوارع الجانبية.

في محاولة لمساعدة هؤلاء وغيرهم ممن يعيشون ظروفًا صعبة، خصوصًا في ظل إجراءات مكافحة «كورونا»، أعلن وزير القوى العاملة محمد سعفان الأسبوع الماضي، صرف 500 جنيه منحًا استثنائية للعمالة غير المنتظمة المسجلة في قوائم الوزارة والتي بلغ عددهم حوالي 120 ألف عامل مع الإعلان عن المنحة. كما فتحت الوزارة باب التسجيل للعمالة غير المنتظمة من خلال موقعها الإلكتروني، الذي رغم أنه واجه العديد من المشكلات التقنية نتيجة الضغط المتزايد عليه للتسجيل، فقد نجح في التسجيل به مليون و200 ألف شخص.

لكن هذا العدد لا يقترب من الحجم الحقيقي، حيث تقدر الوزارة حجم العمالة غير المنتظمة غير المسجلة في مصر بنحو 10-12 مليون عامل، بحسب متحدث الوزارة هيثم سعد. من جانبه، فيما قدر الجهاز المركزي للإحصاء في آخر تقرير له عام 2019 عددهم بأكثر من أربعة ملايين عامل.

محمد وهب الله، وكيل لجنة القوى العاملة بالبرلمان، عّرف لـ «مدى مصر»  العمالة غير المنتظمة بأنها «كل من لا يعمل لدى الغير»، لافتًا إلى أنها تشمل عاملي الأسواق، الذين يحق لهم التسجيل في موقع الوزارة. وأشار وهب الله إلى أن الوزارة تراجع بيانات المسجلين الجدد أولًا بأول، وستنتهي خلال هذا الأسبوع من تنقيح بيانات معظم المتقدمين للتسجيل في قوائم الوزارة كعمالة غير منتظمة.

على جانب آخر، أعلنت وزارة التضامن مطلع الأسبوع الماضي ضم 60 ألف أسرة خلال شهرين لبرنامج «تكافل وكرامة» التي تديره الوزارة، ولكن العديد من المواطنين الأشد احتياجًا لا يستطيعون الاشتراك في المبادرة، لأسباب متعددة.

يمكن لـ«هبة» التسجيل في قوائم العمالة غير المنتظمة، لكنها لن تتمكن من الاستفادة ببرنامج «تكافل وكرامة». يحصل زوج هبة على معاش حكومي، ما يتنافى مع شروط الوزارة للاستفادة من المبادرة، رغم أن هبة وأبنائها الخمسة المسجلين في مراحل تعليمية مختلفة لا يستفيدون بالمعاش أو حتى نقاط التموين التي يستحوذ عليها والدهم، بعد انفصاله عن هبة والحياة في منزل منفصل. ورغم هذا لا تستطيع هبة طلب الطلاق: «مقدرش أقف في السوق وأنا مطلقة، وقفة السوق صعبة، بقول إني متجوزة وخلاص عشان أقدر أكمل».

للحصول على مساعدة، يمكن لـ «هبة» أن تلجأ لإحدى المؤسسات الخيرية التي بدأت في إطلاق مبادرات لدعم الأسر الأشد احتياجًا خلال الأزمة، مثل «مبادرة الخير» التي أطلقتها جمعية «رسالة» منذ أسبوعين، واشترك بها عدد من الممثلين والرياضيين، لتوصيل مساعدات عينية للمنازل عن طريق المتطوعين.

كما أطلقت مؤسسة «صناع الحياة» مبادرة خاصة بالعمالة اليومية والأسر تحت خط الفقر المتضررة من الإجراءات الاحترازية للحكومة، عن طريق تنفيذ شبكة دفع إلكتروني شبيهة لشبكات التموين، وتوفير أكواد يستبدلها المستفيدون بسلع تموينية ومبالغ مالية ومبلغ مخصص لمستحضرات النظافة الشخصية والمطهرات من أكثر من 53 ألف منفذ داخل المحافظات من ضمنها منافذ التموين.

المبادرة التي انطلقت الأسبوع الماضي بحسب موقع المؤسسة، تعد مبادرة آمنة تماشيًا مع تعليمات منظمة الصحة العالمية بالتباعد الاجتماعى لضمان سلامة وأمن المتطوعين والمستهدفين.

في انتظار هذه الحلول، تستمر «أم آية» في مكانها بجانب أحد المعاهد الأزهرية بالمنصورة، لتبيع منتجاتها من السمن والجبن، رغم اختفاء زبائنها من العاملين بالمعهد بعد قرار تعطيل الدراسة. «رجعت بحاجتي كلها امبارح»، تقول «أم آية». لكن، ورغم ضيق الحال الذي سببه الوضع الحالى، إلا أن هذه الإجراءات هي أفضل حل للحفاظ على حياتها وحياة أفراد عائلتها في ظل تدني خدمات المستشفيات في مصر، بحسب رأيها.

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن