ماذا لو تأخر العلم في قتل «كورونا»؟

في العاصمة الموريتانية نواكشوط، تطوع الشيخ يحظيه ولد داهي، قبل أيام، بتقديم خدماته لوزارة صحة بلاده ومنظمة الصحة العالمية من أجل «دحر كورونا» وتحصين المجتمع البشري من خطره، وخاطبهم وأكد لهم أن العلاج الوحيد لهذا الفيروس هو «كلام الله.. فالفيروسات أغلبهم من الجن».

الآلاف من سكان بلاد الشنقيط تفاعلت مع دعوة الشيخ داهي، الذي عُرف عنه أنه يعالج الأمراض بـ«القرآن والسنة النبوية»، كما تفاعلت مع غيره من المعالجين الشعبيين، فعدم الوصول إلى لقاح أو علاج لـ«كيوفيد 19» حتى هذه اللحظة، أعاد العديد من فئات المجتمع الموريتاني إلى صيدلية الأولين بما تحويه من وصفات وخلطات في التعامل مع الأوبئة.

«نحن قادرون بإذن الله على مواجهة أي مرض»، انتشرت تلك العبارة على حسابات موريتانيين بمواقع التواصل الاجتماعي، وبثت وسائل إعلام موريتانية العديد من التقارير عن المستودع الدوائي الشعبي لمواجهة «كورونا»، تضمنت خلطات عجيبة وأدعية مأثورة، أطرفها ما تم تداوله عن ذلك «المرق المصنوع من الدجاج مع القليل من الفلفل، تُقرأ عليه آيات الشفاء فيملأ الخياشيم بمادة تقتل أخطر فيروس ولو كان كوفيد 19، بقرونه اللاصقة وتكاثره المريع».

آخر ما دوّنه الشيخ داهي في هذا الصدد كان سلسلة ومضات غريبة منها «فيروس كورونا جند من جنود الله يرسله على من تجبر وعصاه انتقاما، وعلاجه الوحيد كلام الله والفيروسات أغلبهم من الجن»، وفي تدوينة أخرى كتب «بشرى للجميع، حسب دراستنا المعمقة، فإن الوضوء خمس مرات يوميا يخفض حرارة كوروناهم».

سبق لهذا الشيخ الإعلان أن «كورونا يُعالج بالرقية الشرعية عند أحباب الرسول في تنسويلم -حي يقع شرق العاصمة نواكشوط- ولا داعي للقلق ومستعدون للذهاب إلى الصين». وحول طبيعة العلاج، قال داهي «نعم نعالجه بإذن الله تعالى بالقرآن الكريم، وعشبة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها تعالج أمراضا مستعصية عدة».

ليس داهي وحده الذي أعلن عن الوصول إلى دواء من صيدلية السلف للفيروس الجديد، بل ذهب نفس المذهب العديد من القادة الدينين والروحيين ببلاد الشرق، التف حولهم الملايين، وتفاعلوا مع وصفاتهم باعتبارها الخلاص مما ابتليت به البشرية.

عجز معامل الأبحاث والعلم الحديث عن الوصول إلى لقاح أو علاج للفيروس الذي اجتاح البشرية في الشهور الثلاثة الأخيرة، أحيا معتقدات ووصفات ومأثورات في دول العالم الثالث، كانت معظم شعوبه قد ودعتها قبل عقود، بعد أن قنعوا بأن التعليم والعلم هما سبيل الخلاص والتقدم.

في العاصمة الهندية نيودلهي، أوقد أعضاء منظمة «هندوماهسابها» الهندوسية النار في طقس دُعي إليه العديد من أبناء الطائفة «شربوا بول البقر في أقداح خزفية وهم على يقين أنه سوف يقيهم من فيروس كورونا».

يعتقد الكثير من أتباع الطائفة الهندوسية أن البقر مقدس، ويرى بعضهم بحسب ما ورثوه عن أسلافهم أن بول البقر علاج ناجع للأمراض، هذا التقليد كان قد انحسر منذ فترة، وأصبح الهندوس حتى البسطاء منهم يتجهون إلى المشافي والصيدليات للتداوي، إلا أنه عاد للظهور وبشكل علني وجماعي قبل أسبوعين في أحد ميادين نيودلهي «مَن يشرب بول البقر يَبرأ ويَسلم من الأسقام»، قالها أحد المتطوعين لمراسل وكالة «فرانس برس» وهو يطوف على الحضور بأقداح العلاج في تجمع هندوسي.

في مطلع الشهر تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لزوار ومصلين شيعة يقبّلون الأضرحة ويلعقون عتبات المراقد المقدسة في مدينة قُم الإيرانية، بعضهم يظن أنه يحصن نفسه من هذا الوباء الذي حصد نحو 2000 روح في الجمهورية الإسلامية، والبعض أراد إثبات أن قضبان الأضرحة والمراقد لا تسبب العدوى كما روجت وسائل الإعلام، «الكثير من الناس نشروا أكاذيب بأن هذه النوافذ ملوثة بفيروس كورونا، ونحن هنا حتى لا يسلبوا منا ديننا، إيماننا أقوى من الكورونا»، قالها أحد الزوار بانفعال في مقطع فيديو متداول.

لم تكن مسيرة بعض أهالي الإسكندرية لمواجهة كورونا قبل أيام، ببعيدة عما جرى في موريتانيا والهند وإيران، خرج السكندريون في ليلة مظلمة يُكبّرون ويهللون ويتضرعون إلى الله لرفع «بلاء الكورونا»، هاتفين «لا إله إلا الله كورونا عدو الله»، وهو ما عرضهم لموجات من السخرية والاستهجان على مواقع التواصل الاجتماعي، ذات السخرية تعرض لها الأنبا يؤنس أسقف أسيوط، الذي خالف قرار البابا تواضروس بمنع الصلاة في الكنائس، وجمع عددًا من أبناء كنيسته في عظة قال فيها: «لو صلينا من قلبنا كورونا.. مش هيقرب مننا»، مطالبًا الجموع بالترديد خلفه.

مسلمو الإسكندرية ومسيحيو أسيوط، كغيرهم من أبناء إثنيات وديانات أخرى بالعالم الثالث، شعروا أن العلم خذلهم، ووجدوا من يعزز تلك الفرضية، سواء من قادة سياسيين لم يفعلوا شيئًا سوى فرض إجراءات احترازية لمنع العدوى، والظهور أمام وسائل الإعلام لترهيبهم من الكارثة التي تحيق بهم، أو علماء ومعامل أبحاث كبرى لا زالت تسابق الوقت للوصول إلى تركيبة تقضي على الوباء، لكنها لم تنجح بعد.

لجأ هؤلاء إلى القادة الروحيين، فأعادوهم إلى خبرات الأجيال السالفة في التداوي والتحصين، من أعشاب ورُقيات شرعية وماء مقدس وبول أبل وأبقار، لإنقاذهم من داء مجهول حل على البشرية قبل ثلاثة شهور، ولا يعلم الأفراد كيفية التعامل معه ومع تبعاته.

قد تبدو تلك الطريقة متخلفة وتنسف مسارات العلم الحديث التي ترسخت في العالم منذ عقود، إلا أنها تبعث على الطمأنينة الفردية، فالهروب من مواجهة المجهول إلى مساحات اللامعقول قد تُسكن الإحساس بالقلق والرهبة والتوتر، وتشعر الفرد بحالة من حالات التوازن الداخلي المؤقت، حتى يقضي الله أمره.

عندما تتحكم مشاعر الخوف والرهبة، ترتد المجتمعات على ما آمنت به من أدوات الحضارة والعلم، وعندما يصبح الأمل في مواجهة كارثة بيئية معدوم، يتجه الناس، خاصة أصحاب الحضارات الشرقية القديمة إلى حلول غيبية وظنية، فتنقلب كل المعادلات وتتبدل الطبائع والعادات، ويقبل البشر على أشياء وأفعال كانوا يظنون أنهم طووا صفحتها قبل عقود، وهو ما يحدث حولنا الآن.

قبل أن يصل العالم إلى لقاحات للأوبئة، وقبل انتشار وسائل الإعلام والتواصل التي كسرت الحواجز والحدود بين دول العالم، كانت الجماعات البشرية خاصة في العالم الثالث تنسحب وتتقوقع على ذاتها كنوع من أنواع الدفاع الذاتي ضد أخطار الطبيعة، بحسب ما أورده الدكتور مصطفى حجازي، الباحث اللبناني المتخصص في علم النفس الاجتماعي في كتابه «التخلف الاجتماعي.. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور»، والذي يتناول فيه الأساليب الدفاعية التي تلجأ إليها مجتمعات العالم الثالث في مواجهة التسلط والأزمات وأخطار الطبيعة.

يرى حجازي أنه عندما يتسلط على مجتمعات العالم الثالث الخوف من التعرض للأذى، تبدأ في عملية الرفض النشط لقيم ورموز وأسلوب الحياة القائمة، «حتى تتعزز قدرتها الدفاعية يصل هذا الرفض إلى حد التمسك الشديد بالجماعة وتراثها، وبذلك تتدعم التقاليد وتقوى شوكة دعوة العودة إلى الماضي».

«يضاف إلى دعوة العودة إلى الماضي ميل للذوبان في الجماعة المرجعية لدرجة تزول معها الفردية بشكل شبه كامل، وتأمينًا ضد أخطار الطبيعة وأذى المتسلط، يجد الإنسان المقهور في هذا الذوبان حماية له، كما يجد فيه ضمانة للغد وللذرية من خلال نظام خاص من المشاركة والتعاضد»،  يضيف حجازي.

ويعتقد أن توجه بعض المجتمعات نحو الماضي، وتمسكها بالتقاليد والأعراف بدلًا من التصدي للحاضر والتطلع إلى المستقبل، يأتي في إطار شعورها بالعجز عن مجابهة الطبيعة أو المتسلطين على اختلاف فئاتهم ومراتبهم.

ووصف المفكر اللبناني المرموق هذه الحالة بـ«السلفية» التي تُشيع بشقيها «الرضوخ إلى التقاليد والأعراف»، و«الاحتماء بالماضي وأمجاده»، بمقدار درجة القهر التي تمارس على إنسان العالم المتخلف، وبمقدار إحساسه بالعجز والضعف والغلبة على أمره إزاء غوائل الطبيعة وعنت المتسلطين، «هي لذلك آلية دفاعية إزاء تحديات لا قِبل له بها، تشل مبادراته في الحاضر وتسد أمامه آفاق الخلاص المستقبلي».

هذه الوظيفة الدفاعية قد لا تبدو على السطح بشكل واضح في فترات السكون الاجتماعي، وبالتالي قد يبدو من المستغرب لأول وهلة القول بوظيفة كهذه، ولكن عندما يتعرض إنسان العالم الثالث لغزو متسلط خارجي يرمي بكل ثقله للسيطرة عليه، وعندما يشعر أن هذا الغزو كقوة جارفة لا قبل له بمجابهتها وإيقاف اجتياحها لأرضه وكيانه وتراثه ورزقه، تبرز السلفية بوضوح كوسيلة حماية من خلال الانكفاء على الذات والرجوع إلى الماضي التليد بكل ما فيه من عادات وتقاليد. بحسب ما أورد حجازي في كتابه السالف الإشارة إليه.

شيء من هذا يحدث في مجتمعاتنا الشرقية الآن، شعور بعض جماعات وشعوب المشرق من أدناه إلى أقصاه بالعجز عن مواجهة العدو المجهول ومجابهته، دفعهم إلى الكفر بمفردات الحاضر التي تسللت إليهم من الدول الأكثر تمدينًا وتحضرًا، فاستحضروا الماضي كآلية دفاعية، ولجأوا إلى ما كان بعضهم يعتبره خرافات، ليس كل المجتمعات بالطبع، لكن الظاهرة لا تزال في بداياتها، ومع تأخر وصول أهل العلم إلى لقاح وعلاج لـ«كوفيد 19»، قد تتحول الظواهر المحدودة التي رُصدت في موريتانيا والمغرب ومصر وإيران والهند وغيرها، إلى حالة عامة.

قد كانت مخاوف نخب مجتمعاتنا تقف عند حدود عدم إدراكنا لركب التقدم والحضارة الغربية وبطء حركة تقدمنا العلمي والتكنولوجي إلى الأمام، واصطدام محاولات تأسيس الدولة المدنية الحديثة بتسلط الأنظمة الحاكمة، الآن طرأت مخاوف أكثر خطورة من محاولات البعض جذب مجتمعاتنا إلى الخلف، فبدلًا من تغليب العلم والمنطق في تفسير الظواهر القائمة والمستحدثة، نعود مرة أخرى إلى تفسيرات العصور الوسطى، حين حكم المماليك والعثمانيين لبلادنا، فتفسر الأوبئة القديمة والمستحدثة مرة على أنها عقوبة آلهية، وأخرى بأنها جند من جنود الله ينزله على عباده العصاة، وثالثة باعتبارها وخز من الجن، أو مس من الشيطان.

نظرية حجازي، التي خص بها مجتمعات وصفها بـ«المتخلفة»، وحديثه عن انكفاء جماعات العالم الثالث على ذاتها وعودتها إلى الماضي التليد كآلية دفاعية في مواجهة قوة جارفة مجهولة، قد يشمل بعد فترة دول ما يسمى بالعالم الأول لو لم تصل معامل تلك الدول إلى حل علمي يحاصر الوباء المستجد. هي إذن مسألة وقت حتى تستدعي جماعات العالم المتقدم أساليب ما قبل عصر النهضة، ساعتها وجه العالم كله قد يتغير.

بالطبع الكلام في مجمله افتراضي، دعونا ننتظر ونرى.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن